تحميل رواية ضروب العشق بقلم ندى محمود توفيق pdf
بقلم ندى محمود توفيق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
هناك بعض الأقاويل التي تصف العشق على أنه "ثقة". ولكن في حال انقشعت الثقة وانحلّت الخيانة والغدر والكذب محلها، فسينقشع معها مفهوم العشق على أنه ثقة، ويصبح يمثل بالنسبة لهم ما هو إلا تلاعب بالمشاعر كدمية على مسرح يحركها صانعها كما يشاء. فتذوق طعم الغدر يماثل السم الذي لا تشعر بمذاقه حين يقدم لك في صحن طعام شهي، ولكنه يسري في جسدك وأعضائك فيدمرها ويجعل نهايتك الموت. "ملاذ" كانت كامنة في مضجعها تضم ساقيها إلى صدرها، تحملق أمامها في اللاشيء بشرود. وكل دقيقة تسترجع لحظة اكتشافها لخيانته القذرة، وكيف أ...
رواية ضروب العشق الفصل الأول 1 - بقلم ندى محمود توفيق
هناك بعض الأقاويل التي تصف العشق على أنه "ثقة".
ولكن في حال انقشعت الثقة وانحلّت الخيانة والغدر والكذب محلها، فسينقشع معها مفهوم العشق على أنه ثقة، ويصبح يمثل بالنسبة لهم ما هو إلا تلاعب بالمشاعر كدمية على مسرح يحركها صانعها كما يشاء.
فتذوق طعم الغدر يماثل السم الذي لا تشعر بمذاقه حين يقدم لك في صحن طعام شهي، ولكنه يسري في جسدك وأعضائك فيدمرها ويجعل نهايتك الموت.
"ملاذ"
كانت كامنة في مضجعها تضم ساقيها إلى صدرها، تحملق أمامها في اللاشيء بشرود. وكل دقيقة تسترجع لحظة اكتشافها لخيانته القذرة، وكيف أن هذا الشعور لا يزال يمزقها حتى الآن. فقد كان متبقيًا على زواجهم شهر فقط. من أين جاءته كل هذه القسوة ليفعل بها هكذا؟ ورغم خداعه لها يحاول العودة. وتحاوطها الذكريات المؤلمة من كل الجهات وتتناثر في الهواء كتراب هبت عاصفة قوية ففرقته. ومن جهة ذكرياتها السعيدة وعشقها له الذي يشعل النيران في صدرها ويأكلها حتى النهاية.
لا تنسي وصف الجميع لها بالفتاة الفاتنة التي أخذت قلوب الرجال خلسة بابتسامتها التي رسمت كلوحة فنان ووضع لمسته عليها من الجانبين "غمازتين". وعيناها التي تأخذ لون البحر تمثل طلاسم خطيرة تسقطك في سحرها الأبدي. شعرها الذي يميل للبني الغامق مع نعومة تشبه نعومة الحرير الأصلي.
طرق خفيف على الباب سمعته ولم تبالي للرد على الطارق، والذي دخل فورًا بعد طرقه، وكانت والدتها التي جلست بجوارها هاتفة بضيق بسيط:
"هتقعدي لغاية إمتى كدا ياملاذ؟"
نظرت لها بانكسار ولم تجب، وتولت دموعها الدور في التحدث. فملست أمها على شعرها قائلة بأعين دافئة ومشفقة وهي تجيبها بشيء من الحدة:
"ميستهلش كل زعلك ده عليه. ده حيوان ولا يسوى!"
خرج همسها الضعيف والعاجز المختلط بصوت دموعها:
"أعمل إيه ياماما بحبه؟"
أجابتها في سخط بسيط:
"بتحبيه إيه! لا أنا ولا أبوكي كنا موافقين عليه أساسًا وإنتي اللي صممتي اكمنك بتحبيه واحنا وافقنا وأهو إيه اللي حصل."
نظرت أمامها تحدق بفراغ وتهمس بصوت مزقه الألم:
"لغاية دلوقتي مش متخيلة إزاي عمل فيا كدا. إزاي يخوني وأنا اللي كنت بثق فيه أكتر من نفسي. لحد اللحظة دي وأنا مش مستوعبة اللي حصل وبقول أنا أكيد في كابوس وهصحى."
قبضت على ذراعها بشيء من الحدة واللين هاتفة بصرامة:
"لا إنتي مش كابوس ياملاذ دي الحقيقة. فوقي وانسيه وبصي لحياتك إنتي لسه صغيرة وألف من يتمناكِ. اللي زيك ده يابنتي ميستهلش غير الكره. ميستهلش حبك النقي والصافي ليه لإن ميعرفش معنى الكلمة دي أساسًا."
ثم اقتربت من شعرها الحريري وقبلته مغمغمة بحنان أمومي وصوت رقيق:
"يلا قومي ياحبيبتي اغسلي وشك وصلي وتعالي برا عشان الغدا جاهز وأنا وأبوكي مستنينك."
همت بأن تعترض فرأت قسمات تنم عن رفضها القاطع لاعتراضها، فأومأت لها بالإيجاب في استسلام ووجه خالي من التعابير.
***
هناك البعض لا يعترفون بهذه الأقاويل التي تصف العشق، ولا يعترفون بالعشق ذاته. يرونه سمة مشاعر تافهة ومخادعة تدخل القلب فتلوثه. يفضلون العيش خالي الوفاض ويستخدمون مقولة جورج برنارد شو: "العربة الفارغة أكثر جلبة من الممتلئة".
الحياة متعة يجب أن تعيشها كما يجب، ولا مانع من تجربة متعة النساء وكأس ڤودكا. هذا هو مبدأ البعض في الحياة. متعة وفتيات وسهرات.
"حسن"
الشاب الذي بلغ نصف عقده الثالث. يمتلك عينان ثاقبة بقدر دهائها. وقسمات وجهه الصارمة تعطيه طابع يختلف عن شخصيته الحقيقية المرحة والمحبة للحياة. لا يزال يتذكر عشقه الأول الذي يراه الآن مصدر لتلوثات قلبه. يرجع بشريط الفيلم الأسود للخلف ويعيد مشاهدة كيف خدعته بعد أن كانوا على عتبة الارتباط الحقيقية وفاجأته بقولها أنها تمت خطبتها على رجل غيره. ثم يتقدم قليلًا بالشريط ليرى محاولاته معها بأن تتراجع ويمطرها بوعوده لها بأنها ستكون زوجته بالقريب العاجل. كانت وعود صادقة وكان هو على أتم الاستعداد لتنفيذها، ولكن جوابها أوقف دقات الساعة عند هذه اللحظة: "حسن أنا أساسًا محبتكيش عايز الحقيقة، إنت كنت مغفل وأنا كنت بستغل إنك من عيلة حسب ونسب ومعاكم فلوس واغنيا وقولت مفيش مشكلة لو اتجوزتك وعيشت معاك بس لما جاتلي الفرصة دي ولقيت واحد ممكن يحققلي كل اللي نفسي فيه بجد مقدرتش أرفضه وحاجتك اللي جبتهالي كلها طول فترة علاقتنا أهي ابقى اديها لبنت الحلال اللي هتكون من نصيبك". تلك الكلمات لا يزال أثرها في نفسه حتى الآن رغم مرور سنتين على انفصالهم. ولكن نعتها له بالمغفل يتردد في أذنه كل دقيقة، ومع الوقت أدرك أنه كان مغفلًا حقًا.
كان قد غاص في ذكرياته تمامًا ونسي أنه يقود السيارة لولا صرخة تلك الجالسة بجانبه "ابنة عمه" وهي تصيح به لينحرف قبل أن يصطدم بإحدى السيارات!
"إيه ياحسن حرام عليك هو أنا ناقصة خضة!"
قالتها وهي تلهث من فعل الخضة. ليمسح هو على وجهه ويقول معتذرًا:
"معلش يا يسر سرحت شوية. إنتي كويسة؟"
أومأت له بالإيجاب وسط نظراتها الدقيقة لملامحه. فخمنت فورًا فيما كان شاردًا. لتلتهب نيران الغيرة بداخلها ولكنها لا تمتلك الحق للحديث معه في شيء كهذا واكتفت بقوله المختنق لعلمها جيدًا أنه جاء ليأخذها مغلوبًا على أمره:
"أنا اللي آسفة أزعجتك ياحسن بيه. مكنش لازم يعني تيجي وتاخدني أنا كنت هروح وحدي."
طالعها بطرف عينه بعد أن لمس الاستهزاء في نبرتها وقرر هو الآخر أن يحدثها بنفس طريقتها:
"والله أنا كمان ده كان رأيي بس نعمل إيه بقى في مرات عمك هي اللي أصرت إني آجي آخدك بما إنكم معزومين عندنا النهاردة."
أشاحت بوجهها بعيدًا عنه وهي تضغط على كفها بقوة مغتاظة فهي تعرف أنه لا يستلطفها بتاتًا ولكن لا يمكنه أن يكون بكل هذه الوقاحة. وهمست بصوت خفيض متوعدة بغل:
"ماشي ياحسن وحياة أمي لأوريك يسر ممكن تعمل إيه فيك. عشان تبطل غرورك ده."
"نعم بتقولي حاجة؟"
عادت بنظرها له ورسمت ابتسامة مزيفة على شفتيها وهي تجيبه بمضض:
"لا أبدًا بقول فيها الخير مرات عمي."
"أممممم"
كان باردًا للحد الذي جعلها كتلة نيران متوهجة تود خنقه بيديها. ياله من عديم إحساس ولا يدري شيئًا عن الذوق والاحترام ولكنها في القريب العاجل ستلقنه الدرس الذي يستحقه وستأخذ انتقامها منه!
"يسر"
تؤمن بالمقولة التي تصف العشق على أنه "يقود للجنون". فيدفعك لأفعال تؤدي بك للهلاك. استفاق من شروده على صوت السكرتيرة الخاصة بمكتبه وهي تهتف بمياعة واضعة كوب القهوة أمامه على سطح المكتب:
_ القهوة ياكرم بيه!
تحاشى النظر إليها وتصنع الانشغال بالأوراق التي أمامه هاتفا بصوت رجولي خشن:
_ تمام شكرا ياريم.. زين جه ولا لسا؟
أجابت بنبرة أنوثية مغرية تحاول بكل الطرق لكي تلفت انتباه هذا الخجول لها، الذي لا يمكن لامرأة أن ترفض نظرة من عيناه الرمادية الطيبة، رجل كهذا يمثل فتى أحلام الفتيات كيف لأنثى مهما كانت أن تقاومه:
_ جه يافندم.
لا يمكن مرور الأمر بهذه اللطافة منه، فهناك البعض يتطلب أن يخلع رداء اللطافة والرقة واللين أمامهم ويظهر لهم عن حقيقته العصبية والمرعبة، فرفع نظره لها بشراسة وهتف بصرامة أربكتها:
_ اتفضلي على شغلك يا آنسة وخليكي فاكرة إن هنا مكان شغل هااا، ميغركيش وشي عشان لو شفتيه على حقيقته هتكرهيني بجد.
انتصبت في وقفتها والتفتت وغادرت بتوتر وخوف هامسة لنفسها باستنكار وخنق:
_ يعني هو لا منك ولا من أخوك الشيخ، واحد مبيرفعش عينه في واحدة اكمنه بيتكسف والتاني ناقص يلبسنا كلنا خمارات ويقلب الشركة مركز تحفيظ قرآن.
"زين"
مفهوم العشق بالنسبة له يتمثل في "الإخلاص" الخالي من الغدر والخداع، وبالرغم من كل شيء فهو يرى المرأة جوهرة يجب أن تعامل كما تستحق، فقسوة الرجال لا تظهر على النساء بل على الأعداء.
"زين" الابن الأكبر من بين أشقائه الثلاثة حيث بلغ بداية عقده الرابع (30 عام) من شهور، الذي يقضي أيامه بروتينيه مملة على عكس أشقائه.. ما بين العمل والمواظبة على الصلاة في المسجد وقراءة القرآن الكريم يوميا، وسط محاولات والدته أن يتزوج ولكنه يرفض بحجة أنه لا يريد فتاة من فتيات هذه الأيام، ويريدها على خلق ودين واحترام، حتى يسلم لها نفسه واسمه على طبق من ذهب ويكون واثق أنها ستحافظ عليها!
ولكن هل هناك إنسان لم يرتكب ذنوب في حياته؟ وهو أيضا لديه جانبه الأسود، وربما من الأفضل أن تبقى بعض القصص ناقصة إلى بعد حين!
جذب انتباهه دخول شقيقه وهو يقول بجدية:
_ إيه يازين اتأخرت كدا ليه النهردا أنا طلعت قبلك الصبح وقولت إنت هتيجي ورايا؟
أجابه بصوت منهك وضعيف:
_ أنا مكنتش هاجي أساسا ياكرم، من امبارح بليل تعبان بس قولت هقعد في البيت أعمل إيه.. الحمدلله دلوقتي بقيت أحسن.
اقترب وجلس على المقعد المقابل له وهو يهتف بضيق:
_ ولسه بليل كمان هو يوم مش فايت أساسا!
_ يعني هي أول مرة ياكرم ماهو من حياة بابا الله يرحمه كنا متعودين إننا في عيد الفطر بنعزم العيلة كلها واللي أخرها المرة دي المشاكل اللي كانت حاصلة.
هتف مختنقا بنفاذ صبر:
_ الواحد النهردا ملوش خلق لأي حاجة مش أنه يقعد مع العيلة أصلا.
لم يجبه بل كان صامتا يحدق في اللاشيء بشرود فيغمغم كرم بحدة ممزوجة بالاشفاق:
_ كفاية يازين الموضوع ده عدى عليه عشر سنين وإنت لسا زي ما إنت مش قادر تنساه.
نظر له وقال بصرامة شديدة وإصرار:
_ لأن ضميري مش مرتاح ومش هيرتاح غير لما أكفر عن ذنبي.. أنا ليا عشر سنين بكفر عن ذنب بالصلاة والاستغفار وبطلب من ربنا العفو والمغفرة والذنب التاني مش عارف أكفر عنه بس قريب أوي إن شاء الله.
تنهد الصعداء بيأس وقرر تغيير مجرى الحديث حيث قال بتذكر:
_ هو حسن فين؟
تغيرت ملامحه عند ذكر شقيقهم الصغير وصاح منفعلًا:
_ متجبليش سيرته، البيه طلع مقضيها شرب وسهر وقذارة من فترة واحنا منعرفش حاجة.. ولما حاولت اتكلم معاه واعقله مفيش فايدة منه، بس اقسم بالله لو استمر في اللي بيعمله ده ما هيقعد في البيت يوم واحد تاني.
ابتسم بعذوبة وتمتم برزانة وثقة:
_ سبهولي أنا بعرف اتعامل معاه، هدى نفسك ياوحش بس.
***
لا بأس في مقولة نزار قباني عن العشق (قلوبنا لا تختار من العشق إلا أصعبه!). فيخوضنا لحروبنا مع أنفسنا قد نخرج منها بهزيمة ساحقة.. ويبدأ بخيالات ترتفع بنا للنجوم ثم يتركنا في الأعلى فنسقط من النجوم للأرض في لمح البصر.
"شفق"
تلك الشابة الجميلة التي في نهاية عقدها الثاني.. يتهاتف الشباب عليها لجمالها المغري! تمتلك قامة قصيرة بعض الشيء وجسد متناسق، عينان بندقيتان واسعتان يلمعان في ضوء النهار، وبشرة بيضاء ناصعة مع ابتسامة ساحرية.. وفوق كل هذا الجمال، يشهد الجميع لها بشفق الفتاة المهذبة والخلوقة التي نجحت عائلتها الصغيرة في تربيتها تربية صالحة وصحيحة.
ولكن أصابتها لعنة العشق، عشق صعب المنال بعض الشيء.. فتعاني في صراع بين دوافعها الداخلية التي تعشق ودافعها الخارجية التي تمنعها من كل شيء ليس مباح في مجتمعنا وديننا، فبقيت تعاني من الشوق داخلها دون الإفصاح لأي شخص.. وترفض كل شيء بإمكانه أن يخل بسمعة عائلتها ويجعل أخيها مطرقا رأسه في خزي.
داخل مقر جامعة الهندسة.....
تجلس بجانب صديقتها فتقطع الصمت هاتفة:
_ عملتي إيه مع عمر؟
أجابتها شفق بأسى بعد ذكره أمامها:
_ لسا زي ما هو بيحاول يكلمني وأنا رافضة إمبارح كلمني وقولتله اللي المفروض يتقال وإنه لو فعلا عايزاني ياخد رقم أخويا ويتكلم معاه غير كدا مفيش حاجة بينا.
تأججت نيران الغيرة في أعشاش صديقتها، فهي لا تعرف سبب تمسك ذلك الأحمق بهذه الساذجة، وتخبرها بكل بساطة أنها تريد ارتباطهم الرسمي.. يجب عليها أن تقتلها أولا حتى تحدث هذه التفاهات!
***
في المساء......
داخل قسم الشرطة يحتسى كل منهم قهوته في صمت تام وبعد دقائق يقرر كرم أن يخترق فقاعة الصمت قائلًا بتريث:
_ وصلت لحاجة يا سيف ولا لسا؟
قال بخيبة أمل:
_ للأسف لسا إنت عارف إن من ساعة اللي حصل والواد ده مختفي بس هيروح من البوليس فين مسيرنا هنجيبه.
رمقه بنظرة نارية وهتف بصوت مريب قليلًا:
_ سيف إنت قولت هتساعدني وأنا وافقت يبقى كل اللي عليك تساعدني اوصله والباقي عليا أنا، ومتقلقش لما اقتله واشفي غليلي وإنت تطبق عليا القانون مش هزعل منك.
تأفف الآخر بغضب هادر وهو يصيح به بنبرة مرتفعة:
_ إنت دماغك دي فين؟ عايز تقتله وتضيع نفسك عشان الحيوان ده يبقى إيه الفرق بينك وبينه كدا؟ بعدين أنا قولتلك هساعدك نوصله وياخد جزائه مش عشان اسلمه ليك وتقتله، بلاش جنان وأعقل ياكرم وفكر منطقية مراتك الله يرحمها خلاص مش هيبقى موت وخراب ديار.
ضرب بقبضة يده على سطح المكتب مغمغمًا بنبرة خافتة لا تدل على خير:
_ بيك أو منغيرك ياسيف هوصله وهاخد حق مراتي بإيدي.
أخذ يزفر النيران من فمه مغتاظًا من هذا العنيد وقرر أن يغير مجرى الحديث حتى لا ينفعل عليه كالعادة ويهتف برزانة:
_ طيب خلاص ياصاحبي اهدى وسيبك من الموضوع ده دلوقتي.. إيه الأخبار معاك؟
_ تمام الحمدلله.. صحيح عاملة إيه والدتك؟
أجابه مبتسمًا بمداعبة عند ذكر أمه:
_ زي الفل، أنا بشك إن إنت اللي ابنها مش أنا ياراجل دي بتدعيلك أكتر ما بتدعيلي، نفسي أفهم إيه سر حبها فيك للدرجة دي!
بادله الابتسامة ولكنها كانت ابتسامة صافية شبه خجلة على عادته وهو يجيبه باحترام:
_ والله ربنا يعلم ياسيف أمك دي معزتها في معزة أمي بالظبط، ربنا يخليها ليكم يارب.
_ آمين.. آه قبل ما انسى سيادتك معزوم عندنا بكرا ومفيش أعذار لإن الست الوالدة مبتقبلش بأعذار لما يكون الموضوع يخصك، ولعلمك بكرا في وليمة من اللي يحبها قلبك قعدت تسألني هو بيحب إيه في الأكل وأنا اتوصيت بيك الصراحة.
قهقه بخفة وأجابه بالموافقة في هدوء:
_ ماشي يا سيف هاجي إن شاء الله، بس قولها ملوش لزوم تتعب نفسها أنا هاجي بس عشان مزعلهاش.
ربما هو يجهل سبب حب الجميع له ولكن أفعاله واحترامه يجبر كل من يراه على احترامه وتقديره.
***
داخل منزل عائلة العمايري الذي يتكون من طابقين تحيط به حديقة كبيرة بعض الشيء كانت العائلة متجمعة في الحديقة يتبادلون الأحاديث والمرح والضحك، ولكن كان التجمع العائلي ناقصا بعض الأفراد.
هتف طاهر بتساؤل محدثًا ابن أخيه الكبير:
_ امال فين كرم يازين؟
صمت قليلًا وهو يتذكر طلب أخيه منه أن يتحجج لهم بأي شيء، فهو ليس في وضع يسمح له بمقابلة أحد وربما يقضي الليلة في منزله الذي كان يخطط للزواج فيه، فتنهد بعمق وتمتم مبتسمًا دون أن يكذب:
_ كرم والله ياعمي الفترة دي مضايق شوية وقالي اعتذر منكم بالنيابة عنه إنه مش هيقدر ياجي.
قطع حديثهم قدوم هذه الفتاة الشابة ابنة محمد العمايري الصغرى وهو تحمل الشاي على صينية كبيرة وتلف بها على أفراد العائلة كلها فيلتقط كل منهم كأسًا ويبدأ في احتسائه، حتى هتفت العمة الكبرى محدثة حسن بمشاكسة:
_ مش ناوي بقى تعقل ياحسن وتفرحنا بيك.
ابتسم لمشاكسة عمته وأجابها ضاحكًا:
_ هو مفيش غيري في العيلة ولا إيه ياجماعة؟ أنا الحمدلله مرتاح في حياة العزوبية.
لاحظ نظرات أخيه المشتعلة له فأشاح بوجهه وهو يتأفف بعد أن فهم سبب نظراته ولكن انسحاب فردًا من جلستهم وهو يبدو على ملامحه الاستياء، فأوقفتها أمها قائلة باستغراب:
_ رايحة فين يايسر؟
أجابت بقرف وهي تخطف نظرة نارية لحسن:
_ رايحة الحمام ياماما.
ثم اندفعت من أمامهم لداخل المنزل، فلم تتمكن من البقاء في هذه الجلسة العائلية بعد أن تم ذكر الزواج أمامها مجددًا وأعادوا لذاكرتها اللحظات من جديد عندما رفضها أمام الجميع، ومنذ هذه اللحظة تسأل نفسها هل هي قبيحة لهذه الدرجة الذي تجعله يرفضها رفضًا قاطعًا أمام كل أفراد العائلة.
اتجهت للمطبخ والتقطت كأسًا وسكبت الماء الباردة فيه ثم تناولتها دفعة واحدة لعلها تخفف من النيران المتأججة في قلبها، وإذا بها بعد دقائق تجده ينضم لها ويأخذ أحد أكواب الماء أيضا ويتمتم ببرود ونبرة غير مبالية بعد أن فهم سبب انسحابها من جلستهم:
_ أنا أكيد مكنش قصدي إني أرفضك قدام الكل زمان.. بس...
وضعت الكوب على الرخامة بقوة مما أصدر صوتًا هيأ له أنه انكسر وهتفت بحدة وحزم:
_ عن أذنك ياحسن!
همت بالالتفات والرحيل ولكنه قبض على ذراعها يرغمها على الوقوف هاتفا باعتذار بدا لها غير صادق، فقط يحاول أن يخلص ضميره من الذنب الذي ارتكبه في حقها:
_ أنا آسف لو اللي عملته لسا مأثر فيكي لغاية دلوقتي ومخليكي متعصبة مني، أنا قولتلك إني مكنش قصدي..
بابا الله يرحمه فاجأني مرة وأنا قاعدين، وأنا مكنتش بفكر في الجواز ولا زلت مبفكرش فيه.
نظرت ليده القابضة على ذراعها فابتسمت بسخرية وأبعدتها عنها برفق، ثم همست بصوت يشابه فحيح الأفعى:
"مأثر فيا! يبقى يؤسفني إني أقولك إنك متعرفش أي حاجة عني يا ابن عمي. أنا مش ببص ورايا، ببص قدامي بس. مبنساش اللي فات، فعشان كدا حاول تخلي تصرفاتك معايا بحدود، وإياك تكرر اللي عملته من شوية ده تاني. وإلا إنت اللي هتكون خسران، لإني زي ما قولتلك من شوية إنت متعرفنيش، فخليك حذر معايا."
ثم استدارت وانصرفت، تاركة إياه يحدق على آثارها بقرف وغطرسة، مغمغماً:
"بنت مقرفة بصحيح. والله خسارة فيكي الاعتذار أساساً. قال خليك حذر معايا، إنتي تطولي أصلاً لما المسك! وعاملة نفسها مش طيقاني وهي واقعة في دباديبي."
***
خرجت من الحمام وهي تنشف شعرها وترتدي ملابس المنزل خاصتها. تفكر فيما عرضته عليها والدتها صباح اليوم عن صديقة لها لديها ابن وتبحث له عن عروس، واختارتها هي العروس لابنها! كيف تدخل في علاقة جديدة وهي لا زالت لم تخرج من السابقة؟ لا يزال خطيبها السابق يعيش في أعماقها. ومع ذلك، أعطتها والدته الوقت الكافي للتفكير والرد دون تسرع، وأن تفكر بمصلحتها قبل كل شيء!
جذب انتباهها صوت هاتفها الذي لم يتوقف عن الرنين منذ أن كانت في الحمام. فالتقطته لتجيب على هذا الرقم المجهول:
"الوو مين؟"
تجمدت دماؤها عند سماعه صوته الذي لا تخطىء في تحديده من بين مائة رجل:
"ملاذ ابوس إيدك، ما تقفلي. إنتي فاهمة الموضوع غلط. أنا بحبك ومستحيل اخونك."
صاحت به باندفاع بعد أن انسالت الدموع على وجنتيها:
"كذاب يا أحمد. أنا شوفتك بعيني، محدش حكالي. وكل حاجة بينا انتهت خلاص. وإياك تفكر تتصل بيا تاني."
همت بأن تغلق الهاتف، ولكن صياحه المتوسل لها وهو يقول برجاء وندم مزيف:
"لا لا، متقفليش. طيب خليني اشوفك ونتكلم. وصدقيني لما تفهمي كل حاجة هتعرفي إنك ظلماني."
هتفت بقسوة من خلف جدار قلبها الذي يتحرق شوقاً لرؤيته وسماع صوته، ولكنها قررت أن تخبره بأمر العريس حتى تحرق قلبه كما حرق قلبها:
"مفيش كلام بينا. وأنا في عريس متقدملي وهوافق عليه. أظن من كدا فهمت إن كل حاجة انتهت. وصدقني لو اتصلت تاني هقول لإسلام واخليه هو يتصرف معاك."
ثم أنهت الاتصال دون أن تدع لنفسها فرصة لسماع أي توسلات مزيفة منه أخرى، وألقت بالهاتف على الفراش، ثم جثت على الأرض مستندة بظهرها على الحائط، تاركة لدموعها أن تنطلق بكل قوة لديها، حتى تخرج الألم الذي يشتد كل يوم وكل ساعة قبل أن يقتلها. ولكنها انتفضت عندما سمعت صوت طرق الباب وأخيه الذي يقول بلين:
"ملاذ ياحبيبتي، إنتي صاحية؟"
استقامت واقفة وجاهدت في إخراج صوتها طبيعياً وهي تسرع في تجفيف دموعها بواسطة حجابها الملقي على الفراش:
"صاحية يا إسلام، تعالي."
فتح الباب ببطء ثم دخل وهو يتعكز على عكازه الذي لم يفارقه منذ ما يقارب العشر سنوات بعد حادث تعرض له أدى إلى عجز في قدمه اليسرى. وبعد محاولات انتهت باليأس من أن يجدوا علاج لحالته، قبلوا جميعهم بالأمر الواقع، وهو يتصنع القبول من الخارج، ولكن من داخله يشعر بالنقص والعجز دائماً ويرفض إلحاح والدته في أن يتزوج، قائلاً لها بأسى وشجن: "اتجوّز إيه بس ياماما، وبعدين مين دي اللي هتقبل بواحد عاجز زيي؟"
عجزت هي عن المقاومة أمامه، حيث اندفعت نحوه وارتمت داخل أحضانها وصوت بكائها يرتفع أكثر فأكثر. فأسند هو عكازه على الحائط، ثم ضمها بذراع، وبالآخر أخذ يلمس على شعرها بحنو، هامساً بقلق:
"مالك ياملاذ؟"
"مليش يا إسلام. نفسيتي تعبانة بس."
تحامل على قدم واحدة حتى وصل إلى الفراش وجلس، مشيراً لها بيده أن تأتي بجواره. فلبت رغبته بصدر رحب وجلست بجواره، أو بالأخص بين ذراعيه، وتسمع همسه الذي اختلط بين اللين والحزم:
"الحيوان اللي زعلانة عليه ده ميستهلش تنزلي دمعة واحدة عشانه، سمعاني؟ وأنا لولا إنه أصلاً كان مجرد خطيبك، كنت خليتك تتفرجي على اللي هعمله فيه."
"عارفة يا إسلام إنه ميستهلش، بس كنت بحبه بجد. وآخر واحد كنت اتوقع منه الخيانة والغدر هو. لكن جات الخيانة منه للأسف. صدقني، غصب عني، مش بسهولة دي هقدر انسى الموضوع."
كانت تهمس بهذه الكلمات في أسى وصوت مبحوح، فباغتها هو يقوله الناعم:
"طيب فكرتي في العريس اللي قالتلك عليه ماما؟ أنا تقريباً شفته قبل كدا مرة واحدة، والصراحة كان باين عليه إنه محترم ومتدين وكويس أوي."
صمتت لبرهة وهي تفكر بحديثها مع خطيبها السابق منذ قليل، فتشتعل نيرانها مجدداً وتهتف حاسمة أمرها:
"ما أنا كنت هطلع أقول لماما إني موافقة اشوفه."
أبعدها عنه وقال باسمًا بسعادة:
"اطمني، أنا بضمنلك إن المرة دي ربنا مش هيخذلك وهيكون هو هدية ربنا ليكي."
تصنعت الاهتمام بكلامه وقالت بخفوت غير مبالي:
"إن شاء الله يكون كدا. أنا لسا هشوفه وبعدين هاخد القرار النهائي. وكمان هو يمكن أصلاً ميوافقش لما يشوفني مثلاً معجبوش أو كدا. يعني موضوع الجواز ده بيبقى معقد شوية لما يكون الاتنين ميعرفوش بعض."
أجابها بتأييد لكلامها وهو يهب واقفاً ويجذب عكازه:
"ربنا يقدم اللي فيه الخير ياحبيبتي. أنا هروح أنام بقى، ونامي إنتي كمان ومتفكريش في حاجة، ها؟"
أومأت له بابتسامة محبة لحنان أخيها عليها. فعشقها لأخيها وأبيها لن يتمكن رجل آخر من أن يحظى بنفس قدر عشقها لهم!
***
مع إشراقة شمس يوم جديد.. يوم سيشتمل على بدايات ونهايات!
كان جالساً أمام التلفاز يحتسي كأس الشاي الصباحي الخاص به بعد أن حضرته له والدته، والتي تجلس بجواره تشاهد معه التلفاز.
"هدى" التي يصفها أولادها بالمرأة صاحبة القلب الأبيض كبياض الثلج، تنعم بمعاملة طيبة وحنونة من جميع أولادها، وبالأخص من زين وكرم. أما حسن فلا يكتفي من المعاملة الطيبة كأشقائه، بل يعامل أمه كحبيبة له، يغازلها ويداعبها كلما يراها، وكأي أم مصرية عندما يزداد مزاحه وتغضب منه، يبدأ الشيء الذي في قدمها بالعمل، فيفر هو منها ضاحكاً قبل أن يلحق به سلاحها المؤلم!
بينما الجو هادئ تماماً، تلفتت حولها حتى تتأكد من عدم وجود زين، ثم اقتربت منه جداً وهتفت في صوت منخفض:
"واد يا حسن."
رمقها متعجباً وهتف باسمًا:
"إيه يا ست الكل، عايزة إيه؟ اشجيني بطلباتك."
"إنت عارف كرم فين؟"
هتف بعد أن عاد يرتشف من كأس الشاي:
"أيوة، مش زين قال إنه في شقته."
هتفت بانفعال بسيط وخوف جلي:
"وإنت صدقت الكلام ده؟ أنا خايفة ليكون لقي الواد اللي قتل مراته وبيخطط لحاجة. خايفة ليضيع نفسه ياحسن. مش عارفة ليه قلبي بيقولي إنه مش مخنوق ولا حاجة وراح يريح دماغه شوية زي ما قال لزين."
"طيب وأنا أعمله إيه يا أمي؟ ما إنتي عارفة ابنك. كلنا حاولنا معاه في موضوع مراته ده ومفيش فايدة فيه، وبتشوفي لما حد بيحاول يكلمه في الموضوع ده بيعمل إيه. والصراحة هو عنده حق، أنا لو مكانه مش هقتله، بس لا ده أنا هقطع لحمه نساير وارميها لكلاب السكك تنهش فيها."
تشاير الشر والغيظ من عينيها وهي تهتف بغضب عارم:
"وأنا قولت إنه معندوش حق. عنده حق طبعاً، والبنت اللي يرحمها لغاية دلوقتي لما بفتكرها قلبي بيتقطع عليها. بس أنا مش مستعدة اخسر ابني كمان. ومتنساش إن سيف ظابط وأكيد هيساعده."
هتف بنفاذ صبر وخنق شديد:
"وهو المفروض بقى مياخدش حقها يعني؟"
تلفتت حولها مجدداً، ثم عادت بنظرها من جديد له في صرامة، مغمغمة بصوت خفيض:
"وأنا كمان والله عايزة حقها يرجع لها، بس من غير خساير. ابوس إيدك ياحسن، أعمل حاجة. أنا متكلمتش مع زين عشان هو دماغه قفلت زي أخوه، ومش بعيد هو كمان يعمل في الواد حاجة لو وقع تحت إيده."
ضحك بخفة وقال مستنكراً:
"ده على أساس إن أنا اللي عاقل يعني ومش هعمل فيه حاجة!"
قالت بثقة تامة ويقين:
"أيوة، أنا عارفاك مش متهور زي أخواتك. عشان خاطري يابني، اعمل حاجة بدل ما يضيع نفسه المجنون ده."
صمت لبرهة من الوقت، ثم تمتم باستسلام:
"طيب ياماما، حاضر. هحاول أوصله أنا قبل كرم وهسلمه للبوليس، بس موعدكيش إنه يروح للبوليس سليم، لأن حتى أنا مش هرحمه لو وقع تحت إيدي ال**** ده. وربنا يستر بقى وابنك ميعرفش، عشان لو عرف مش بعيد يقتلني أنا."
قربت رأسه من شفتيها وقبلت شعره، هامسة بحنان أمومي ورضا:
"ربنا يرضى عنك ياحبيبي. ويريح قلبك زي ما ريحتني. أنا دايماً بقول حسن ابني اللي مبيرفضليش طلب!"
رفع حاجبه الأيسر قائلاً وهو يقهقه بقوة بسخرية:
"لا والله. ده على أساس إن في حد فينا أصلاً بيقدر يرفضلك طلب. ما كلنا مبنرفضلكيش طلب. بتثبتيني إنتي بالكلمتين دول يا لئيمة. ماشي يا دودو، هقبل الرشوة، بس في رشوة أكبر عايز الكفتة اللي بحبها النهاردة على الغدا."
"بس كدا، من عنيا!"
ازداد ضحكه وهو يضع كأس الشاي الذي انتهى على سطح المنضدة الصغيرة أمامه، ويستقيم، ثم ينحني ويقبل جبهتها ثم كفها، هامساً بحنو:
"ربنا يخليكي لينا ياست الكل."
ليقود خطواته باتجاه غرفته، فتتنهد هي بارتياح بعد أن شعرت بأن ثقلاً انزاح عن قلبها. فقد كان قلقها على ابنها يأكل صدرها أكلاً، خشية من أن يقحم نفسه في نازلة لن يستطيع الخروج منها سالماً كما كان.
***
خرج من الحمام بعد أن أخذ حمامه الصباحي المعتاد، ثم توجه لخزانته ليخرج ملابسه ويبدأ في الاستعداد للذهاب للعمل. وأثناء مروره من أمام المرآة، لفت نظره الندبة التي في يمين ظهره من الأعلى. فتجول بذهنه ذكريات ذلك اليوم المشؤوم، الذي نتيجة لتهوره وانعدام مسئوليته، فقد والده، وكان هو على حافة الموت، يكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة. وعندما عاد للحياة، كان مشلولاً! ظل لسنة كاملة يتجول بكرسي متحرك ويخضع لمختلف أنواع العلاج. وأخيراً، بعد عناء مع المرض، أعاده الله لحياته الطبيعية.
ولا يصف ما حدث معه في الماضي سوى عقاب من الله عن ذنوبه، الذي حتى الآن يبذل كل وسعه في أن يكفر عنها بكل السبل: صدقات وصلاة واستغفار ودعاء وزيارة بيت الله الحرام. فقد كان في غفلة وأفاقه الله من غفلته قبل فوات الأوان.
استفاق على طرق الباب، وهو يسمح للطارق بالدخول، التي كانت شقيقته البالغة من العمر (20 عاماً).
"رفيف" صغيرة هذا المنزل، وتمتلك مكانة متميزة ومختلفة في قلب كل واحد من أشقائها.
مثل كرم يصفها بأميرته الصغيرة، وزين ابنته، وحسن يراها صديقة له ربما لتقارب سنهم العمري.
"صباح الخير."
قالتها بابتسامة عذبة، فيجيبها هو بنفس ابتسامتها، ثم تكمل هي في نبرة عادية:
"لو خلصت تعالي يلا عشان ماما حضرت الفطار."
"لا أنا مش هفطر دلوقتي."
لاحظت تعبيرات وجهه المتضايقة والمحتقنة، فاقتربت منه وجلست بجواره مستندة بذراعها على كتفه، وهامسة بمشاكسة جميلة لمعرفتها بأنها تنجح في رسم ابتسامته عندما تتحدث معه على هذا النحو:
"إيه اللي مدايقك بس؟ على أنا فكرة مبحبش أشوف آبيه زعلان!"
نجحت بالفعل، حيث انحرفت شفتاه قليلاً لليسار، وأزاح يدها بنفاذ صبر محبب لقلبها، لتكمل هي مداعبتها ضاحكة وتعيد تكرار الكلمة التي رسمت الابتسامة على وجهه بطريقة مسرحية:
"أيوة آبيه! هي كلمة غريبة الصراحة فعلًا، بس ده ميمنعش إنك زي بابا اللي يرحمه بنسبالي يازين، وحتى لما كان بابا عايش أنا كنت بحس أني عندي اتنين مش واحد، ويعتبر إنت اللي ربيتني يعني.. ومش إنت كمان بتقولي دايمًا إني بنتك."
حدجها بنظرة أخوية دافئة وأبوية حانية، ثم انحني وقبّل شعرها برقة مغمغمًا بصدق:
"طبعًا بنتي.. وإنتي عارفة مكانتك عندي إزاي يارفيف."
سرعان ما تذكرت بعد لحظات ونكزته في كتفه بلطف هامسة بمكر:
"أيوة ياعم هتوقع واقف.. ماما لقيتلك عروسة قمر، بس إيه عسل بجد يازين، ومحترمة مؤدبة، أنا عارفاها أكمن مامتها صاحبة ماما فشوفتها كام مرة يعني على ضمانتي، ده حتى اسمها جميل."
تهجمت ملامحه وقال بجدية تامة وشيء من الغضب:
"عروسة إيه! هي أمك عملت اللي في دماغها برضوا؟!"
تعجبت من انفعاله، ولكنها حاولت أن تظل على طبيعتها المرحة وتهدأ من حدة الجو:
"الله في إيه يازين.. عايزين نفرح ونبل الشربات ياراجل، وإنت مش كنت بتتحجج إنك مش عايز تتجوز غير لما تلاقي وحدة كويسة وأهي ماما لقيتها."
ثم صمتت قليلًا عندما خمنت سبب انفعاله ورفضه الزواج، فلم تتمكن هي أيضًا من إخفاء سخطها واعتراضها على طريقة تفكيره الخاطئة، حيث هبت واقفة وقالت باستياء دون أن ترفع نبرة صوتها عليه:
"ولا إنت لسا بتفكر في اللي حصل زمان وهو ده اللي مخليك ترفض الجواز.. كفاية يازين إنت الحمدلله دلوقتي زي الفل ليه لسا بتفكر في اللي حصل؟ انسى وعيش حياتك، إنت معملتش حاجة بإرادتك، إنت كنت الضحية في كل حاجة حصلت، بلاش تفكر بالطريقة دي ارجوك."
ثم لملمت شتات غضبها ورحلت تاركة إياه يفكر فيما تقوله، وخاصة بكلمة "ضحية"، ربما كان حقًا ضحية فيما كانت تقصد بكلامها، ولكن بتأكيد لم يكن ضحية في الشيء المجهول بالنسبة للجميع والذي لا يعرفه سواه هو وأخيه.
ترجلت يسر من سيارتها أمام مقر شركة عائلة العمايري للاستيراد والتصدير. كانت في طريقها للباب ولكن توقفت عندما رأت حسن يخرج من الباب ويشبه شعلة النيران ويسير بهدوء مخيف نحو أحدهم، وعندما نقلت نظرها لجهة توجهه فوجدتها فتاة يبدو أنها من عمرها، وعندما دققت النظر بها تعرفت عليها بسهولة، فهذه هي حبيبته السابقة التي تركته وتزوجت بغيره! ما الذي أتى بها إلى هنا؟ هل يعقل أن يكونوا عادوا لعلاقتهم من جديد بعد كل ما فعلته حتى ينفصلوا؟ لا يمكنه العودة لها، وإن حدث فستأخذ روح تلك الساقطة بيديها!
رواية ضروب العشق الفصل الثاني 2 - بقلم ندى محمود توفيق
اسرعت واختبأت في مكان قريب منهم ولكن بعيد عن أنظارهم حتى تستطيع سماعهم جيداً.
وقف أمامها بشموخ واضعاً كلتا يديه في جيبي بنطاله وهتف بتعالي يليق به:
"حقيقي مش مصدق نفسي رحمة هانم بنفسها جاية تقابلني.. طيب كنتي اتصلي بيا حتى قبل ما تيجي عشان استقبلك استقبال يليق بيكي يامدام رحمة"
تعمد الضغط على آخر جملة بين أسنانه فخرجت مخيفة بعض الشيء، فأطرقت هي أرضاً بخزي وهمست بدموع تملأ عيناها:
"أنا اطلقت ياحسن"
ابتسم ساخراً وهتف بغطرسة واضحة غير مكترثاً لأي شيء مما قالته وفقط يتصنع الاهتمام:
"ياخبر حصل إيه لده كله .. ده أكيد شيطان ودخل بينكم"
ثم صمت لثانية وعاد يغمغم بعد أن اختفت ابتسامته وظهر محلها الغضب الحقيقي:
"جاية ليه يارحمة؟"
رفعت نظرها عن الأرض وثبتت نظراتها المستعطفة على خاصته لتيقنها بأنه لا يزال يعشقها حتى الآن ولا زال تأثيرها عليه مستمر، وفي ظرف لحظة قبضت على كفه هاتفة بتوسل ضعيف:
"أنا آسفة ياحسن سامحني ابوس إيدك .. أنا اللي كنت مغفلة إني سبتك وروحت للحيوان ده، سامحني وتعالي نرجع زي الأول"
كأنها ألقت عليه تعويذة وسقط في وحل سحرها، ظل يحدق في عيناها كالمسحور ولمسة يدها ليده كانت كالخمر الذي أسكره.. وكان على وشك التعمق في السحر ويضعف أمامها ولكنه سحب يده فوراً بعنف محدقاً إياها بنارية. أما على الناحية الأخرى كان هناك من تحرقه نيران الغيرة وتشتعل بداخله، وكادت أن تندفع نحو تلك الساقطة وتجذبها من خصلات شعرها وتلقنها الدرس الذي تستحقه ولكنها تمالكت نفسها إلى حين رحيله حتى تنفرد بها.
صاح بها منفعلًا يحاول إخفاء تأثيرها عليه:
"نرجع إيه! .. والصراحة أنا اللي اكتشفت إني مكنتش بحبك وكانت مجرد مشاعر زائفة وراحت لحالها.. يعني من الأساس مكنش في بينا حاجة عشان اسامحك عليها ومكنش في بينا علاقة عشان تنتهي وترجع من تاني"
سالت عبراتها على وجنتيها وقالت برجاء محاولة استعطافه:
"لا متقولش كدا ياحسن أنا بحبك.. ومستعدة أعمل إي حاجة عشان تسامحني ونرجع من تاني"
تراجع خطوة للوراء ليثبت لها أنه لا يمكن تخطي الحدود الصارمة التي رسمتها بينهم منذ هجرها له، وهتف بقسوة شديدة:
"امشي يارحمة ومتورنيش وشك تاني"
ثم استدار وفي لمح البصر دخل مبنى الشركة مجدداً وظلت هي واقفة غارقة دموعها، أما الأخرى فقد قدمت لها فرصتها على طبق من ذهب حيث بدأت تشمر قليلاً عن ذراعيها وهي ترمق تلك الشمطاء بتوعد بالأخص بعد أن رأت تأثيرها عليه وضعفه أمامها.
اندفعت نحوها كالنسر حين يرى فريسته وقبل أن تستقل تلك الطوفيلية بسيارة الأجرة أوقفت الباب بيدها قبل أن تدخل وطالعتها شرزاً، فرمقتها الأخرى باستغراب وقالت:
"إنتي مين؟"
انتصبت في وقفتها وكانت وقفتها تشبه وقفته لحد كبير ولكنها اختلفت عنه في نظرتها النارية ونبرتها المهددة إياها بجراءة:
"اسمعي ياقطة لو خايفة على نفسك تبعدي عن حسن خالص وإلا هخليكي تندمي على الساعة اللي شوفتيه وشوفتيني فيها"
اصابها بعض الخوف من نظرتها وتهديدها الصريح ولكنها صاحت بها بغضب وشجاعة مزيفة:
"إنتي مالك أساساً أبعد ولا أقرب، ثم إنك إزاي تكلميني كدا ومين إنتي أصلاً؟!"
أجابتها بحدة ونظرة ثاقبة وشرسة:
"أنا مراته.. وخليكي فاكرة إني حذرتك ولو شوفتك بتحومي حواليه تاني صدقيني مش هيحصلك طيب.. فاهمة ولا لا"
ثم استدارت وقادت خطواتها نحو باب الشركة تاركة رحمة في صدمتها ورعبها من هذه الفتاة التي تعتقد أنها أنها لا تمزح فملامحها تخبر الجميع بأنها خطيرة وشيطانة!
أما يسر فكانت تسير داخل المبني وكل عضو في جسدها ينتفض من الغضب والغيرة وتهتف بحسم:
"لغاية هنا وكفاية مش هسمح ليها تاخدك مني تاني سواء هي أو أي وحدة غيرها.. وأعتقد إن عقارب الساعة دقت الساعة 12 وخلاص حان الوقت فاستعد ياحسن بيه!"
***
"شفــــق خلصتي اللي قولتلك عليه؟"
جاءها صياح أمها عليها من المطبخ فعادت تجيبها بنبرة مرتفعة حتى تسمعها:
"أيوة ياماما خلصت"
كانوا في جلبة من أمرهم هي تتولى مهمة تنظيف المنزل وأمها في المطبخ تقوم بتحضير الطعام، فقد اقترب موعد قدوم ضيف اليوم ويجب أن يكون كل شيء كاملاً على أكمل وجه، فهذه هي الأصول وكرم الضيافة الصحيحة.
ارتفع صوت جرس الباب فهبت هي واقفة والتقطت حاجبها وهمت بأن تعتكف في غرفتها كعادتها عندما يأتي هذا الكرم، ولكن صياح أمها وهي تطلب منها أن تفتح لهم الباب سمرها في أرضها وركلت الأرض بغيظ ثم اندفعت نحو أمها بغضب وهمست:
"افتحي إنتي ياماما، افتح أنا ليه؟"
قالت الأم باعتذار صادق وإيجاز:
"معلش ياحبيبتي إيدي مش فاضية زي ما إنتي شايفة.. بعدين هو كرم غريب عننا يعني وأخوكي معاه يلا يابنتي روحي افتحي عيب يقف الراجل على الباب كدا"
تأفف بغيظ واستغفرت ربها، فهي لا تنكر خجلها منه أو ربما ليس منه بالأخص بل من أي رجل اجنبي عنها هكذا.. وبالرغم من أن كرم صديق أخيها منذ طفولته، تتوتر بشدة عندما تراه ربما بسبب ما كانت تقصه لها والدتها عن طفولتها عندما كان يأتي لهم إما لزيارة عادية أو ليشارك صديقه في المذاكرة كيف كانت تصر على الجلوس معهم كشيء من فضول الأطفال وعن طرائفها التي لا تعد، كل هذه الأشياء سبب خجلها منه.
لفت حجابها على شعرها بانتظام وهندمت من عبائتها التي ترتديها ثم اتجهت لتفتح الباب فيدلف أخيها أولاً من ثم يهتف محدثاً الآخر:
"تعالى ياكرم هو إنت غريب يا راجل.. ده أنت صاحب بيت"
ابتسم له بعذوبة ثم تنحنح بإحراج ليس بجديد عليه والقى تحية السلام عليها خافضاً نظره أرضاً وهو يمر من الباب فترد هي السلام بخفوت ثم تغلق الباب وتنتظر دخولهم فتهرول ناحية غرفتها لكن أمها اوقفتها للمرة الثالثة وهي تهمس بجدية:
"تعالي ياشفق ساعديني خليني اخلص بسرعة مينفعش اتأخر علي الغدا.. ولا أقولك اعمليلهم شاي وأنا هروح اسلم على كرم وبعدين هاجي أكمل"
رفعت نظرها لأعلى بيأس وأصدرت زفيراً حاراً باستسلام لأمرها المفروغ منه وهو عدم قدرتها على الهروب منه، ثم دخلت المطبخ وبدأت في تحضير الشاي كما طلبت منها والدتها.
***
رائحة يدها لا تزال عاقلة في يده، ولمستها له لا يزال يشعر بها.. كم تمنى أن يعانقها ويخبرها بأنه اشتاق لها كثيراً وأن برغم كل مافعلته لم يتمكن قلبه الذي كان يعشقها بصدق إن يبغضها، ولكن يجب عليه أن يلزم قلبه من بغضانها فهي لا تستحق حبه له.. تخلت عنه والآن تطلب العودة جديد حتى تخونه مجدداً ويعيش هو نفس الألم لمرتين ولكن بجرعة أكبر.
أحدهم تطفل عليه في هذه اللحظة بطرقه للباب، فهو ليس من عادته القدوم لمقر الشركة إلا نادراً جداً.
"ادخل!"
هكذا اتاها صوته الذي يوحى بغضبه ففتحت الباب بثبات تام ودخلت حاملة بيدها كأس شاي راقي فهي تعلم جيداً عشقه للشاي، ثم أغلقت الباب بقدمها وتوجهت نحوه واضعة الكأس أمامه على سطح المكتب، وسط نظراته المندهشة منها.. وهو يطرح التساؤلات في ذهنه كالآتي "متي أتت هذه؟! .. ولماذا جاءت إلي؟! .. هل نسيت شجارنا بالأمس بكل هذه السرعة؟! .. بالطبع لا فهي لا تمتلك ذلك القلب الصافي والنقي الذي ينسى الأذى في ظرف ساعات!".
انتظرها حتى تبدأ هي وبالفعل جلست على أحد المقاعد وغمغمت ببرود ونبرة خبيثة:
"متزعلش نفسك، صدقني هي اللي خسرتك"
"قصدك على مين؟!"
قالها بشيء من الحزم فأكملت هي بهدوء مستفز وجراءة متوقعة منها:
"على رحمة.. اصلي شوفتك بتتكلم معاها من شوية تحت"
جاءها سؤاله المندهش:
"وإنتي تعرفيها وتعرفي موضوعنا من فين؟!"
هبت واقفة وتمتمت ساخرة وبنبرة ممتعضة:
"أنا جيت أقولك بس إنك تبقى مغفل فعلاً لو رجعلتها تاني لإن اللي باعتك مرة هتبيعك مليون مرة"
ربما لم تكن من ضمن خطتها التحدث معه ولكنها كانت ستنفجر من غيظها إن لم تخرج الكلمات من داخلها، واكتفت بقولها هذا حتى تريح قلبها قليلاً وهمت بالرحيل.. ولكن للمرة التانية كان يقبض على ذراعها هذه المرة كانت فبضة قاسية وقوية فالتفتت له ووجدته يحدقها شزرًا ويقول:
"سألتك سؤال يايسر.. تعرفي رحمة منين؟ اوعي تكوني ليكي إيد في المشاكل اللي حصلت بينا!"
ضحكت بقوة وهتفت بغطرسة واستنكار:
"وأنا مالي بيك أصلاً عشان أعمل مشاكل بينك وبين حبيبتك السابقة!"
كان في زروة غضبه ولا يدري ما يفعله أو ما يقوله حتى، كل ما يراه أمامه أن هذه هي ابنة عمه الذي طالما كان يبغضها وينتظر الفرصة لكي يخرج لها اشمئزازه منها وها هي سمحت له الفرصة وهو أفضل من يستغل الفرص!:
"إنتي هتستعبطي يايسر أنا وإنتي عارفين كويس أوي إنك بتحبيني وهتموتي عليا وطبعاً تلاقيكي غيرتي منها وقولتي أما أحاول أعمل مشاكل بينهم بأي شكل ومش بعيد تكوني إنتي اللي بعتيلها العريس ده.. بس أحب أقولك يايسر إني هرجعلها وبالعند فيكي، ومتنتظريش مني غير المعاملة دي وأنا بنصحك إنك تطلعيني من دماغك.. إنتي فاكرة إن ممكن حد يبصلك أصلاً؟ وحدة زيك متعرفش تحب إنتي بس بتعرفي تأذي.. وبرأى قبل ما تفكري تحبي أبقى بصي لنفسك تصلحي للحب ولا لا!"
كلماته كانت كالخنجر المسموم الذي رشقه في صدرها بدون رحمة، كانت تعرف أنها يبغضها ولكنها لم تكن تتنظر منه كل هذه القسوة وعدم تقدير مشاعرها حتى لو كان لا يقبل حبها له.. كيف له أن يكون بكل هذا الجفاء؟ الآن فقط أدركت أنه استحق ما سببته له من ألم عندما فصلت بينه وبين حبيبته.. استحق كل شيء قالته له المرأة التي عشقها.. واستحق هجرها له كأنه نكرة! لأن هو الذي لا يعرف شيء عن العشق وجبر الخواطر حتى لو بكلمة بسيطة.. هو الذي لا يصلح للحب وليس هي!
شعرت بأن دموعها على وشك السقوط ولكنها أبت الظهور أمامه ضعيفة فسحبت يدها من يده بعنف تلقى عليه نظرة أخيرة ساخرة تحمل الألم ثم التفتت وفتحت الباب وانطلقت كالسهم إلى خارج الشركة ودموعها أخذت طريقها لوجنتيها وتهتف بتوعد حقيقي لا يحمل التهاون أو المزاح:
"أنا فعلاً مبعرفش أحب لإني حبيت واحد زيك.. وعشان أنا مبعرفش غير الأذي هخليك تشوف معنى الأذي بجد ياحسن، وهدفعك تمن كل كلمة قولتها من شوية صدقني"
هتشوف يسر المؤذية على حقيقتها بقى
***
في مساء ذلك اليوم
كان عائدًا إلى المنزل بعد قضاء يوم مرهق ومتعب، قضى نصفه في منزل صديقه الحميم، ثم توجه إلى العمل لينهي بعض الأعمال المتعجلة، والآن هو في طريقه للمنزل يتشوق لفراشه والنوم.
وإذا به يجد فتاة تظهر أمامه فجأة، وهي غير منتبهة لوجود السيارة القادمة نحوها، ولكنها انتبهت وانتفضت بهلع. ومن فعل الخضة، عندما حاولت الابتعاد انزلقت قدمها وسقطت. أما هو فأوقف السيارة بعنف، كادت أن تنقلب على عقبيها. وتسارعت نبضات قلبه عندما رآها ساقطة على الأرض تتألم من قدمها. ونزل من سيارته مسرعًا ليرى هذه الفتاة بخير أم أصابها مكروه. وعندما دقق النظر بها جيدًا هتف بذهول:
"أنسة شفق!!"
رفعت نظرها له فأصابتها الدهشة الممزوجة بالخجل والتوتر، وكأن دلو ماء بارد سكب عليها. تحاملت على نفسها ووقفت على قدمها هاتفة وهي تطرق أرضًا موضحة له ذهولها بمقابلتها له أيضًا:
"أستاذ كرم!"
هتف بقلق حقيقي دون أن يكون في نبرته أو نظرته أي خجل على عادته:
"إنتي كويسة؟ أنا آسف جدًا والله ما أقصد. لو رجلك فيها حاجة تعالي نروح المستشفى حالًا."
أجابت مسرعة بارتباك واستحياء:
"لا لا مستشفى إيه ملوش لزمة. أنا بس عشان اتخضيت فوقعت. الحمدلله ربنا لطف. وكمان أنا اللي غلطانة مبصيتش على الطريق قبل ما أعدي."
"متأكدة إنك كويسة؟!"
أماءت له بابتسامة متوترة. أما هو فعاد لطبيعته المعتادة حيث أجاب بخفوت ونبرة مؤدبة:
"طيب اتفضلي هوصلك للبيت. البيت مش بعيد من هنا."
غمغمت باعتراض بسيط بعد أن ازداد الأمر سوءًا بالنسبة لها:
"أنا كويسة والله. هاخد تاكسي وهروح دلوقتي."
رسم ابتسامة بسيطة على شفتيه وقال بشيء من الحدة واللين دون أن تكون نظراته على وجهها ثابتة:
"تاكسي إيه في الوقت ده! مينفعش تاخدي تاكسي دلوقتي وحدك. وأنا أكيد مش هسيبك تركبي تاكسي. يلا اتفضلي هوصلك."
تنفست الصعداء بيأس واتجهت إلى السيارة وهي تعرج قليلًا، ثم استقلت بالمقعد الخلفي. واستقل هو بمقعده المخصص وانطلق بالسيارة. فخطف نظرات سريعة لها من مرآة السيارة العلوية التي تعكس الأجسام. وهو يتردد في سؤالها سؤال كهذا، أو بالأحرى يشعر بالخجل لأن هذا شيء ليس من شأنه. ولكنه لا ينظر لها إلا أنها مثل شقيقته ولا مانع من سؤالها كشيء من الاطمئنان!
تنحنح بصوت مسموع قبل أن يطرح سؤاله عليها في إحراج شديد دون أن ينظر لوجهها مطلقًا:
"أنا آسف على سؤالي. بس هو إنتي كنتي بتعملي إيه في الوقت ده والمكان الشبه مقطوع ده؟!"
تعجبت من سؤاله لها واستاءت، فهو ليس من حقه أن يسألها شيء كهذا. ثم هتفت بشيء من الحزم بعد أن فهمت أنه يشك أنها كانت في مكان لا يليق بفتاة مثلها أو كانت تقابل أحدًا:
"هكون كنت بعمل إيه يعني برأيك!! واتمنى أكون فهمت صيغة سؤالك وقصدك غلط!"
ساد الصمت لبرهة من الوقت يحاول فهم ما تقصده، حتى فهم فازداد إحراجه وقال معتذرًا بخجل:
"أنا مقصدش كدا والله. وآسف لو ضايقتك!"
ربما فهمت سؤاله على هذا النحو وأنه يشك بها، لأنها كانت فعلًا مع صديقتها بصحبة أحد أصدقائها. ولكنها اصطحبتها شبه إجبارًا بعد إلحاحها الشديد بأن تأتي معها، مقنعة إياها أنه حبيبها ولا تستطيع مقابلته بمفردها وأنها تخجل منه كثيرًا. واختاروا هذا المكان المخيف للتقابل وهي ذهبت معها مغلوبة على أمرها. وإن عرف أخوها بهذا الأمر سيتخذ قواعد صارمة حيالها!
***
"بس إيه رأيك؟"
قالتها بنبرة وضيعة ليجيبها هو بنظرات شيطانية:
"لا البت طلعت جامدة الصراحة. بس هتاخدي إيه مقابل اللي هتعمليه ليا؟"
تمتمت بغل وحقد ينبعثان من مقلتيها:
"هاخد بس مش هاخد منك إنت. هاخد منها هي. أنا عايزاك تعمل فيها اللي يخلي عمر ميفكرش يبصلها حتى مش يتجوزها."
صمت لبرهة وهو يفكر بلؤم ونبرة حقيرة:
"دي حتة بسكوتة حرام أخدها على الحامي كدا علطول. خليها واحدة واحدة أصل الحقيقة مش حابب أجرب معاها العنف علطول كدا."
"أمال عايز تعمل فيها إيه؟!"
تطلع بعيدًا وهو تلوح بذهنه أفكار لعينة لهذه الفاتنة، ثم عاد بنظره لها وقال بخبث:
"هقولك وهتعملي اللي هقولك عليه بالحرف الواحد."
***
داخل منزل طاهر العمايري بالتحديد في غرفة يسر...
تمعن ابنة خالتها الكامنة بجوارها النظرات لها بذهول. فهذه الفتاة حتمًا فقدت عقلها. ماهذا الجنون الذي تفكر به. هل يعقل أن هناك عشق بهذا الجنون! كانت دائمًا تسمع عن أفعال العشاق ولا تصدقها والآن اثبتت لها ابنة خالتها.
ساد الصمت للحظات حتى انفعلت صائحة بها:
"لا يايسر متوصلش بيكي للجنان ده أنا مستحيل أساعدك في حاجة زي كدا."
أظهرت عن حدتها وغضبها وهي تلقي أوامرها عليها بصوت خفيض:
"وطي صوتك لحد يسمعنا. وهتساعديني يازينب. أنا أكيد مش هأذي حد يعني أنا ههدده بس مش أكتر."
كادت أن ترفع نبرة صوتها مجددًا ولكنها تحكمت في انفعالها وهتفت باستنكار:
"وإنتي فكرك إن حسن هيتهدد؟! "
غمزت لها بطرف عيناها اليسار هامسة بثقة مطلقة:
"هيتهدد وهتشوفي. أو بمعنى أصح هيعملي حساب."
ثم أكملت بنظرة حاقدة وغاضبة:
"لإن بعد اللي عمله معايا النهردا وغيره لازم يدفع تمن عمايله معايا. وهو عارف من زمان إني بحبه وحتى لو هو مبيحبنيش على الأقل يعاملني كويس ويحاول يفهمني بالحسنى إننا منفعتش لبعض حتى لو مش هقتنع بس على الأقل هحترمه لإنه ماخدش مشاعري على أنها مشاعر سخيفة. والنهردا فعلًا اثبتلي إنه استحق كل اللي عملته فيه ولسا هعمله. عشان يعرف إني مش من ال**** اللي عرفهم. لا وبيقولي هرجعلها بالعند فيكي. طاب لو راجل وريني إزاي هتعملها وترجعلها!"
حدقت بها زينب بصدمة فهي ليست طبيعية. لا يمكن أن تكون هذه أفعال فتاة ناضجة وعاقلة. عشقها لحسن قادها للجنون حقًا!
هتفت بسخرية:
"حسن ده جننك بجد يايسر. وبرأي أن كل اللي قولتيه ده مش هيأثر فيه والسحر هيتقلب على الساحر في الآخر واوعي تكوني فاكرة إنه هيتجوزك ولا حاجة."
هبت واقفة وعقدت ذراعيها أمام صدرها هاتفة بابتسامة شيطانية ولئيمة:
"ومين قالك إني عايزة أتجوزه. أنا نسيت موضوع الجواز خلاص. دلوقتي كل هدفي إني أذله وأهينه وأشوفه وهو بيترجاني."
هي تخطت حدود الجنون وأصبحت مشاعرها مزيج بين العشق والانتقام لكرامتها الذي بعثرها هذا الفاسق! أجل فاسق ولكن مع الأسف القلب لا يفهم هذه المصطلحات!!
***
انضمت لجلسته الخلوية في حديقة المنزل وجلست بجواره تحدق به للحظات بصمت. تفكر في طريقة تعرض عليه بها موضوعها الذي من المؤكد أنه سيواجهه بالرفض القاطع كعادته.
ولكنه بدأ الحديث بشيء من عدم مبالاة:
"موافق ياماما شوفي يوم عشان نروح نتقدم."
استغرقت الدهشة دقائق وهي تستوعب موافقته السريعة هذه بدون أي مقاومة منه. ولكن لا يهم كيف وافق أو لماذا الأهم أنه أخيرًا تقبل فكرة الزواج!
"ايوة كدا يازين فرحتني والله ياحبيبي. صدقني مش هتندم البنت محترمة وكويسة أوي على ضمانتي. بس مش هنروح نتقدم علطول لازم تشوفها الأول وهي تشوفك."
هنا تحول هدوءه وعدم اكتراثه لسخط وحدة وهو يقول بحزم:
"نشوف بعض إيه!! لتكوني عايزاني أخدها وأفسحها كمان ماهو ده اللي ناقص يا أمي. ثم إني أصلًا مش هعمل خطوبة والكلام الفارغ ده هو كتب كتاب علطول وبعديها تاخد راحتها تجهز نفسها لغاية الفرح."
"يابني بلاش عمايلك دي. أنا مش بقولك روح امسك إيدها ولا اعملوا حاجة حرام دي رؤية شرعية وأنا هكون معاك وهي تكون معاها أمها كمان يعني مش هتبقى خلوة زي ما بتفكر. متبقاش معقد كدا يازين."
هتف منفعلًا:
"هو أنا عشان ماشي على الدين بقيت معقد. ما أنا عشان كدا رافض الجواز. وإنتي عارفة إني مبعترفش بالخطوبة دي وأقعد أكلمها وأخرجها وهي مش مراتي وكله ده حرام في حرام."
قالت برزانة محاولة تهدئته بحنو:
"ياحبيبي أنا معاك. بس مفيش كدا إنت وهي مش عارفين بعض من سنين عشان تقبل تتجوزك علطول لازم تحصل خطوبة عشان تعرفك الأول و يمكن تلاقوا نفسكم مش متفاهمين."
"استغفر الله العظيم يارب."
ضربت على قدمها بنفاذ صبر وقالت وهي تحاول البقاء هادئة أمام هذا العنيد:
"يازين دي خطوبة وأنا مش بقولك أخرج معاها طبعًا لا. ولا كلمها وأقعد حب فيها في التلفون لا إنت لما تكلمها هيبقى كلامكم في حدود مثلًا إنك تطمئن عليها مش أكتر أو تتفقوا على حاجات في فرحكم والجواز وأنا مش محتاجة أقولك إن ده عادي مفهوش حاجة إنت عارف ده كويس. إنت بس اللي عايز تحط العقد في المنشار. بالله عليك يابني ماتعقد الموضوع وخليه يمشي وأفرح بيك بقى."
بدأ وكأنه استسلم للأمر الواقع وخضع لها حيث قال بخنق:
"اعملي اللي عايزاه يا أمي."
قالت بسعادة وحماسة شديدة:
"تمام هما فاضين بكرا ومعندهمش مانع لو طلعنا عشان الرؤية الشرعية. فجهز نفسك بقى عشان قبل الظهر هنطلع."
استقام وقال بموافقة ووجه شبه متضايق:
"طيب!"
لا يعرف ما سبب موافقته!! هل أراد أن يعطي لنفسه فرصة أخرى في الحياة. أم أنه فكر أن لا مانع من تجربة حظه هل سيصيب أم يخيب. أم أن الأمر ليس له علاقة به بتاتًا وهو قدر ونصيب جعله ينصاع لرغبته كالمغيب!
***
مع إشراقة شمس يوم جديد. كان يوم هادئ منذ بدايته ولكن العواصف كانت تقيم بداخلها. كلما تتذكر ليلة أمس وتلعن نفسها في الدقيقة ألف مرة لأنها اتبعت صديقتها وذهبت معها لهذا الشاب. ورغم أنها لم تراه ولكنها شعرت بمشاعر سلبية في هذا المكان. وكم توسلت صديقتها لكي يرحلوا ولكن دون فائدة. وعندما خرجت اصطدمت بصديق أخيها.
وحتى الآن تشعر بالخجل عندما تتخيل كيف فكر بها وهي في منطقة مهجورة كهذه وفي وقت متأخر قليلًا. لا يصح لفتاة أن تكون في هذا المكان حتى وإن كان في جوف النهار.
استفاقت من شرودها على صوت مألوف عليها، وعندما انتبهت له تأكدت من شكوكها. فهبت واقفة لولا يده الذي أمسك برسغها وهو يقول بنظرة مستعطفة:
_ اقعدي ياشفق عشان خاطري متقوميش.
سحبت يدها من بين يده بصرامة وهتفت:
_ عمر مش هقولك تاني إياك تفكر بس تلمسني حتى لو بالغلط.
استقام هو الآخر وهتف معتذرًا بصدق وندم:
_ طيب أنا آسف آخر مرة صدقيني. نفسي أفهم إنتي بتعملي فينا كدا ليه؟ أنا بحبك وإنتي كذلك.
قالت بحدة بسيطة وصوت منخفض:
_ بحبك آه بس قولتلك الحل. غير كدا متنتظرش مني حاجة ياعمر.
_ طيب قوليلي هروح اتقدملك إزاي بس وأنا لسا طالب وحتى معيش شقة ولا حاجة؟ اخوكي هيوافق عليا إزاي!
تمتمت ببساطة بعد أن عادت لرقتها المعهودة:
_ أنا مش بقولك نتخطب ياعمر. بس عايزاك تثبتلي إن نيتك واضحة وصريحة وتكلم سيف وعلى الأقل نقرى فاتحة بس لغاية ما نخلص كلية. وإنت ما شاء الله عليك بتطلع من الأوائل يعني إن شاء الله بمجرد ما تتخرج هتلاقي شغل بكل سهولة وسعتها نعمل الخطوبة.
تنهد بعمق بعد اقتراحها، وقد اقتنع به بالفعل. فهو يريد أي شيء لكي يحصل عليها وتصبح له. لا يطيق الانتظار لليوم الذي ستكون فيه زوجته. هتف باستسلام:
_ طيب لو ده اللي هيريحك ويثبتلك إني عايز اتجوزك النهردا قبل بكرا هعمله. هاتي رقم أخوكي عشان أكلمه.
ابتسمت له برقة وخجل ثم أخرجت هاتفها وعثرت على رقم أخيها من بين قائمة الأسماء ثم أملته إياه. وودعته إياه ورحلت حتى لا تتأخر على محاضرتها القادمة. وتسير بين الحشود وهي تبتسم تلقائيًا عند تخيلها أنهم سيصبحان لبعض بعد إعجابها به الذي طال لسنوات.
***
اقتحم الغرفة دون إنذار وقال مازحًا بضحك:
_ لا أنا أكيد بحلم يومين ورا بعض في الشركة!! إيه هي الدنيا زنقت معاك ولا إيه وقولت أما آجي آكل بلقمة عيشي!!
"علاء" الوريث الوحيد لطاهر العمايري وشقيق يسر. يتميز بشخصيته المرحة ونجح في جذب جميع أفراد عائلته وحتى الفتيات. ويستنكر الجميع لصداقته الحميمية هو وحسن. فحسن مشهور بعلاقته المتعددة وأنه شاب ماجن. أما علاء فبرغم أنه يمتلك الدهاء كابن عمه وصديقه إلا إنه لا يتخطى حدوده مع أي امرأة. وهذا هو المعروف عن عائلة العمايري وابنائها ذو الأخلاق الحميدة!
طالعه حسن بقرف وهتف:
_ لو جاي تستظرف لف وارجع من مكان ما جيت.
تجاهله وتوجه جالسًا بجواره على الأريكة المتوسطة والتقط حبة عنب من الصحن الموضوع أعلى المنضدة الصغيرة أمامه. وتمتم بجدية حقيقية:
_ عملت إيه إمبارح مع رحمة؟
_ ولا حاجة عملت معاها اللازم وطردتها بالذوق. قال عايزة ترجعلي هو في حد بيجرب لدغة العقرب ويرجعله تاني عشان يلدغه للمرة التانية.
كان يتحدث بعدم مبالاة وسخرية تضمر خلفها جدار قلبه الذي ينهار من شوقه لها. ليجيبه علاء بتأييد:
_ بظبط.. بعدين أنا قولتلك من الأول البنت دي مادية حقيرة وبتجري ورا فلوسك ولما لقت واحد هيحققلها كل اللي نفسها فيه من غير ماتطلب منه حتى قالت وماله ابيع حسن ولما اداها على دماغها دلوقتي رجعتلك.
حدجه باستنكار وغمغم بمرارة:
_ ده على أساس إن أنا مكنتش هحققلها كل اللي نفسها فيه ياعلاء!! أنا كنت مستعد افديها بروحي لو طلبت.. كنت هخليها ملكة وهعيشها عيشة عمرها في حياتها ما كانت تتخيلها.
أصبح شبه منفعلًا وهو يصيح به باشمئزاز:
_ الأشكال اللي زي دي مبيهمش حاجة غير الفلوس. هي مكنتش بتحبك كانت بتحب فلوسك يابن عمي ودلوقتي رجعت عشان فلوسك برضوا.. طلعها من دماغك.
انحنى بجزعه للأمام دافنًا وجهه بين ثنايا كفيه. وصورتها وهي تترجاه بالأمس لا تزال أمام عيناه. دموعها الذي كان يكره كل شيء يجعل عيناها تذرف الدموع. كم تمنى أن يجففهم لها ويهمس لها منذرًا إياها بعقاب يليق بمعشوقته أنها إن بكت أمامه مجددًا ستتلقى عقابها. ولكنها لا تستحق عشقه. فقط تستحق الكره.
خرج صوته مبحوحًا وشجينًا وهو لا يزال على وضعه:
_ مش عارف ياعلاء حاولت مليون مرة. وفي كل مرة بفشل. امبارح كان فاضل لحظة بس وارمي كل حاجة حصلت ورا ضهري واسيبها تتمكن مني تاني. ولحقت نفسي بإني سبتها ومشيت وإلا كنت هضعف قدامها.
_ أنا مظنش إنها هتيجي تاني بعد ما إنت بتقول إنك طردتها وعاملتها وحش. ولو جات إنت مش غبي للدرجة اللي تخليك تسمحلها تستغل مشاعرك تاني.
هو لديه كل الحق! يجب أن يعطيها المشاعر الذي تستحقها. ولا يظهر لها سوى الكره حتى يتمكن قلبه أيضًا من أن يكرها ويتحرر من قيودها!
***
داخل أحد المقاهي الراقية والهادئة. المطلة على الماء كان هو وهدى على أحد الطاولات المتوسطة تتسع لخمس أشخاص. وكانت هدى نظراتها معلقة على باب المقهى متنظرة قدوم العروس! أما هو فبدى غير مهتم تمامًا لأي شيء حيث كان مثبت نظره على الماء يتأمل المنظر من حوله بذهن شارد. حتى شعر بأمه التي تنكزه في أعلى قدمه بيدها لتلفت انتباهه هامسة:
_ جم يازين.
تلقائيًا منه نظر ناحية الباب فوقع نظره على السيدة التي تناظر أمه في السن وكان يعرفها جيدًا. ثم تحول نظره للتي تسير معها وترتدي ملابس لا بأس بها. عبارة عن بنطلون من الجينز ويعلوه شميز طويل يصل إلى أسفل الركبة وفوق كل هذا حجابها البسيط والجميل. وكانت الفتنة عندما سقطت نظراته على وجهها. حينها أدرك أن أخطأ بالجلوس في هذا المكان. فهذه الفتاة فتنة ستسحبه للجحيم. كانت ساحرة وفاتنة للدرجة التي تجعل أي رجل يفقد نفسه أمامها. فأشاح بنظره فورًا قبل أن يرتكب ذنوب أكثر. وعندما وصلوا لهم وقف هو ووالدته كنوع من الذوق والاحترام ونظر إلى والدتها مبتسمًا باحترام وهي تلقى عليه التحية دون أن تمد يدها للتصافح لعلمها أنه لا يصافح النساء. كان يتحاشي النظر لهذه الفتنة الكامنة أمامه ولكنها كانت تنظر له بمزيج من التفحص والخجل وتلاحظ توتره الواضح وإحراجه.
جاءهم صوت هدى وهي تعرف العروسين:
_ زين ابني الكبير.
ثم نقلت نظرها لابنها الذي كان لا ينظر لها بتاتًا وهتفت مبتسمة وهي تشير على العروس:
_ أنسة ملاذ.
ثم جلسوا جميعهم مجددًا على المقاعد وبدأت هدى الحديث وهي تنظر لملاذ هاتفة بعذوبة:
_ عاملة إيه ياملاذ آخر مرة شوفتك فيها كنت في الثانوية والله.
اجابت ملاذ وهي تبادلها الابتسامة:
_ السنين بتعدى بسرعة ياطنط. رفيف عاملة إيه.
_ الحمدلله كويسة لسا مخلصتش كليتها فاضلها سنة.
اماءت لها بهدوء ثم نكزت ابنها خلسة في قدمه حتى يقول شيء وينظر للفتاة. لا يبقى كالمجبور على الزواج. فباغت هو أمه بنظرة حادة ثم استغفر ربه ورفع راسه وتحدث إليها ونظراته زائغة ليست ثابتة عليها. بادئًا بتعريف نفسه:
_ أنا زين 30 سنة خريج كلية تجارة ومدير عام لشركة العمايري.
كانت تنظر له باستغراب وهي يتحاشى النظر إليها ويبدو عليه الخنق فشكت أنها قبيحة ولم تعجبه. ولكن قطع تفكيرها تحدث أمها بدلًا عنها معرفة ابنتها:
_ ملاذ عندها 25 سنة وخريجة كلية تجارة برضوا.
صمت لبرهة ثم هتف بخشونة ونبرة شبه خافضة:
_ كنتي مرتبطة قبل كدا.. اقصد خطوبة يعني؟
قالت بثبات وهي تجيب بوضوح:
_ أيوة وفسخنا من حوالي شهر والسبب إننا مكناش متفاهمين مع بعض.
أماء بتفهم ثم عاد ليشيح بوجهه مجددًا عنها. ثم انتقل الحديث طبيعيًا عن أمور الحياة بين السيدتان وكانت تشاركهم هي وأحيانًا هو. وانتقل أيضًا إلي اسئلة طبيعية بين العروسين من آن إلى آن. واستمرت الجلسة لعشر دقائق تقريبًا حتى أشارت ملاذ لأمها بعيناها أن ينهضوا وانتهت المقابلة التقليدية كأي رؤية شرعية وغادرت هي وأمها وبقوا هما مكانهم. فنظرت هدى لأبنها وهتفت مبتسمة باتساع:
_ إيه رأيك البنت قمر وأدب واحترام صح؟
هتف بخنق مستنكرًا:
_ أهاا فعلًا أنا لو كنت أعرف كدا مكنتش وافقت إني آجي أشوفها أصلًا.
فهمت مقصده جيدًا فقهقت بقوة وهتفت ضاحكة:
_ ربنا يقدم اللي فيه الخير يابني. صلي استخارة وخد قرارك النهائي وهنستني ردها هي كمان.
أشار بيده للنادل أن يأتي لكي يدفع له حساب المشروبات التي طلبوها منذ قليل. وعندما أخبره بالثمن أخرج النقود وتوجه للكاشير ثم دفع وأشار لأمه بأن تلحق به. واستقروا بسيارته وانطلقوا عائدين للمنزل.
***
على الجانب الآخر كان سيف يجلس مع كرم داخل مكتبه في الشركة ويتحدثون بطبيعية وحديثهم لا يخلوا من المرح والمزاح. ووسط المزاح قال كرم باستغراب:
_ مقولتش إيه سبب زيارتك؟ أول مرة تاجيلي الشركة!
صمت لثوان وهو يتنهد بعمق ووجه مرير ويبدو عليه القلق. مما جعل ابتسامة كرم تختفي فورًا ويحل محلها القلق المماثل له. وازداد الأمر سوءًا عند قوله:
_ أصل أنا طالع مأمورية بليل فقولت آجي اسلم عليك.
قطب حاجبيه بتعجب وهتف بعدم فهم:
_ طاب وإيه الجديد يعني ما أنت علطول بتطلع مأموريات؟
مسح على وجهه وغمغم بمرارة وخوف كان واضحًا في نبرة صوته:
_ المأمورية دي خطيرة ياكرم وأنا مش ضامن ممكن ارجع منها ولا لا. عشان كدا جيتلك لو حصلي حاجة وأكيد أنا مش محتاج أوصيك على أمي وأختي هما ملهمش غيري وأنا معنديش حد أثق فيه ولا اسلمهم ليه وأنا مغمض غيرك.
أثارت كلماته في نفسه وهيجت مشاعر الخوف أيضًا بداخله من أن يخسر صديق عمره ودربه. ولكنه لم يعيره اهتمام وهتف مشاكسًا:
_ توصيني إيه!! إنت عبيط ياد من امتى وإنت بتروح مأمورية وشايل كفنك على إيدك؟ ده هما بيختارولك المأموريات دي مخصوص عشان عارفين كفاءتك. بطل هبل بقى.
غمغم بيأس ونظرة منطفئة:
_ المرة دي أنا حاسس إنها غير ياصاحبي! وأنا لو مكنتش بعتبرك اخويا عمري ما كنت هقولك خلي بالك من أمي وأختي لو حصلي حاجة.
أطال النظر في عيناه فتمكن منه شعور الرعب والقلق. ولكنه للمرة الثانية لم يدعه يسيطر على مظهره الخارجي. حيث رفع سماعة الهاتف وتحدث للسكريترة طالبًا منها قهوة لكيلهما. ثم هتف محدثًا إياه بضيق واضح:
_ إنت عيل نكدي أصلًا. تشرب قهوتك ويإما تتكلم في موضوع عدل ياتتكل على الله.
ضحك بقوة عندما فهم السبب وراء ضيقه هذا. ففضل أن لا يزعجه أكثر فربما تكون هذه مقابلتهم الأخيرة حقًا!
بعد رحيل سيف ووداع شديد من أخته وأمه ممتزج بدموع الخوف والقلق، كانت تجلس شفق في غرفتها مع صديقتها التي أتت لها بعد رحيل أخيها بنصف ساعة.
هتفت مروة بحماسة تضمر خلفها المكائد واللؤم:
_ خلاص بقى ياشفق إن شاء الله هيرجعلكم سالم وبخير.
_ أمين.
_ أنا النهاردة اشتريت هدوم بيتي فظيعة وحابة اخليكي تجربيها قبلي وأشوفها عليكي.
_ أجرب إيه بس يامروة أنا مليش مزاج للكلام ده.
قالتها بفتور حقيقي وخنق، فتكمل صديقتها برجاء:
_ عشان خاطري ياشفق والله هيبقوا فظاع عليكي.
استسلمت لأمرها وأخرجت الملابس من الأكياس، فدهشت بها حيث كانت كلها غير محتشمة بالنسبة لفتاة تعيش مع أشقائها وأبيها. فصاحت بها بغضب:
_ نهارك أسود، إنتي بتلبسي كدا قدام أخواتك وأبوكي؟
_ أكيد طبعاً، بعدين إنتي ناسية إن اخواتي متجوزين وبابا مسافر في السعودية، يعني مفيش غيري أنا وماما في البيت، فبلبس براحتي.. يلا بقى ياشفق البسيهم.
تنهدت بنفاذ صبر، ثم طلبت منها أن توليها ظهرها حتى تستطيع تبديل ملابسها وارتدائهم. ففعلت على الفور وهي لا تطيق الانتظار اللحظة التي سترتديهن فيها وتلتقط لها الصور. وبعد دقائق سمحت لها بأن تنظر لها، وكانت فاتنة بالفعل في هذه الملابس، رغم أنها ملابس منزلية، ولكن بإمكانها أن تذهب بعقل أي رجل يراها بهذه الملابس. رفعت هاتفها وهي تقول مبتسمة:
_ إيه يابت الحلاوة دي، لا أنا لازم اخدلك صورة.
جذبت الهاتف من يدها بعنف وهتفت بصرامة:
_ تاخدي صورة إيه يامروة، إنتي مجنونة.. عايزة تصوري بالمنظر ده؟ أكيد طبعاً لا.
أجابتها الأخرى مبررة ومخترعة كذبة لتقنع بها هذه المسكينة والساذجة:
_ يابنتي هوريها لماما، هي ماما غريبة عنك ياشفق؟ هعمل بيها إيه الصور يعني، بطلي هبل.. هوريهم لماما أول ما أروح وهمسحهم علطول أكيد.
رفعت إصبعها السبابة في وجهها وهي تقول محذرة إياها بحدة بعد أن استطاعت أن تخدعها بسهولة بكذبتها:
_ تمسحيهم علطول يامروة، وإلا والله هزعل منك بجد.
أومأت لها بالموافقة في ابتسامة خبيثة، ثم أشارت لها بأن تقف بزاوية معينة حتى تلتقط الصورة جيدة. ثم بدأت في ارتداء باقي الملابس، وبالطبع لم تنسَ أن تلتقط لها الصور في كل شكل ترتديه من الملابس، وهي تجهل حقيقة هذه الأفعى المتجسدة في صورة صديقة لها.
وبعد انتهائهم، ذهبت شفق لتجلب لها الماء كما طلبت. فاسرعت هي بإرسال الصور إليه عبر رسائل الواتس آب، ومدونة أسفلهم بلهجة وضيعة ووقحة:
_ أهي صور المزة بتاعتك، اعمل بقى اللي إنت عايزاه فيها وفي صورها، ومتنساش تكتبلي رسالة شكر بعدين، لأحسن بعد الصور دي أنا خدمتك خدمة عمرك في بنت جامدة زي دي.
رواية ضروب العشق الفصل الثالث 3 - بقلم ندى محمود توفيق
داخل أحد النوادي التي تجمع بين الطبقة المتوسطة والغنية. كانت الأضواء مزعجة بعض الشيء وعلى كل طاولة مجموعة أصدقاء أو عائلة جاءوا لقضاء وقت جماعي وممتع باستثناء طاولة!
حيث تجلس فتاة عليها وتقوم بمذاكرة أحد دروسها الجامعية استعدادًا لامتحان غدًا، غير مكترثة لأصوات الثرثرة والإزعاج من حولها. وعندما شعرت بالصداع يتمكن منها فقررت أن تنهض وتطلب كوب قهوة لها حتى تكمل آخر درس وترحل قبل تأخر الوقت.
وبينما هي في طريق عودتها لطاولتها وهي بيدها كوب القهوة وباليد الأخرى هاتفها تتفحصه بتركيز شديد، اصطدمت بأحدهم وشهقت بفزع عندما وجدت جزء من القهوة سكب على قميصه الأبيض.
رفعت نظرها له وقالت باعتذار ونظرة قلقة ومرتبكة من ردة فعله التي ربما تحتمل الغضب:
_ أنا آسفة أوي أوي.
نظر هو لقميصه الأبيض الذي تلطخ جزء منه بالقهوة وكتم غيظه. ثم عاد ينظر لها وقال بنبرة محترمة وبابتسامة راقية:
_ ولا يهمك يا آنسة حصل خير.
دققت رفيف النظر به جيدًا ثم هتفت فورًا بعفوية:
_ إنت إسلام ابن طنط منى واخو ملاذ؟
قطب حاجبيه باستغراب لمعرفتها اسمه وعائلته الصغيرة. وخرج صوته مستفهمًا:
_ أيوة أنا! إنتي تعرفيني من فين؟
_ أنا أخت زين.. "رفيف".
بدا طبيعيًا جدًا ولم يبدي أي اندهاش. فقط مد يده ليصافحها هاتفًا بابتسامة عذبة:
_ آهااا أهلًا وسهلًا تشرفت بمعرفتك.. اعذريني لو مش فاكرك.
بادلته الابتسامة ولكنها كانت ابتسامة رقيقة وقالت باعتذار جديد:
_ لا عادي.. آسفة مرة تاني مخدتش بالي والله. هتعمل إيه في القميص؟
نظر للقميص زام شفتيه بعدم حيلة وشيء من الخنق. ثم عاد يرسم الابتسامة على وجهه وهو يقول:
_ في واحد صاحبي جايني دلوقتي هقوله يجبلي قميص معاه.
أومأت له بالإيجاب ثم اعتذرت بذوق وانسحبت. وهو كذلك قاد خطواته على عكازه إلى طاولته التي كانت على الجانب المقابل لها وأخرج هاتفه يتصل بصديقه ويخبره بأمر القميص. وبقى لدقائق في انتظاره يحتسي كوب الكاكاو الخاص به وينقل نظره بين الجالسين والمارين. وأحيانًا يقع نظره عليها وهي مندمجة في استذكار دروسها، فتعجب أنه كيف لها أن تدرس في وسط كل هذا الإزعاج!
ماهي إلا نصف ساعة وحتى انضم صديقه لجلسته وهو يهتف بعد أن وضع الكيس الذي يحتوى على القميص أمامه:
_ إيه ماله قميصك ياباشا؟
نظر لرفيف حتى يتأكد أنها لا تراه وقرب رأسه قليلًا من صديقه هامسًا حتى لا تسمعه:
_ البنت اللي هناك دي خبطت فيا بالغلط وقهوتها اتكبت على القميص.
نقل نظره إلى ما يشير له بعينه فوقع عيناه عليها وظل للحظات يتفحص ملامح وجهه. ثم عاد بنظره مجددًا لصديقه وهمس مشاكسًا:
_ يارتني أنا ياخي!
ضحك بخفة ثم هب واقفًا وجذب عكازه والقميص مغمغمًا:
_ هروح أغير القميص في الحمام ولغاية ما آجي اطلب لينا سندوشات أي حاجة لإني جعان وكنت مستنيك.
قال مستنكرًا ضاحكًا:
_ هو إنت من إمتى مكنتش جعان أصلًا؟ إنت 24 ساعة جعان يامعلم.
انحنى قليلًا وهو يهمس محذرًا مانعًا ضحكته:
_ احنا في مكان عام فمتخليش لساني يغلط بالالفاظ.
قهقه الآخر بقوة واستدار هو متجهًا إلى الحمام. فنظرت هي له عندما مر من جانبها ولاحظت عكازه ولكنها لم تكترث لهذا كثيرًا. ولفت رأسها ناحية طاولته فرأت صديقه ينظر لها. وعندما التقت عيناهم ابتسم لها. فخفضت نظرها في الكتاب فورًا بتوتر وخجل ولم تكف عن لعن نفسها وغبائها الذي وضعها في هذا الموقف المحرج. وقررت أن تنسحب بهدوء قبل وقوع مصائب أكبر. ثم استقامت ولملمت أشيائها وغادرت بسرعة البرق.
وعندما عاد هو بعد دقائق لاحظ فراغ الطاولة منها. فنظر إلى صديقه بنظرة فضولية. فيجيبه هو ضاحكًا:
_ بعد ما أنت قمت هي بصت عليا فأنا ابتسمت وبعديها علطول لمّت حاجتها ومشيت شكلها اتكسفت!
نظر إسلام لصديقه بغيظ وهتف بغضب:
_ إنت متخلف يابني بتضحكلها ليه.. ما طبيعي تتكسف وتمشي.
استمر في ضحكة بينما هو فتأفف وجلس على المقعد وأكمل احتساء كوبه الذي تركه ناقصًا.
***
خرج حسن من المنزل واستقل بسيارته ثم انطلق بها. وأشارت هي لسائق التاكسي أن يلحق به. وبعد دقائق توقفت سيارته أمام المكان المقصود. وترجلت من السيارة ثم اختبئت بمهارة حتى لا يراها. أما هو فقاد خطواته نحو الداخل والذي كان عبارة عن ملهى ليلي لا يضم سوى أصحاب الطبقات الراقية!
توقفت من الخارج تنظر له خلف الزجاج وهو ينضم لإحدى فتيات الليل ويجلس بجوارها ثم يبدأ في طلب كأس الڤودكا خاصته. وكانت الفتاة تتلفت حولها باحثة عن أحدهم حتى وقع نظرها على يسر من خلف الزجاج. وأشارت لها يسر بأن تبدأ. فأماءت بالموافقة والتفتت ناحية حسن. ثم اقتربت منه بطريقة مغرية والتصقت به وكشفت على ساقها من الرداء الليلي الذي ترتديه حتى تسير الخطة كما يجب.
وكانت يسر من الخارج تلتقطت الصور بزوايا تعبر عن وضعهم الغير لائق. واستغلت الفرصة عندما وجدتها تطبع قبلتها بجانب شفتيه. والتقطت الصورة فورًا. ثم وجدتها تنظر لها كأنها تسألها هل يكفي هذا. فأماءت لها بالموافقة وأشارت بيدها على شيء أمامهم. ففهمت هي مقصدها وشرعت في تنفيذه.
بينما هو كان غير مكترث لها تمامًا فقط يقلب نظره بين الفتيات بنظرات وقحة. مما زاد إصرار يسر على معاقبته. فهذا الفاسق يحتاج لشيء يعيده لرشده. كانت تحترق غيرة وهي ترى هذه العاهرة تجلس بجانبه وتلمسه بإثارة وهو لم يبدي أي اعتراض. ياله من وقح وفاسق.. ولكنها اقسمت أنها ستخرجه من هذه القذرات قريبًا!
بالداخل ........
تحدثت الفتاة له بنبرة وضيعة:
_ ألا قولي ياحسن بيه.. هي مش يسر العمايري بنت عمك؟
نظر لها عند ذكرها ليسر وقال بتعجب:
_ آه إنتي تعرفيها من فين؟
_ كانت معرفة قديمة!
ابتسم بسخرية وقال بوقاحة دون أي اعتبار أن هذه الفتاة ابنة عمه وسمعتها من سمعته:
_ لا ده أنا بعد كدا هغير وجهتي مدام بنت عمي تعرفك مش بعيد تكون زيك. ليه أدور برا! .. قال معرفة قديمة قال!
قالت بتصنع الضيق:
_ أخس عليك ياحسن بيه.. إيه زيك دي إنت بتغلط فيا كدا!
أطلق ضحكة مرتفعة ومستهزئة وقال بنظرة شياطنية وجريئة:
_ احنا هنستعبط ي
يارب ساعدني يارب
فتحت الباب بعد أن سمح لها بالدخول وسارت نحوه وهي تحمل بيدها كوب القهوة الخاصة به ثم وضعته أمامه على مكتبه المتوسط وجلست على الفراش موجهة حديثها إليه برزانة:
_ مش ناوي بقى ياكرم تبعد عن موضوع اللي قتل أروى ده وتسيب البوليس يشوف شغله معاه
ليس من عادته أن يرفع نبرة صوته على والدته، بل لم يفعلها منذ صغره وهو يحاول منع انفعالاته أمامها الآن حيث قال بنبرة واضح عليها الاستياء:
_ أنا مش فاضي يا أمي!
استقامت واقتربت من مقعده جالسة في وضع الاستعداد وهي تستند بيدها على حافة المقعد وتطالعه بدموع امتزجت بنبرتها المتوسلة:
_ ابوس إيدك يابني، أنا مقدرش أشوف فيك ضرر إنت وأخواتك ولو حصلك حاجة لقدر الله من ورا المجرم ده هموت فيها.
فر استيائه وحل محله الحنان والرقة التي تذيب قلب أي امرأة حتى أمه، وأمسك بيدها هامساً بنعومة:
_ بعد الشر عليكي ياست الكل، وبعدين هيحصلي إيه يعني؟ أساساً ميقدرش يعمل حاجة معايا ده واحد قاتل وهربان من الحكومة.
هبت واقفة وصاحت به بانفعال أمومي خائف:
_ اديك قولت قاتل.. معنى كدا أنه مش هيتردد لحظة في إنه يقتلك كمان، ولو معملكش حاجة إنت مش هتسيبه سليم وهتخش فيه السجن وفي كلتا الحالتين هخسرك، ليه هتضيع نفسك يابني عشان واحد قذر زي ده.. فكرك إن اروى مبسوطة كدا وهي شيفاك بتقضي على حياتك وحتى الجواز رافضه بتاتا.
عادت نظراته للحدة مجدداً وهو يجيبها بشراسة:
_ أيوة هي فعلاً مش مبسوطة.. مش مبسوطة لإني مخدتلهاش حقها، ده مش واحد قتلها بعربية ولا مسدس ولا سكين، ده مسألة شرف وأنا يستحيل أسيب حق مراتي يضيع كدا، هاخد حقها حتى لو على موتي.. وانتقامي منه هيكون مختلف زي طريقة قتله ليها، وأنا معنديش حاجة أخاف عليها لا زوجة ولا عيال وإنتي ورفيف الحمدلله زين وحسن موجودين يعني غيابي مش هيأثر عليكم.
صدمها رده الذي لا يحمل أي مسئولية، وكأنه مراهق متهور لا يعرف الخطأ من الصح ويسير إينما تلقى به الرياح حتى وإن كان طريق كله الغام.. فكان الرد منها صادم أيضاً بالنسبة له حيث قالت بصرامة وجدية تامة:
_ إنت عايز تنقطني ياواد؟ إيه الجنان اللي بتقوله ده إنت أكيد مش واعي للي بتقوله! أنا مش بقولك متخدش حقها لا طبعاً خد حقها وانتقملها بس بالقانون مش بالبلطجة، واسمع بقى ياكرم والله العظيم لو أذيت الواد ده وعملت فيه زي مابتقول اتأكد إنك خسرتني للأبد وهغضب عليك لآخر نفس فيا.. وابقى لما تلاقيه اختار ياتاخد حق مراتك بالقتل وتحرق قلبي عليك يإما تاخد رضايا عليك اللي هينفعك في دنيتك وآخرتك، وأنا قولتلك أهو وحذرتك.
هب واقفاً ثائراً وهو يهتف بضجر شديد:
_ إنتي ليه مش عايزة تفهمي اللي جوايا؟ أنا جوايا نار بتاكل فيا وبتزيد كل ما افتكر واتخيل اللي حصلها، دي مراتي يا أمي وكانت أسبوع بس و هتبقى في بيتي ومعايا، محدش فاهم وجعي ولا ألمي، من جهة إني خسرتها قبل ما احصل عليها أصلاً ومن جهة الطريقة اللي ماتت بيها ومن جهة شوقي ليها، وصورتها اللي مبتفارقش أحلامي من ساعة ما ماتت.. واللي واجعني اكتر إنها كانت حبيبتي مش مراتي بس وكنت مستني اللحظة اللي نجتمع فيها مع بعض في بيت واحد واتحرمت من ده كله، بسبب القاتل اللي بتقوليلي لو أذيته هغضب عليك، عايزاني انسى اللي حصل واقول يلا مش مشكلة ماهي ماتت والحي ابقى من الميت وهو مسيره ياخد جزائه.. أنا آسف يا أمي سامحيني ارجوكي بس مش هقدر أعمل اللي بتطلبيه مني، لإني لو مخدتش حقها ناري اللي جوايا هتقتلني وتحرقني أنا.
ثم انصرف من أمامها ومن الغرفة بأكملها، وتركها في نازلتها التي سيترتب عليها خسارتها لأحد ابنائها وزهرة قلبها، فما كان عساها شيء سوى البكاء بحرقة وهي تندب حظها وتنوح بصوت خفيض كأنها في عزاء أحدهم.. فقد خسرت زوجها جراء لحادث أليم وكانت ستفقد معه ابنها الذي هو كان رافض الزواج أيضاً بسبب ماضيه الذي لا يرحل عن باله واقنعته بصعوبة أخيراً بالزواج، وحسن الذي لا يحمل مسئولية شيء مطلقاً ويعيش لنفسه فقط، وكرم الذي سيقضي على نفسه بسبب غضبه وتهوره وحزنه على زوجته.. ماذا عساها أن تفعل مع ثلاث رجال كهؤلاء سوى الدعاء لهم بالهداية! . احست بانفاسها تضيق وإنها لا تقوى على الوقوف فسقطت فاقدة للوعي جراء مرضها بالقلب! .
داخل إحدى المستشفيات...
كان يسير إياباً وذهاباً في الطرقة أمام الغرفة الكامنة فيها أمه، ويلعن نفسه في اللحظة ألف مرة لأنه السبب في كل هذا، وشقيقته تجلس على أحد المقاعد ولا تتوقف عن البكاء، اقترب منها وانضم لها على مقعد مجاور لها وضمها لصدره هامساً:
_ خلاص يارفيف، كفاية عياط إن شاء الله هتبقى بخير.. ادعيلها ربنا يقومها بالسلامة.
لم تجيبه واكتفت ببكائها بين ذراعيه، أما هو فانتبه لحسن الذي يتجه نحوهم راكضاً وثواني حتى وقف أمامهم وقال بصوت لاهث ووجه مذعور:
_ حصل إيه ياكرم ماما مالها؟
_ لسا الدكتور مطلعش من عندها، قولت لزين؟
هز رأسه نافياً وأجاب برزانة:
_ لا لما يطمنا الدكتور عليها هتصل بيه بلاش نقلقه من دلوقتي، فهموني حصل إزاي ده؟
تحدثت رفيف بصوت مبحوح ونبرة واضح عليها البكاء العنيف:
_ كانت بتتكلم مع كرم وأنا سمعت صوتها بتزعق معاه وبعدين هو طلع وسابها وأنا طلعت أشوفها لقيتها واقعة على الأرض.
تأفف حسن بعنف بعدما توقع سبب شجارهم ونظر إلى أخيه شزراً هاتفاً بغضب هادر:
_ إنت مش عارف إن أمك عندها القلب يعني! ولا هو عشان تاخد حق مراتك هتخسر أمك بسبب عنادك ياكرم.
أشار إلى رقبته وأجابه بوجه محتقن بالدماء:
_ حسن أنا واصلة معايا لهنا، متتكلمش معايا نهائي.
أومأ بحدة وغيظ وتمتم وهو غير واعي لما يخرج منه فمه:
_ آه ما أنت أهم حاجة عندك مراتك، مش مهم أمك يحصلها حاجة ولا تموت، ابقى خلي انتقامك لمراتك ينفعك لما أمك تحصلها بسببك.
وثب واقف ورفع سبابته في وجهه محذراً إياه بنظرة مميتة:
_ آخر مرة هقولهالك، اتجنبني خالص ياحسن، وموضوع مراتي محدش ليه دعوة بيه، متشغلوش بالكم بيا بس ومحدش هيحصله حاجة.
ثم انصرف وترك أخيه يتابعه وهو يغادر مندهشاً، ثم عاد بنظره إلي شقيقته وقال:
_ شايفة بيقول إيه!! لا ده اتجنن على الآخر.
_ سيبه ياحسن متتغطش عليه، هو كمان معذور حط نفسك مكانه وهتفهمه، وعلى فكرة هو قلقان على ماما أكتر مننا.
صاح حسن في انفعال:
_ ياعم أنا مقولتش إني مش فاهمه ولا إن هو مش قلقان على ماما، بس يعمل حساب إن أمه مريضة ومش بتستحمل ويمسك أعصابه قدامها، كلنا بنحاول نبعد عنها الضيق عشان متتعبش وهو مجرد ما حد يفتح معاه موضوع اروى بيتحول.
قطع حدوثهم خروج الطبيب من الغرفة فركضت رفيف أولاً له تنتظر منه أن يخبرهم بوضع والدتهم، وكان حديثه أعاد لهم الحياة من جديد حيث قال:
_ اطمنوا الحمدلله هي كويسة بس ياريت تتجنبوا إنها تتعرض لمواقف تزعلها أو تعصبها، هي دلوقتي فاقت وزي الفل تقدروا تدخلوا ليها.
_ تمام شكراً يادكتور.
قالها حسن ممتناً بإبتسامة واسعة، أما رفيف فلم تنتظر شيء حيث هرولت إلى داخل الغرفة وعانقت والدتها بقوة وهي تهتف بسعادة ممزوجة بالدموع:
_ حمدلله على سلامتك ياماما، ليه كدا تضايقي نفسك إنتي مش عارفة وضعك يعني ياماما.
غمغمت بصوت متعب ومنخفض:
_ الحمدلله ياحبيبتي.
رأت حسن الذي انضم لهم للتو واقترب من فراش والدته ثم انحني وطبع قبلة رقيقة على جبهتها مغمغماً بابتسامة مداعبة:
_ طاب ما إنتي زي الحصان أهو يادود، أمال عايزة تقلقينا بس وخلاص عليكي.
نظرت هدى إلى ابنتها وقالت بتصنع الضيق مازحة:
_ إيه اللي جاب الواد ده هنا.
ضحكت رفيف بقوة وانطلق هو منه ضحكة رجولية متأججة وأجابها معاتباً:
_ اخص عليكي ده جزاتي يعني ياست الكل.
نقلت نظرها بين أركان الغرفة ثم قالت باستغراب وقلق:
_ كرم فين؟
تمتمت رفيف وهي تنظر لحسن بلوم:
_ اتخانق مع حسن قبل ما يطلع الدكتور من عندك وشكله طلع يقعد برا، هروح انده وأقوله إنك فوقتي.
ثم استقامت وغادرت، بينما حسن فكان يخطف نظرات إلى والدته التي تطالعه باستياء وعتاب شديد، وقبل أن ترمي عليه عتابها وغضبها قال:
_ متبصليش كدا، هو غلطان!
_ لا مش غلطان.. إنت عارف أخوك عمره ما على صوته عليا، أنا اللي حصلي ده بسبب خوفي عليه ليعمل حاجة في نفسه بسبب عنده.. وإياك ياحسن تكلم أخوك وتشد معاه تاني، ده بيني وبينه ملكمش دعوة إنت وزين.
جلس على حافة الفراش وقال ساخراً بابتسامة:
_ حاضر مش هنقرب من ابنك حبيب قلبك، بس أنا بقى مش هتدخله في أي حاجة.
أظهرت عن وجهه الغاضب وقالت:
_ أهو إنت اللي هتتعبني..
هتتدخل ياحسن إنت وعدتني وإلا ....
قال ضاحكاً بمشاكسة:
_ من غير وإلا ياعم، بهزر معاكي أكيد مش هسيبه يودي نفسه في داهية المتخلف ده.
عادت الراحة لقسمات وجهها وقالت باسمة بحب أمومي:
_ ربنا يكرمك ياحبيبي، أيوة كدا خليك ورا أخوك ومتسبهوش.
قطع حديثهم دخوله الغرفة، فرأى حسن أمه تشير له بعيناها إلى الباب، ففهم مقصدها ووقف وغادر تاركاً إياهم بمفردهم. وظل كرم متصلباً بأرضه مطرقاً أرضاً، يخجل من أن يرفع نظره في وجه والدته بعد أن فعله في الصباح معها. حتى أتاه صوتها الناعم والحاني وهي تطلب منه الجلوس بجانبها. فلبي طلبها وجلس بجوارها والتقط كفها يلثم إياه برقة، ورفع نظره لها فرأت الدموع المتجمعة في عيناه وهو يهمس لها بندم وخجل:
_ أنا آسف يا أمي سامحيني، والله ما أقصد أضايقك. أنا مش عارف إزاي اتعصبت كدا عليكي.
ثم دفن وجهه بين كفها وانفجر باكياً كطفل صغير. فانفطر قلبها عليه وملست بكفها الآخر على شعره الناعم هامسة بصوت يغالبه البكاء:
_ أنا مش زعلانة منك يا كرم والله، وعذراك ياحبيبي. أنا كل اللي بعمله ده بسبب خوفي عليك.
رفع وجهه عن كفها وغمغم بخفوت:
_ غصب عني بعمل كل ده والله. حاولت كتير إني أشيل من دماغي الأفكار دي وأخد حقها بالقانون، بس رجولتي وكرامتي مش بتسمحلي. أنا متأكد إنك حاسة بيا وباللي جوايا وعشان كدا مش بتزعلي مني. بس من هنا ورايح هعمل اللي يريحك ويرضيكي.
لاحت ابتسامة ساحرة على وجهها، كلها رضا وحب لفريدها الذي أنعم الله عليها به. ثم مدت يدها ووضعتها على وجنته هاتفة بثقة تامة وابتسامة دافئة:
_ إنت فاكر إني خايفة إنك تقتله؟ لا أنا خوفي الحقيقي عليك منه. لكن إنت متعرفش تأذي حد يا كرم حتى لو كان واحد قاتل ومجرم. إنت بتقول هقتله، بس أنا جوايا واثقة مية في المية إنك مش هتقدر تعملها. ابني اللي ربيته مبيعرفش يأذي نملة، بقى معقول هيأذي إنسان ويقتله؟ مستحيل. عارف لو كان حسن أو زين أقولك أخاف فعلاً إنهم ممكن يقتلوه، لكن إنت مخافش إنك تقتله. أنا خايفة عليك.. خايفة يلبسك تهمة ويدخلك السجن أو يأذيك.
أطرق رأسه في خنق واستياء من نفسه وهو يجيبها ينفي حديثها:
_ للأسف في دي أنا مش هكون ابنك اللي ربتيه ومقدرش أوعدك بحاجة أنا عارف إني مش هقدر أوفي بيها.
غمغمت هدى برزانة وصوت رخيم:
_ عشان كدا بقولك خد حقها بالقانون. هي مستحيل تبقى مبسوطة لما تتأذي بسببها. لكن لما تاخدلها حقها من غير ما تأذي نفسك هتفرح وهترتاح.
تمتم باستسلام مؤقت وخضوع تام لها:
_ حاضر هشوف يا أمي إن شاء الله هعمل إيه. يرجع بس سيف من المأمورية دي وهكلمه.
قبضت على كفه في حنو أمومي وغمغمت بدفء:
_ ربنا يحميك يابني ويريحك زي ما ريحتني.
طالعها بابتسامة بسيطة فبادلته بابتسامة محبة وحانية.
***
هل يمكن أن ينمو عشق نشأ من الكذب والخداع؟
كانت تقول دائماً أن العشق ثقة، وهي الآن ستقبل بالزواج من رجل. وقبل أن تأخذ هذا القرار دمرت مبدأ العشق لديها. فهي هدمت الثقة بينهم قبل أن تبدأ!
ربما انكسار قلبها جعلها على استعداد أن تسير وتدعس على كل القلوب. فقد كانت وفية ومخلصة لدرجة سببت لها الألم فيما بعد. ورغم وفائها فلم يتردد في تلويث مفهوم العشق على أنه ثقة. بعد خيانته لها جعلها تفقد الثقة في أي رجل أي كان. فقدت الثقة ولكن مازالت تحبه، وهذا هو سبب زواجها!!
أجل فقد فكرت بعقليتها الساذجة والمخطئة بأنها ستنتقم لكرامتها منه بزواجها من رجل لا تريده ولا تحبه وفقط من أجل إثارة غيظه وغيرته. ومع الأسف ستفعل أخطأ شيء في حقها وحق زوجها المستقبلي. وستتسبب في هدمان علاقتهم قبل أن تبدأ بسبب هذا الخطأ الذي لا يغفر بالنسبة لرجل مثل زين!
انفتح الباب ودخلت أمها وهي تحمل على يديها ملابسها المغسولة ووضعتها على السرير أمامها. وقبل أن ترحل أوقفها صوت ابنتها وهي تنده عليها فالتفتت وقالت:
_ إيه ياملاذ مالك؟
_ هي طنط هدى مردتش عليكي ولا حاجة؟
ابتسمت الأم بسعادة وعادت فوراً لتجلس بجانبها وتهتف بتلهف وحماس:
_ ردت كلمتني الصبح بدري وقالتلي إن زين موافق وصلى استخارة ومرتاح الحمدلله. وبعدين ميوافقش إزاي ده انبهر لما شافك، هو حد يشوف القمر ده ويرفض؟ بس.. ما علينا، إنتي موافقة صح؟
أصدرت تنهيدة حارة قبل أن تجيبها كالمجبورة على شيء:
_ موافقة ياماما. بس مش عايزة أعمل خطوبة، ياريت نخليها كتب كتاب على طول أو فرح.
اختفت ابتسامة والدتها فوراً وطالعتها بريبة شديدة واندهاش، ثم قالت:
_ فرح إيه ده اللي على طول؟ إيه اللي انتي بتقوليه ده ياملاذ؟
هتفت بحدة بسيطة ونبرة تحمل الألم:
_ زي ما سمعتي ياماما. أنا خلاص كرهت حاجة اسمها خطوبة. يا نكتب كتب الكتاب وبعديها ناخد فترة قليلة لغاية ما نعمل الفرح، يا نعمله على طول وأنا كدا كدا مش ناقصني غير حاجات بسيطة جداً في جهازي وأبقى أكملها بعدين.
صاحت بها أمها مغتاظة:
_ إنتي هبلة يابت، يعني هروح أقول للراجل مثلاً بنتي مش عايزة خطوبة وعايزة جواز على طول ليه؟ أرملة ولا مطلقة؟
_ مش يمكن يكون هو كمان عايز كدا خصوصاً إن كان باين عليه التدين والاحترام.
أكملت الأم صياحها وكان هذا المرة بغضب عارم:
_ اكتمي يابت، أنا هكلم هدى وأقولها إنك موافقة عشان ياجوا ويتقدموا رسمي قدام أخوكي وأبوكي وهنعمل خطوبة على الأقل شهر أو شهرين حتى.
ثم هبت واقفة وانصرفت غاضبة دون أن تسمح لها بمجادلة قرارها. أما ملاذ فظلت في فراشها تتأفف بغيظ!
***
في مساء ذلك اليوم......
ترجلت من السيارة الأجرة أمام منزل متهالك وقديم في منطقة مهجورة ومرعبة. وتلفتت حولها بارتياب جلي، وهي تتوسل لربها بأن يحفظها ويحميها، فهي جاءت لهذا المكان مترددة ولكن بداخلها يقين أن ربها لن يتركها بمفردها في وضع كهذا.
بدأت أصوات نباح الكلاب تتعالى، ومع كل صوت يصدر، جسدها ينتفض برعب. ثم أخذت تقدم قدم وتأخر الأخرى بخوف حقيقي من الذي ينتظرها بالداخل. بالرغم من أنها أخذت احتياطاتها ولكنها لا تأمن شرور هذا الحقير الذي ابتزها بصورها. وأخيراً تقدمت نحو الباب وطرقت الباب، ولحظات قصيرة وجدت شاباً يبدو أن في بداية الثلاثينات يفتح لها، وقسمات وجهه صارمة ومرعبة بالإضافة إلى ندبات وجهه البسيطة بالسكين جراء شجارات وبلطجة معروفة بين هؤلاء النوع من البشر. وبمجرد رؤيته لها ابتسم بخبث، فازداد يقينها أنه هو الحقير الذي يخفي صورها. وهتفت فوراً بغضب عارم:
_ إنت عايز مني إيه؟
_ ادخلي طيب يامزة ونتكلم جوا على رواق.
تلفتت حولها بنظرات مرتعدة ثم عادت بنظرها إليه وقالت بحدة لا تليق ببراءتها ولطافتها التي تظهر أمام جميع الرجال عن طريق قسمات وجهها:
_ لا أنا مش هدخل، قول إنت عايز إيه عشان تمسح الصور بتاعتي.
_ عايزك.
قالها بفظاظة وجراءة شديدة، فتقهقرت هي للخلف في رعب حقيقي. وفي هذه اللحظة أدركت أنها أخطأت أكبر خطأ في حياتها بالمجيء له بمفردها. ولكن ارتفاع صوت ضحكته الرجولية والمستفزة وهو يجيبها لم تهدأها بل أخافتها أكثر:
_ إنتي فهمتي إيه؟ لا أنا مبحبش العنف والشغل ده.. أنا عايز نبقى صحاب وحبايب مؤقتاً يعني وبعدين نشوف هنعمل إيه. ولعلمك ده مش اختياري، ده إجباري.
لا زالت قلقة وخائفة، ففضلت الانسحاب فوراً. وعندما حاولت الهرب قبض على ذراعها وقال مبتسماً بلؤم:
_ رايحة فين بس؟ هو دخول الحمام زي خروجه. تعالي ادخلي هنتكلم شوية ونتعرف على بعض.
سحبت يدها من بين براثن يده وقالت بصوت مرتعش:
_ لا أنا اتأخرت وماما قاعدة في البيت وحدها، مينفعش أسيبها كتير وحدها.
_ ماشي يامزة هصبر عليكي. معلش تتعوض، بس خليكي فاكرة الصور يعني عشان متفكريش تتجاهلي اتصالاتي أو كدا.
لم تجبه وفقط هرولت إلى الخارج تستقل بسيارة الأجرة الذي أتت بها إلى هنا، وهي تحاول التفكر في حل لهذه المعضلة. فأخيها من المحتمل أن يتأخر في عمله ولن يعود خلال الأيام القادمة. ماذا ستفعل؟ لا يمكنها محادثة هذا الحقير ومقابلته! يجب عليها أن تفكر في حل بأسرع وقت! .. كانت هذه هي الأفكار التي تجول بعقلها طوال الطريق.
***
في صباح اليوم التالي......
التقطت الهاتف وعندما دققت النظر في شاشة الهاتف واستطاعت قراءة اسم المتصل بعد عناء بسبب ضعف نظرها، أجابت فوراً مبتسمة بعذوبة:
_ ازيك يا كرم يابني عامل إيه؟
أتاها صوته المهذب به لمسة ابتسامة بسيطة:
_ الحمدلله يا أمي أنا بخير. أنا اتصلت أطمن عليكم لو عاوزين حاجة. بما إن سيف مش هيعرف يكلمكم تاني لغاية ما يرجع بسبب شغله، فأنا زيه بالظبط.
علت الابتسامة الأمومية المحبة وجهها لهذا الشاب الذي في نظرها مثال للشاب المهذب والمحترم وكل شيء. ولم تستعجب من منادته لها بأمه، فهو دوماً يقولها لها:
_ طبعاً يا كرم إنت زي سيف بالظبط والله عندي يابني ربنا يبارك فيك يارب. إحنا كويسين الحمدلله أطمن، ولو عوزنا أي حاجة هتصل بيك أكيد.
هم بأن يجيب عليها ولكن صوت طرق الباب جعلها تهتف في لطف:
_ استني يا كرم الباب بيخبط، خليك معايا على الخط يابني.
أجابها بالموافقة، أما هي فارتدت حجابها واتجهت للباب ثم فتحته واندهشت برؤيتها لعساكر وعلى مقدمتهم ضابط من رتبة رائد، فنقلت نظرها بينهم وشعرت بانقباض قلبها فوراً ثم قالت بترقب:
_ خير، في حاجة ياحضرة الظابط؟
على الجانب الآخر تجمدت عروق كرم وشعر بأنه سيفقد الوعي وهو يسمع من الهاتف الظابط وهو يخبر المرأة العجوز بوفاة ابنها، والتي انطلقت منها صرخة مدوية رشقت في قلبه قبل أذنه. وكانت الصدمة تحتل جميع معلامه ويحاول تكذيب ما سمعه، فلا يمكن لصديقه الحميم أن يتركه ويرحل هكذا في غمضة عين. فقد أعطاه وعد أنه لن يرحل قبل أن يودعه وداع يليق بصداقتهم، وهو رحل دون أن يودعه الوداع الأخير حتى. لم يشعر بنفسه إلا وهو يترك كل شيء وينطلق كالصاروخ بالسيارة نحو منزل صديقه أو منزل فقيده العزيز الذي لا يعرف كيف ستمر أيامه بدونه!
رواية ضروب العشق الفصل الرابع 4 - بقلم ندى محمود توفيق
وصل أخيرًا إلى المنزل وصعد الدرج ركضًا حتى وصل إلى الباب ودخل فورًا عندما وجده مفتوحًا. رأى الظابط يجلس على المقعد في الصالون، وبمجرد رؤيته لكرم، هب واقفًا وهو يقول بتعجب:
"إنت مين؟"
اقترب منه كرم وقال بتلهف ووجهه فرت منه الدماء:
"أنا كرم العمايري، صديق سيف المقرب. قولي حصل إزاي ده ياحضرة الظابط؟"
تنهد الضابط بحزن وشجن وقال بأسف:
"كانت في لحظة اشتباك قواتنا مع العدو، وسيف الله يرحمه اتصاب. والإصابة كانت خطيرة لدرجة إنه اتوفى في لحظتها فورًا. سيادة الرائد سيف كان حقيقي مثال للبطل، وكلنا في حالة صعبة من ساعة ما وصل لينا خبر وفاته. أنا من أصدقائه المقربين في الشغل، ومن وقت ما وصل ليا الخبر وأنا مش مصدق."
أثارته كلمة "الله يرحمه"، فهو لا يزال يحاول تقبل وفاته. مسح على وجهه وهو يحبس دموعه التي على أتم الاستعداد للسقوط، وأشاح بوجهه للجهة الأخرى وهو يردد آية واحدة:
"والذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون.. إنا لله وإنا إليه راجعون."
لملم أشلاء قلبه الممزقة واستعاد رباطة جأشه وقال بثبات مزيف:
"طيب هي فين؟"
قبل أن يكمل جملته، قاطعه وقال الآخر:
"طلبت الدكتور وجالها، هي جوا من بنتها."
أجابه كرم وهو يتصنع الظهور بطبيعية:
"تمام، شكرًا ياحضرة الظابط. لو في أي حاجة هتصل بحضرتك أكيد."
"تمام، البقاء لله وربنا يصبركم."
أماء له بتفهم وانتظر رحيله، ثم توجه نحو أحد الغرف وانتظر أمام الباب خروج الطبيب. وعند خروجه، هرول إليه وقال بتلهف حقيقي:
"خير يادكتور، طمني عليها؟"
"إنت ابنها؟"
قال بدون تردد في قلق:
"أيوه."
"طيب، هي عندها انهيار عصبي وأنا ادتها حقنة عشان تهديها، وياريت تحاول تهديها عشان ضغطها ميعدش وتتعب أكتر لقدر الله. والبقاء لله، ربنا يصبركم."
"سبحان من له الدوام."
ثم هم بإخراج النقود حق كشفه، فأخبره بأن الضابط دفع حقه قبل أن يأتي. فشكره كرم ثم استأذن الطبيب ورحل. فاقترب هو من باب الغرفة وطرق على الباب بلطف، ففتحت له شفق التي كان وجهها عبارة عن دموع فقط، وعيناها غارقة في دموعها كالبحر وحمراء كالدم. تمتم في صوت ممزق ومبحوح:
"البقاء لله يا آنسة شفق."
لم تجبه، فقط اكتفت بالبكاء العنيف. فلم يعرف ماذا يقول لها حتى. ولكن كيف له أن يخفف عن ألمها وهو يحتاج من يخفف عن ألمه أيضًا. ولكن يتوجب عليه الثبات والقوة في مثل هذه المواقف كما اعتاد دومًا أن يظهر نفسه قويًا. فغمغم في ابتسامة متألمة وعيناه شبه دامعة:
"سيف شهيد، وهو دايمًا كان بيتمنى الشهادة وربنا ناولها ليه. العياط مش هيفيده، أدعيله ربنا يرحمه، هو في مكان أحسن منينا كلنا."
رفعت نظرها له وقالت ببكاء عنيف وصوت متقطع:
"أنا وماما ملناش غير سيف، منقدرش نعيش من غيره. وماما ممكن يحصلها حاجة من زعلها عليه."
"لا، إن شاء الله هتبقى كويسة. اطمني، بس إنتي حاولي تمسكي نفسك قدامها وتواسيها. الدكتور قال الزعل الشديد وحش عليها. أنا هستنى برا، وأول ما تفوق اندهي عليا."
أماءت له بالموافقة، وبمجرد رحيله انفجرت باكية بشدة وهي لا تلفظ سوى اسم شقيقها. ثم جثت على الأرض ضامة ساقيها لصدرها وتكمل بكائها وحزنها على حبيب قلبها وأخيها.
***
داخل مقر شركة العمايري...
قادت خطواتها الواثقة والثابتة نحو المصعد الكهربائي وضغطت على زر الطابق الثالث. وبعد لحظات، فُتح الباب وخرجت وهي تعبر الطريق الطويلة المؤدية لمكتبه. وعند وصوله، لم تنتظر سماحه لها بالدخول، حيث فتحت الباب بقوة بسيطة ودخلت. فوجدت الغرفة كأنها ثلاجة، وتلقائيًا رفعت نظرها للمكيف الذي في السقف وأدركت أنه على أعلى درجة. وكان هو مسترخي على مقعده مغمض العينين، وقام بفتح أول أزار قميصه وسترته الجلدية ملقية على الأريكة الصغيرة في آخر المكتب.
فتح عينيه على أثر صوت إغلاق الباب، وعندما وقع نظره عليها، قست ملامحه واعتدل في جلسته هاتفًا بحدة:
"إزاي تدخلي كدا؟ مش في حاجة اسمها باب؟"
لم تظهر أي تأثر بنبرته وحدته، وعلى العكس تمامًا، ابتسمت ساخرة واقتربت من مكتبه الخشبي ذو اللون الأسود، ثم جلست على المقعد وقالت بنظرة شرسة:
"لو فضلت بالوضع ده، صدقني هتندم أوي ياحسن."
أطلق ضحكة رجولية متأججة وقال باستنكار:
"عايزة إيه يايسر؟!"
استقامت ونزلت بكامل قوة يدها على سطح المكتب، فاختفت ابتسامته فورًا وأظهر مكانها الدهشة. ولكن دهشته لم تدُم طويلًا وتحولت إلى ضجر، حيث سمعها تهتف بعنف وغضب هادر:
"أنا كنت متوقعة إنك هتقول عني كلام وحش، بس توصل بيك الوقاحة إنك تفكر بالقذارة دي. إنت مشوفتش مني حاجة لسه ياحسن. وإياك تقارني بـ... اللي بتقعد معاهم في الكباريهات. وقبل ما تتكلم، اعرف إنت بتتكلم عن مين يا أستاذ.. بس معلش، أصل واحد زيك هيعرف الشرف والرجولة منين.. تقريبًا عمي محمد الله يرحمه مجابش رجالة غير كرم وزين، لكن إنت أشك إنك تعرف حاجة عن معنى الكلمة دي أساسًا."
أيقظت بركانه الخامد، وهي تهين رجولته أمامه بجراءة. رجولته التي تراها معدومة! ولا تعلم أنها ارتكبت خطأ لا يُغفر عندما فكرت تهينه بهذه الطريقة. فقد أثارت عواصفه وهيجت أمواج غضبه العاتية. فلم تجد منه إلا أنه وثب واقفًا وقبض على ذراعها، صائحًا بها بأعين نارية:
"متخلنيش أوريكي الوقاحة والقذارة بجد يايسر. احترمي نفسك!!"
دفعت يده بعيدًا عن يده صارخة به بسخط شديد:
"أبعد إيدك. إياك تلمسني فاهم. ياخي يلعن اليوم اللي حبيتك فيه. واعتبر اللي هقوله دلوقتي ده تهديد أو أي مسمى ميفرقش معايا. بس صدقني ياحسن، مش هتردد لحظة إني أقول لمرات عمي عن قذاراتك وأقولها إنت قولت عليا إيه لو فكرت بس تضايقني بالكلام، مجرد بالكلام."
لاحت ابتسامة مستهزئة على جانب ثغره وقال وهو لا يزال الغضب يستحوذ عليه:
"وأنا قولت إيه بقى عنك؟!"
أخرجت هاتفها ثم بدأت تريه صوره مع تلك الفتاة الساقطة. وقد اتسعت عيناه بدهشة واستياء. وزادت الوضع سوءًا عندما قامت بتشغيل التسجيل الصوتي له، والذي كان يقول فيه بحقها أبشع الكلام. وعند انتهاء التسجيل، نظرت له غمغمت بنظرات شيطانية:
"مفكرتش لو بابا سمع التسجيل ده هيعمل إيه؟ ولا علاء لما يعرف؟ وزين لما يشوف صورك دي؟ أو سيبك من ده كله، أنا عارفة إنه مش هيفرق معاك قد ما هيفرق مامتك اللي هي مريضة قلب. يعني لقدر الله لو سمعت التسجيل ده أو شافت الصور دي ممكن يحصلها حاجة."
لحظة ذكرها لاسم أمه، غضبه منذ قليل لم يكن شيء أمام ماهو عليه الآن، لدرجة أنها انكمشت قليلًا بخوف بسيط عندما سمعت تهديده الصريح له:
"اقسم بالله يايسر لو أمي عرفت بحاجة، مش هخليكي تشوفي يوم عدل في حياتك. وأنا لغاية اللحظة دي عامل حساب إنك بنت عمي، فمتخلنيش استخدم معاكي القذارة فعلًا."
استعادت شجاعتها مجددًا وضحكت بسخرية وهمست بتحدي:
"وأنا مبتهددش ومحدش يعرف يهددني. وحط اللي هعمله فيك ده تحت شعار انتقامي من كل كلمة قولتها في حقي. وتحت أسلوبك القذر معايا. واعتبره قرصة ودن بس ياحسن بيه."
ثم استدارت وانصرفت وهي تشعر بالنشوة تعتريها، فقد نجحت فيما تريده وهو إثارة غضبه ورؤية الخوف في عيناه. وبالطبع هي ليست حقيرة بقدره لكي تخبر المرأة المريضة بحقيقة ابنها البشعة وتتسبب في قتلها. ولكنها ستستمتع باللعب على أوتاره حتى تشفي غليلها منه!
***
فتحت هدى باب غرفته دون سابق إنذار، فوجدته ساكنًا في فراشه ويقرأ القرآن بصوت منخفض. فاندفعت نحوه كسهم وابتسامتها كادت تشق طريقها لأذنها. وعندما جلست أمامه على الفراش هتفت بحماس وسعادة غامرة:
"ملاذ وافقت يازين."
توقف عن القراءة تلقائيًا وهمس "صدق الله العظيم"، ثم رفع نظره لأمه يطالعها بجمود وهو لا يستطيع مقاومة مشاعر الفرحة في نفسه. فإنه لا يمكن إنكار أن تلك الفتاة تركت في نفسه أثرًا كبيرًا منذ رؤيته لها. هو ليس من هؤلاء المراهقين الذين ينجذبون للشكل أول شيء، ولكن ما جذبه بها أنه شعر في قرارة نفسه أن هذه هي التي يريدها زوجة وأم لأبنائه. لا يعرف سبب شعوره، ولكنه حتى بعد أدائه صلاة الاستخارة لم يقل شعوره، بل ازداد وازدادت رغبته بها، وكان ينتظر إجابتها بالموافقة، وها هي وافقت أخيرًا!
"مالك ساكت كدا ليه؟ إنت مفرحتش ولا إيه؟"
قال بثبات وبرود كعادته التي لا تظهر مشاعره للعامة:
"خير إن شاء الله يا أمي."
"يارب صبرني عليكم والله، أنا هتجرالي حاجة بسببكم."
قالتها بنفاذ صبر، فانفجر هو ضاحكًا ومسك بكفها يقبله بلطف وحنو، هامسًا من بين ضحكاته مازحًا:
"بعد الشر عليكي. بعدين إنتي عايزة تسمعي إيه يعني.. أيوة فرحان أوي أوي كمان ومش قادر استنى اللحظة اللي هتجوزها فيها، ارتحتي كدا."
نزعت يده بغيظ وقالت بضيق:
"اتريق اتريق يابايخ."
رتب على صدره كدليل على امتنانه لها وهو يقول مكملًا مشاكساته وضحكه:
"تسلمي ياست الكل."
ثم عاد لجديته وأكمل باسمًا بنعومة غامزًا لها:
"شوفيهم بقى ياهدهد عشان نروح نتقدم رسمي."
تهللت أساريرها مجددًا عندما رأت حماسه الذي فشل هو في إخفائه عنها، وقالت بموافقة:
"بس كدا من عنيا ياقلب هدهد إنت."
اقتحمت الغرفة رفيف وعلامات الزعر على وجهها، وهتفت بصدمة:
"الحقي ياماما."
ثبت كل من أمها وأخيها نظرهم عليها في تعجب، بينما هي فأكملت بهلع:
"كرم كلمني دلوقتي وصوته كان باين عليه إنه مضايق جدًا وقالي إن سيف اتوفى، وقالي كمان نروح أنا وإنتي على بيتهم لأن حالة أمه وأخته صعبة وهو مش هيعرف يتصرف لوحده."
وثبت الأم واقفة وشهقت بزعر وهي تقول:
"سيف مات!!! إزاي ده؟"
"مش عارفة ياماما، أساسًا كرم كان صوته غريب أوي ومتكلمش معايا غير أنه طلب إننا نروحله."
مسحت هدى على وجهها ورددت بألم وحزن شديد على هذا الشاب الصغير. وقد أدمعت عيناها بالدموع:
"إنا لله وإنا إليه راجعون."
ربنا يرحمه يارب. روحي البسي طيب يارفيف، وأنا هلبس عشان نروحلهم.
هرولت رفيف لغرفته، وكذلك هدى. همت بالرحيل ولكن زين قال بجدية:
_ أنا هلبس وآجي معاكم.
قالت هدى بصوت باكي ومتأثر:
_ أيوة تعالى أقف مع أخوك ده، تلاقيه هيموت من حزنه على سيف. ربنا يرحمه يارب ويصبر أمه وأخته.
تنهد هو بحزن مماثل لأمه، فسيف كان صديق العائلة كلها، والجميع يعتبره فردًا منهم من شدة تعلقهم به بسبب علاقته القوية مع كرم.
***
مرت أربعة أيام بدون أحداث جديدة.
الجميع في حالة حداد على فقيدهم العزيز، ويترددون كل يوم على منزله ليواسوا شقيقته التي انطفأت، فمن جهة فاجعة أخيها، ومن جهة والدتها التي عبارة عن إنسان آلي لا يفعل شيء، فقط عيناه مفتوحتان يحدق فيمن حوله. أما كرم، فكان يتردد عليهم أكثر من مرة في اليوم ليطمئن على أحوالهم.
مساء اليوم الرابع، لم يتبقى معهم سواه هو ووالدته وشقيقته في المنزل، وكان يقف في شرفة المنزل يتأمل كل شيء من حوله بشجن. فأربعة أيام بدون صديقه كانوا كالأربعة سنوات. وكل لحظة يتخيل أنه لن يراه مجددًا يحترق قلبه بنار الشوق له. ومع الأسف لم تحرق النار قلبه فقط، حتى وجهه انطفت بهجته وضوئه، والبسمة لم تعد تعرف لوجهه طريق، فقط الحزن هو اللي يظهر على محياه. وبينما هو واقف شاردًا، لفت نظره شفق التي كانت عائدة من الصيدلية، والتي أصرت على أن تذهب هي لتجلب بعض مستلزماتها هي وأمها، فلم يعارضها وتركها تذهب هي هذه المرة. ولكن جمد نظره عليها عندما رأى شابًا ينتظرها أمام باب المبنى، وعند وصولها له وقفت تتحدث معه في حوار لم يستطع سماعه.
كانت غائصة في جلبابها الأسود وحجابها كذلك، وتسمرت بأرضها فور رؤيتها له، وبعفوية هتفت:
_ عمر!!
أجابها بخفوت ونبرة خشنة:
_ البقاء لله ياشفق.
_ سبحان من له الدوام. إنت بتعمل إيه هنا دلوقتي؟
بدا عليه جادًا وصارمًا على غير عادته، مما أصابها بالتعجب. وعندما هتف بوضوح:
_ أنا كنت بروح وباجي طول الأربع أيام بطمن عليكي وبسأل جارتكم عنك، وفي واحد كنت دايمًا بشوفه وبشوفك معاه علطول. مين ده؟
قالت بتلقائية وعفوية:
_ قصدك كرم؟
كان واضح عليه الغضب الشديد، وازداد غضبه عندما قالت اسمه بوضوح، حيث قال:
_ مليش دعوة باسمه. أنا سألتك مين ده ياشفق وبتقفي معاه ليه؟ ثم إني مرتحتلهوش الراجل ده وباين عليه إنه مش كويس!!
حتى هي لم يكن لديها طاقة لتتحمل أي عبء آخر أو جدال. وقلبها يلتهب بالنيران وتجاهد في البقاء صامدة فقد من أجل والدتها. وهو الآن يلعب في عداد علاقتهم المحدودة، حيث صاحت به منفعلة وغاضبة، وأكثر ما أثارها هو إهانته لكرم:
_ اللي بتتلكم عنه ده إنت متساويش ضفره أصلًا. لا وجاي بتحاسبني وعامل فيها بتحبني. بس إنت أساسًا عمرك ماحبتني. ووفاة أخويا وضحتلي مين حبيبي من عدوي. وبعدين أنا مشوفتكش في العزا ولا مرة. وكنت متوقعة إنك هتكون أول واحد تقف جمبي في المحنة دي. واللي بتقول عليه مش كويس ده طول الأربع أيام مسبناش لحظة واحدة. ده صديق سيف الله يرحمه من طفولته وطول السنين اللي فاتت مشوفناش منه أي حاجة غلط. فمتجيش تحاسبني على حاجة قبل ما تبص وتشوف نفسك بتعمل إيه ياعمر.
همت بأن ترحل، ولكنه اعترض طريقها وأخرج هاتفه وفتحه على صورة لها يريها إياها. فحدقت بالصورة بصدمة. أنها هي عندما ذهبت لمقابلة الرجل الذي يبتزها بصورها، وكانت الصورة غير لطيفة بتاتًا، حيث أنه كان قريبًا منها جدًا. ولم تصدمها الصورة بقدر ما صدمها هو برده الوضيع:
_ وده صاحب سيف كمان. ولا إنتي كنتي طول السنين دي عملالي فيها الشريفة وإنتي...
منعته من تكملة جملته بكفها الذي سقط على وجنته بقوة، وهي ترمقه بنظرة متقرفة ومشمئزة. امتزجت بخذلانها وأعينها الدامعة. ولكنه لم يكتفِ، ويبدو أنه يريد أقوى من مجرد صفعة، حيث قبض على ذراعها وهتف باستياء:
_ بتبصي كدا ليه؟ أنا اللي مصدوم فيكي ياشفق، إنتي آخر واحدة كنت أتوقع منها ده.
سالت دموعها بغزارة. فكما يقولون "في كل شر خير"، وما حدث معها أخرجها من محيط عميق كانت ستغرق فيه، وجعلها تدرك أنها مخطئة عندما ظنت أن هذا الرجل يمكن أن يكون زوجًا لها. كيف كانت ستكون بينهم علاقة وهو ليس لديه ذرة فقط من درجات الثقة فيها.
لم يدم الوضع كثيرًا، حيث وجد عمر يد تقبض على ذراعه وتسحبه بعنف من على ذراعها. فرفع نظره لها، واتضح أنه هو الذي كان محور حديثهم منذ قليل.
_ شيل إيدك دي. إنت مين؟
انتصب عمر في وقفته وقال ساخرًا بشجاعة:
_ حاجة متخصكش أنا مين. وإنت مالك أشيل إيدي ولا مشيلهاش.
لمحت شفق لمعة الشر والسخط تلمع في عيني كرم، فأسرت وهتفت محاولة تهدئة الأمر بتوسل، ولأول مرة تلفظ اسمه بدون مقدمات!!
_ كرم مفيش حاجة صدقني اهدى وبلاش تعمل مشكلة بالله عليك.
ثم حولت نظرها إلى عمر وصاحت به بضجر:
_ امشي. ومتورنيش وشك تاني.
_ لا أنا حابب أشوف البيه هيعمل إيه.
قالها عمر بتحدٍ واستهزاء واضح، فلم يحرمه كرم من لكمة أطاحت به أرضًا وسالت دماء شفتيه على أثرها. وهاتفه وقع على الأرض بجانبه، وهم بأن يكمل لكماته له، ولكن الصورة الذي كان مفتوحًا عليها الهاتف أوقفته بأرضه وهو يحدق بها بذهول. فانتبهت هي إلى ما ينظر له، وارتعشت بخجل وتوتر، وهرولت إلى عمر، وأول شيء فعلته هو أنها التقطت الهاتف وأنهضته من على الأرض وهي تضع الهاتف بين يديه وتدفعه بعنف صائحة به:
_ امشي بقولك. منك لله ياخي.
هم بأن يقترب من كرم، فدفعته بعنف أكبر وهي تصرخ به:
_ امشي إنت مبتفهمش.
رمق كرم بنظرة نارية أخيرة قبل أن يستدير ويرحل. فتنهدت هي بألم وأحست بأنها ستعاود البكاء مجددًا. وفي لحظة غضب تسأل الله لماذا يحدث معها كل هذا، ثم تعود وتستغفر ربها وتردد "الحمدلله على كل شيء". وقفت للحظات تتابعه وهو يتوارى عن ناظريهم وتفكر فيما ستبرره له عن هذه الصورة. وأخيرًا التفتت له لتقابل نظراته التي المندهشة وهو ينتظر منها تبريرًا، فقالت مخترعة كذبة سخيفة:
_ دي صورة مفبركة!
مسح على وجهه وهو يتأفف، ثم قال بخفوت ونبرة شبه حادة:
_ بصي ياشفق، أنا كنت ممكن أقولك إنك مش مضطرة تبرري حاجة وأنا مليش دعوة لو كان سيف لسا عايش. بس حاليًا إنتي مضطرة لإن أخوكي موصيني عليكي وإنتي مسئوليتي. ففهميني إيه الصورة دي ومتقوليش إنها متفبركة لإنها باينة أنها حقيقة جدًا.
أطرقت أرضًا وسالت دموعها بحرقة وارتفع صوت شهقاتها. فلانت نبرته وقال بتفهم:
_ من غير عياط، الموضوع ميستهلش عياط. أنا مش بقولك إنتي غلطانة ولا عملتي حاجة غلط. أنا واثق تمامًا إنك متعمليش حاجة زي كدا. فلو في حد بيضايقكي قوليلي عشان اساعدك!
رفعت عيناها الدامعة لتنظر له بشيء من الصدمة. فالرجل الذي أحبته وكان يعرفها جيدًا لم يثق بها، وهو الذي لا يعرفها سوى بالشكل لسنوات. فكيف له أن يثق فيها. وجدت نفسها تطرح سؤالها بتلقائية تامة:
_ وإيه اللي يخليك واثق كدا؟
قال مبتسمًا بنفس نبرته السابقة، ولكنه قالها بشيء من الإحراج وهو يجفل نظره عنها:
_ لإني واثق في تربية سيف ووالدتك ليكي. وده سبب كافي اعتقد.
ازداد حدة بكاءها وقالت بصوت مرتجف:
_ هو فعلًا في حد بيضايقني. بس أنا آسفة ياكرم، أنا حاليًا في وضع ميسمحش ليا بالكلام نهائي. بكرا إن شاء الله صدقني أنا بنفسي هتصل بيك وهقولك على كل حاجة.
كرم بهدوء ورزانة، ولكن صوته برغم لطفه امتزج به شيء من الحزم:
_ طيب براحتك. بس خلي في علمك موضوع زي ده مينفعش يتسكت عليه، فبكرا إن شاء الله لازم تكلميني وتفهميني إيه اللي بيحصل.
أومأت له بالموافقة وجففت دموعها، ثم همت بالرحيل فوجدته لم يتحرك. لتنظر له باستغراب، فيبتسم بإحراج ويقول:
_ لا كفاية على كدا، الوقت اتأخر. ولما تطلعي فوق قولي لماما ورفيف إني مستنيهم تحت.
بادلته الابتسامة وقالت بامتنان حقيقي:
_ طيب. شكرًا ياكرم.
لم يجيبها واكتفى بإيمائه البسيطة وهو لا يزال يرسم ابتسامته التي تخطف قلوب النساء دون أن يدري. أما هي فولته ظهرها وقادت خطواته إلى داخل المبنى، وبعد دقائق جاءت أمه وأخته، واستقلوا بسيارته ورحلوا، وكانت هي تتابعهم من الشرفة بالأعلى!
***
كان إسلام ساكنًا وهادئًا على مقعد في غرفته أمام النافذة يتأمل النجوم التي تنير في السماء. فقط عيناه معلقة في هذه السجادة السوداء، ولكن عقله على بعد أمتار بعيدة منه، ثابت عند تلك اللحظة الذي رأى فيها ذلك الملاك وعلق بمخيلته ولم يتمكن من إخراجه! ولكنه يحاول مقاومة ومحاربة هذه السخافة، فمن تلك التي ستقبل برجل عاجز، رجل ناقص! ولهذا يكره أن يعرض نفسه لموقف انتظار موافقة فتاة بعد شفقة منها. أو ربما لأن عائلتها أقنعوها بأن عاهة قدمه ليست معضلة في حياتهم فوافقت مرغمة. هو كأي رجل لا يريد عيش حياة مجبرة أو حياة خالية من الحب والود والتضحية والتفاهم. لا يريد أن يكون لديه أبناء من امرأة قبلت به مجبورة. فقط يتمنى حياة زوجية طبيعية كباقي البشر!
فتحت ملاذ باب غرفته ببطء، فوجدته ساكنًا هكذا وشارد الذهن. ابتسمت بنعومة وأغلقت الباب بحرص، ثم تسللت خلفه ووضعت يديها على كتفيه هامسة بمداعبة:
_ سرحان في مين هااا؟
انتفض بفزع بسيط، ثم التفت برأسه لها وقال في اندفاع:
_ إيه ياملاذ هزارك البايخ زيك ده.
فغرت شفتيها وعيناها بدهشة مزيفة، وقالت بتصنع الضيق:
_ بايخ زي!!! أخص عليك يا إسلام، وأنا اللي جاية افضفض معاك شوية. وقولت أخويا الكبير حبيبي هحكيله وهيفرفشني.
لانت نظرته ونبرته وقال بحب:
_ طيب اقعدي ياختي وقولي مالك؟
جلبت مقعدًا مماثل لمقعده وجلست بجانبه، ثم قالت بلؤم وابتسامة:
_ لا قولي إنت الأول كنت سرحان في إيه؟
رفع حاجبه الأيسر وأطال النظر في وجهها بغيظ، ثم قال في حدة مزيفة:
_ إنتي جاية عشان تفضفضي معايا مش تتطفلي عليا!
قهقهت بصوت مرتفع وقالت معتذرة:
_ طيب خلاص مش هتكلم، حقك عليا.
ساد الصمت بينهم للحظات، قبل أن تبدأ في سرد الكلمات التي تخنقها في صدرها بشجن:
_ العريس جاي بكرا عشان يتقدم. كان نفسي بابا يكون قاعد.
_ ما إنتي عارفة الوضع ياملاذ، بابا ميقدرش ينزل بسبب الشغل.
تنفست الصعداء بخنق وأسى، فدقق النظر في قسماتها ثم قال بترقب:
_ ملاذ، هو إنتي متأكدة إنك عايزة زين وموافقة عليه؟
طالعت أخيها بارتباك بسيط وقالت مسرعة بتأكيد:
_ أيوه طبعًا موافقة، هو لعب عيال ولا إيه ده؟ جواز يا إسلام. أنا بس خايفة يكون مش كويس زي أحمد ومكملش معاه.
تمتم بنبرة رجولية خشنة وصوت رخيم:
_ أحمد إنتي اللي صممتي عليه، ولا أنا ولا أبوكي كان عاجبنا. لكن دلوقتي أنا بقولك أهو، زين أحسن واحد مناسب ليكي وأنا واثق إنه هيحافظ عليكي إن شاء الله. وحتى أبوكي فرح أوي لما أمك قالتله إنه متقدملك، يعني المرة دي أنا وأبوكي اللي اخترنا مش إنتي، واختيارنا هيبقى في محله، اطمني.
هي تثق مثلهم أنه رجل يمكن لأي امرأة أن تتمناه، ولكنها ارتكبت جريمة بشعة في حقها وحقه حين قبلت الزواج به وعقلها وقلبها ملكا لرجل آخر. وستأخذ من زواجها منه انتقام وصفقة لكي ترضي به كرامتها التي بعثرها خطيبها السابق. هي تعلم أن الأمور ستصل لنقطة صعبة إن تم زواجهم وهو يعلم بسبب زواجها منه، ولكن الحقيقة أن الأمور ستفوق تخيلاتها تماما.
***
منزل ضخم وغرفة واسعة ذات ألوان رجولية صارمة، حيث أن الخزانة من اللون الأسود وكذلك الفراش، أما الحائط الأبيض فكان هو الشيء الوحيد المبهج في هذه الغرفة التي كل شيء فيها أسود. وبالرغم من كآبة الغرفة، إلا أن الأسود أعطاها لمسة عظمة وفخامة.
وكان حسن مستلقي على فراشه العريض ويعقد ذراعيه أسفل رأسه يحدق في السقف بشرود، فأن لعنته ترفض الرحيل عنه. وهو عجز ويأس أمام محاولاته للتخلص من لعنة هذا العشق الملوث والملطخ بالكذب والخداع. ليته لم يقابلها قط ولم ينصاع خلف قلبه مسبب المتاعب له. ليته أبى الخضوع لها وانسحب من هذه العلاقة قبل أن يخرج خاسرا. ولكنه أصر على الاستمرار بها وهذا هو ما حصده من علاقة حب فاشلة. حصد الخداع والكذب والاستغلال.
وبينما هو يسبح في ذكرياته المؤلمة، سمع صوت جرس باب المنزل. فعقد حاجبيه باستغراب وجعل يطرح سؤال واحد: "من الذي يعرف أنني هنا؟". لم يدم تعجبه كثيرا حيث هب واقفا والتقط قميصه وارتداه دون أن يغلق أزراره، واتجه نحو الباب وفتحه بقوة. ففوجئ بمن كانت تشغل تفكيره للتو. أما هي فحدقت بمظهره العلوي وبقميصه المفتوح الذي يبرز عضلات بطنه وصدره، ورفعت نظرها له بشيء من الدهشة بعد أن ظنت أنه بصحبة فتاة بالداخل. قرأ أفكارها من نظراتها وتأفف بخنق قائلا:
_ أظن إني آخر مرة شوفتك فيها قولتلك متتورنيش وشك تاني، صح ولا لا؟
تجاهلت لهجته القاسية ونظرته النارية وحاولت اختراقه لتنظر داخل المنزل حتى تتأكد من شكوكها. فأجابها هو بحدة امتزجت بنظرة وضيعة ولئيمة:
_ مفيش حد جوا، بس لو إنتي حابة معنديش مانع. بما إنك جاية بيت راجل عازب في الساعة دي.
_ حسن، بلاش تتكلم بالأسلوب ده ارجوك. إنت عارف إني بيتي قريب جدا من هنا، وأنا جيت اتكلم معاك شوية وكنت متأكدة إني هلاقيك هنا النهاردة. لإن النهاردة عيد ميلادي وإنت كنت بتجبني هنا كل سنة في عيد ميلادي وبتكون عاملي احتفال صغير، فتوقعت إني ممكن ألاقيك هنا.
ضرب بكفة يده على جبهته وتصنع النسيان والضيق:
_ اووووه، هو النهاردة عيد ميلادك؟ نسيت خالص للأسف. وزي ما إنتي شايفة مفيش حفلة ولا حاجة. أصل أنا مبقتش أعترف بأعياد الميلاد دي.
تشربت سخريته منها وقسوته وقالت بأعين دامعة:
_ طيب ممكن أدخل هنتكلم خمس دقايق وبعدين همشي.
أصدر تنهيدة حارة ثم أفسح لها الطريق لتدخل وأغلق الباب خلفها. فتوجهت هي وجلست على الأريكة الصغيرة وجلب هو مقعد وجلس في مقابلتها على مسافة منتظر منها التحدث. فنهدت هي وقالت بصوت مبحوح:
_ أنا مخدعتكش زي ما إنت فاهم. أنا عمري ما بصيت لفلوسك ولا مالك، أنا كنت بحبك فعلا يا حسن. اللي حصل إني سمعت إنك ناوي تخطب واحدة غيري وتخدعني. فساعتها حسيت إن إنت اللي خدعتني وقررت إني كمان انتقم منك. ولما جيت وقولتلك الكلام ده كنت بقوله عشان انتقم منك وانهي كل حاجة بينا. لكن والله ما خدعتك زي ما أنت فاهم.
أنهت حديثها وأخذت تنظر له في انتظار رده، ولكنه كان جامدا لا يصدر أي ردة فعل وتعبيرات وجهه طبيعية جدا. وفجأة وجدته ينفجر ضاحكا بقوة وصوت ضحكة ملأ الأركان. فطالعته بحيرة. ولكنه مثلما انفجر ضاحكا فجأة صمت فجأة وقال بنظرة شرسة ومميتة:
_ واللي قالك اني خدعتك نسي يقولك إني مش عبيط عشان تاجي تألفي عليا قصة وأنا هندهش وأندم وأقولك اوووه أنا آسف ياحبيبتي ظلمتك سامحيني وانزل ابوس رجلك عشان تسامحيني. لا مليش في شغل الروايات والمسلسلات ده، احنا في الواقع والواقع بيقول إن اللي اتكسر مش بيتصلح.
قالت مسرعة وهي تكمل كذبتها السخيفة ولكنها تتقنها باحترافية:
_ أنا مش بكدب عليك، صدقني ياحسن.
جلس بإريحيه أكثر على مقعده مما جعل جزئه العلوي العاري يظهر أكثر وغمز لها بوقاحة قائلا:
_ أنا ممكن أنسى اللي حصل ونبقى أنا وإنتي حبايب وزي السمنة على العسل. لأن الصراحة أنا خلاص شطبت مبقاش عندي صنف الجواز والحب والكلام الفارغ ده، أنا بخش على التقيل على طول. فلو حابة يبقى زي الفل ونبدأ من الليلة دي كمان وأهو نحتفل بعيد ميلادك ومتقلقيش هتطلعي الصبح بقرشين حلوين.
فغرت شفتيها وعيناها بذهول واستقامت وهي تقول بغضب:
_ أنا عارفة إنك بتقول كدا عشان تعصبني وتخليني أمشي وأكرهك، بس خليك فاهم ياحسن إني لآخر نفس فيا هفضل أحاول إني أخليك تسامحني.
ثم استدارت وانصرفت من المنزل بأكمله. وتركته كما هو ساكن بمقعده ولكنه يضغط على قبضة يده بعنف ويجز على أسنانه بقوة في غيظ. فمازالت تحاول خداعه هذه الشيطانة. مازالت تحاول التلاعب بمشاعره. فقط لأنها تعلم أنها لا تزال تعيش في صميمه.
***
مع صباح يوم جديد حافل بالمفاجآت والأحداث الدسمة.
كان كرم يجلس في أحد المقاهي يحتسي قهوته بشرود ووجه منطفئ. فصورة صديقه لا تفارق مخيلته. وفي كل لحظة يتذكر موقف مختلف لهم مع بعض فتزداد النار المشتعلة في صدره اشتعالا. جذبه من شروده جلوس شفق أمامه وهي تقول بصوتها الرقيق:
_ صباح الخير. أنا آسفة خليتك تطلع بدري كدا من البيت، بس مفيش وقت ينفع غير دلوقتي. لإن خليت أم مصطفى جيراني تقعد مع ماما لغاية ما آجي، وهي شوية كدا بيبقى معاها شغل و....
قاطعه مبتسما بنبرة رخيمة ونظرة طبعت بصمتها عليها:
_ في إيه ياشفق؟ هو أنا اشتكيت؟ ليه ده كله؟
أطرقت أرضا خجلة وهمست بصوت يكاد لا يسمع:
_ أنا آسفة. بس خوفت تكون اتضايقت فحبيت أبررلك موقفي.
لا زال يبتسم عليها ثم حاول أن يخفي ابتسامته تدريجيا وقال بجدية:
_ هااا، قوليلي بقى مين اللي بيضايقك وإيه موضوع الصورة دي؟
تنهدت بقوة وحاولت استجماع قواها لتسرد له القصة منذ بدايتها. كان الأمر صعبا ومرهقا للأعصاب. ففكرة أنها تجلس مع رجل لا تعرف عنه سوى أنه صديق أخيها الحميم كانت مربكة في حد ذاتها، ولكنها مرغمة. لعله يخرجها من وحلها ويساعدها. فهو الآن أملها الوحيد.
أجفلت نظرها عنه وبدأت تسرد بتوتر واضح كالآتي:
_ الموضوع بدأ يوم لما سافر سيف الله يرحمه للمأمورية دي. في نفس اليوم أنا كان عندي وحدة صحبتي منها لله أعرفها من زمان جدا سنين يعني. فهي جاتلي بليل وكانت جايبة معاها هدوم قالتلي إنها اشترتها جديد والهدوم كانت مش كويسة لبنت تلبسها في البيت حتى لو هي معهاش اخوات أولاد. وطلبت مني أقيسها وأنا رفضت رفضا قطعيا إني ألبسها أصلا. وبعدين وافقت قولت مفيهاش حاجة لنا قالتلي أنها عايزة تشوفها عليا. وبعد ما لبستها لقيتها عايزة تصورني فزعقلتلها وقتها وبرضوا فضلت تحاول معايا لغاية ما وافقت لما قالتلي هتوريها لمامتها وتمسحها فورًا. ومامتها أنا عارفها كويس أوي وهي عارفاني وعارفة ماما. وأنا الحقيقة كنت واثقة فيها، قولت دي صحبتي ومستحيل تعمل حاجة تأذيني. وبعدها بيومين لقيت رقم غريب بعتلي صوري دي واتصل وبيا وابتزني بيها إني لو مقبلتوش هينشر صوري على النت. فأنا حاولت أخوفه بأن أخويا ظابط بس مأثرش فيه. فاضطريت أروح أقابله وكان المكان مهجور ومخيف وكان بليل. وبعديها على طول أنا روحت لبيت صحبتي دي لقيت مامتها بتقولي إنها سافرت لجدها وجدتها. ولما سألتها هي ورتها صور ليا ولا لا قالتلي لا و......
همت بأن تستكمل سردها ولكنه قاطعها بنظرة مندهشة وحازمة:
_ روحتي بيته!!!!!!
فهمت ما يدور في مخيلته فقالت مسرعة بخجل:
_ لا لا مفيش حاجة. أنا مدخلتش حتى وقفت على الباب بس ومتخطتش الخمس دقايق وقعد يقول كلام قذر كدا إنه....
توقفت فجأة ولم تتمكن من تكملة ما قاله هذا الوغد. فقد كانت كلماته تعبر عن مبتغاه القذر منها. عادت تتحدث من جديد قائلة:
_ ما علينا مش شرط هو قال إيه. المهم إنه مقدرش يقربلي وأنا مشيت فورا. والصورة دي هو فيها ماسك إيدي لما كنت عايزة أمشي. وحد شكله صورها بزاوية جابت الصورة بالشكل اللي شوفتها. واللي استنتجته بعد اللي حصل امبارح إن هي عملت كل ده عشان تفرق بيني وبين الولد اللي شوفته امبارح لإنه كان بيحبني وهيكلم سيف عشان نتخطب وكدا وشكلها كانت عينها عليه فحبت تأذيني بأي شكل. وبعد ما صورتني بعتتله الصور عشان تفهمه إني مش كويسة. بس هي متعرفش إني خدمتني لأنها كشفتلي حقيقتها وحقيقته.
هتف كرم وهو يشعر بالتشتت:
_ شفق أنا مش فاهم وحدة وحدة عليا بالله عليكي. دلوقتي إيه حكاية الواد بتاع امبارح ده بالظبط؟
عادت تشرح له بتوضيح أكثر:
_ عمر أنا أعرفه من زمان أوي واحنا نعرف عيلته وهو معايا في الكلية وهو كان بيحبني وحاول كذا مرة أنه يكلمني وأنا كنت برفض. وآخر حاجة طلبت منه إنه يكلم سيف ويتقدملي لو فعلا هو بيحبني. الكلام ده كان قبل ما يسافر سيف بيومين. وصحبتي دي كانت غيرانة مني بمعنى أصح فحبت تأذيني بالطريقة دي.
_ طيب والراجل ده كلمك تاني؟
هزت رأسها نافية وقالت:
_ لا متصلش تاني.
_ طيب اسمعي لو كلمك تاني وطلبت منك تروحيله تقولي له موافقة وتتصلي بيا تقوليلي على المكان وأنا هتصرف.
أومأت له بالموافقة بدون جدال أو نقاش ولكنه أكمل بنبرة واضح عليها الاستياء:
_ إنتي غلطانة من البداية يا شفق. إزاي توافقي تتصوري بهدوم زي دي؟ نفترض إن هي صحبتك فعلا ومكنش في نيتها حاجة ممكن يحصل أي حاجة تنسي ما تمسحهم وتلفونها يضيع منها أو حد يسرقه أو أي نيلة. لكن هي طلعت بنت...
ما تتصرفيش من دماغك تاني نهائي، لإن حاجة زي كده مش هزار. وإنتي روحتي لحيوان زي ده بيته، الحمد لله إنه محصلش مصيبة. من هنا ورايح مش هتعملي غير اللي هقولك عليه.
حاضر.
قالتها باستسلام تام، فأكمل هو بوجه واضح عليه الضجر:
هاتي الرقم اللي كلمك منه، ورقم صحبتك دي كمان.
أخرجت هاتفها وأملته الأرقام، ثم ساد الصمت بينهم للحظات وهي تحدق أرضًا. فقد أصبحت كالشجرة الذي أهلكها الزمن، ومن أول رياح ستسقط بأوراقها الذابلة. أو كطائر ليس لديه عش لكي يحتمي ويلوذ به. جذبها من شردها صوته الهادئ وهو يقول:
هنا في فطاير وكريب غير المشروبات. اطلبي اللي يعجبك من المنيو، أكيد مفطرتيش.
هزت رأسها باعتراض وتمتمت بحزن:
لا مش عايزة، شكرًا. أنا همشي عشان متأخرش على ماما.
فهم سبب ضيقها وحزنها، فقال برزانة وحنو:
شفق، إنتي زي رفيف بنسبالي. متزعليش مني لو قسيت عليكي في الكلام شوية، ده عشان مصلحتك. متقلقيش، كل حاجة هتتحل. سيبيني إنتي بس الموضوع ده وأنا هتصرف مع الحيوان ده. يلا بقى اطلبي حاجة تاكليها أو حتى تشربي.
كرم، والله مليش نفس بجد.. خليني أمشي أفضل.
استقام وقال بعدم حيلة:
طيب، براحتك. يلا هوصلك معايا.
همت بأن تعترض أيضًا، فقال بشيء من الحزم وكأنه يلقي عليها أوامر مفروغ منها:
إنتي عارفة عربيتي طبعًا، استنيني برا وأنا هدفع حساب القهوة وآجي وراكي.
تأففت بنفاذ صبر، ثم اندفعت إلى الخارج تنتظره أمام سيارته كما طلب منها أو أمرها بالأحرى. وبعد دقائق وجدته يقترب منها وفتح أبواب السيارة بجهاز التحكم الخاص بها، فاستقلت بالمقعد الخلفي وهو بمقعده المخصص. ونظر لها وابتسم عندما وجدها مغتاظة وكجمرة نيران مشتعلة، فحرك محرك السيارة وانطلق بها، ثم هتف مداعبًا:
كل ده عشان قولتلك هوصلك!! ولا عشان اجبرتك!
هتفت وهي تفرغ به كل عيظها:
أنا حكتلك عشان حسيتك عايز تساعدني فعلًا وعشان بثق فيك. لكن الأسلوب ده مش هسمحلك بيه.
أصدر ضحكة بسيطة وقال يكمل مرحه:
أنا مش شوية. قولتلك إنك زي رفيف، فاتعودي على أسلوبي ده لإننا هنتقابل كتير أوي من هنا ورايح.
كرم، متخلنيش أندم إني حكتلك وسمحتلك تتكلم معايا أساسًا.
اختفى مرحه فورًا وعاد لجديته وقال برجولية صارمة:
سيف الله يرحمه قبل ما يسافر جالي الشركة وقعد يقول كلام كده كتير. أنا اتعصبت منه ونهيت الموضوع. بمعنى أصح، هو كان حاسس إنه مش هيرجع فوصاني عليكم. وأنا بعمل بوصيته يا شفق، إنتي ووالدتك مسئوليتي دلوقتي وأنا هكون زي سيف بالظبط بنسبالك وبالنسبة لوالدتك. ولو مضايقة إني بتكلم معاكي بحرية شوية زي كأنك أختي، أنا آسف وحقك عليا. بس متتوقعيش إني هسيبكم وحدكم نهائي.
أشاحت بوجهها عنه وهي تتنهد بحيرة من أمرها. فهو لا يفهم سبب غضبها. لا يفهم أنه بدأ يلقي تعوذيته عليها بابتسامته الساحرة ولطافته وحتى خجله في بعض الأحيان. كل هذه الصفات تجرها لمحيطه تدريجيًا. فتحاول أن تجعل كل شيء بينهم رسمي حتى لا تسقط في تعويذة العشق. لأنها تعلم أن قلبها لا يختار من العشق إلا أصعبه.
سقط هاتفه من يده في العربية، فانحنى لكي يلتقطه. وكانت هي قد أفاقت من شرودها، وبمجرد وقوع نظرها على الطريق صرخت بهلع:
كـــــــــــرم!
رواية ضروب العشق الفصل الخامس 5 - بقلم ندى محمود توفيق
سقط هاتفه من يده في السيارة فانحنى لكي يلتقطه، وكانت هي قد أفاقت من شرودها. بمجرد وقوع نظرها على الطريق، صرخت بهلع:
"كـــــــــــرم!"
رفع نظره على أثر صرختها وانحرف بالسيارة بقوة عن الطريق، وأوقفها على الجانب. ثم أصدر تنهيدة حارة واضعًا كفه على وجهه وقال دون أن ينظر لها:
"أنا آسف.. إنتي بخير؟"
أخرجت هي الأخرى زفيرًا براحة وتمتمت برقة غير مقصودة:
"حصل خير، الحمدلله أنها جت سليمة.. خلي بالك إنت وبتسوق بعد كدا!"
استغفر ربه مرارًا وتكرارًا، ثم قال البسملة وحرك محرك السيارة من جديد وانطلق بها، ولكن كان أكثر حذرًا ويقود بهدوء. بعد دقائق توقف أمام منزل صديقه، وقبل أن تترجل من السيارة، آتاها صوته الخافت:
"زي ما قولتلك ياشفق، اتصلي بيا."
أردفت بإيجاب:
"حاضر!"
***
خرجت من إحدى محلات مستلزمات التجميل وهي تحمل بيدها أكياس بها ملابس وأكياس أخرى بها مستلزمات مختلفة. كانت على وشك استقلال سيارة الأجرة لولا يده التي قبضت على ذراعها وهو يقول:
"ملاذ!"
التفتت خلفها وطالعته بدهشة، وسرعان ما سحبت يدها بعنف صائحة به:
"إنت إزاي تمسك إيدي كدا! طبعًا ما أنت حقير وماخد على السفالة دي!"
غمغم أحمد بنبرة شبه راجية:
"ملاذ بلاش كلامك ده ابوس ايدك، والله أنا ندمان ندم عمري. اديني فرصة اثبتلك إني ندمان وإني استاهل ثقتك مرة تاني."
ابتسمت ساخرة وأجابته باستهزاء:
"ثقتي مرة واحدة! أنا آسفة يا أحمد بيه، اتأخرت أوي!"
"ملاذ أنا والله بحبك أوي، أنا كنت حيوان فعلًا لإني ضيعتك من إيدي. ابوس إيدك سامحيني واديني فرصة تانية."
هي أيضًا لا تزال تحبه، ولكن حبها صادق، أما حبه ملوث ومدنس بماء عكر امتلأ بالكذب والخداع والخيانة. هذا إن لم يكن حبه الذي يدعيه كذبًا أساسًا. وهي اقتربت من انتقامها لكرامتها، وإن كان يحبها بالفعل فستكون حققت نصرًا ساحقًا بزواجها من زين. فقط كي تشعره بنفس شعورها وتلهب نيران الغيرة في صميمه!
خرج صوتها صارمًا وجافًا:
"وللأسف مازلت حيوان في نظري وهتفضل كدا طول عمرك."
ثم استدارت وأوقفت سيارة أجرة، ثم استقلت بها وانصرفت من أمامه، بينما فبقى هو يفكر في طريقة لإعادة المياه لمجاريها!
***
وصلت رفيف إلى النادي الخاص بها بعدما قررت أن تشاركها اليوم إحدى صديقاتها والتي ستأتي بعدها. عبرت باب النادي الرئيسي وكانت في طريقها للحديقة العامة، وقبل أن تتجه ناحية إحدى الطاولات لمحت الجالس بمفرده على نفس الطاولة، فتسمرت بأرضها. بدأ هرمون السعادة في الإفراز، وتذكرت مقابلتهم منذ فترة قليلة فازدادت ابتسامتها وإحراجها، ولكنها قررت بأخذها وسيلة للتحدث معه!
لم تنسَ إعجابها به منذ فترة عندما رأته صدفة مع والدته. ربما هي مشاعر زائفة وليس لها أساسًا، ولكنها حتى الآن تراه جديرًا بهذه المشاعر. وهناك شيء مجهول يجذبها إليه!
تحركت نحوه بتردد في بادئ الأمر، وكان هو مندمجًا في قراءة إحدى الكتب حتى وقفت أمامه وتمتمت بابتسامة مرتبكة:
"السلام عليكم."
رفع نظره لها وتجمدت ملامح وجهه لثوانٍ، ثم استقام فورًا ومد يده مصافحًا إياها بلباقة مع ابتسامة مرحبة:
"وعليكم السلام، أهلًا وسهلًا يا آنسة رفيف.. أخبارك إيه؟"
ردت عليه بنفس ابتسامتها السابقة وصوتها اللطيف:
"الحمدلله بخير.. أنا شوفتك بالصدفة وقولت أسلم عليك."
"طيب اتفضلي اقعدي ولا إنتي مستنية حد؟"
قالها إسلام بنبرة مهذبة، فأجابته هي بحرج بسيط، أو شديد ولكنها تتغلب عليه فقط من أجل محادثته!:
"آه صحبتي جاية في الطريق، بس مفيش مشكلة ممكن أقعد لغاية ما تيجي."
أومأ لها بابتسامة صافية، ثم جلست على المقعد المقابل له وهو على مقعده. بدأت هي الحديث بنبرة تحمل الاعتذار:
"طيب بمناسبة اللي حصل المرة اللي فاتت تسمحلي أعزمك على حاجة كعتذار مني."
"اعتذار إيه! الموضوع بسيط والله مش مستاهل ده كله."
"أنا خفت تكون اتضايقت جامد عشان القميص وكدا يعني؟"
أصدر ضحكة صامتة وغمغم برقة تليق بصوته الرجولي:
"لا والله عادي خالص، وبعدين أنا معايا غيره كتير مش هتفرق معايا القميص ده يعني. على العموم لو حابة تعزميني معنديش مانع مع إن أنا اللي المفروض أعزمك بس مش هكسفك."
كان لديها كامل الحق بالإعجاب بهذا الكائن الجميل. ويبدو أن الأمر سيتخطى الإعجاب إن استمرت هكذا! حاولت الظهور بمظهر عدم التوتر وقامت بطلب كوب من الكاكاو كما قال، وطلبت لنفسها مشروبًا غازيًا. ثم ساد الصمت بينهم للحظات، فوقع نظرها على الكتاب الموضوع فوق سطح الطاولة وقرأت اسم الكاتب. ففوجئت باسمه، وبدون تردد رفعت نظرها له وقالت بحماس وفرح:
"إنت اللي كاتب الرواية دي؟"
نقل نظره بين الكتاب وبينها وغمغم بخفوت باسمها:
"آه أنا!"
قالت بعفوية في سعادة غامرة وتشوق:
"إنت بتكتب روايات بجد! أنا بحب أقرأها جدًا. ممكن أغلس عليك وأطلب منك الكتاب أقرأه وهرجعه تاني والله بعد يومين؟"
انطلقت منه ضحكة تلقائية مرتفعة على طريقتها وكلامها، وغمغم بخفة وبساطة:
"اتفضليه طبعًا واعتبريه هدية كمان مش عايزة."
"لا لا هرجعه طبعًا أو هدفع تمنه!"
"أنا بكسب متابع فده مصلحة ليا برضوا!"
ضحكت بخفة على مشاكسته وقالت باسمة:
"لا اعتبر المتابع كسبته من دلوقتي! بس برضوا هقراه وهرجعه والله."
تنهد بعدم حيلة ورسم الابتسامة العذبة على ثغره وأردف:
"طيب اقريه الأول وبعدين نشوف موضوع ترجعيه ده."
قالها وهو يمده لها، فالتقطته من بين يديه واستقامت وهي تمسك بيد زجاج المشروب الغازي وباليد الأخرى الكتاب، وتهتف في جدية:
"إن شاء الله هرجعهولك في خطوبة زين وملاذ ده لو مخلصتهوش قبل كدا."
أومأ لها مبتسمًا، فبادلته الإيماءة كتحية وداع واتجهت نحو طاولتها التي كانت بعيدة عنه. وجعل ينظر لها مبتسمًا بعد أن بدأت مشاعره تتخبط داخل قلبه. وأحس هو الآخر بأن هناك شيء مجهول يجذبه لها! ولكن حين نظر لقدمه العاجزة ولعكازه المسنود على المقعد المجاور له، ابتسم ساخرًا ووبخ نفسه بشدة ولام مشاعره السخيفة، فليس هناك من ستقبل به وهو عاجز وضعيف!
***
ظلام كاحل! وسماء صافية تزينها النجوم الساهرة، مع ضوء قمر شارد. ويزيد من جمال الأجواء الهادئة نسيم الهواء البارد وهو يلفح بشرته وشعره، وعدم اكتراث منه للأجواء الباردة. فكان يتأمل السماء بشرود. تارة يعيد ذكرياته مع زوجته وتارة مع صديقه الذي لم يمر على وفاته أسبوع! أحس بألم مميت يأكل في صدره وبالأخص في قلبه. يأكل الأخضر واليابس وعلى وشك جعله أرضًا يباب لا حياة فيها، أرض تحتاج للتعمير من جديد. وربما التعمير يستغرق سنوات عمره الباقية ويموت دون أن يكمل إعادة تعميره. في بداية الأمر فقدانه لأبيه، ومن ثم زوجته، والآن صديقه. صديقه الذي لا يعلم أحد عن نيران قلبه التي لا تنطفئ. لا أحد يرى مدى دماره الداخلي حينما يذهب لزيارة قبره فينكب أمامه باكيًا كالأطفال. فقد كانوا كشيئين من المستحيل انفصالهم عن بعض سوى الموت، ولقد فصل الموت أحدهم عن الآخر دون سابق إنذار!
اقتحم حسن خلوته مع أحزانه وجلس بجواره مداعبًا:
"نزل عليك الإلهام ولا لسا؟"
نظر له ورفع حاجبه هاتفًا ببرود كشيء من المشاكسة بينهم:
"اهااا وبيسلم عليك ياخفة!"
لم يعلق حسن على ما قاله ولكنه قال ساخرًا:
"عيني عليك البت حنين جاية بكرة، يابني قولي لو حابب مساعدة والله أخليها تصرف نظر عنك خالص بدل ما إنت في المرار ده."
"كان القرد نفع نفسه!"
قالها وهو يبتسم بمكر، فالتزم الصمت للحظات حتى قال وقد تبدلت ملامح وجهه للحقد:
"لا يسر دي عايزة حاجة تظبطها بجد."
"إن جيت للحق أنا اتخنقت من حنين ومبقتش عارف أعملها إيه دي لزقة ياعم. دي ناقص تدخل ورايا الحمام. مكان ما أروح ألاقيها في ديلي!"
قهقه بصوته المرتفع وغمغم بمكر:
"ما أنت غلبان وعلى قد نياتك وهي عارفة إنك بتتكثف ومش هتكسفها بس أنا صايع سيبهالي بكرة وأنا هظبطهالك."
أبدى كرم الجدية وهتف:
"طيب بمناسبة الصياعة مش ناوي تلم نفسك ياحسن؟ أنا كنت متوقع إن أخرك صحاب والكلام بس شكله الموضوع تخطى الحاجات دي."
"كرم أنا مش صغير وعارف كويس أوي بعمل إيه. أكيد مش هتوصل بيا للي في دماغك. ومتحاولش تفهمني إنك إنت وحضرة الشيخ زين كنتوا قمة في البراءة."
عاد لابتسامته وهو يداعبه ولكن بطريقة رزينة:
"إنت عارف كويس إني مليش في مواضيع البنات دي أصلًا وببذل مجهود عشان أتعامل مع أي بنت. أما زين فلو كان ليه في الكلام ده كان زي أي شاب طايش وده بعد اللي كان بيحصل له، فزين وضعه مختلف وكان بيعمل حاجات وهو مش في وعيه ودلوقتي الحمدلله ربنا هداه. فاعقل كدا ياحسن، إحنا لينا سمعتنا ومعروفين ومش ناقصين فضايح وأمك لو عرفت بعمايلك دي هيجرالها حاجة."
تأفف بعنف وهتف في ضجر شديد وانزعاج:
"وفر نصايحك لنفسك ياكرم، أنا عارف كل ده كويس ومش محتاج حد يذكرني بيه."
"لا مش عارف يا أستاذ. ومتفتكرش إني عبيط، أنا عارف كل المخاريب اللي بتروحها وبتسهر فين. ورغم كل ده بقول إنك هتعقل بس مفيش فايدة واضح. إنت مش مدرك عظمة الذنب اللي بترتكبه وأنا بحاول أبعد زين عنك بقدر الإمكان لأني عارف إنكم مش بتتفاهموا مع بعض وفي كل مرة بتتخانقوا. بس كفاية اعقل كدا وبطل القرف ده، أنا خايف على مصلحتك."
هب واقفًا ورمقه بخنق وامتعاض كدليل على عدم اقتناعه بما حاول نصحه به أخيه، ثم استدار وانصرف، فأصدر كرم تنهيدة بنفاذ صبر ويأس.
***
كان زين مستغرقًا في النوم وكذلك في الأحلام، لكنها أحلام مفزعة باتت تسبب له حالة نفسية وتذهب بعقله!
كان بؤبؤا عيناه يتحرك بعنف تحت جفنيه وانفاسه سريعة وغير منتظمة كأنه يجاهد في الفرار من شيء، شيء مرعب كأشباح أو ما إلى ذلك! ولكن ياليته شبح!
هو صديقه الذي رحل عنه بسببه. هو من أطاح به لحافة الموت فقط من أجل شعور باللذة سيدوم لساعات. ولكن الأمر لم يدم لساعات بل للأبد. فذهب هو لرب كريم واستمر هو في مسيرة حياته. تطيح به الحياة تارة من هنا وتارة من هنا ويتخبط في أزماتها مقاومًا دواماتها. فيذهب ويأتي للحياة مرات عديدة. والآن هدأت الحياة من سهامها التي تطلقها عليه متتابعة ولكن ضميره لم يهدأ. وسيظل يعاني من آلام الضمير في كثير من ذنوبه. ولن تتركه كوابيسه المزعجة مطلقًا حتى يتصالح مع نفسه!
فتح عينيه دفعة واحدة مفزوعًا وهو يلهث من الهلع. وهب جالسًا على فراشه. ثم أنزل قدميه في الأرض ودفن وجهه بين راحتي كفيه ويستغفر ربه مرارًا وتكرارًا. محاربًا شعورًا يمزقه ويضغط على أنفاسه التي تخرج متقطعة. فعجز عن مقاومة دموعه التي تصرخ مطالبة بالنزول. فسمح لها بالسقوط واجهش بالبكاء في صوت شبه مرتفع مرددًا من بين بكائه وصوته المبحوح:
_ سامحني يا وائل .. سامحني !!
نفضه في مكانه طرق الباب. فجفف دموعه فورًا وسمح للطارق بالدخول. وكان الطارق كرم. حيث دخل وأغلق الباب هاتفًا:
_ هو في حد بينام دلوقتي يابني!!!
حاول جاهدًا إظهار صوته طبيعيًا وهو يزيح بعينيه عنه ويتمتم:
_ ما أنت كنت معايا في الشركة وشوفت كان الشغل إزاي النهردا كتير ومتعب.
تقدم ناحية الأريكة الصغيرة وجلس عليها بارتياحية مغمغمًا في جدية ونبرة حازمة:
_ طيب أنا ظبطت كل حاجة عشان البضاعة جاية بكرا. قبل ما تستلمها يازين تتأكد كويس إن كل حاجة مظبوطة مش عايزين يحصل زي المرة اللي فاتت.
_ متقلقش!!
دقق كرم النظر في وجهه متفحصًا ملامحه. فتوقع أن كوابيسه قد عادت تطارده من جديد أو مازالت! ليصدر تنهيدة حارة قبل أن يسأله باهتمام:
_ إنت لسا بتحلم بوائل؟
ابتسم بمرارة وأجابه بخفوت وعجز عن مقاومة أي شيء. فهو كطائر مكسور الأجنحة ينتظر حتفه:
_ وأنا من إمتى ارتحت. أنا في العذاب ده من عشر سنين ياكرم. لا أنا قادر أسامح نفسي ولا هو بيسبني ارتاح.
انتصب في جلسته وانحنى للأمام قليلًا هاتفًا في زمجرة مفرطة بعد أن استفزته كلماته التي كلها ضعف وعجز:
_ إنت ملكش ذنب في أي حاجة يازين. إنت كنت ضحية زيه. وسامح نفسك عشان ترتاح. كفاية تأنيب في نفسك. إنت غلطان أكيد بس غلطك كان عن غير وعي. وهو مات بسببك. ده قدره ويومه وساعته. تعددت الأسباب والموت واحد. يعني ده كان سبب. وبيك أو منغيرك كان هيموت بأي سبب تاني.
أشاح بوجهه للجهة الأخرى وهو يجز على أسنانه بقسوة. هو أكبر مذنب في كل هذا. هو من أطاح بنفسه لهذا الطريق. لم يجبره عليه أحد. هو من كان سبب كل ما حدث في حياته ويستحق أن يدفع الثمن. عاد بوجهه لأخيه وصاح به في صيحة متألمة:
_ أنا مليش ذنب في وائل. ومليش ذنب في الراجل اللي خبطته بالمخروبة بتاعتي ومعرفش عايش ولا ميت. ومليش ذنب في اللي بيجرالي! لا أحب أقولك أن أنا استاهل كل اللي جرالي واللي بيجرالي. لإنه محدش جبرني على حاجة. أنا اللي اخترت أمشي في طريق المخدرات والإدمان بنفسي. لغاية ما وائل مات بسببي.
_ وإنت ندمت وتوبت واتعالجت وأخدت سنة في المصحة وربنا هداك. وإذا كان بخصوص الراجل فقدامك. احنا قلبنا مستشفيات القاهرة كلها وملقناش اسمه. لا في سجلات الوفيات ولا المصابين. حتى عشان نعرف نوصله. لو ليك نصيب تقابله وتعرف مين هو هتقابله. وقتها هيبقى ربنا بيحبك وبعتهولك عشان تكفر عن ذنبك ويريحك من العذاب. بس باللي بتعمله ده هتأذي نفسك أكتر وعمرك ما هترتاح.
اكتفى بالصمت وهو يطرق رأسه أرضًا. فأكثر من يحب التحدث معه هو أخيه. من شدة قربهم لبعض لا يوجد شيء لا يعرفه أحد عن الآخر. ولهذا هو أكثر من يفهمه والعكس. ربما كرم هو ملجأ كل من يود البوح بشيء يخنقه. وتطلق عليه والدته (المصلح الاجتماعي)! لرزانته وحكمته في حل الأمور. ولكن حين يسمعها تناديه بهذا الاسم ينفجر ضاحكًا ويوبخها توبيخًا لطيفًا. فتبادله الضحك هي وبقية أشقائه!
هب واقفًا واقترب من أخيه ورتب على كتفه هامسًا بلطف:
_ قوم اتوضى يلا. إنت مصليتش العشا في الجامع بسبب إنك نايم بعد المغرب زي الفراخ. وأنا كمان هروح اتوضى وأقول لماما ورفيف يتوضوا كمان عشان تصلي بينا جماعة. يلا قوم.
أومأ لأخيه بابتسامة طيبة. فبادله إياها وانصرف مغادرًا لغرفته لكي يتوضأ كما قال له منذ قليل. فعاد هو يستغفر ربه بحزن وشجن. ثم وقف واتجه للحمام هو الآخر ليتوضأ...
***
مع إشراقة شمس يوم جديد. كانت العائلة مجتمعة في المنزل وجميعهم على طاولة طعام الغذاء يتبادلون الأحاديث ويضحكون ويمرحون. وكان على مقدمة الطاولة هدى وعند ذيلها يجلس كبير العائلة طاهر العمايري. كان الجميع في مرح وسعادة ما عدا يسر التي تتطلع بحسن في غل وحقد وأعين نارية. ولن تتمكن من حجب نفسها وإلا ستنفجر بهم جميعًا. ألقت نظرة على حسن الذي منشغل بالتحدث مع ابنة خاله التي أتت من السفر صباحًا. وكان هذا سبب في اندلاع نيران الغيرة بقلبها أكثر. حيث هتفت بابتسامة صفراء ونظرة ماكرة:
_ طيب بما إننا كلنا متجمعين كدا ماشاء الله. حابة أقولكم حاجة تخص حسن عشان أفرح طنط هدى بيه!!
وقفت اللقمة في حلقه وأخذ يسعل بقوة. فناولته هي كوب الماء هامسة بنظرة لئيمة ومتشفية:
_ على مهلك.
زجره بنظرة نارية ومتوعدة وهو يزأر من بين أسنانه. ثم تناول الكوب من يدها وشربه دفعة واحدة. ثم نقل نظره بين العائلة وهو يرى نظرات الاستعجاب في أعينهم والاستفهام! فلم تمهله هي الفرصة لينقذ نفسه حيث أكملت ببراءة متصنعة وهي تعطيه نظراتها الشيطانية:
_ أصل حسن رجع الشركة من كام يوم. فقولت أما أفرح مرات عمي بالخبر ده. بما إننا كلنا قاعدين.
ظل يحدق بها شزرًا وعيناه تطلق شرارات ملتهبة. وكانوا يتبادلون النظرات بابتسامات لا يفهم ما تضمره هذه الابتسامات في الخلف سواهم. ولكن كرم كان يتابع الموقف ويبتسم لفهمه ما يجري بينهم. فدق هاتفه رنينه. ونظر للمتصل. ثم هب واقفًا وغمغم:
_ طيب يا جماعة عن إذنكم.
_ ما تكمل أكلك يابني.
_ شبعت يا أمي. عن إذنك يا عمي.
_ إذنك معاك يابني.
ثم نقل العم نظره لحسن وهتف باسمه بسعادة:
_ أيوه كدا ياحسن. ربنا يهديك يابني. اقف مع إخواتك وساعدهم. فرحتني والله!
رتبت أمه على كتفه بابتسامة فخورة ومحبة. ثم استقام زين واستأذن من الجالسين حتى لا يتأخر على موعد العمل المهم.
***
أجاب كرم على الهاتف في هدوء نبرته المعتادة. ولكن جاءه صوتها المفزوع وهي تهتف مستنجدة به:
_ الحقني يا كرم. ماما تعبانة أوي ورافضة ما تاخد علاجها ولا تاكل حتى. ومش عارفة أعمل معاها إيه؟
أثارت قلقه وخوفها من نبرته المتلهفة والمرتعدة. فأجابها بخفوت محاولًا تهدئتها:
_ طيب اهدي ياشفق. مش راضية تاخد علاجها ليه؟
_ مش راضية يا كرم والله. دي من امبارح رافضة. وأنا سبتها محبتش أضغط عليها. والنهردا تعبت أوي. وحتى الأكل مش عايزة تاكل. تعال يمكن تعرف تقنعها. هي بتسمع منك.
_ طيب حاضر. أنا هلبس وهاجي دلوقتي. وحاولي معاها لغاية ما آجي يمكن توافق.
أجابته بالموافقة في صوت به شيء من الرجفة. فاندفع هو ناحية غرفته ليرتدي ملابسه ويرحل فورًا.
أما داخل المنزل فقد انتهت يسر من طعامها وجلست بحديقة المنزل تنتظرهم حتى ينتهون من طعامهم. فانتبه لها حسن من النافذة واستقام مدعيًا الشبع واتجه لها بالخارج. رأته يندفع نحوها كالثور الهائج. فلاحت ابتسامتها المتشفية على ثغرها. وفي أقل من لحظة كان يقف أمامها ويجذبها من ذراعها خلفه حتى أدخلها بغرفة خارجية في الحديقة وأغلق الباب. ثم تحدث وهو يحاول التحكم في نبرة صوته:
_ إنتي بتشتغليني يعني وبتلعبي بيا؟ ما بلاش أنا يايسر. ده أنا وسخ وممكن أخليكي تكرهيني بجد.
أطالت النظر به وشفتيها تميلان للجانب في استنكار. ثم تمتمت وهي تمر من جواره متجهة ناحية الباب:
_ وريني هتعمل إيه!!
قبض على رسغها بعنف ودفعها بقوة. فاصطدمت بالحائط وتكمت تأوهًا. رغبت في إخراجه. فازدادت حمرة عينيها غضبًا وهو كذلك وصل لزروته. حيث حاوطها بين الحائط وبينه بيديه. وهمس في وقاحة معتادة عليه امتزجت بضجره:
_ طالما إنتي دايبة فيا كدا وهتموتي على نظرة مني بس. اضايقتي ليه لما قولت عليكي الكلام ده؟ أنا أراهن بالعشرة إنك من عينك ده يحصل بينا!
لم تخجلها وقاحته. ولما تدهشها كثيرًا. ولكنها هيجت عواصفها وبرزت عن مخالبها القوية. هي تعرف أنه لم يتمكن من فعل شيء مما يقوله. ولكن مجرد القول يثيرها بالكامل. هذا الفاسق يتحدث وكأنها فتاة من الشارع وليست ابنة عمه الذي كان يتحدث معه بالداخل ويجلس معه على طاولة واحدة. فلم ترد على انحطاطه بالكلمات بل بيدها التي هوت على وجنته بقسوة وهي تهتف باشمئزاز:
_ حيوان صحيح ومش راجل. عرفت إن اللي بعمله فيك تستاهله. ولسا هتشوف مني ياحسن. عشان أنا مبسبش حقي.
ثم دفعته من أمامها واندفعت للخارج. وتركت العنان لدموعها المريرة والمنكسرة. نزلت الدموع حارقة كالنيران. فقلبها يتحرق من حبه وهو وغد لا يستحق عشقها له. فقط يستحق الكره. وهي تفشل في إعطائه الكره. فكل ما تفعله به هو بدافع عشقها له. وتضعه تحت راية انتقامها. انتقامها الكاذب!
***
متكورة في إحدى زوايا المنزل بجانب الحائط ومجهشة بالبكاء العنيف. مع حرصها على عدم وصول صوت بكائها لأذن أمها المريضة. تركهم أخيه فجأة ووالدتها بين الحياة والموت. حالتها الصحية تزداد سوءًا مع مرور الوقت منذ فجيعة أخيها. إن تركتها هي أيضًا فحتمًا ستلحق بهم. لم يتبقى لها سواها. وبدونها ستصبح وحيدة بلا عائلة أو ملجأ. ستصبح كالطائر الذي بلا عش وتأخذه الرياح وتلقي به حيثما تريد! اليوم هو الخامس منذ وفاته. وسئمت من التظاهر بالقوة والثبات. وهي في أشد الحاجة للصراخ والبكاء. في أمس الحاجة لإخراج الألم الذي يأكل ويفتت قلبها. ولكنها تتحمل من أجل والدتها. وتفرغ عن ما في فؤادها ببكائها المنخفض والمتخفي بعيدًا عنها!
أخرجها من موجة بكائها صوت رنين الباب. فوثبت واقفة وجففت دموعها عن وجنتيها. ولكن لا يزال أثر البكاء في عينيها.
ارتدت حجابها ثم توجهت وفتحت الباب بتلهف بعد أن توقعت من الطارق. فنظر هو لها وقال بقلق:
_ بقت كويسة؟
أجفلت نظرها أرضًا وهزت رأسها بالرفض في مرارة وأعين تستعد بالانفجار مجددًا. فهمس هو بإحراج وارتباك:
_ وليه العياط ده كله؟ إن شاء الله هتبقى كويسة. قوليلها بس إني جيت عشان أدخل أتكلم معاها.
أماءت له وبسطت يدها تسمح له بالدخول، فدخل هو على استحياء. وجففت دموعها وتوجهت لوالدتها التي اشرقت من السعادة لعلمها بقدومه. وخرجت لتخبره بأنه ينتظره، فطلب منها أن تلحقه بالطعام والدواء خاصتها.
فتح الباب بعد أن طرقه بلطف ودخل، فاستقبلته هي بابتسامة مشرقة وسعيدة. ليقترب هو بعد أن بادلها الابتسامة العذبة وجذب مقعد وجلس قبالتها مغمغمًا برقة تليق بصوته الرجولي:
_ كدا برضوا تقلقينا عليكي يا أمي.
التقطت الورقة والقلم وبدأت تدون له ما تود قوله. فقد فقدت قدرتها على التحدث نتيجة لصدمتها بخبر وفاة وحيدها. فأخذ من يدها الورقة وقرأ ما كتبت عليها والذي كان كالآتي: "مجيتش ليه امبارح؟"
فأظهر الأسى والتأسف وتمتم باحترام:
_ أنا آسف حقك عليا. كان معايا شغل كتير خالص والله ورجعت متأخر فمكنش ينفع أجيلكم.
أماءت له مبتسمة كدليل على مسامحتها له ورتبت على كفه بحنو. دخلت في هذه اللحظة شفق واتبسمت براحة حينما رأت سعادة والدتها. وتأكدت أنها لم تخطىء عندما طلبت منه المساعدة. أما الأم فقد عادت تكتب من جديد: "أنا حلمت بسيف امبارح".
قرأ ما كتبته وحارب عيناه التي كادت إن تدمع. ثم رفع نظره لها ورسم ابتسامة حانية على ثغره متشدقًا:
_ وقالك إيه؟
بدأت تكتب الحلم بالتفصيل في الورقة ودموعها تنهمر في صمت: "كنا بنتغدي وكنت إنت معانا وأنا كنت لابسة أسود أنا وشفق فهو اضايق وقلنا ليه لابسين اسود وطلب مننا نلبس الوان ولما بصلك ولقيك قاعد ساكت وزعلان خالص حط ايده على كتفك وابتسم زي كأنه بيقولك متزعلش وبعدين قالك وهو شبه مضايق إنت مش فرحان ليا ولا إيه!"
قرأ الورقة وتلاشت ابتسامته لتحل محلها التوجع والحزن ولم يتمكن من حجب دموعه. ففرت من عيناه دمعة متمردة واسرع بمسحها. فقد آلمه قلبه كثيرًا بعد رسالته له الذي يخبره فيها بوضوح أن حزنه أو حزنهم جميعًا على وفاته أصبح يألمه ويعذبه. رفع نظره لها وأمسك بيدها يملس عليها بحنو وبابتسامة مريرة ثم أردف بخفوت:
_ طيب وأهو جالك بنفسه وقالك إنه مضايق. ولما يلاقيكي مش بتاخدي علاجك ومش عايزة تاكلي وبتعيطي كدا هيضايق أكتر. يلا كلي وخدي العلاج مينفعش تقعدي كدا.
اقتربت شفق منها وجلست على الفراش وهي تمد لها الطعام بتوسل:
_ يلا يا ماما عشان خاطري كلي.
أمام إصرارهم استسلمت أخيرًا وبدأت في تناول الطعام من يده ابنتها التي كانت تختلس النظر إليه خفية وهو شارد بشجن في الورقة التي لا تعرف مضمونها حتى الآن سوى أنه حلم عن أخيها روته له أمها!
وبعد دقائق ليست بطويلة استأذن هو منها ليغادر ثم خرج وتبتعه هي لتودعه. فتوقف عند الباب وسألها:
_ لسا متصلش بيكي؟
فهمت أنه يقصد ذلك القذر الذي يبتزها، فهزت رأسها بالنفي ليكمل هو بجدية ممزوجة باللين:
_ طيب معلش ياشفق استحملي اليومين دول عشان مصلحتك. لو حابة تروحي كليتك أو أي مكان اتصلي بيا وأنا هوديكي وأجيبك.
انفرجت شفتيها بذهول وأجابته في حياء شديد وتوتر:
_ لا ملوش لزمة مش للدرجة. كفاية أوي اللي بتعمله معانا أنا مش عارفة اشكرك إزاي والله.
_ لا ليه لزمة وأوي كمان. احنا مش ضامنين الحيوان ده يعمل إيه. فاسمعي الكلام بالله عليكي ومتطلعيش وحدك لغاية ما أعرف مكانه. أنا حاولت أعرف مكانه من خلال الرقم اللي ادتهوني بس طلع بيتكلم من رقم كشك في الشارع.
تمتمت بخجل بسيط وإحراج:
_ بس أنا مش عايزة أتعبك معايا. كفاية أنه لما يتصل هتصل بيك بلاش تدخل نفسك في مشاكل بسببي.
لم يبتسم ولكن نبرته ونظرته العفوية في لين. سرقت الكلمات من فمها ووسمت وسامه على يسارها وطالعته ببلاهة:
_ وهو لو رفيف مكانك كنت هسبها مثلًا؟ إنتي متعرفيش ممكن يعمل إيه متستهونيش بالموضوع. ولو عليا مفيش تعب ولا حاجة اطمني. بس خلينا نحل المشكلة دي من غير ما تتأذي.
كان يخبرها بشكل غير مباشر أنه يرى اهتمامه بها كاهتمامه بشقيقته وأنها ليست سوى شقيقة له. ولكن شرودها به عكس الآية وتوتر هو وشعر بالإحراج كعادته. ثم اشاح بنظره عنها وغمغم على عجالة كأنه يتهرب من وضعهم:
_ طيب لو حصل أي حاجة لمامتك كلميني وياريت زي ما قولتلك على خروجك وكدا.
لاحظت هي شرودها به فلعنت نفسها وخجلت ثم اماءت له بالموافقة لتنهي هي الأخرى هذا الحديث. فاستدار وانصرف فورًا. ولكن بعد خروجه رغم الكآبة التي تعم عليها ابتسمت مستنكرة وبتعجب من خجله وتذكرت كيف أشاح بعيناه ووجهه عنها بتوتر بعد أن رآها شاردة به. كيف لرجل أن يخجل هكذا! فهي لم يسبق لها رؤية رجل مثله ويبدو أن هناك خفايا أعجب من الخجل في شخصية هذا الرجل!
***
مع حلول المساء وهدوء الأجواء والظلام عم كل مكان. كانت الساعة تقارب على الحادية عشر وكانوا مجتمعين في الصالون العائلي يتبادلون الأحاديث باستثناء كرم الذي لم يعد للآن.
تحدث زين في وجه صارم وحاد موجهًا حديثه لأمه:
_ بصي بقى ياست الكل متحطنيش قدام الأمر الواقع قدام الناس بعد الخطوبة وشغل اقعد مع خطيبتك واتكلموا. أنا معنديش الكلام ده.
نظرت هدى لابنها وضربت كف على كف متأففة وقالت في نفاذ صبر:
_ إنت مصمم تنقطني يازين!!!
تدخل حسن وهتف بنبرة تحمل السخرية وهو يكتم ضحكته:
_ بص يامعلم الصراحة إنت غلطان. مكنش ينفع نروح نشوفها إنت كنت تخدتها زي ماهي ويوم الفرح تصدم بيها.
طالعته هدى بنصف عينه هامسة بخبث:
_ ويتصدم ليه دي البنت ماشاء الله قمر ده حتى هو عجبته!
غمز بعينه اليسار في لؤم وهتف ضاحكًا باستنكار:
_ ايوة بقى امال عاملنا فيها قال الله وقال الرسول ليه!
رمقه شزرًا وهتف بحزم:
_ ما تتلم يالا!
انحت رفيف على حسن وهمست في أذنه وهي تكتم ضحكتها:
_ بس ياحسن لياكلنا.. احنا مش ناقصين.
وضع يده على فمه يخفي ابتسامته التي انطلت منه رغمًا عنه. فتكمل هدى في رزانة وحنو محاولة اقناعه:
_ ياحبيبي لازم تقعد مع خطيبتك بعد الخطوبة وتتكلموا كدا عشان تتعرفوا على بعض.
هتف شبه منفعلًا:
_ ماما متجننيش بلا اقعد واتكلم معاها ليه واتكلم معاها ليه ما اخدها في الشقة ونقفل على نفسنا احسن. أنا لما اقعد معاها وحدنا ده اسمه خلوة ودي حرام.
_ خلاص خلي رفيف تقعد معاكم أظن كدا معندكش حجة!
صاحت رفيف مسرعة في توتر وخوف:
_ لا اقعد مع مين أنا إيه يقعدني وسط مخطوبين وبعدين أنا لو قولت كلمة غلط وابنك معجبتهوش ممكن ياكلني.
قال زين مبتسمًا ليتهرب من إصرار أمه:
_ ايوة عندها حق.
نزعت هدى الشبشب والقت به على ابنتها صائحة باغتياظ:
_ اكتمي ياحيوانة يعني مش كفاية بحاول اقنع فيه!
انفجر حسن ضاحكًا بقوة فنكزته رفيف في كتفه بضيق ويتابعهم زين وهو يبتسم. ثم هتف حسن من بين ضحكاته:
_ يا أمي احمدي ربك أنه تكرم وهيحضر خطوبته اصلًا.
بادل أخيه في المزاح قاصدًا إثارة غيظ أمه وتمتم يجاريه في الحديث:
_ قولها! .. ما تروح تخطب إنت بدالي ياحسن!
دخل كرم من الباب وهتف مبتسمًا عندما رأى تجمعهم وضحكهم:
_ متجمعين عند النبي إن شاء الله.
ردوا جميعهم بـ "آمين" ثم عاد زين ونظر لحسن كأنه يأخذ رأيه فيما طرحه عليه للتو. فهب واقفًا وقال وهو ينصرف بعيدًا عنهم:
_ اخطب مين صلي على النبي ياعم. أنا مش ناقص وجع دماغ.
أجابه زين بنظرة مشتعلة ومغتاظة:
_ آهاا ما أنت عجباك الصياعة. امشي متورنيش وشك بدل ما احدفك بالسكينة.
تشدق ضاحكًا بمشاكسة:
_ الشيخ زين بجلالة قدره يقول هحدفك بالسكينة لا مكنتش متوقعها منك دي ياشيخنا.
نزعت هدى حذائها الآخر وصاحت به:
_ ولو ممشتش ياحسن هحدفك أنا بالشبشب.
_ لا وعلى إيه امشي بكرامتي أحسن!!!
قالها ضاحكًا ومداعبًا. بينما كرم انحني على رفيف وهو يسألها عن ما يجري فبدأت تقص له حوراهم منذ البداية فيبادلها الضحك. بينما أكثر من يستشيط غيظًا بينهم هي هدى!
***
أيام مرت بروتينية بعض الشيء على البعض. وباختلاف بسيط على البعض الآخر!
زين كان في الاستعداد لخطبته التي ستقام اليوم في إحدى المقاهي الفخمة وستكون بين العائلتان فقط وذلك بعد موافقة العروس والجميع وعدم ابداء أي اعتراض على اقتراحه. كان يستعد لهذه الخطبة وكأن يد تقبض على فؤاده وتعصره ومن الناحية الأخرى يد تربت على كتفه بحنو محاولة دفع الطمأنينة لنفسه المضطربة والوجلة!
أما كرم فكان يتخبط في أحزانه كما أعتاد. لا يقطع زيارة صديقه الحميم هو وزوجته كل يوم والتالي. ويلازم على زيارة منزل صديقه ليطمئن على أمه يوميًا حتى لا تبدي له ضيقها من عدم قدومه. وقلت محادثته لتلك الشفق التي جعلت من قدومه يوميًا حجة لتحادثه! فتلوم وتعنف نفسها بشدة بعد رحيله وتقسم بأنها ستتصرف بحزم وستجعل الحديث مقتصر على إلقاء التحية فقط. ولكن في كل يوم تنكث وعدها لنفسها وتخترع حديث مختلف لتحادثه به. ربما ما يدفعها لفعل تلك الأمور المنافية لطبيعتها الملتزمة معه هو أنها بدأت تنتبه لتفاصيله أكثر واصبحت تفهم أن عندما يتكلم وعيناه تقعان على كل شيء إلا عليها يكون مضطرب أو مستحي! وربما ايضا أنها بدأت تلذذ برؤية خجله الغير مألوف لها على رجل من قبل. مع ابتسامته الساحرية عندما تميل شفتيه لليسار في لطف فتحلق في جمالها ونظرات عيناه الرمادتين كانت كسهام صائد محترف يصوبها نحو يسارها بإحترافية. " مهلا هل اتغزل به!!!" قالتها لنفسها في ذهول. فعادت تعنف نفسه بقسوة " عودي لرشدك ايتها الحمقاء وكفاكي تصرفات فاسقة!! الرجال بالألوف ألم تجدي رجل سواه لتعجبي به؟!" فتعود وتجيب في هيام " وكيف لامرأة تملك عقل تستطيع مقاومة هذا الرجل الفريد".
أما عن حسن فلا يزال في حياته الفاسدة، بالنهار عمل لا يتقنه على أكمل وجه وبالليل سهرات وفتيات. وأصبح في حرب حقيقة مع ابنة العم، وصارت كعدو لدود تسعى لتدمير حياته في وجهة نظره. فلم يحرمها من مزيد من معاملة المرء لخصمه، ولا يمل من إظهار جانبه الفاسق أمامها ووقاحته المألوفة. فتارة تقابله ببرود وتارة بغضب، ولكن كل هذا يزيد من إصرارها على تلقيه الدرس الذي يستحقه. مع إصراره هو على كسر أنفه العالي وجرح كرامته عن طريق محاولاته الوقحة في الاقتراب منها وكلماته الفظة والوضيعة لها، بالأخص بعد الصفعة التي تلقاها منها وزادت من لهيب النيران اشتعالاً داخله وجعلته أكثر إلحاحاً في خوض هذه المعركة التي سيخرج منها حتماً منتصراً كما هو متصور.
ورفيف منسجمة في تلك الرواية التي استعارتها من إسلام، تقرأها مرة واثنان وثلاثة حتى قاربت على حفظها. وتتشوق ليوم الخطبة أكثر من أخيها حتى تراه وتعيدها له وتخبره عن مدى سعادتها بقرائته وأنها جميلة بالفعل.
على الجانب الآخر كانت شفق تستعد للخروج للذهاب لكليتها بعد غياب دام لأسبوعين منذ وفاة شقيقها. ولم تلتزم بتنبيهات كرم لها المتكررة بعدم الخروج بمفردها. وبعد ساعات دامت لآذان العصر في كليتها خرجت أخيراً وقررت أن تذهب لزيارة قبر أخيها. واستقلت بإحدى سيارات الأجرة وبعد دقائق نزلت منها أمام المقابر وقادت خطواتها نحو الداخل حتى وقفت أمام باب مرقده. وفتحت الباب الحديدي ودخلت وأخذت تتطلع إليه لا تستوعب أنه في التراب. وحين تتحدث إليه الآن لن يجيبها ولن يضمها ويجفف دموعها. لن يشاطرها أحداث يومه بعد الآن ويخبرها عن مغامراته الشرطية وعن الجرائم التي تمر عليه يومياً. باختصار شديد هو لم يعد موجود جسدياً، ولكنها تشعر بروحه تتنقل حولهم في كل مكان وبالأخص في المنزل وغرفته مفعمة برائحة عطره الرجولية. حتى الآن تراه في كل جزء منها.
خرت أمامه ببكاء عنيف ونشيج مسموع تتحدث إليه من بين بكائها بكلمات غير واضحة. وتتلمس على التراب الذي يتوارى جسده أسفله بتحسر وهمس في صوت متقطع:
"وحشتني يا سيف أنا بموت من بعدك. لا أنا ولا ماما لينا غيرك. أنا بقيت بحس بيك في كل مكان حواليا. وحشني حضنك وضحكك وهزارك معانا وحكاوينا طول الليل. ليه سبتني وحدي أنا ضهري اتكسر من بعدك يا حبيبي. عارفة إنك بتتضايق لما نشوفنا بنعيط كدا بس غصب عني مش قادرة اتصنع القوة أكتر من كدا أنا..."
شعرت بيد توضع على كتفها. فلل وهلة ظنته كرم لعلمه أنه هو الوحيد الذي لا يفارق قبر أخيها وملازم على زيارته وعلى إسقاء الأزهار الصغيرة والصبار الذي زرعه حول قبره. فكادت أن تبتسم، ولكن حين وقفت واستدارت بجسدها بالكامل فرت دماء وجهها وتملك الرعب منها بمجرد رؤيتها لهذا الوغد الذي يبتزها. فتراجعت للجانب هاتفة بفزع:
"إنت بتراقبني؟"
أجابها باسماً بشيطانية:
"أنا سبتك أسبوعين وقولت أخوها مات وحرام. مش هو ده الظابط اللي كان هيودني في داهية برضوا. خلاص يا مزة معدش في حد هينقذك مني والصراحة بقى أنا صبرت عليكي كتير. يا تديني اللي أنا عاوزه بالذوق يا أفضحك. فتدهوني بالتراضي لإني كدا كدا هاخده حتى لو بالغصب وساعتها هبقى أخدت اللي عاوزه وفضحتك."
ثم أخذ يقترب منها وهي تتراجع حتى التصقت بالحائط ومال نحوها ببطء قاصداً تقبيلها. وهي تحاول أن تتفاداه وتهتف بتحذير كان فاشلاً في تحريك شعرة منه:
"ابعد عني بدل ما أصوت وألم عليك الناس."
"مفيش حد في المقابر يا مزة غيرنا وزي ما إنتي شايفة دي مقابر أوض يعني محدش هيشوفنا."
بدأت ترتجف برعب وهي تراه يقترب أكثر. ففكرت في أي طريقة لتهرب منه ولم تجد سوى طريقة واحدة. فرفعت قدمها وركلته أسفل الحزام واندفعت للخارج تركض كالسارق الذي يهرب من مالك المحل الذي سرقه. تركض وتلتفت خلفها في رعب حتى وصلت للشارع العام. ومن رعبها لم تتمهل عند عبورها فلم تشعر بنفسها سوى وهي تفقد وعيها تدريجياً على الأرض وصوت فوقها يردد في ارتياع:
"يا آنسة ردي عليا إنتي كويسة. يا آنسة!!!"
رواية ضروب العشق الفصل السادس 6 - بقلم ندى محمود توفيق
بعد العصر بساعة ونص، كان المقهى على قمة فندق ومتكدس بالعائلتين ومعارفهم المقربين. كانت خطبة ملوكية وهادئة خالية من الضجيج المعتاد على الأفراح. كان يود أن يجعلها دون أي موسيقى أو أغاني، وبعد محاولات من أمه وشقيقته وافق على موسيقى راقية وهادئة فقط لتضفي على الأجواء شيء من الفرحة والابتهاج.
كان الجميع منشغلًا بالحديث والضحك مع بعضهم البعض. والفتيات لا تمل من التقاط صور السيلفي لها، وبالأخص رفيف التي كانت مندمجة مع صديقاتها في الضحك والتصوير، غير منتبهة لذلك المضطرب الذي يخونه نظره ويخطف نظرات إليها سريعة بعد أن قامت بإعادة الكتاب وأبدت عن سعادتها به وقالت الكثير من الكلام المشجع والإيجابي.
حسن كان يتجول هنا وهناك، وأغلب الوقت يقضيه مع ابن عمه وصديقه "علاء".
أما كرم، فكان على طاولة بمفرده يجلس واضعًا ساقًا فوق الأخرى وبيده كوب المشروب الغازي الذي طلبه، ويتابع الجميع في سكون يراقب ذاك تارة وتارة ذاك.
اقتحمت جلسته الفردية وانسجامه مع الموسيقى الهادئة ومشروبه ابنة خاله. حيث جلست أمامه وهمهمت باسمه في رقة شبه متصنعة:
"قاعد وحدك ليه؟"
ابتسم لها بلطف وتمتم في نبرة هادئة كطلته وجلسته وطبيعته:
"عادي حبيت جو الموسيقى بس."
هتفت في تطفل كان في نظرها محاولة اقتراب منه، ولكن في نظره تطفل:
"طيب، هتمانع لو قعدت معاك؟"
رسم ابتسامته، ولكن هذه المرة كانت ابتسامة متكلفة، حيث أجابها في استحياء منها:
"لا أمانع، ليه براحتك يا حنين!"
اتسعت ابتسامتها. أما هو، فانتظر اللحظة التي نقلت بنظرها عنه وبحث بعينيه عن حسن حتى وقعت نظراته عليه وتلاقت عينيهما، فأشار له بيده على الجالسة أمامه في وجه مختنق، وكانت نظرته تتحدث قائلة: "تعالي خدها من قدامي، أنا مش ناقص رط."
انفجر حسن ضاحكًا بقوة. فنظر له علاء وهمهم باسمه على ضحكه:
"ماله؟ عايز إيه؟"
"حنين لزقت فيه زي العادة ومش عارف يتهرب منها وعايزني أنقذه!"
قهقه مثله وقال مستمتعًا:
"والله أخوك ده مسخرة وحالته صعبة، روح له ليفرهد بين إيدها!"
ازداد ضحكه أكثر وجاهد في التوقف وهو يتوجه ناحيتهم حتى وقف وانحنى قليلًا ناحيتها هامسًا بنظرة خبيثة وهو يغمز لها:
"حنين، ما تيجي أعزمك على حاجة حلوة ونتكلم شوية."
هتفت في اعتراض بسيط وهي تلقي نظرة على كرم الذي يحاول تجنب نظراتها لها وتفاديها:
"ميرسي يا حسن، بس أنا مرتاحة كدا ومش قادرة أشرب أي حاجة والله."
نظر لأخيه وهتف مشاكسًا وهو يضحك:
"مرتاحة إيه بس يا شيخة.. إنتي إيه اللي مقعدك مع الكئيب ده؟ تعالي، ده الكل بيضحك وبيهرج وهو قاعد في ركن لوحده زي المطلقة. تعالي بس حتى اقعدي مع رفيف، كانت بتسألني عليكي من شوية."
ألقت نظرة أخيرة على كرم، وهذه المرة رأته ينظر لها ويبتسم ابتسامة صفراء. فكتم حسن ضحكته ونهضت هي مغلوبة على أمرها وسارت مع ابن خالها، ولكنها فضلت أن تذهب لرفيف وتنضم لصديقاتها.
***
بعد دقائق، قرر حسن أن ينزل ليقوم بشراء شيء له وهرول ناحية المصعد الكهربائي قبل أن يغلق ووضع قدمه بينه حتى لا يغلق، فإذا به ينصدم بيسر. فتأفف بغضب ودخل مخنوقًا. فتطالعه هي بنظرات استحقار من تقززه منها وكأنها قمامة، ثم هتفت في استهزاء:
"أنا اللي المفروض أقرف منك أصلاً!!"
حدجها في نظرة تتصنع عدم الفهم وهو يضيق عينيه وقال بنبرة باردة كالثلج:
"أفندم!"
جزت على أسنانها وكورت قبضة يدها وودت لو صفعته بها مرة أخرى، ولكنها جاهدت على الظهور بمظهر الغير مكترثة له وتمتمت في غيرة واضحة كشفت محاولتها الفاشلة في عدم الاكتراث:
"متفتكرش إنك لما تقعد تتلزق في بنت خالك أنا كدا هغير مثلاً وهتغيظني أكتر."
جلجلت ضحكته في المصعد وهتف ساخرًا في نظرة استحقار ونبرة فظة:
"وأنا مهتم بغيرتك مثلاً يعني؟ ما تولعي بجاز وأنا مالي بيكي!"
صاحت به في انفعال:
"احترم نفسك واتكلم معايا بأسلوب كويس واحمد ربك إني مقولتش لحد لسا وصابرة عليك."
أثارته واشعلت النيران في عينيه وبرزت عروق رقبته بسبب طريقتها المستفزة، وكأنها تخبره بوضوح أنها تقبض على ذراعه المصاب وإن أزعجها ستضغط عليه وتؤلمه بشدة. فقبض على ذراعها وصاح في استياء عارم:
"يابنت الناس اعقلي وبلاش تخليني أزعلك بجد مني.. أنا لغاية دلوقتي اللي حايشني عنك أخوكي وأبوكي وإلا كان...."
قطع جملته فتح باب المصعد تلقائيًا عند وصوله، وكان ينتظر المصعد فتاة من أصدقاء العروس. وتصلبت بأرضها عند رؤيتها لوضعهم، فترك يدها فورًا ورمق يسر شزرًا، ثم اندفع للخارج وغادر. ولحقت هي به.
***
داخل إحدى المستشفيات الخاصة.
متسطحة على الفراش وعيناها معلقة في السقف وتنهمر منهم الدموع بصمت. إلى متى ستظل تتخبط في الطرقات بمفردها؟ من جهة ألمها على فراق أخيها، ومن جهة أخرى قلبها الذي يتمزق وينزف دمًا حزنًا على حال والدتها. ويزيد بؤسها ذلك الرجل الذي لا يكف عن ملاحقتها وابتزازها بصورها. واليوم لولا ستر الله وحمايته لها لكانت تبكي دمًا الآن على ضياع كل ما تملك.
"هل أخطأت حين لم أخبره؟ فهو مد لي يد العون وأنا أثق به ثقة عمياء، فلماذا رفضت عونه؟" كانت تتساءل في قرارة نفسها بمرارة. وعقلها يكاد ينفجر من كثرة الهموم التي يحملها بداخله وعدم توقفه عن التفكير للحظة واحدة!
سحبتا من فقاعة بؤسها صديقتها الحميمية التي فتحت الباب ودخلت مهرولة نحوها، فترتمي شفق داخل أحضانها تبكي بعنف وحرقة. ليزداد قلق الأخرى وتهتف في ارتياع جلي:
"شفق، إنتي كويسة؟ حصل إيه؟"
أجابتها من بين بكائها وصوتها المرتجف:
"شفته وحاول يعتدي عليا يا نهلة."
أبعدتها عنها فورًا وطالعتها بذهول ورعب، ثم همست في ترقب وقلق:
"يعني مقربش ليكي؟"
هزت رأسها بالنفي وهمهمت في عينين مدمعتين ولكن بكاءها توقف:
"لا. أنا روحت الكلية النهاردة وبعد الكلية روحت أزور سيف الله يرحمه. وطلع بيراقبني وحاول يعتدي عليا، وبصعوبة قدرت أهرب منه وطلعت أجري ومخدتش بالي من الشارع من كتر خوفي، فعربية خطفتني وصاحب العربية جابني هنا."
ترنحت صديقتها من العصبية وأخذت تسير إيابًا وذهابًا وهي تقرض أظافرها من الغيظ. ثم التفتت لها وهتفت منفعلة:
"مش هينفع الوضع ده يا شفق. الحيوان ده لازم حد يوقفه عند حده. حسبي الله ونعم الوكيل في مروة. بعدين إنتي مش كرم قالك متطلعيش وحدك وإنه هو اللي هيوديكي الكلية؟"
عبس وجهها بشدة بمجرد ذكر صديقتها لكرم. تخشى أن تقحمه معها في مشاكلها فيصيبه الأذى بسببها. وبجانب أنها تخجل منه أيضًا بعد كل ما فعله لأجلها ولهم. وتضيف لكل هذا السبب الرئيسي في محاولاتها لتجنبه وهو أنها بدأت تنجذب له تلقائيًا، وهي تريد أن تكسر قاعدة قلبها الذي لا يختار من العشق إلا أصعبه.
خرج صوتها خافتًا وعابسًا:
"أهو كرم ده مشكلة كمان واحدة يا نهلة. كفاية اللي عمله معانا وبصراحة مكسوفة منه ومش عايزة أدخله في مشاكلي. أنا لولا الحيوان عمر اللي فضحني بالصور قدامه مكنتش هقوله أصلاً ولا هعرف حد بالموضوع ده."
هذه الساذجة تجهل خطورة الأمر. هل هي مستعدة لأن تخسر نفسها للأبد بسبب ذلك الوغد والحقير؟ ترفض يد العون ومن ثم تبكي من الخوف عندما يصيبها مكروه. يالها من حمقاء! ولابد من إرجاعها لصوابها، فإن كانت لا تخشى على نفسها، فهناك من يبالي بأمرها! صاحت بها نهلة في اندفاع وعصبية شديدة:
"هو بنفسه اللي طلب يساعدك. لو مكنش حابب مكنش هيهتم بيكي أصلاً. عارفة إنه كتر خيره وأنه وقف معاكم كتير من وقت وفاة سيف الله يرحمه، بس مفهاش حاجة لو كمل جميله شوية لغاية ما تخلصي من الحيوان ده وبعدين ابقي انسيه تمامًا. وإنتي محتاجة لحد يكون جنبك دلوقتي، مينفعش تطلعي وتدخلي وحدك. كفاية استهتار يا شفق."
أجفلت نظرها أرضًا في أسى. فهي تدرك جيدًا خطورة الأمر، ولكنها أصبحت لا تبالي بشيء سوى والدتها، وأن كانت تحاول حماية نفسها فالأجلها فقط حتى لا تتركها بمفردها. ويجب عليها أن تدفع ثمن خطأها وثقتها في من لا يستحق الثقة.
أشفقت عليها نهلة ولانت نظراتها لتلك المسكينة التي تحمل همومًا فوق طاقتها. فاقتربت منها وجلست بجوارها، ثم أمسكت بكفها تملس عليه بلطف هاتفة في حنو:
"يا شفق، أنا خايفة عليكي والله. خايفة الحيوان ده يأذيكي في مرة. عشان كدا بقولك قولي لكرم وخليه يساعدك."
"أنا دلوقتي بفكر هقول إيه لماما لما تشوف راسي المربوطة بالشاش دي ورجلي اللي بمشي عليها بالعكاز؟ ولا كرم كمان لما يشوفني هيضايق جدًا لما يعرف إني طلعت ومقولتلوش لإنه منبه عليا أكتر من مرة."
قررت نهلة أن تتخلى عن انفعالها قليلًا وتستخدم المرح لتخرجها من حزنها قليلًا. فغمزت لها بنظرات دقيقة وهي تردف بخبث:
"وإنتي خايفة على زعله أوي كدا ليه يعني!"
رمقتها شفق بارتباك وتلعثمت، فلم تعرف بماذا تجيبها لتخفي عليها حقيقة مشاعرها نحوه التي تنمو يومًا بعد يوم. فأجابتها بإيجاز ونبرة صوت مرتجفة:
"هااا.. لا عادي عشان أنا وعدته إني مش هطلع من غير ما أقوله، فأكيد هيضايق."
ضحكت على تعلثمها وأكملت ضغطها عليها بالكلام، فلن تتركها حتى تعترف بإعجابها به:
"أيوة برضوا، أنا مفهمتش. إنتي مضايقة ليه لمجرد إنك فكرتي إنه هيضايق؟"
حاولت إيجاد وسيلة للهرب من حصار صديقتها لها، فتصنعت السعال وأخذت تسعل بقوة وتقول بصوت ضعيف:
"هاتيلي ميه يا نهلة معلش."
أطلقت الأخرى ضحكة متأججة لكشفها خدعتها الفاشلة التي تحاول خداعها بها، ولكنها قررت أن تسير معها لآخر الطريق وترى إلى أين ستصل محاولاتها للفرار منها! فنهضت ولتجلب لها الماء. وبينما هي تمر من جانب النافذة، لمحت رجلًا يقف أمام المستشفى بالأسفل، فتتسمر بأرضها وتحدق بها بتشكيك من مظهره الغير مهندم أو الراقي، وهتفت دون أن تبعد نظرها عن النافذة:
"شفق، قوليلي كدا هو الراجل ده شكله إيه؟"
استعجبت سؤالها ولكنها أجابت بهدوء:
"طويل وأقرع وأسمر. ليه؟!"
اقتربت أكثر من النافذة وهي تدقق في ملامحه جيدًا بعينين ناريتين ومشتعلتين، وتكمل أسئلتها في جدية تامة:
"متعور في وشه؟"
بدأ الخوف يتسلسل إلى نفس شفق التي حاولت الاعتدال في نومتها، ولكنها لم تستطع بسبب قدمها، وأجابت على صديقتها بارتياع:
"آه."
هو قاعد تحت ولا إيه!
التفتت لها بجسدها وقالت باستياء ونبرة تسللها القلق مثلها فقد يلحق بهم الأذي هم الأثنين من هذا الوغد:
_ أيوه قاعد تحت.. مستنيكي تطلعي أنا مش قولتلك الراجل ده مش هيسيبك في حالك ولازم نشوف حل معاه. طلعي تلفونك ياتكلمي كرم ياهكلمه أنا.
هتفت مسرعة في ارتباك ورفض قاطع للجوء إليه ومحاولة إيجاد أي حل للهرب والخروج من هذه المستشفى سالمين هي وصديقتها:
_ لا لا عشان خاطري متتصليش بيه يانهلة.. بصي الشاب اللي خبطتني بعريبته أنا طلعت أعرفه من بدري وهو راح مشوار بسرعة وقالي جاي تاني عشان يطمن عليا ويوصلني البيت فخلينا قاعدين لغاية ما ياجي ويوصلنا البيت.
طفح كيلها ولم تعد تحتمل سذاجتها. ولا تفهم أهذا بسبب إحراجها منه كما تقول أم أنها تخشي أن يصيبه مكروه أم تحاول الابتعاد عنه بسبب إعجابها به؟ ولكن ما تفهمه أنها ترتكب خطأ فادح في حق نفسها عندما ترفض الاحتماء به وتركه يساعدها. اندفعت نحوها وجذبت هاتفها من يدها قائلة في عزم وإصرار:
_ طالما مش هتكلميه يبقى أنا هكلمه!
هتفت شفق برجاء متراجعة عن قرارها ورفضها القاطع لمحادثته:
_ خلاص أنا هكلمه بس بشرط لما ياجي مش هتجبيله سيرة عن اللي حصل وأنا هقوله إني روحت الكلية وأنا وجاية في عربية خبطتني بس ومش هقوله اكتر من كدا. عشان أنا مش حابة حد يدخل في مشاكل بسببي.
ذعنت نهلة لها فعلى الأقل ستطمئن عليها حين يأتي ويرافقهم هو للمنزل وستتأكد بأن ذلك المترصد لها بالأسفل لن يتمكن من أذيتهم. أما هي فأخذت تفتش عن رقمه في قائمة الأسماء وحين وصلت له إخءت تحدق به بتردد تخجل ولا تريد محادثته ولكن ما باليد حيلة فإما هي أو صديقتها التي بالتأكيد ستفشي له بكل شيء إن حدثته. حسمت أمرها وضغطت على اتصال ثم وضعت الهاتف على اذنها تنتظر إجابته حتى أجاب بعد وقت محاولا الابتعاد عن صوت الموسيقي والأزعاج الذي حوله:
_ أيوة ياشفق.
ألقت نظرة مترددة على صديقتها حين أجاب ثم عادت تتطلع أمامها وقررت أن تدخل في الموضوع فوراً دون مقدمات حتى لا تتلعثم وتخطىء في شيء:
_ كرم تقدر تاجيلي دلوقتي؟ أنا في المستشفى.
ابتعد عن حشد المعازيم تماماً حتى وقف أمام المصعد الكهربائي مغمغماً في هلع عندما ظن بأن والدتها قد اصابها مكروه:
_ مستشفى! مامتك تعبت ولا إيه؟
همست خفوت وتوتر بسيط امتزج بالحياء:
_ لا أنا روحت الكلية وعربية خبطتني أنا وراجعة بس الحمدلله أنا كويسة. وكنت محتجاك تاجيلي بس عشان أنا وحدي ومعيش حد غير صحبتي.
ضغط على المصعد الكهربائي حتي يستقل به ويصله إلى الطابق الأرضي هاتفاً على عجلة واهتمام:
_ طيب أنا جايلك أهو دلوقتي علطول.
دقائق من الانتظار كل منهم الخوف والرعب ينهشهم نهش خشية من إن يتسلل من بابا المستشفى خفية ويأتي لهم فيأذيهم. كانت نهلة تقف على النافذة تتابعه بتركيز دون أن تغفل عنه لحظة وشفق على فراشها تقرض في أظافرها بقلق كدليل على فرط توترها واضطرابها الذي سرعان ما انجلي حين التفتت لها نهلة وقالت مبتسمة في سعادة:
_ كرم جه.
أصدرت هي تنهيدة حارة بعد أن سكنت نفسها واطمأنت. فهي لا تنكر شعورها بالراحة حين يكون معها. ترى فيه الأمان التي افتقدته منذ وفاة أخيها. وتراه هو في كل تصرفاته باستثاء خجله الفريد بالطبع. طرق الباب نفضها نفضاً واعتدلت سريعاً في نومتها ورفعت الغطاء إلي أعلى صدرها أما نهلة فاتجهت هي لتفتح له التي استقبلته بابتسامة بشوشة ليبادلها هو إياها مع محاولاته لتجنب النظر إليها. دخل وجذب مقعد ثم جلس أمام فراشها وهتف باكتراث لأمرها:
_ إنتي كويسة؟
اكتفت بإماءة رأسها له وتتحاشي النظر في وجهه استحياءً منه مٌهيأ نفسها لاستماع توبيخه الرقيق مثله لها. وبالفعل جاء صوته به شيء من الانزعاج:
_ ليه طلعتي وحدك؟ احنا مش متفقين إنك متطلعيش وحدك لغاية ما اوصل للحيوان ده.
خرجه همسها مرتبكاً:
_ محبتش اتعبك معايا والله وأنا روحت وكنت هرجع البيت زي الفل لولا العربية االي خبطتني عند الكلية دي.
نظر لصديقتها التي تتابعهم غي نظرات متربكة مثلها ومترقبة لما سينتهي به مطاف هذا الحديث. ليعود بنظره لها ويهتف بصوت رجولي خشن:
_ امال ليه لما سألت تحت عند الاستقبال الحادث حصل فين قالولي عند المقابر؟ ياريت تقوليلي ياشفق حصل إيه بظبط؟
نقلت نظرها بينه وبين صديقتها التي تشير لها بعيناها أن تخبره ولكنها أبت وصممت على موقفها حيث هتفت مخترعة كذبة تحاول الهرب بها منه فما كان كذبها عليه إلا أنه زاده تأكيد بأن حصل شيء وهي لا تريد أخباره. وربما يكون لعدم ثقتها فيه أو أنها لا تريد تدخله أكثر من ذلك. هذا ما كان يحدث به نفسه.
هتفت بتلعثم واضح في اضطراب كلماتها:
_ مقابر؟ لا يمكن هما غلطوا أنا مروحتش أصلًا غير الكلية!
هب واقفاً وقال بصلابة وضيق من محاولاتها الفاشلة للكذب. هل تظنه غبي وأحمق لكي يصدق كل هذا الحمق؟ ولكنه لا يتمكن من إجبارها على شيء لا تريده وإن كانت لا ترغب أن يساعدها فلها القرار. هو حاول اقصى جهده لكي يحميها ولكنها ترفض وليس له الحق في إعطائها اوامر:
_ طيب ياشفق لما تكوني محتجاني اتصلي بيا وأنا مش هتأخر عليكي. يلا عشان اوصلك إنت وصحبتك للبيت أمك قلقت عليكي وخلت جيرانكم اللي قاعدة معاها تكلمني.
أطرقت رأسها في خزي وخنق عندما لمست نبرة الغصب والانزعاج من كذبها عليه. لا تعرف بما فكر ولكن حتماً انزعج منها بشدة. اسرعت نهلة نحوها لتساعدها في الوقوف عندما انصرف هو من الغرفة لينتظرهم بالخارج. وتمتمت لها باغتياظ من غبائها:
_ غبية إنتي مش شيفاني بشاورلك عشان تقوليله؟ عنده حق يضايق الله اعلم فكر ازاي؟ انا الصراحة لو مكانه هقول إنك مش واثقة فيا.
رمقت صديقتها بنظرة ضعيفة وعاجزة عندما تفوهت بآخر كلماتها وداهمتها مشاعر الندم لكذبها عليه ولكنها تصنعت التجاهل واستندت عليها حتى لملموا أشيائهم وغادروا معه. واستقل هو بالمقعد الأمامي في السيارة وهما في الخلف ثم انطلق بالسيارة يشق بها الطرقات دون أن تنحرف عيناه حتى بالخطأ في المرآة العاكسة عليهم!
تتابع الجميع من حولها أهلها وأقاربها في كامل سعادتهم حتى أبيها الذي جاء صباح اليوم ليحضر خطبة ابنته. كان منذ قليل يتحدث مع كرم قبل رحيله ويضحك بقوة! وفرحة أمها وأبيها وأخيها تستطيع الوصول لها وتشعر بها ببساطة. ولما لا يفرحون! فلقد اعطوها لرجل جميعهم على ثقة تامة به وربما هي أيضاً تثق به بأنه لن يكون كخطيبها. ولكن مع الأسف ستكون الضربة القاضية منها هي وليس هو. هي ليس لديها شك في إخلاصه لها طوال حياتهم. سيكرث حياته لأجلها ولأجل أولاده. بينما هي ستكون نموذج للخداع وعدم الثقة والكذب. وربما هذا هو الأمر الذي سيجعلها تفكر في أمر الارتباط به رسمياً فمازال لديها الفرصة قبل الزواج إما أن تقبل أن تكون الزوجة الخائنة أو تنسحب بهدوء!
انتفضت بخفة على أثر صوته الذي جذبها من محيط أفكارها العميقة. كانوا يجلسون على أريكة فاخرة متوسطة الحجم والمسافة بينهم تتسع لشخص آخر أن يجلس في المنتصف. التفتت له برأسها تسمعه وهو يهتف في خفوت بابتسامة صافية:
_ لو كنت أعرف إنك هتضايقي من الجو الهادئ كدا كنت قسمت الخطوبة وخليت الستات والرجالة وحدهم وكنتوا شغلتوا اغاني وفرحتوا مع بعضكم.
هزت رأسها نافية فوراً وغمغمت وهي تبادله نفس الابتسامة:
_ لا لا خالص مش مضايقة بالعكس أنا بحب الهدوء ومش بحب الأزعاج بتاع الأفراح.. بس تقسم ليه الرجالة والستات؟
أخذ شهيقاً قوي وقال في نبرة رجولية صلبة وجادة:
_ مش بحب اشوف أهل بيتي بيرقصوا قدام رجالة.. لإن اللي بيحصل في الأفراح دلوقتي كله غلط في غلط. وأنا أحب إننا نبدأ حياتنا صح عشان ربنا يباركلنا فيها.. صح ولا لا؟
" صح !!! " وماذا عن زوجة ستدخل منزله وتنام بجانبه على فراشه وهي تفكر برجل غيره؟ هل ستكون حياتهم بالشكل الصحيح الذي يريده؟ هل ستستمر علاقتهم كثير؟ غامت عيناها بالعبارات وخشت أن يراهم فلم تتمكن من الرد عليه وهبت واقفة واسرعت نحو الحمام تختبئ فيه من كل شيء فلاحظت إحدى صديقاتها المقربة انسحابها من جانبه فجأة واسرعت نحوها أما هو فوقف مستغرباً وأشار لشقيقته التي اسرعت نحوه وذهبت معه لها.
هتفت صديقتها قبل أن تدخلها:
_ أنا هدخل وراها.
ثم فتحت الباب ودخلت وأغلقت الباب خلفها فوجدتها تقف أمام المرآة وعيناها ممتلئة بالدموع لتهمس بانفعال وصوت منخفض حتى لا يصل لمسماعهم:
_ في إيه ياملاذ؟ إيه عاوزة تبوظي خطوبتك؟
أجابتها بهمس ودموعها على وشك السقوط:
_ أيوه أنا مش هقدر أكمل معاه. أنا مستحيل أقدر أكون ليه الزوجة اللي عايزها.. مش هقدر اخدعه أنا هبقى كدا بخونه.
لانت نظرات صديقتها لها وغمغمت في لطف وحنو:
_ طيب متعيطيش عشان مكياجك.. ومتبقيش غبية دي فرصة جاتلك ومينفعش تضيعيها. طلعي أحمد القذر ده من دماغك وقلبك وادي لنفسك فرصة يمكن تحبي خطيبك.. امسحي يلا دموعك اللي في عينك دي واطلعي عشان هو واخته برا ومستنينك ولو اتأخرتي الباقي هياجيوا كمان لما يلاحظو غيابك. يلا ياحبيبتي ابوس ايدك.
ربما تكون فرصة ارسلها الله لها بالفعل. ولا يجب عليها تضيعها بهذه السهولة. ستحاول أن تستغل هذه الفرصة وإن لم تستطع ستنهي هذه المهزلة الذي بدأتها بنفسها فالتلاعب بالمشاعر ليس من شيمها! جففت دموعها بحذر شديد حتى لا تفسد المكياج ثم خرجت لهم فوجدت رفيف تهتف مسرعة في قلق:
_ مالك ياملاذ إنتي كويسة؟
اخترعت كذبة محترفة عليها مغمغمة في خفوت:
_ آه كويسة. أنا بس ماخدة دور برد في معدتي وعشان الجو برد فمستحملتش.
ثم نظرت للذي كان يبدو على وجهه القلق الممتزج بنظرات الشك في أمرها. فأرسلت له ابتسامة عذبة ثم عادت بصحبة رفيف وصديقتها إلى مكانها وهو لحق بهم. ثم رأته يشير لشقيقته بأن تأتي له وهمس لها في اذنها بشيء لم تسمعه نتيجة لصوت الموسيقى المرتفع قليلاً. ورحلت " رفيف " وعادت بعد دقائق وهي تحمل وشاحاً نسائياً رائعاً يبدو باهظ الثمن ولفته حول كتفيها هاتفة في رقة:
_ حطيها عليكي عشان البرد.
لفتها جيداً حول كتفيها ثم حولت نظرها له فتلقت منه ابتسامة لطيفة. وأدركت أن همسه في أذنها منذ قليل كان يطلب منها أن تأتي لها بالوشاح حتى لا تصاب بالبرد أكثر وهما في الهواء الطلق على قمة فندق. فأشاحت بنظرها عنه فوراً وهمست في نفسها بمرارة " لا تكون لطيفاً معي هكذا ارجوك. فلطفك سيجعلني انهي هذه المهزلة دون تردد للحظة واحدة في إني أضعت فرصة صائبة!
مع صباح يوم جديد وداخل مقر شركة العمايري.
خرجت يسر من مكتب زين بعد أنتهت من حديث العمل معه وكانت في طريقها نحو مكتبها، ولكنها توقفت حين لمحت رحمة تقف مع السكرتيرة الخاصة لحسن وتحاول اقناعها بأن تقبل بدخولها له. والسكرتيرة تخبرها بوضوح أنه لا يريد رؤيتها، وإن تركتها تدخل قد تتعرض للعقاب والتوبيخ القاسي منه. فلاحت الابتسامة الشيطانية على ثغرها وتحركت نحوهم ثم وقفت بجوارهم ووجهت حديثها إلى السكرتيرة:
_ في إيه ياميرنا؟
أجابتها الفتاة بنفاذ صبر وخنق:
_ عاوزة تدخل لحسن بيه وأنا لما قولتله قالي متدخليش حد، وهي مصممة تدخله.
اعتدلت بجسدها ناحية الواقفة التي ترمقها شزر، فهي لم تنساها منذ آخر لقاء لهم حين هددتها بعدم الاقتراب. فقابلت يسر حقدها ببرود وسرعان ماتحول لشراسة وتشدقت في نظرة مريبة ونبرة صوت أخافتها بالفعل:
_ ما قالك مش عايز يشوفك ياقطة، ولا هو غصب؟
_ وإنتي مالك أصلًا!! أنا مش هتحرك من هنا غير لما ادخل واشوفه، ولو مش هتدخلوني بالذوق يبقى هدخل بالعافية.
هيجت ثورتها واشعلتها في داخلها. تلك الشمطاء تقف أمامها وتتحداها وهي لا تدري ما قد تلحقه بها إن أثارت جنونها أكثر. فجذبتها من ذراعها بعنف صائحة بها بانفعال:
_ طيب امشي من هنا بكرامتك بدل ما اطلعك من غيرها. ورجلك متعتبش الشركة هنا تاني وإلا إنتي حرة.
أجابت السكرتيرة على رنين الهاتف الخاص بتواصلها مع حسن وكانت تومىء له بالإيجاب وتهتف "حاضر"، ثم أعطت الهاتف لرحمة لتحادثه. التي اجابت بتلهف محاولة التماس فرصة لها، ولكنها وجدته يصيح بها مستشيطًا غيظًا:
_ امشي يارحمة، مش عايز اشوف وشك حتى. لو ممشتيش هخلي الأمن يطردك برا.
لم يمهلها لحظة واحدة لتجيب عليه حيث اغلق الأتصال فورًا. فانزلت هي الهاتف من على اذنها ولململت أشلاء قلبها المبعثرة بيأس واستدارت ورحلت بصمت. لتبتسم يسر بتشفي وهمت هي الأخرى لتسدير وتذهب لمكتبها، ولكن اوقفها كلمات السكرتيرة:
_ أنسة يسر حسن بيه عايزك.
لم تلتفت لها حتى وهتفت في عدم اكتراث مزيف وغرور:
_ قوليله مش فاضية.
ثم اتجهت صوب مكتبها وفتحت الباب وجلست على مقعدها الهزاز تنتظر اقتحامه عليها المكتب وتبتسم بمكر. فلقد قصدت أن تتجاهله حتى تثير جنونه أكثر ويأتي هو بنفسه فيتلقى نصيبه من جنونها أيضًا. وستكون هذه آخر محاولة له لتغير طريقة معها، وأن اخطأ معها بشيء بسيط تقسم بأنها ستسحقه بما لديها من صور وتسجيلات له.
كما توقعت تمامًا فتح الباب على مصراعيه وأغلقه بعنف ثم اندفع نحوها يفرغ بها شحنة غضبه التي لم يجد شيء سواها ليفرغها بها:
_ أول وآخر تحذير ليكي يا يسر، ملكيش دعوة برحمة نهائي، فاهمة ولا لا؟
استقامت وقد تأججت نيران الغيرة بداخلها. هل يفضل تلك المخادعة والساقطة ويدافع عنها رغم كل ما فعلته له؟ أدركت الآن أنه أغبي مما كانت تتوقعه. فهتفت في استنكار ونظرة مشتعلة:
_ ولما إنت محروق عليها أوي كدا ليه مخلتهاش تدخلك ولا طلعت وقولتلي الكلمتين دول قدامها، ولا كنت خايف تضعف قدامها؟ لما تفضل تتلزق فيك وتقولك أنا آسفة ياحسن وإنت زي الغبي بتضعفلها. عارف ليه بتضعف قدامها عشان إنت معندكش كرامة وحقير زيها وإنتوا الاتنين الو**** بتجري في دمكم.
رأت عيناه تلتهب كجمرة نيران وبرزت عروق رقبته وانفاسه التي تخرج من انفه كانت تستطيع الشعور بحرارتها. ولا تنكر خوفها منه حيث غمغمت في اضطراب تحاول اخفائه:
_ اطلع برا ياحسن!
تحرك نحوها ببطء وحاربت هي عقلها الذي يرسل لها الإشارات بالتقهقر للخلف وبقيت ثابتة بأرضها حتى وقف أمامها مباشرة وجذبها من خصرها إليه هامسًا أمام شفتيها مباشرة بنبرة صوت مرعبة:
_ إيه آخر حاجة تتوقعيها مني يايسر؟ .. إني اقربلك مش كدا، ودي فعلًا آخر حاجة ممكن أفكر فيها عشان أنا مستنضفش أصلًا أقرب منك. بس ممكن اعصر على نفسي لمونة واوريكي اقذر حاجة عندي ومش هيهمني إنتي مين. تحبي اوريهالك ولا لا؟
انتابتها الرعشة من اقترابه وانفاسها التي تلفح صفحة وجهها ولوهلة أحست نفسها ستضعف له. فعشقها له لا يمكن لعقله الغبي ولقلبه الذي لم يذق طعم العشق الحقيقي أن يتخيله. ولكن ضربت صافرات الإنذار في عقلها واعادتها لرشدها وبكل ما اوتيت لها من قوة دفعته بشراسة بعيدًا عنها صارخة به وهي تخوض حرب عنيفة مع دموعها التي تود السقوط:
_ قولتلك برا ياحسن!
رمقها بنظرات وضيعة وهتف باستهزاء قبل أن يستدر ويرحل:
_ اعقلي وحطي عقلك في راسك عشان إنتي مش قدي.
جلست على المقعد بعد رحيله وانفجرت باكية بقوة. لعنت نفسها الحمقاء ألف مرة فكيف تسمح له باختراق مسافتها وكيف تنسحر من مجرد لمسه منه. فكم تتمني أن تتحول مشاعرها لنقم وبغيضة عليه. ولكنها لا تستطيع ولا تتمكن من الوقوف صامتة وتحارب لكي تظفر به في النهاية، فلقد عانت لسنوات من عشقه وأخذت العهود والمواثيق علي نفسها بأنها لن تجعله يكون لفتاة غيرها. وأنها ستحارب لأخر لحظة ولن تيأس حتى تحصل على ما تريد وهو قلبه!
انتهت من تحضير كوب القهوة. فهي لديها بعض المعلومات من أخيها عنه وحول إدمانه للقهوة.
وقد أتى اليوم كما أعتاد أن يتردد عليهم يوميًا منذ وفاة أخيها الذي أتم بالأمس ثلاث أسابيع. كان سيرحل بعد أن اطمئن على والدتها ولكنها طلبت منه التريث قليلًا لكي تتحدث معه. فمنذ آخر مرة تقابلًا في المستشفى منذ يومين يحدثها قلبها بأنه لا يزال يحمل الضيق في صدره خصوصًا بعدما ارسل لها حارس شخصي يرافقها إينما ذهبت!! فعدلت من وضعية حجابها وخرجت له فوجدته شارد في صورة أخيها المعلقة على الحائط أمامه. فنتحنحت بخفوت ليلتفت لها فورًا ويهمس معتذرًا بابتسامة تكاد لا ترى:
_ آسف سرحت شوية.
لم تعلق وكانت اتبسامتها كافية وهي تضع فنجان القهوة على المنضدة أمامه فتسمع صوته الخافت يقول بإحراجه المألوف:
_ شكرًا.
توجهت وجلست على الأريكة المقابلة له ثم التفتت برأسها للخلف ورفعت نظرها لأعلى تتطلع لصورة أخيها. أما هو فرفع فنجان القهوة لشفتيه وارتشف منه رشفة واحدة ثم انزله حين وجدها تهتف وهي مازالت معلقة نظرها على الحائط:
_ بفكر اشيلها من هنا.
ضيق عيناه وقال بحيرة:
_ ليه؟
همهمت في صوت يغالبه البكاء ونبرة شجينة:
_ ماما زي ما إنت عارف مش بتتحرك كتير بسبب تعبها ولما بتكون كويسة بخليها تطلع تقعد معايا شوية هنا واشغلها التلفزيون عشان تفك عن نفسها. وأول ما بتشوفها بتنهار في العياط وبتتعب جدًا. مع إن أنا لما بكون قاعدة هنا في الصالة وحدي بحس صورته بتونسني وبفضل احكي معاه وأحيانًا كتير بنام هنا، ففكرت اشيلها واوديها اوضتي.
يشعر بمدي انهيارها الداخلي وقلبها الذي يمزقه الحزن والشوق تمزيقًا. ولكن للأسف فحاله ليس أفضل منها. ولا يستطيع حتى إبذال أقل جهد في تخفيف عنها فهذا الألم لم تخففه حتى ألف كلمة. ليجفل نظره أرضًا ويردد بصوت مسموع لها "ربنا يرحمه"، فتهمس هي بألم "آمين". ثم وضعت نظرها عليه وهتفت في تساءل حقيقي وفضول لمعرفة إجابته:
_ إنت ليه خليت واحد يحرسني؟
_ عشان ده الافضل ليكي بعد اللي حصل.
كلماته تشير لمعنى واحد فقط وهو أنه عرف بالحقيقة كاملة التي اخفتها عنه. ولكن كيف عرف؟
بعد أن حاولت الكذب عليه وهو كان يعرف بأمر اخفائها عليه شيء. فتواصل مع صديقتها التي كانت معها وقصت له كل شيء حتى السبب الذي جعلها تخفي عنه الحقيقة وطلبت منه ألا يخبرها بأنها هي التي اخبرته حتى لا تنزعج منها بشدة.
اتاها صوته الغليظ والجاد وهو يقول بشيء من الرفق واللين رغم غلظة صوته:
_ عرفت وخلاص. المفروض إنك كنتي تقوليلي. لإن طالما عمل كدا مرة يبقى هيحاول يعمل كدا ألف مرة. وأنا وإنتي متفقين إنك هتقوليلي أي حاجة تحصل في الموضوع ده لإني بحاول الاقي أي حاجة توصلني ليه. فمكنش ينفع تخبي عليا لمصلحتك ياشفق. إنتي امانة واخوكي امني عليكي فلو جرتلك أي حاجة هبقى خنت الأمانة ومش هعرف بأي وش بعدين هقابله ولا اروح ازوره في قبره.
من أين اتيت لي ياليتك لم تكن صديقه!! فأنا احاول الفرار مش شبكاك التي تنصبها لي دون قصد كلما رأيتك. وإنت لا تكف عن ملاحقتي ولسوء الحظ إنك بالفعل اوشكت على تصويب الهدف. فارجوك توقف أنا لا اريد إرهاق قلبي بتجربة عشق جديدة ستكون أبشع من السابقة. وستكمن بشاعتها في استحالة الوصول إليك وسيظل عشقك ووفائك لزوجتك نقطة فاصلة بيني وبينك.
اسعفت الكلمات بصعوبة من ارتجافة قلبها الذي يواجه صراعًا عنيفًا مع عقلها وتمتمت مجفلة نظرها أرضًا في حزن لا يفهم سببه الحقيقي سواها:
_ أنا مقدرة خوفك وقلقك علينا ياكرم، وبذات أنا. بس أنا بجد مش عاوزة ادخلك في مشاكلي اكتر من كدا ولو حصلتلك حاجة بسببي مش هسامح نفسي إني دخلتك في مشكلتي.
وضع فنجان القوة على سطح المنضدة وهب واقفًا حتى لا يأخذ أكثر من اللازم في الحديث معها وأيضًا بقائه في منزلهم أكثر من ربع ساعة لا يصح! هتف باسمها ببساطة:
_ لا متقلقيش عليا. المهم إنتي تعملي زي ما قولتلك وأقل حاجة تحصل تتصلي بيا وتقوليلي. وشكرًا على القهوة.
لا فائدة فلن يرحل عنها إلا حين يتأكد من أنها سقطت في وحله!! استقامت هي الاخرى ورافقته إلى الباب ثم تأففت بعدم حيلة من أمرها وذهبت لتطمئن على والدتها وترى إن كانت تحتاج شيء أو لا!!
منذ يومين وهو يفكر في حل لتلك المعضلة التي وقع بها فتلك "اليسر" لن تكف عن أفعالها التي أصبحت لا تطاق. وقد طفح كيله منها ولابد أن يجد الحل الذي سيسكتها للأبد. يريدها أن تبتعد عنه ولا يعلم كيف يفعلها. ولكن ماذا عن استخدام مبتغاها سبيلًا للوصول لمبتغاه هو؟ ماذا لو حقق لها ما تتمناه وتوده أكثر من أي شيء في الحياة فقط لتحقيق أهدافه في التخلص منها للأبد؟ أجل هذا هو أفضل حل ليتمكن من فعل بها ما يشاء دون أن يضع في الحسبان أي شيء!.
مجتمع مع عمه على طاولة واحدة الذي جاء لزيارتهم والاطمئنان على والدتهم التي تعبت مؤخرًا قليلًا وكانت يسر برفقته.
يتبادلون النظرات النارية بين بعض، وهي تقسم في نفسها أن اليوم ستخبرهم بكل شيء حتى تنتقم على ما فعله بها منذ يومين.
انتظرت حتى انضمت لهم زوجة عمها، وألقت نظرة عليه أخيرة مليئة بالحقد والغل قبل أن تنظر لوالدها وتقول في شجاعة وأعين مشتعلة بنار الانتقام لمشاعرها التي يتلاعب بها هذا الفاسق:
"بابا، أنا عايز أقولك حاجة. حسن بـ..."
التقط الجملة من بين شفتيها ليكملها هو كما خطط لها ويشكلها كما يريد. وهتف في نظرة ثابتة وثاقبة مع ابتسامة متصنعة أتقنها بمهارة، هي وقسمات وجهه الذي لونها بشكل مناسب لما سيقوله:
"أنا طالب إيد يسر منك يا عمي."
رواية ضروب العشق الفصل السابع 7 - بقلم ندى محمود توفيق
تتخيل!! حتمًا هذا ينبع من خيالها المريض به. هل طلبها للزواج للتو؟ من سابع المستحيلات أن تخرج منه هذه الكلمات أو أنه يفكر في الزواج منها بكامل إرادته. أتحلم أم ماذا؟ ليقرصها أحد لتتأكد بأنها في الواقع وليس حلمًا!
لم تكن هي وحدها المصدومة، فكذلك أمه وأبيها الذي لجمت الدهشة سنتهم. فساد الصمت بينهم للحظات وهم يحدقون به فاغرين فمهم بذهول. حتى اخترق هو فقاعة الصمت المريب بينهم وغمغم متصنعًا الأسف والضيق:
_ أنا آسف يا عمي.. عارف إن كان لازم أفاتحك إنت وعلاء الأول في الموضوع ده. بس أنا محبتش آخد الخطوة دي غير وأنا متأكد من رأي يسر في الأول. هي مقالتش موافقة بس ردها شجعني إني أفاتحك.
كانت هدى تتطلع لابنها بصدمة، فهي تعرف أنه لا يحب ابنة عمه مطلقًا. من أين جاء بعرض الزواج المفاجئ هذا دون أن يفاتحها هي أو أشقائه في الأمر. أما طاهر، فاستجمع نفسه وعاد لطبيعته هاتفًا بجدية وريبة:
_ وإنت فجأة كده طلبت في دماغك الجواز؟
أجابه نافيًا بنبرة خشنة وصلبة:
_ لا طبعًا. أنا ليا فترة بفكر في الموضوع ومخدتش خطوة غير لما اتأكدت إني هكون قدها. وأنا عارف إني مش هلاقي أفضل من يسر زوجة ليا بعد إذن حضرتك أكيد.
لازالت يسر على وضعها، نظرها معلق عليه. لا تستوعب ما يدخل من أذنها لعقلها الذي يرفض تصديق كل هذا الهراء. ولا ترفع نظرها عنه، فقط تحملق به كالصنم حين يضعوه أمام الشخص فتكون عيناه مباشرة على ما أمامه. حتى أنها لم تسمع اسمها الذي نطق به أبيها إلا حين هزها بخفة في ذراعها لتنتفض وتنظر له هاتفة في تلعثم وتوتر غير واعية لما تقوله:
_ موافقة.. أقصد أيـ..وة حسـ..ن فاتحني من يومين في الموضوع وأنا قولتلُه يكلمك إنت وعلاء الأول ومدتوش رد.
نقل نظره بينهم ثم سألها في جدية:
_ يعني هو ده الموضوع اللي كنتي عاوزة تقوليلي عليه؟
قالت وقد زاد تلعثمها وارتباكها، فقد كانت الكلمات تأتي لشفتيها وتخرج مبعثرة:
_ آااه.. قصدي لا حاجة تاني بس خلاص هبقى أقولك بعدين.
حاول منع ابتسامته الماكرة من الانطلاق حيث أخفى وجهه وهو يحك ذقنه شبه النامية. بينما هي، فطلبت منهم الأذن واستقامت مسرعة نحو المطبخ لتشرب بعض الماء قبل أن تسقط مغشية عليها. فيهتف طاهر مبتسمًا بحب وحنو:
_ وهو أنا هلاقي لبنتي مين أحسن منك! ده إنت ابن الغالي يا حسن.. بس اصبر كام يوم وهديك الرد النهائي بإذن الله.
_ براحتك يا عمي أنا مش مستعجل.
ثم أنزل هاتفه تحت الطاولة وقام بتشغيل نغمة رنينه وهب واقفًا وهو يستأذن بعد أن وضع الهاتف على أذنه متصنعًا أنه يحادث أحد. وانتظر حتى اندمج هو وأمه في الحديث وتسلل دون أن يشعروا به إلى المطبخ حيث هي. وتحرك على أطراف أصابعه حتى وقف خلفها مباشرة. فالتفت هي بعفوية غير متوقعة وجوده، فانتفضت واقفة وفتحت فمها على وشك إصدار صرخة من أثر فزعها. ولكنه أسرع وكتم على فمها مشيرًا بسبابته على فمه بمعنى "لا تصدري أي صوت". فهدأت ضربات قلبها سريعًا وارتخى جسدها المنتصب بسبب الخضة. لتجده يهمس مبتسمًا بلؤم ونظرة تحمل في طياتها الوعيد والانتقام:
_ مش كنتي بتعملي ده كله عشان رفضتك وعشان هتموتي وتتجوزيني؟ واديني هتجوزك أهو. ويؤسفني إني أقولك إن إنتي اللي هتطلبي الطلاق مني بعد الجواز وهوريكي العذاب ألوان وأشكال.
تكره اقترابه منها الذي يضعف قوتها ويجعلها مسلوبة الإرادة. هذا الحمق يعتقد بأنه انتصر عليها وهو لا يعلم أن الانتقام لكرامتها التي بعثرها لما يبدأ بعد! يعتقد أن الزواج ستكون نتيجته في صالحه وسيخرج من حربه معها بانتصاره مفتخرًا. ولكنه للأسف لا يدري أنه سيخرج بهزيمة نكراء وستسلبه هي كل شيء. ففي كل مرة يستهين بها يندم. والآن هي في أقصى درجات سعادتها، فقد أعطاها فرصة على طبق من ذهب ولن ترفضها. وستحقق كل أهدافها بفضل غبائه!
***
كانت تتحدث إليه في عنف وعصبية شديدة نتيجة لنقضه لاتفاقهم:
_ يعني إيه لغاية دلوقتي معملتش اللي متفقين عليه! أمّال أنا مدياك فلوس ليه!
أجابها ضاحكًا بسخرية وهو يشاطرها انفعالها:
_ عشان تاخدي الواد اللي عينك عليه يا قطة واهو معاكي. ثم إن إنتي اللي ضحكتي عليا ومقولتيش إن البت دي تبع كرم العمايري ومكان ما تروح بيكون معاها. ولولا إني شوفته في المستشفى ولحقت نفسي قبل ما يشوفني كان زماني دلوقتي مع الأموات.
_ وإيه يعني كرم؟ إنت مالك بيه وتعرفه منين؟
غمغم في شراسة:
_ أعرفه عز المعرفة. وهو لو عتر فيا هو وإخواته مش هيخلوني عايش يوم زيادة.
قطبت حاجبيها وهتفت بحيرة من أمره وسرعان ما تحولت لصدمة:
_ ليه إنت عملتلهم إيه؟ لتكون إنت اللي... يانهار أبوك أسود!
_ بقولك إيه يابت إنتي اطلعي من نفوخي. أنا عملتلك اللي إنتي عاوزاه والبت دي تبعي أنا وأنا اللي أفكر هعمل فيها إيه وامتى وإزاي. ولو كلمتيني تاني مش هيحصلك طيب. وعارفة لو جبتي سيرة لكرم عليا مش هتردد لحظة في إني أخلي نهايتك زي نهايتها. وإنتي فهماني أنا قصدي على مين!
أغلقت الخط فورًا في وجهه وهي تنتفض من الخوف. وقد فضلت الابتعاد عن هذا الرجل المريب تمامًا. فهو الآن ليس في حاجة لتوصية، فيبدو أنه ينوي بتلك "الشفق" الحمقاء الشر. وستشفي هي غليلها منها بلا أدنى تعب وسيقوم هو بكل شيء...
***
..شهر! تركض الأيام كسيارات سباق وتمر حتى دون أن يشعروا بها. والمواعيد تقترب. ومنهم من يخشى من هذه السرعة التي تمر بها الأيام ويتوسل الأيام أن تتمهل قليلًا خشية من أن يجد نفسه أمام المحتوم والذي لا مفر منه. ومنهم من يتوسلها لتسرع أكثر، فلقد طال انتظاره وهو يتحرق شوقًا لينال ما تطوق نفسه له من شهر أو سنوات. والبعض الآخر تمر عليه الأيام كسابقيها لا تختلف كثيرًا. وروتينها لم يتغير، فقط يستيقظ وينام على نفس أحواله المملة والتي تقتله بالبطيء!
فقد واجه حسن الاستنكار والاستهجان من جميع إخوته بعدما عرفوا برغبته في الزواج من ابنة عمه. ليس حقدًا ونقمة عليها ولكن سخرية من أنه فكر بالزواج ومن أكثر امرأة لا يطيقها! وحاولت هدى محاولات فاشلة أن تجعله يتراجع ولكن بلا فائدة. وقد حصل هو على الموافقة من عمه وتجهزوا جميعًا لحفل الزفاف. وكان بينهم من يحسب الأيام بالساعات والدقائق من فرط تشوقه لقدوم هذا اليوم وبالطبع هي غنية عن التعريف. تتجهز لزواجها وسعيدة كأنها عروس حظيت بالزواج من الرجل الذي سقط في عشقها من الوهلة الأولى. وليس مجرد زواج سيكون تحقيقًا لرغباته الشيطانية والانتقامية منها وحربًا ستخوضها هي معه لتنتصر في النهاية وترفع شعارها على قلبه.
أما زين، فلقد اتفقوا مؤخرًا أن يكون عقد قرانهما في نفس ليلة زواج أخيه بعد أن وافق الجميع وحتى ملاذ! فخطبتهما دامت لشهر وكان هو كل يومين يحادثها بالرسائل كالعادة يطمئن عليها. وفكرت هي في البداية ألف مرة في إنهاء هذه الخطبة. ولكن هناك قوى خفية تمنعها لا تعرف ماهي. وداهمها شعور يخبرها بأن ربما هذه العلاقة تنجح إن أعطتها الفرصة كما أخبرتها صديقتها. وقررت أن تمنح نفسها فرصة ثانية لتنعم بالعشق مجددًا. فلقد أحست في قرارة نفسها أنها ربما تقع في عشقه إن تزوجته. حتى وإن كانت حتى الآن لا يوجد أي مشاعر تجاهه. فهي متأكدة بأن هذه المشاعر ستوجد مع الوقت. وما عليها سوى أن تدعه يعشقها وأن تثق برجل مجددًا وتتركه يستحوذ على مفاتيح قلبها حتى يفتحه حيثما شاء!
كرم لا يزال حتى الآن يتردد عليهم يوميًا. ويشفق على تلك المسكينة التي وضعها النفسي يزداد سوءًا كلما ترى وضع والدتها الذي لا يتحسن وفقط يسوء أكثر مع الوقت! وكان يطلب من شقيقته أن تأخذها ويخرجوا للتسوق أو التنزه مع بعضهم لعلها تخرج من حالتها المزاجية الكئيبة. وكانت "رفيف" من أشد المرحبين بهذه الفكرة، فهي أحبت "شفق" كثيرًا وأحستها كأخت لها خصوصًا مع تقارب سنهم الذي لا يتخطي السنة. وفي ذلك الشهر تقاربت علاقتهم كثيرًا وأصبحوا أصدقاء. والمتضرر الأكبر من كل هذا كانت شفق! ومعاناتها تزداد يوم بعد يوم والنقطة الصغيرة في قلبها تجاه ذلك "الكرم" تنمو كل يوم أكثر من سابقه. تخشى أن يستحوذها بالكامل ولا يكون لها ضوء حتى للخروج فيتم الحكم عليها بالسجن الأبدي في ظلام عشقه المستحيل. وتكون قد أثبتت لنفسها وللجميع أن قلبها لا يختار من العشق إلا أصعبه!
إنه معاده كل يوم والباب يدق في الوقت المحدد كما اعتادت عليه منذ ما يقارب الشهرين. فوضعت حجابها على شعرها ولفته بانتظام ثم خرجت وفتحت. فقطبت حاجبيها باستغراب وهي ترى "رفيف" تقف أمامها وترتدي رداء يناسب السهرات والحفلات المسائية. كانت رائعة وفائقة الجمال به.
_ رفيف!
دخلت رفيف وأغلقت الباب وهي تقول بعجلة من أمرها:
_ يلا يلا ادخلي البسي عشان ها تيجي معايا وهتحضري فرح حسن وكتب كتاب زين وخلاص كتب الكتاب بعد العشاء يعني يدوب تلحقي تلبسي وده مش اختياري في أوامر صدرت بكده!
قالت آخر كلماتها غامزة بلؤم. فزداد تعجبها وقد أصابتها الدهشة من دخولها عليها المفاجئ وهي تطلب منها حضور عرس أخويها. لا لم يكن طلب بل أمر كما قالت. حيث تشدقت بعدم فهم:
_ أوامر إيه دي؟
قالت رفيف باسمة بنظرات ماكرة:
_ كرم هو اللي جابني وقالي أطلع أقولك تلبسي عشان تا جي معانا ومستنينا تحت بالعربية. يلا بقى.
تجمدت الدماء في عروقها وتسارعت أنفاسها تلقائيًا. حين قالت بأنه هو الذي يرغب في حضورها. ولكنها لملمت أشلاءها التي بعثرت بمجرد نطق اسمه أمامها وهتفت متلعثمة في توتر:
_ لا فرح إيه يا رفيف أنا معملتش حسابي. ثم إني مقلعتش الأسود لغاية دلوقتي على سيف الله يرحمه.
_ ياستي وهو حد قالك اقلعيه ولا اتزيني وحطي مكياج والبسي فستان! تعالي بهدومك السودا احنا عايزينك تحضري معانا عشان تفكي شوية وتفرفشي.
تنفست الصعداء بعدم حيلة ثم اتجهت نحو غرفة والدتها لتأخذ الأذن منها وترى رأيها هل توافق أم لا. فتجدها تبتسم لها باتساع وتومئ لها برأسها بالموافقة. ثم تشير إلى ملابسها السوداء بمعنى أن تبدلها بملابس تناسب سنها. فرفضت هي في البداية. ولكن حين شعرت بانزعاج أمها انصاعت لأوامرها وذهبت لتستعد وتلبس شيء مناسب. أما رفيف، فقد جالست المرأة المريضة وأخذت تتحدث معها عبر كتاباتها التي تكتبها على الورقة فلم تستعد صوتها حتى الآن.
كتبت لها على ملاحظة صغيرة عبارة " كرم ليه مطلعش معاكي "
أجابتها رفيف مبتسمة في حنو:
_ هو قالي إنه هيطلعلك بعد الفرح لما يجيب شفق البيت.
ابتسمت ودونت على الورقة كالآتي:
" تعرفي هو اللي مصبرني على اللي أنا فيه واللي مخليني كويسة إنه بيجيني كل يوم يطمن عليا. بمجرد ما اشوفه بحس إن سيف قدامي وهو اللي مصبرني على فراقه."
قرأت ما دونته وادمعت عيناها بتأثر وشفقة على هذه المرأة التي شقيت ألم فراق وحيدها وعزيز قلبها، وقلبها ينزف الدماء كل يوم على فراقه وتحاول إيجاده في أخيها وتلهم نفسها الصبر بتخيله مكان عزيزها.
فاقتربت وطبعت قبلة على جبهتها مغمغمة في نبرة تغلبها البكاء:
_ وكرم والله بيحبك جدا وبيعتبرك أمه التانية ومش بيقدر يتأخر عليكي يوم واحد من غير ما يجيلك.
حضنت كفها بين ثنايا كفها ورتبت عليه بحنو، ثم عادت تكتب من جديد بابتسامة متسعة ومشرقة:
" مبروك لحسن وزين. عقبالك."
هتفت رفيف وهي تبادلها نفس سمات وجهها المشرقة:
_ آمين أنا وشفق يارب.
ارتدت رداء بسيط من الألوان الغامقة ولفت حجابها ببساطة أيضا فوق شعرها دون أن تضع أي مساحيق جمال.
ثم توجهت نحو نافذتها ونظرت منها، فتجده يقف مستندا على السيارة وينظر لساعة يده متفقدا الوقت.
ثم رفع نظره للأعلى، فـتراجعت هي للخلف فورا بفزع وامسكت بهاتفها تجري اتصال بجارتهم المقربة التي تقارب أمها في السن تطلب منها أن ترافق والدتها قليلا حتى تعود من الزفاف.
فعلت هي على الفور وبعد دقائق أتت لهم.
فودعت شفق أمها وذهبت بصحبة رفيف وصعدت بالمقعد الخلفي في السيارة، بينما استقلت الأخت بجانب أخيها في الأمام! ...
***
ردهة طويلة والبساط الأحمر على الأرض من بداية الردهة لنهايتها.
وكانوا قد تأخروا على عقد القرآن والجميع ينتظرهم حتى يبدأوا.
فسبقها كرم ورفيف للداخل التي كانت تتلفت برأسها لها طالبة منها الإسراع.
وبقيت هي تسير بهدوء وتتلفت حولها تحدق في هذه الردهة الفخمة والملوكية.
إن كانت هذه الردهة فما حال الباقي.
لحقت بهم ثم وقفت بعيدا تشاهد مراسم عقد القرآن لكل من حسن وزين.
والذي ما إن انتهى ارتفعت نبرة المأذون وهو يقول:
" بارك الله لكم وبارك عليكم وجمع بينكم في خير."
فانطلقت التهنيئات من الجميع.
وكانت هي تتابع ما يحدث بابتسامة بسيطة حتى وجدت رفيف تسحبها معها وجلسوا جميعهم على طاولة واحدة.
وضع حسن كلتا يديه حول خصرها، وهي بدورها لفت ذراعيها حول عنقه يرقصون على ألحان أغنية قامت رفيف باختيارها.
وتطالعه يسر بابتسامة متسعة بها شيء من الثقة.
ليتلتفت هو حوله ثم يقترب من أذنها ويهمس ساخرا:
_ افرحي واضحكي براحتك عشان لما نخلص من الفرح المستفز ده ونروح البيت معتقدش إني هشوف الابتسامة دي على وشك تاني.
لم تؤثر بها كلماته التهديدية والشرانية، بل بالعكس زادتها حماس وزادت ابتسامتها اتساعا وهي تجيبه بدورها في أذنه هامسة بثقة تامة:
_ متقدرش تعمل حاجة. وأنا بقول منستعجلش ونشوف النتيجة هتكون في صالح مين في النهاية.
رأت عيناه التي تحولت إلى جمرة نيران وقسمات وجهه الملتهبة وحمراء كالدم وهو يصر على أسنانه.
فتوقعت ما يدور في ذهنه وما يود فعله بها بهذه اللحظة.
لتعود وتهمس مجددا في أذنه ببرود أثار براكينه التي على وشك الانفجار:
_ ابتسم يابيبي عشان الناس مينفعش كدا!!
شعرت بقبضته على خصرها تشتد ويضغط عليها بعنف.
لتشتد عضلات جسدها وتصدر شهقة خافتة متألمة.
ثم يقترب هو ويهتف متوعدا لها بنظرة مخيفة:
_ وحياة أمي يا يسر لاوريكي اللي ميقدرش يعمل حاجة ده بس نوصل البيت.
***
الآن الخطر أشد بعد إن أصبحت زوجته.
تحاول توقع فعله إن عرف بمخططها الدنيء للزواج منه الذي لا يحقق سوى مصالحها الشخصية الأنانية.
كيف ياترى سيتقبل الأمر؟ هل سيسامحها ويتغاضي عن الأمر أم أنه هو الذي سينهي كل شيء بينهم ويطلقها؟
ولكنها تقسم له ألف مرة أنها حاولت مرارا وتكرارا أن تبتعد ولا تعرف ما الذي يمنعها من محادثته إلى أن انتهى بها المطاف زوجة له.
عليها واجبات ولها حقوق ومن أول واجباتها الإخلاص له.
ولكن كيف وهي حتى الآن لم تتخلص وتتمكن من نزع ذلك العشق المدنس من قلبها.
أما هو فكان في ذروة سعادته يشعر بقلبه يتراقص فرحا، فهي لا تدري ما مدى الفوضى التي صنعتها بداخله منذ أول لقاء بينهم.
وفي شهر واحد بعثرته أكثر وأسقطته في وحل عميق.
والآن فقط أعادت ترتيب قلبه الفوضوي حين باتت زوجة له.
وهذا يعني لا حدود في المعاملة. لا حذر. لا خوف من ارتكاب ذنوب. لا حرج في معانقتها وامطارها بوابل من كلمات العشق وستكون حلاله في كل شيء.
ولكن للأسف فمازالت حتى الآن بعض الحدود قائمة إلى حين زفافهم ودخولها منزله.
وهنا تنقشع كل الحواجز وتزول جميع الحدود!
لاحظ شرودها لدرجة أنها لم تلاحظ توقف السيارة ووصولهم.
فهتف متسائلا برفق:
_ ملاذ إنتي كويسة؟
انتفضت على أثر صوته والتفتت له فورا راسمـة ابتسامة رقيقة على شفتيها.
ليكمل هو ببساطة:
_ يلا وصلنا انزلي.
إماءت لها بالإيجاب وفتحت الباب ثم ترجلت ورفعت نظرها لأعلى تتطلع لمبنى الشركة الضخم.
ثم التفتت له برأسها مغمغمة في استغراب:
_ إنت ليه جايبني الشركة؟
احتضن كفها الرقيق بين كفه هاتفـا في مشاكسة جميلة:
_ قولتلك مفاجأة.. يلا.
قاومت الشعور الغريب الذي راودها بمجرد لمسته ليدها وسارت معه ناحية الباب بدون أن تلفظ ببنت شفة.
فرأت ابتسامة الحراس على الباب الرئيسي بمجرد رؤيته وسارعوا في فتح الباب لهم.
وقادت هي خطواتها معه للداخل ثم استقلوا بالمصعد الكهربائي ووصلوا للطابق الأخير.
ومازالت مستمرة في السير معه وهي تتلفت حولها في خوف من الظلام الذي يعم أركان الشركة بأكملها ولا تستطيع حتى رؤية كل شيء بوضوح.
فغمغمت في نظرات مرتعدة:
_ زين المكان ضلمة أوي أنا بخاف من الضلمة.. إنت جايبني هنا ليه؟
ترك كفها ولف ذراعه حول كتفيها ضامـا إياها لصدره.
كنوع من بث الاطمئنان لنفسها الخائفة وإخبارها من خلاله أنه معها.
فلعنت نفسها بأنها تفوهت بهذه الكلمات ووضعت نفسها في هذا الوضع المحرج.
وأكملت السير معه بصمت حتى توقفوا أمام باب إحدى الغرف وابتعد هو عنها.
ثم أخرج المفاتيح الخاصة به من جيبه ووضع المفتاح المخصص لهذا الباب ثم لفه عدة مرات وبعدها انفتح.
ودخل هو أولا ثم هي خلفه.
فتلفتت حولها تحاول رؤية أي شيء ولكن الظلام كان أشد من أن يساعدها على الرؤية.
وحين لم تشعر به بجوارها تلفتت حولها بارتعاد حتى سكنت روحها المرتعدة لما انفتح الضوء.
وتجولت بنظرها في أرجاء الغرفة التي هي عبارة عن مكتبة صغيرة جميع حوائطها ممتلئة بالكتب.
فتحركت هي نحو أحدهم تتلمسها بابتسامة منذهلة.
ثم استدارت حول نفسها تحدق في كل هذه الكتب بانبهار.
ولكن صوته الدافئ من خلفها جعلها تلتفت له فورا وتستمع لما يقوله وابتسامتها لا تزال على شفتيها:
_ أنا عرفت من إسلام إنك من عشاق القراءة والكتب فقولت أجيبك تشوفي ده وتعرفي إنك مش لوحدك اللي مجنونة كتب.
والأوضة اللي في بيتنا اللي قولتلك محدش يفتحها لما تروحوا هناك إنتي ومامتك وأهلك دي ناوي أعملها زي دي بس نخلص من الحجات الأهم الأول وبعدين إنتي تعمليها على ذوقك وتختاري الوانها والخشب وكل حاجة.
فغرت شفتيها وعيناها بصدمة.
ورمشت عدة مرات بعدم تصديق.
ثم خرج صوتها المنذهل فور رؤيتها عيناها التي تضحك بدلا عن شفتيها:
_ بتتكلم جد هتبقى عندنا اوضة في البيت زي دي؟
كان صمته وابتسامته إجابة توكد لها سؤالها.
فوضعت كفها على فمها تكتم ضحكتها التي انطلقت من فرط سعادتها بما أخبرها به للتو.
وبعد ثواني تهتف من بين ضحكاتها بعفوية لما تتحدث به معه من قبل:
_ إنت كدا هتلاقيني معتكفة في الأوضة دي اليوم كله!!
أجابها مشاكسـا بنظرة اربكتها كثيرا:
_ هعتكف معاكي!
تلاشت ابتسامتها تدريجيـا من نظرته وحاولت الفرار منه عن طريق تجولها في جميع أركان الغرفة تتفحص كل الأرفف.
المقسمة بانتظام إلى قسم يحوي كتب الدين والسيرة النبوية وإلى قسم الفلسفة وعلم النفس وإلى قسم العلوم البيئية المختلفة وغيره كثيرا من الأقسام.
ولكنها توقفت حين رأت القسم الذي يضم كتب باللغة الإنجليزية.
فالتفتت له برأسها وقالت باسمة:
_ وبتقرى English كمان!!
ضحك بخفة وأردف بخفوت يسرد لها قصة هذه الغرفة:
_ مكنتش بحب آجي الشركة هنا أبدا. كان عندي حاولي عشرين سنة وأنا من صغري بحب الكتب فبابا الله يرحمه عشان يحببني في الشغل وإني آجي هنا عمل لي المكتبة دي ومن وقتها وأنا مبقتش اتأخر على الشركة يوم واحد ولغاية دلوقتي بخلص الشغل في المكتب وباجي أقعد هنا وأحيانا برجع البيت بعد الفجر بكون ماخد الليل كله هنا.
ولما بيأذن الفجر بروح اصلي في الجامع وبعدين برجع البيت.
ومش عايز أصدمك وأقولك إني قريت الكتب دي كلها أكتر من تلات مرات يعني حافظها.
اتسع بؤبؤ عيناها بذهول ولكنها ابتسمت بإعجاب وتوجهت نحو الأريكة الصغيرة وجلست عليها هاتفة بتساؤل وجدية:
_ طيب والوقت اللي كنت بتقضيه في قراية الكتب دي مكنش بيخليك تقصر في فروضك ولا حق ربنا عليك بما إني أعرف إنك ماشاء الله عليك ملتزم في كل حاجة.
أصدر تنهيدة حارة ثم اقترب وجلس بجوارها مجيبـا بهدوء:
_ لا بالعكس أنا كنت بفضل الوقت اللي باخده هنا وأغلب الساعات اللي بقعدها هنا مش بكون بقرأ الكتب لا بستغل الوقت لإن زي ما قولتي إنا مش بحب أقصر في حق ربنا عليا وكنت دايمـا بقرأ القرآن أو بسبح وبقول أذكار يعني أغلب الوقت اللي بقضيه هنا بيكون للعبادة وفي نفس الوقت بخصص وقت محدد للكتب بس.
عشر سنين كثار أوي وكافيين جدا إنهم يخلوني أخلص ده كله وأعيد قرايته من أول وجديد حتى لو مكنتش بستغل كل وقت فراغي في القراية.
كل ما في الموضوع إني برتاح في القعدة هنا جدا.
ذلك الرجل كلما تتحدث معه تنكشف شيء في شخصيته يجعلها تتمسك به ويثبت العكس لعقلها الذي يصرخ بها باستمرار أنها أخطأت حين سمحت لهذه العلاقة بالاستمرار.
وفي كل مرة يعلو شأنه لديها ويكبر في نظرها أكثر.
وهذه المشاعر لا تزعجها بل بالعكس تسعدها لأنها تعطيها الأمل في ما توده وهو أن يحل عشقه هو محل العشق الذي بات يخنقها ولا تتحمله نفسها.
عادت لواقعها واستندت بذراعها على حافة الأريكة المرتفعة وكفها مكانه على وجنتها قائلة وهي متشبعة بحرارة الحديث معه محاولة التصرف بطبيعية وإقناع عقلها وقلبها بأنها تحبه.
طبعًا مش محتاجة تفكير إن أكتر رف محبب لقلبك هو رف كتب الدين والسيرة.
ضحك لطريقتها الجديدة في التحدث وتأكد مؤكدًا ما قالته:
أكيد، أهو ده بقى بذات أنا حافظه زي اسمي بالظبط من كتر ما قريته كذا مرة.
عم الصمت بينهم للحظات وهي تعود وتعلق نظرها على الكتب لتسمع صوته المترقب والرخيم يقول:
منتظمة في الصلاة يا ملاذ؟
استقر نظرها عليه ولكن سرعان ما أجفلته وقالت بضيق وحياء:
مش أوي، أحيانًا بقطع. وحاولت كذا مرة انتظم بس باخد فترة زي شهرين أو أكتر وبرجع أقطع تاني ومش عارفة أعمل إيه!
أخذت نفسًا عميقًا ثم أخرجته زفيرًا متمهلًا وهتف برفق به شيء من الحزم:
غالبًا ده بيبقى بسبب إنك متعودتيش على الصلاة من صغرك فبتلاقي صعوبة في الالتزام، لكن أكتر حاجة تخلي قلبك يجري على الصلاة جري إن الله سبحانه وتعالى بينادي عليكي ويقولك يلا تعالي. حي على الصلاة يعني يلا جري على الصلاة. الفلاح اللي هو فلاح الدنيا والآخرة. ووقت ما تسمعي حي على الفلاح دي تجري على الصلاة. فهل يصح أو يحق أو يجوز إن الله عز وجل بينادي عليكي ومتروحيش له؟ وعايزة تعرفي تعملي إيه؟ تسيبي اللي في إيدك أول ما تسمعي الأذان وتقومي فورًا تتوضي وتصلي. سواء إيه كانت الحاجة اللي بتعمليها مش هتكون أهم من لقاء ربنا والصلاة. ومتقوليش لا خمس دقايق هخلص اللي بعمله وأروح أصلي. لا في لحظتها على طول. فمينفعش إن ربنا سبحانه وتعالى يكون بينادي علينا واحنا ننْشغل عنه بأي عرض من أعراض الدنيا. دي دنيا يعني زايلة وحاجة ملناش دعوة بيها. فحي على الصلاة دي يعني يلا على فلاح قلبك، يلا على صلاحك، يلا على الرزق وعلى الخير والبركة والهداية. وعشان لما تطلبي حاجة من ربك يعطيكي. فمينفعش تكوني إنتي مش بتصلي وتقولي أعطيني يارب وأديني ومعرفش إيه. ده من عظم ومكانة الصلاة إنها مفرضتش في الأرض لا ده سيدنا جبريل طلع بالرسول صلى عليه وسلم فوق وفرضت فوق لقدسية وعلو مكانة الصلاة. فإنتي خلي ضميرك يأنبك دايمًا وافتكري الكلام ده وأنا هعينك وأشجعك متقلقيش. أنا معنديش تهاون في النقطة دي بالذات يعني لما نكون في البيت والآذان يأذن وأقولك يلا قومي عشان نصلي فورًا تقومي ومتقوليش إيدي مش فاضية.
كانت تستمع لحديثه وهي تعاني في تفاصيله وتحملق به بشرود. كيف له أن يكون بكل هذا الحسن واللطف؟ ماذا فعلت هي ليرزقها الله بزوج مثله حتى وإن كانت لا تحبه؟ ولكنها الآن فقط أدركت هذا "الزين" لا يمكن أن يُرفض وستكون أحمق النساء إن ضيعته من بين يديها. وستحاول جاهدة أن تحبه وهي متأكدة بأنها لن تعاني كثيرًا في محاولات عشقه، فبالفعل هي بدأت تعجب بشخصيته الفريدة.
همست في صوت رقيق ونظرة ممتنة لاهتمامه ولكل نصائحه التي ستعمل بها بالتأكيد:
حاضر، متقلقش مش هقولك كدا. وأوعدك إن شاء الله هنتظم وهعمل زي ما قولتلي بالظبط.
أرسل لها ابتسامة محبة ونظرة غرامية ثم التهم المسافة التي بينهم في الأريكة حتى أصبح ملاصقًا لها واقترب منها طابعًا قبلة ناعمة على وجنتها مغمغمًا في عاطفة:
ربنا يهديكي يا حبيبتي ويجعلكِ من مقيمي الصلاة.
تجمد جسدها وانكمشت عضلاته هو ووجهها. وسرت رعشة في جميع أنحاء جسدها أثر ملامسة شفتيه لبشرتها ولحيته الكثيفة كان لها دور بالتأكيد فيما أصابها الآن. ثم رأته يبتعد سنتيمترات لا تُحسب ويثبت نظره على شفتيها المزينة بأحمر شفاه فابتلعت ريقها بصعوبة وتوتر حين توقعت ما سيفعله. وشعرت بانحباس أنفاسها في صدرها وجفاف حلقها. ولم تهدأ فوضتها إلا عندما رأت عينيه تنطلق منها نظرات صارمة ويهمس في حدة محاولًا تزيينها بابتسامة متصنعة:
وحاجة تاني كمان معنديش تهاون فيها المكياج.. الروج ده في بيتك ولجوزك بس. أنا محبتش أتكلم لما شوفتك بيه في الفرح وسكت عشان أول مرة بس مش عاوز أشوفه تاني. أولًا حرام ولما أسمحلك تطلعي بيه عشان اللي رايح واللي جاي يبص على شفايفك أبقى مش راجل. ثانيًا أنا بغير جدًا وغيرتي وحشة وبغير على أهل بيتي وحتى رفيف ممنوع عليها منعًا باتًا إنها تحط مكياج.
ثم أخرج منديلًا من جيبه وتولى مهمة إزالته عن شفتيها برفق وهو يكمل بنبرة أقل حدة:
جيبي كل أشكال وألوان المكياج اللي تحبيها بس تحطيها ليا أنا بس وفي بيتك. ومفيش مانع لو حطيتي حاجة بسيطة في الفرح بما إنه هيكون منفصل والرجالة لوحدهم والستات لوحدهم. وبعدين إنتي حلوة لوحدك يا حبيبتي مش محتاجة تحطي الحاجات دي عشان تحلوي أكتر!
خافت قليلًا من نبرته ونظرته العجيبة وتأكدت بأنه لا يكذب حين قال إن غيرته سيئة، فمن الواضح أنه يشتعل من الغيرة ويحاول تمالك أعصابه أمامها. سحبت من يده المنديل بهدوء وأكملت مسحه هي دون أن تجيبه، فقط تخطف إليه نظرات مرتعدة بعد أن اتضح لها أنه لديه غضب مدمر وهي بالطبع لا تريد رؤيته في يوم من الأيام، على الأقل إلى حين تتمكن من حبه. كان يتابعها بصمت حتى انتهت. وألقت المنديل في صندوق القمامة الصغير بجانب الأريكة ونظرت لها متمتمة في توتر واضح:
يلا نرجع الفرح عشان منتأخرش عليهم.
أومأ لها بالموافقة ثم هب واقفًا وسبقته هي للخارج فأغلق الضوء وقفل الباب بالمفتاح ثم لحق بها. واقترب من رأسها طابعًا قبلة حانية عليها وكأنه يعتذر بطريقة غير مباشرة عن طريقته الحادة واللاإرادية معها منذ قليل ولف ذراعه حول خصرها يسيران معًا في الطريق المؤدي للباب الرئيسي. فلم ترفع هي نظرها له بتاتًا وانشغلت بعقلها الذي يهتف ساخرًا بشيء من الانفعال: "أرأيتِ؟ أخبرتكِ أنه لا يصلح لكِ، فأنتِ لا تحبين السيطرة ويبدو أنه ذو ميول تسلطية! كيف ستتحملين تحكماته التسلطية هذه؟!!" ولكنها رفضت هذه الأفكار بعنف وأبت الاستماع لكلمات عقلها المريض الذي يحاول تخريب كل شيء جميل. وحين أفاقت وجدت نفسها أمام السيارة ويفتح لها الباب فاستقلت بها ثم التف هو وأخذ مكانه المخصص للقيادة بجوارها.
***
اقترب الحفل من نهايته وقد قاربت الساعة على الحادية عشر.
لم تتحرك من على الطاولة بجوار هدى وكانت عيناها معلقة عليه تتابعه وهو يقف مع رجل خمسيني ويتحدث معه بجدية تامة وملامح وجهه حازمة بشدة، ولكن لا يهمها كل هذا. هي مكتفية بالنظر إليه فقط وتأمله. كم يبدو اليوم جذابًا وكله وقار وشموخ بملابسه التي تزيده فخامة. حيث كان يرتدي بنطالًا من اللون الأسود يعلوه قميص أبيض اللون وفوقهم سترته الجليدية الطويلة من إحدى درجات اللون البني (الكافيه). ويضعها على كتفيه دون أن يغلق ذراعيه داخل الأذرع الخاصة بالسترة مما أعطاه لمسة رجولية مذهلة. كان عقلها يصرخ بها محاولًا إيقاظها من أحلامها الوهمية التي لا صحة لها في الواقع ولن تجلب لها سوى المتاعب. هذا الرجل هو آخر رجل في الكون قد يكون من نصيبها أو أن تحظى بعشقه لها. لهذا يجب عليها التوقف عن عشقه قبل أن تكون سببًا في دمار نفسي لها.
حاولت إزاحة نظرها عنه ولكنها لا تستطيع. وفجأة وجدته يلتفت برأسه ناحية طاولتهم بحركة عفوية منه فوقعت عيناه على التي تتأمله بهيام. لتشهق هي بزعر وتشيح بوجهها بعيدًا مغمغمة لنفسها في اغتياظ منها:
شافني.. شافني! غبية.. أنا غبية!
أخذت تخطف إليه نظرات خلسة تتأكد هل ما زال ينظر ناحيتها أم لا، فوجدته عاد يكمل حديثه مع هذا الرجل لتتنفس بارتياح وهي تقسم بأنها لن تنظر له مجددًا أبدًا إلى حين رحيلها الذي لابد أن يكون الآن قبل أن تقع في موقف أكثر إحراجًا. انضمت لها رفيف وهي تهتف باسمة:
هاا إيه رأيك؟ أنا أعتقد إنك فكيتي شوية.
نظرت لها وتمتمت برقة:
آها فعلًا، طلعت شوية من الطاقة السلبية اللي جوايا. ميرسي يا رفيف جدًا إنك فكرتي فيا وجبتيني.
نقلت رفيف نظرها لأخيها وهتفت في صوت منخفض بأذنها به شيء من الخبث ويحمل تلميحات فهمتها جيدًا:
بس دي مش فكرتي! يعني الشخص اللي المفروض تشكريه مش أنا!
نظرت بدورها إلى مكان استقرار نظراتها ثم عادت لها وقالت بإحراج امتزج بخنقها البسيط:
ممكن تبطلي تلميحاتك دي عشان أنا فاهماكِ. كرم زي سيف الله يرحمه بالنسبالي يعني أخويا.
رفعت حاجبها باستنكار على كذبها الساذج وأصدرت ضحكة مرتفعة ثم عادت تهمس في أذنها بنبرة أكثر لؤمًا:
لا والله وهو أخوكي برضوا هتفضلي تتأملي فيه ومتشليش عينك من عليه. إنتي مفضوحة أوي على فكرة!
ضمت عيناها بتوتر واضطراب وفورًا تخلت عن محاولاتها الفاشلة لإقناعها بأنها ليست معجبة به وقالت بعفوية واضطراب:
بجد!! يعني ممكن يكون لاحظ أو حس؟
قالت مندهشة وهي تضحك بتلقائية:
كرم مين ده اللي يلاحظ؟ عارفة لو كان حسن أو زين كنت أقولك كانوا زمانهم كشفوكي مش زمان عشان دول مش ساهلين، لكن كرم ده خايب. أراهنك إن كان شك للحظة أصلًا. انتي احمدي ربك إنه بيتكلم معاكي طبيعي من غير ما يتوتر دي معجزة في حد ذاتها. بس تعرفي أنا عذراكي. إنتي عندك حق هو أخويا يتحب فعلًا.
رمقتها شزرًا باغتياظ وغمغمت محاولة إخفاء خجلها:
أنا عايزة أمشي الوقت اتأخر!
حاضر هروح أندهولك.
قالتها بمشاكسة وهي تهم بالقيام ولكنها قبضت على ذراعها هاتفة بصرامة:
لا متروحيش مش عايزاه يوصلني أنا همشي لوحدي.
تركت رفيف مزاحها جانبًا وأجابتها بقوة جادة:
أولًا مش هيرضى يسيبك تمشي لوحدك. ثانيًا الساعة 11 يعني الوقت متأخر.
هل لا تهتم بكل هذا؟ فقط لا تريد أن تكون معه، فقربها منه يبعثرها ويشتت ذهنها ويزيد من ترسيخه في قلبها. وهي ترفض شعور استسلامها له على الرغم ما أنها تعرف أن هذا العشق لن يجدي نفعًا عليها. ولكنها تركتها تذهب لتخبره واستقامت فورًا تتسلل إلى الخارج دون أن يروها محاولة الهرب منه وأن تستقل بأي سيارة أجرة قبل أن يأتي خلفها. ولكنها تسمرت واقفة في نصف الردهة الطويلة والحمراء المؤدية للشارع الرئيسي حين سمعت صوته المرتفع نسبيًا ينده عليها:
شـــفــــق !!!
تأففت بيأس وأخذت نفسًا عميقًا لتحبسه لثانية في صدرها وتخرجه زفيرًا متمهلًا، وتجاهد في لملمة قلبها الذي تبعثر بمجرد سماعها لصوته. وأخيرًا التفتت له مغلوبة على أمرها لتجده أمامها مباشرة ويردف متسائلًا:
_ رايحة فين؟
رسمت ابتسامة مزيفة وخلفها كانت تخفي قناع هزيمتها للمرة الألف في الفرار منه. فيخرج صوتها رقيقًا كهيئتها الضئيلة والصغيرة:
_ مش رايحة مكان. كنت هستناك عند العربية لغاية ما تيجي.
_ اممم طيب يلا.
سارت معه نحو السيارة الخاصة به واستقلت بالمقعد الأمامي بجواره واستقل هو بمقعده ثم انطلق بها يشق الطرقات، وهي تتابع الطريق بسكون تام مستندة برأسها على زجاج السيارة. أتاها صوته الهادئ يسألها باهتمام:
_ شوفتيه تاني أو كلمك؟
تمتمت بنفي وهي لا تزال على نفس وضعيتها:
_ تؤتؤ.. من ساعة الحادثة ومشفتوش تاني والمفروض إني أطمن وأفرح بس قلقانة أكتر.
ثم اعتدلت في جلستها وطالعته مغمغمة في ثبات وحرارة:
_ فاكر صحبتي اللي كانت معايا في المستشفى؟
_ آه فاكرها، ليه؟
قالت بتوجس وقلق:
_ إنت أكيد عرفت طبعًا إنه كان مستنينا في الشارع لغاية ما نطلع. فهي شافتك لما وصلت وقالتلي إنه أول ما شافك كأنه شاف عفريت واتنفض واستخبى بسرعة قبل ما تشوفه وبتقولي إنه خوفه كان غريب.
كان مركز نظره على الطريق وقد كان قلقها بالنسبة له مبالغًا فيه قليلًا ولا داعي لكل هذا الخوف حيث أجابها مبتسمًا في عدم اقتناع:
_ طبيعي يا شفق يخاف ماهو عارف أكيد أنا مين وإني دايما معاكي وإني بحاول أوصله.
تأففت بضجر من تصرفه على أنها طفلة وتخشي من أي شيء وغمغمت في نبرة مستاءة وهي تنتصب في جلستها وتعتدل لتكون مواجهة له تمامًا:
_ كرم افهمني أنا قصدي غير كدا. خوفه مش طبيعي هو عارفك ودي حاجة إحنا مختلفناش فيها، بس هو كمان عارف إنك أكيد متعرفهوش شكله، وإلا كان هيخاف كدا ليه أوي. تصرفه بيوحي بحاجة واحدة وهي إنه عارف إنك لو لمحته بس هتعرفه فورًا وهو يعرفك كويس. والصراحة أنا خوفي زاد أوي وبذات بعد ما شكيت إنه ممكن يكون...
توقفت عن الكلمات ولم تتمكن من البوح له بما يدور في ذهنها منذ شهر كامل وهي تعاني من رعبها أن يكون ماتظنه صحيحًا. فإن كان هو بالفعل لن يلحقها من الأذى بقدر ما قد يلحقه هو. ومن جهة أخرى تخشى أن تكون نهايتها مشابهة لها بالأخص بعدما اتضحت رغباته القذرة بها. أما هو فكلامها قد أيقظ عاصفة القلق الكامنة بداخله وبدت له كلماتها مقنعة جدًا، ولكن توقفها في النهاية أثار فضوله بشدة حيث هتف في ترقب وحزم:
_ شاكة في إيه؟
أشاحت بوجهها عنه وعادت لجلستها الطبيعية تنظر للطريق أمامها هاتفة في تصنع عدم المبالاة بالأمر ونبرة صوت قوية وجديدة تمامًا:
_ لا متركزش، حاجة تافهة أساسًا ومش مقنعة. بس أنا مش عاوزاك تتدخل في الموضوع ده تاني لو سمحت. ملكش دعوة وأنا هتصرف لوحدي لإنه ممكن يأذيك.
استعجب من نبرتها وطريقتها مما جعل الشك في أنها تخفي أمرًا خطرًا عنه ينمو ويسقتر في أعماقه أكثر. وأخذ يفكر ما الذي قد تخفيه عنه ولكن كان شكها أبعد من أن يتمكن هو من توقعه.
حاول تمالك أعصابه فهي لا تكف عن طلب الشيء الذي لا يمكنه تنفيذه لها وغمغم في صوت أجش:
_ شفق إحنا اتكلمنا في الموضوع ده كذا مرة وقولتلك إني مش هقدر أتصرف كأني معرفش حاجة وهقولهالك تاني، إنتي أمانة وأخوكي موصيني عليكم ولو إنتي شيفاني من النوع اللي بيخون الأمانة فأنا عندي استعداد أسيبك تتصرفي لوحدك زي ما بتقولي. ثم إني مش فاهم إيه سبب خوفك ده!
تمكن هو من تمالك أعصابه ولكنها فشلت حيث صاحت مندفعة من فرط خوفها عليه فهذا الأحمق سيؤدي بنفسه للهلاك وهو لا يشعر. وهي لن تسمح بأن تكون سببًا في أي أذى يصيبه:
_ بقولك هيأذيك أنا متأكدة مش عايز تفهم ليه! وبذات بعد ما عرف إنك تعرفني ومعايا ولو كان اللي في دماغي صح فأنا مش هسمحلك تتدخل في أي حاجة تخص الموضوع ده تاني نهائي لإنه كدا هيبقى بنسبة 100% بيخططلك عشان يبعدك عن طريقه!
أصدر زفيرًا حارًا، وهو حقًا لا يفهم ماتحاول تلميحه بكلماتها الغامضة هذه. ولكن انفعالها المفاجئ جعله يتأكد من أنها تعاني من الضغط العصبي والنفسي منذ فترة. فقرر أن يتعامل معها بلطف ورقة كما اعتادت منه حيث أوقف السيارة جانبًا وغمغم مبتسمًا برزانة:
_ طيب وأنا سامعك أهو قوليلي إيه اللي في دماغك عشان نعرف نتكلم بدل ما إنتي متعصبة كدا.
أدركت فداحة الخطأ الذي ارتكبته للتو بانفعالها الغير لائق عليه فمهما كانت معاناتها وضغطها العصبي وخوفها عليه، لا يشفعوا لها حين تتحدث إليه بهذه الطريقة وبالأخص حين تقابل منه هذا الرد اللطيف والجميل مثله تمامًا. وضعت كفها على وجهها مغمغمة في إحراج شديد منه:
_ أنا آسفة يا كرم انفعلت غصب عني والله بس أنا اعصابي تعبانة جدًا الأيام دي. ممكن نقفل على السيرة دي دلوقتي ارجوك وتوصلني البيت لإني تعبانة وعايزة أنام.
تفهم رغبتها في عدم التحدث والعودة للمنزل. فعاد يحرك محرك السيارة وينطلق بها متممًا في خفوت مازحًا ليحاول تلطيف الأجواء المشحونة بالطاقة السلبية:
_ ماشي بس أنا رأي إنه أي كان اللي في دماغك فهو أكيد ميستهلش كل القلق والتعب العصبي ده. ولا يستاهل قلقك عليا كمان.. يعني ميغركيش الوش البرئ ده لإن وراه بلاوي!
حاولت قدر الإمكان منع ابتسامتها ولكنها فشلت بعدما فهمت ما يقصده من آخر جملة. وأن قلقها عليها ليس في محله وإنه يخفي خلف رقته ولطافته وحسن معاملته مع الجميع أشياء لا يتوقعها أحد منه. أي أن لا قلق عليه فهو يحسن التصرف في هذه المواقف. ولكن مهما حاول أقناعها بأنه يخفي شخصية مرعبة في داخله لن تصدق. فكيف لكتلة اللطافة والرقة هذه أن تكون في وجه الشر والانتقام. وهي تشك إن كان يستطيع أذية نملة من الأساس!! ولكن لا مانع في المثل الشهير (اتق شر الحليم إذا غضب)!!
***
انتهى الحفل وعاد الجميع لمنزله وكانت يسر في غرفتها بمنزلها الجديد (منزل زوجها!). كان يقسم لها في الزفاف إن حين ذهابهم للمنزل ستنال من عقابه ما تستحقه وهي حقًا تتساءل بسخرية عن عقابه هذا أين ذهب. فلقد أتوا للمنزل منذ ما يقارب النصف وهي دخلت الغرفة ولم تسمع له صوت حتى. ولا تعرف أنام أم ماذا يفعل؟ ولكن ما تثق به أنه فقط يقول كلمات ولا يمكنه التنفيذ!
ثم بدأت في خلع الفستان عنها وارتدت منامة قطنية قصيرة وكانت على وشك أن ترتدي فوقها رداء منزلي طويل فهي لا تأمن شر هذا الفاسق. ولا تود أن تكون أول ليلة بينهم على هذا النحو فلديها خطط لهذه الليلة يجب أن لا تفسد أبدًا. انتفضت واقفة بزعر حين وجدته يقتحم الغرفة عليها ويدخل ثم يغلق الباب بالمفتاح لتتراجع هي للخلف وتلتقط أقرب شيء لها وهو الروب المنزلي وتلفه حولها محاولة ستر أجزاء جسدها العارية وتهتف بخوف كان حقيقي هذه المرة:
_ بتعمل إيه؟
التفت لها وقال بنظرات شرانية ونبرة تحمل كل معاني الغل والانتقام لأفعالها معه. وكانت نظراته كصياد صبر كثيرًا حتى ظفر أخيرًا بفريسته بين قبضتيه ولن ينقذها منه أحد:
_ هوريكي اللي ميقدرش يعمل حاجة ده!
هل سيحاول تعذيبها وضربها أم أنه سيستغل فرصة زواجهم ويحاول كسرها وقهرها بالنيل منها رغمًا عنها؟ كلها تساؤلات تدور في حلقة ذهنها ولا تجد لها أجابة سوى أنها في مأزق حقيقي الآن ويجب أن تتصرف قبل أن تجعله يحصل على مايريد!
رواية ضروب العشق الفصل الثامن 8 - بقلم ندى محمود توفيق
(( ضروب العشق ))
_ الفصل الثامن _
هل سيحاول تعذيبها وضربها أم أنه سيستغل فرصة زواجهم ويحاول كسرها وقهرها بالنيل منها رغمًا عنها ؟ .. كلها تساؤلات تدور في حلقة ذهنها ولا تجد لها أجابة سوى أنها في مأزق حقيقي الآن ويجب أن تتصرف قبل أن يحصل على مايريد !! .
تقهقرت للخلف ونظراتها تجول في جميع انحاء الغرفة تبحث عن شيء يحميها من بطشه ، بينما هو يقترب نحوها ببطء وبوجه تعلوه معالم السعادة لرؤيته لها تقف في أحد أركان الغرفة تخشاه ، انتهي تقهقرها عندما اصطدمت بالحائط فوقفت ثابتة كالجبل تعيد ارتداء رداء الشجاعة حتي وجدته اشرف عليها بهيئته واستند بكلتا قبضتيه على الحائط يحاوطها من الجهتين ويهمس أمام وجهها وأنفاسه الملتهبة بحرارة الغضب تلفح وجهها كرياح حارة في نهار درجة حرارته تخطت 50 درجة :
_ لا متقوليش إنك خايفة !! ، دي آخر حاجة ممكن اصدقها عنك ! .. ولا لتكوني مضايقة مع إنك المفروض تكوني في اقصي درجات السعادة حققتلك اللي نفسك فيه وبقيتي مراتي وكمان هخليكي تنعمي بقربي ، وده عرض خاص مش بقدمه غير للغالين عليا
هو لا يبتعد عنها سوى سنتي مترات لا تحسب ، وهذه الفرصة المناسبة لتستغلها وتسرق من جيبه مفتاح الباب وتفر من بين براثينه .
هي لا تخشاه بقدر ما تخشي أن يتدني لدرجة إجبارها على شيء لا تريده !! ، ولكن الحكمة هي سيدة الموقف الآن حيث ابتسمت بغنج أنوثي وانتصبت في وقفتها ثم لفت ذراع حول رقبته متخلية عن خجلها منه والذراع الآخر كانت تحاول تسلله إلى جيب بنطاله دون أن يشعر ، وهمست بدلال مغري :
_ ومين قالك إني مش فرحانة ، بالعكس أنا في قمة سعادتي .. لإني بحبك لدرجة متتخيلهاش ، ومش هحل عنك غير لما تحبني إنت كمان
كانت نظراته متقززة منها وجسده يشمئز حين يفكر بأنها تحاول اغوائه ، إن كانت هي تحبه لدرجة لا يتخيلها فهي أيضًا لا يمكنها تخيل مدى كرهه ونقمه عليها ، ولكنها لم تكن تبالي بنظراته لها وركزت على الهدف الذي نجحت به بالفعل وقد التقطت المفتاح من جيبه ، ثم دفعته بعنف بعيدًا واندفعت نحو الباب راكضة ولكنها قبل أن تضع المفتاح في الباب أصدرت صرخة متألمة عندما شعرت بقبضة يده القوية تجذبها من خصلات شعرها وتسمع همسه المرعب في أذنها كالرعد :
_ حاولت كتير أكبر دماغي منك وأقول عيب عليك ياحسن دي مهما كانت بنت عمك ومينفعش بس إنتي كنتي مصممة تطلعي الشخص القذر اللي جوايا في كل مرة كنتي بتستفزيني وبتعملي نفسك فيها شجاعة وتهدديني بإنك هتفضحيني وبسبب انانيتك وجنانك كنتي هتقولي لأمي لولا إني لحقت الموقف ، وبدل ما كنتي هتأذيني أنا كانت هي اللي هتتأذي ، وإنتي دلوقتي هتدفعي تمن تهورك ده وإنك كنتي بتلعبي معايا من غير ما تدركي العواقب
امسكت بكفه وحاولته نزعه عن خصلاتها وهي تجيب بصدق متألمة :
_ مكنتش هقولها أنا كنت بخوفك بس ، وبعدين لما سيادتك خايف على أمك أوي كدا متحترمش نفسك ليه ، يعني إنت قذر وحقير وكمان بجح
_ كملي كملي واغلطي اكتر كمان عشان تستفزيني بزيادة والعقاب يبقى بالضعف
قال آخر كلماته ثم جذبها والقى بها على الفراش لتسقط على ظهرها ثم ينحني إليه بنظرات كلها تشفي وخبث لتلمح هي الانتيكا الصغيرة على المنضدة بجوار الفراش وتسرع لتلتقطها وتضربه بها ولكنه قبض على رسغها ورفعه لأعلى مكبلًا معمصميها بكفه الضخم لتحاول هي التملص من بين يديه بمحاولات بائسة ، حتى خرت قواها وقررت رفع راية الاستسلام و أشاحت بوجهها للجهة أخرى تتفادى اقترابه منها ناحية رقبتها وتهمس برجاء مغمضة عيناها وصوت مبحوح :
_ حسن ، ارجوك كفاية !!
ارتخت قبضته على معصميها حتى تركهم تمامًا وهتف في صوت رجولي مريب :
_ اعتقد دلوقتي شوفتي أنا أقدر أعمل إيه ، نصيحة متحاوليش تتحديني وتستفزيني تاني عشان المرة الجاية مش هيأثر فيا توسلاتك
ثم ابتعد عنها واعتدل في وقفته وغمغم بابتسامة سخرية وبرود مستفز :
_ تصبحي على خير ياعروسة !
ثم ولاها ظهره وتحرك صوب الباب ليفتحه و ينصرف ، فتثب هي واقفة وتسرع نحو الباب تغلقه خلفه ، وقد أحمر وجهها غيظًا وغلً ، وكانت تصدر زئيرًا من بين شفتيها واسنانها تجز عليهم بعنف مع كف يدها الذي كورته ضاغطة عليه بشراسة ثم اندفعت نحو الانتيكا الضعيرة التي حاولت التقاطها ولكنه منعها وألقت بها على الأرض لتتناثر لجزئيات صغيرة !! ....
***
تململت في فراشها بانزعاج من رنين الهاتف وأيضًا أشعة الشمس المتسللة من النافذة لعيناها ، تأففت بنفاذ صبر والتقطت هاتفها تجيب على المتصل بصوت ناعس دون النظر لاسمه أولًا :
_ الو
أجابها بنبرة رقيقة هو ينظر لساعة يده يتفحص الساعة التي قاربت على الحادية عشر ظهرًا :
_ صباح الخير ، إنتي لسا نايمة لغاية دلوقتي ؟!!
انتفضت جالسة بعدما تعرفت عليه من صوته وأخذت تفرك عيناها لتزيح آثار الخمول عنها ، وتهتف بإحراج :
_ صباح النور ، معلش كنت نايمة ومخدتش بالي من الاسم ، امبارح رجعنا متأخر من الفرح ونمت متأخر و.....
قاطعها بصوته الضاحك الذي وصلها عبر الهاتف وهو يهدر ببساطة :
_ كفاية ياملاذ خلاص ، أنا مقولتش حاجة عشان ده كله !!
منذ أن رأت جانبًا مختلفًا في شخصيته بالأمس ، وهي لا تنكر خوفها البسيط منه وتوترها ازداد أكثر ، فحسمت قرارها أنها ستكون حذرة في كل شيء معه ، لم تغضب منه ولكنه سبب لها اضطرابات أكثر وحرصًا في التعامل معه ! . انتبهت لصوته وهو يتمتم في خنق من نفسه معتذرًا بحنو :
_ متزعليش مني بخصوص امبارح أنا عارف إن طريقتي كانت شديدة شوية بس مكنش قصدي والله .. أنا آسف !!
ابتسمت هي على الجانب الآخر بصفاء وهمهمت بنبرة صوتها الناعمة :
_ متقلقش مزعلتش يازين .. وإنت عندك حق تتعصب
_ متأكدة إنك مزعلتيش ؟!
قالها مبتسمًا بمشاكسة لتجيبه بنفس نبرتها السابقة :
_ آهاا متأكدة
اتسعت ابتسامته ولمعت عيناه بوميض رجولي ماكر ، قبل أن يهتف بخفوت ونبرة يعلم أثرها جيدًا عليها :
_ لا بس أنا عايز اصالحك وش لوش عشان أتأكد إنك مزعلتيش !!
لحظات من الصمت القاتل بينهم كان هو يتخيل ملامح وجهها الحمراء من الحياء بينما هي فكانت تحاول التغاطي عن كلماته الخبيثة وعدم التفكير فيها كثيرًا حتى لا تتلعثم في الحديث ، فأخرجت صوتها ضعيف ومرتبك :
_ وش لوش إزاي يعني ؟!!
اتاه ردها ونبرة صوتها المحرجة كما كان يتوقعها تمامًا ، ليكمل جرعته ويضيف قليلًا من البهارات الحارة حتى يزيد من تلعثمها :
_ يعني جهزي نفسك عشان بليل هعدي عليكي وهاخدك وهنروح نقعد في مكان لطيف كدا على انفراد وهناك هقولك وش لوش إزاي
" انفراد " مجددًا !! .. ألم يكفيه توترها واضطرابها بالأمس وهي معه على انفراد أيضًا ، مجرد التفكير في أنهم سيكونوا معًا مجددًا ولا أحد معهم يؤدي لتسارع دقات قلبها ، وخصوصًا وهو يُلمح لها بهذه التلميحات الجريئة .. يبدو أنها خُدعت به وكانت تظنه رجلًا صارمًا ولا يعترف بأمور الحب التي يمارسوها العشاق ، بالإضافة إلى أنها لم تكن تتوقعه أنه يعرف كيفية إرسال تلميحات منحرفة بالكلام !! ، واتضح أنه ماكر محترف وتدينه والتزامه سينقشع ويزول حين يكون معها .
هتفت بتلعثم كان واضح هذه المرة في صوتها :
_ تاني !!!
قال مستنكرًا بحب :
_ واحنا طلعنا امتى اولاني عشان نطلع تاني ، امبارح مكملناش نص ساعة ورجعنا
_ طيب يازين هجهز على بعد المغرب واستناك إن شاء الله ، إنت في الشركة دلوقتي ؟!
قال بجدية بسيطة :
_ آه ومعايا اجتماع بعد نص ساعة
هتفت بلطف :
_ ربنا يعينك
_ آمين .. أنا هقفل وإنتي قومي اغسلي وشك واتوضى عشان دلوقتي الساعة 11 وخلاص فاضل على آذان الضهر ربع ساعة
أجابته بعذوبة ورقة :
_ حاضر
غمغم مبتسمًا بدفء :
_ في حفظ الله
ردت عليه بنفس جملته كما اعتادت منه ثم أنهت الاتصال وتنهدت بعمق ونهضت من فراشها متجهة صوب الحمام لتفعل كما طلب منها للتو على الهاتف !! .....
***
خرجت من الحمام بعد أن أخذت حمام صباحي دافىء وقطرات الماء تتساقط من خصلات شعرها المبتلة ، فتوقفت في منتصف الغرفة الواسعة ودارت بنظرها في جميع أرجائها ، الخزانة التي تحوي ملابس لشخص لا يريد دخول الغرفة لمجرد وجودها بها ، والفراش الضخم الذي يتسع لأثنين وأكثر ولكنه لا يضم سوى واحدًا .
بنعتها بعديمة الكرامة !! ، وهي منذ لحظتها تفكر هل العشق يفقد المرء كرامته ؟! ، تتساءل لآلاف المرات عن سبب عشقها له ! ، وإن نظرت بالمنظور الواقعي فهو رجل لا يُحب ولا تقبل به فتاة إلا الأقلية .. إذا هي من الأقلية ؟! ، لا بل هي من الذين حرق الهوى عيناهم فأعماهم ، أو بالأحرى هي ليست عمياء بل مطلعة على كل عيوبه ولكنها تتصنع العمى ، وتخبر نفسها مرارًا وتكرارًا بأنها عشقت مرة واحدة وستكون الأخيرة ولن تترك فرصتها في العشق تذهب هدرًا ، ستقف صامدة في وجه الصعاب لآخر نفس فيها ولن تجعل اليأس يتملكها ، وسواء أبا أم شاء لن تتوقف عن عشقه ولن تهدأ إلا حين تحصل على مرادها ، وتجعله يخر بدماء العشق والهوى أمامها مثلما أرهق دمائها لسنوات !! .
ارتدت ملابسها وصفصفت شعرها ثم توجهت نحو الباب وقبضت على المبقض وقبل أن تديره لينفتح أخذت شهيقًا طويل وأخرجته زفيرًا متمهلًا مغمغمة لنفسها محاولة تهدئتها حتى لا تنغز في عقلها الأفكار السيئة أن تخنقه وتفشي غليلها منه بمجرد تذكرها ما فعله معها بالأمس :
_ خليكي relax خالص واهدي ومهما يقول متتعصبيش ، يعني باختصار كوني باردة
ثم فتحت الباب وغادرت الغرفة متجهة صوب المطبخ محاولة قدر الإمكان تجنبه على الأقل إلى حين يزول سخطها منه ، فتحت التلاجة تأخذ منها ما تحتاجه لتحضير الأفطار وحين اغلقت بابها والتفتت بجسدها أصدرت شهقة مرتفعة وانتفضت واقفة بهلع ثم ابتلعت ريقها وأخرجت زفيرًا مضطرب ، لتجده يهتف بقسوة متوقعة منه :
_ لتكوني صدقتي نفسك فعلًا وإنك عروسة ، عارفة الساعة كام دلوقتي !!
أصدرت تأففًا حارًا ثم أزاحته بهدوء من أمامها لتتجه نحو الحوض وتقوم بغسل الطماطم الطازج والحمراء تحت الماء مولية إياه ظهرها.
متمتمة ببرود:
"عارفة. وبعدين إنت هيفرق معاك إيه صحيت بدري ولا متأخر. فارقة معاك أوي مثلًا؟"
قبض على خصرها من الخلف يضغط عليه بقسوة وعدم رحمة، هادرًا بشراسة وصوت مريب في أذنها:
"إنتي هنا خدامة ووظيفتك خدمتي وبس. تحضري الأكل وتغلسي وتنضفي ومن هنا ورايح هيكون الأكل بمواعيد ولو اتأخرتي هيكون في عقاب وخيم. مفهووووم؟"
لم تجبه. أغمضت عيناها تحاول تمالك ذمامها قبل أن تفقدها. فهي يجب عليها استغلال زواجهم وتجرب معه كل الطرق لتسقطه في تعويذة العشق.
سمعته يهتف وهو يضغط على خصرها أكثر لتشتد عضلاتها وتنفرد في وقفتها من الألم:
"ردي مفهوم ولا لا؟"
كان يتفنن في استخدام كل الوسائل التي تغضبها وتستفزها ويستمتع برؤيتها ذاعنة له. يتلذذ بإذلالها وإهانتها ظنًا منه أنه انتصر عليها، ولكنها لا تدري أنها هي التي تسمح بهذا الانتصار بكامل إراداتها ورغبتها.
خرج صوتها خافت بعد أن وجدت صعوبة في أن تقولها بكل هذا الهدوء:
"مفهوم.. ممكن تبعد عني وتطلع برا بقى!"
ابتعد عنها وألقى عليها نظرة متقززة ثم التفت وانصرف. لتمسك هي بالسكين وتبدأ في تقطيع الطماطم بعنف تفرغ بها شحنة غضبها المكتظة داخلها. وتبتلع غصة مريرة في حلقها وعيناها بدأت تذرف الدموع تلقائيًا، فأسرعت وجففتهم رافضة سقوطهم.
***
تبًا لهذا القلب! الذي يقسم دومًا أن يجلب لصاحبه العناء والشقاء، ويختار الأشخاص الخطأ فلا يجلبوا له سوى الألم. هل هذا هو العشق؟ يحزن ويقهر ويشقي صاحبه! إن كان كذلك فيسعدها أن تقول أنها تكره هذا العشق ولا تريد أن تعشق أبدًا وتفضل أن تكون طوال حياتها خالية الوفاض.
كانت تجلس على طاولة صغيرة في أحد الكافيهات وتطقطق أصابعها بخنق. ثم التفتت للحارس الذي يقف خلفها وتهدر به منفعلة:
"إنت سمعتني وأنا بتكلم وعرفت رايحة فين وفورًا مضيعتش وقت وروحت اتصلت بيه!"
أجابها برسمية تامة دون أن ينظر لها:
"كرم بيه منبه إن أي مكان حضرتك تروحيه يكون عنده علم بيه. وهو قالي أجيبك هنا تستنيه وهو جاي دلوقتي."
قالت في ضجر شديد:
"المفروض إنه جايبك عشان تحميني مش تقوله على كل حاجة بعملها."
لم يجيبها وكان صامتًا تمامًا يحدق حوله منتظر قدومه حتى تنتهي مهمته ويرحل من جوارها. أما هي فأخذت تضرب كعب حذائها في الأرض بعنف مغتاظة.
ول تمر دقائق طويلة ثم تجده يقترب نحوهم ويشير بيده للحارس الذي يقف بجوارها أن ينصرف، ففعل على الفور. وسحب هو المقعد المقابل لها ليجلس عليه ويطالعها بأعين ساخطة.
لتهتف هي متوترة من نظراته:
"متبصليش كدا!"
"اتصل بيكي إمتى؟"
كان صوته خشنًا وصلبًا، ولكنها التزمت الصمت المستفز ولم تجيبه.
ليكمل هو مغتاظًا من إهمالها:
"إنتي مش مدركة خطورة الموضوع صح؟"
قالت بخفوت وقلبًا ممزقًا:
"مدركة كويس جدًا. وزي ما مدركة خطورته عليا مدركة كمان خطورته على اللي حواليا. وأنا لازم اتحمل العقاب وحدي عشان اتعلم من غلطتي ومثقش في حد تاني."
لم يفهم سبب تصرفاتها المختلفة معه منذ أيام. ولكنه لا يهتم كثيرًا لطريقتها، فكل ما يهمه هو حمايتها والعمل بوصية عزيز قلبه.
تنهد بعمق وغمغم بعد أن لانت نبرته وأصبحت أقل دقة وإحكامًا:
"ليه لما اتصل بيكي متصلتيش بيا وقولتيلي عشان اتصرف؟"
أشاحت بنظرها عنه مغمغمة بجفاء:
"لإني قولتلك امبارح مش عايزاك تتدخل تاني في الموضوع ده."
"وأنا رديت علي الكلام ده!"
عادت بنظرها له مغمغمة في حزم:
"وكمان أنا قولتلك إني مش عايزة حد يتأذي بسببي."
تمتم في صوت رخيم:
"ولو سيف الله يرحمه كان عايش كنتي هتقوليله كدا؟ أكيد لا. وأنا دلوقتي زيه ومكانه."
لما يصر دائمًا على تذكيرها بأنه يتولى دور أخيها ويراها شقيقة له. كلما يقول هكذا تلتهب النيران في قلبها. فهي لا تراه أخًا ويصعب عليها أنها لا تنظر له مثلما ينظر هو لها.
وجدت نفسها تهتف بنبرة شبه مرتفعة وقاسية جدًا غير متنبهة لما تتفوه به:
"متتقليش زيه. إنت مش سيف ومحدش هياخد مكان أخويا."
أومأ بتفهم وقال بخفوت بنظرات طبيعية بعض الشيء:
"عندك حق!"
ألقت عليه نظرة أخيرة ثم استقامت واندفعت لخارج المكان تحاول حبس دموعها التي تصرخ بالسقوط. بينما هو فتنهد بعبوس وأخرج هاتفه يجري اتصال بالحارس الذي ينتظرهم بالخارج. هاتفًا بصلابة:
"وصلها البيت."
أجابه منصاعًا لأمره ثم أنهى معه الاتصال وانتظر خروجها. وهو يفتح لها باب السيارة فنظرت له شزرًا وهمت بأن تذهب رافضة أن يقوم هذا الحارس بتوصيلها. ولكنها سمعت صوته الأجش يهتف:
"آنسة شفق لو سمحتي اركبي."
توقفت للحظات مولية إياه ظهرها تفكر بالأمر من منظور سلامتها لأجل والدتها المريضة التي تحتاج لمن يرعاها. فوجدت أن من الأفضل أن تستمع لما يقوله وتصعد بالسيارة.
مدت يدها لعيناها تمسح الدموع المتجمعة بهم ثم تلتفت له وتعود لتستقر بالمقعد الخلفي. ويذهب ليتولى هو مقعده الأمامي وينطلق بالسيارة عائدًا بها للمنزل.
***
مع تمام الساعة السابعة مساءً.
كانت هي تقف أمام المرآة تلقي على نفسها النظرات الأخيرة وتتأكد من حسن مظهرها. ترتدي رداء طويلًا وفضفاضًا من اللون المستطردة ليس به أي نقوش كان ممسوحًا تمامًا إلا لمسات كلاسيكية وبسيطة تميزه. وفوقه حجابها من إحدى درجات اللون البنفسجي المناسبة للون بشرتها. وقد حرصت هذه المرة على عدم وضع أي مساحيق تجميل حتى لا تعصي أوامره حول عدم وضعها لهذه المساحيق خارج المنزل.
باتت لا تستطيع تحديد حقيقة مشاعرها. أهي سعيدة بأنها تخلصت من هذا الفاسق الذي كانت تعشقه وستتزوج برجل لا يمكن مقارنته به سوى أنه يستحق هذه الكلمة وبجدارة "رجل". أم حزينة لأنها أخرجته من حياتها وتعجز عن إخراجه من قلبها حتى الآن. ويمثل هذا عائقًا بينها وبين زوجها الذي تريد أن تعطيه فرصة وأن تنعم بعشقه وتجرب مفهوم العشق معه كيف سيكون. وبين كل هذا هي مع كامل الأسف تجد صعوبة في الوقوع بحبه نتيجة لأن المكان الذي يجب أن يكون هو فيه في قلبها مشغول لغيره. فلا تستطيع أن تكن له في قلبها سوى الاحترام والثقة والإعجاب بشخصيته. مما يسبب لها الكثير من المتاعب النفسية.
انتشلها من شرودها صوت رنين هاتفها. فظنت أنه هو. لتستنشق الهواء بعمق وتمسك بالهاتف لتجيب ولكن تجد المتصل صديقتها. فتفتح بنفس مرتاحة أنه ليس هو:
"أيوة يامي."
أتاها صوت صديقتها المرح:
"عاملة إيه ياعروسة. مفيش مفر دلوقتي هتحكيلي كل حاجة بالتفصيل حصل إيه امبارح."
غمغمت ملاذ باسمة لحماس صديقتها المقربة:
"مفيش حاجة حصلت والله يامي هو اخدني لمكتبة خاصة بيه واتكلمنها هناك وبعدين رجعنا."
"إزاي! يعني مفيش حاجة كدا ولا كدا."
"لا مفيش ياحشرية."
قالت مي بعبث ومزاح:
"إيه ده يعني طلع محترم مع الناس ومعاكي!"
تذكرت حديثها معه بالصباح فابتسمت على وصف صديقتها له بـ "المحترم". فهذا الماكر يخدع الجميع وهو بداخله يخفي رجل منحرف ينتظر حتى تحين له فرصة الزواج ليخرجه.
هتفت ملاذ مشاركة صديقتها في المزح:
"بصي هو عملي محترم علمي."
قالت الأخرى ضاحكة بقوة:
"أممم عارفاه النوع ده بيبقى مايه من تحت تبن. بس أنا شايفة إنك اخدتي عليه خلاص وده مؤشر حلو."
تنفست الصعداء بشجون وهي تجيبها بخفوت مرير حتى لا يصل صوتها لأحد من أهلها:
"مش عارفة يامي أحيانًا كتير بحس إني غلطت لما وافقت وكملت ومش مطمنة حاسة إن في مصيبة هتحصل بسبب الغلط اللي ارتكبته ده. واللي مخليني مضايقة إن زين بني آدم كويس جدًا وألف بنت تتمناه. يعني باختصار شايفة إنه خسارة فيا. وفوق ده كله قلقي من أحمد وتفكيري فيه دايمًا لإنه ليه فترة طويلة مش بيكلمني زي ما كان بيعمل ويحاول يخليني اسامحه ولا حتى بشوفه وخايفة يكون مسافر ولما يرجع ويعرف إني اتجوزت ويعملي مشكلة كبيرة."
غمغمت مي في عصبية ونقم على هذا الماجن والوغد:
"مش هيقدر يعمل حاجة خلاص. ولو إنتي حابة تكملي في جوازك لازم تطلعيه من قلبك ياملاذ وتحبي جوزك لإن هو ده اللي يستاهلك بجد. وحاولي تتقربي منه أكتر صدقيني هتحبيه لإنه باين عليه إنه شخصية جميلة وتستاهل تتحب. لكن الحيوان ده ميستهلش غير الحرق."
همت بأن تجيب عليها ولكن سمعت صوت إشارة في هاتفها بأن هناك من يحاول الاتصال بها. فتهتف على عجالة:
"طيب يامي هكلمك بعدين عشان هو بيتصل دلوقتي."
أنهت الاتصال مع صديقتها وأجابت عليه بهدوء وهي تتجه نحو شرفتها لتنظر منها وتتأكد من قدومه:
"أيوة يازين.. إنت وصلت؟"
"أيوة وصلت أنا مستنيكي تحت بالعربية. إنتي خلصتي ولا لسا؟"
قالها في نبرة صوت ساحرة لتجيبه هي بإيجاب:
"أيوة خلصت هلبس الشوز وأنزل."
أسرعت وارتدت حذائها ثم ألقت نظرة أخيرة على مظهرها في المرآة وسحبت حقيبتها الصغيرة وهاتفها وانصرفت. مودعة والدتها الكامنة في غرفتها بصوتها المرتفع حتى يصل لمسامعها تخبرها بأنه أتي وهي ستغادر. فتجد الرد من أمها لطيفًا موصية إياها كأي أم أن تنتبه لنفسها. ثم ترحل وتصعد بمصعد البناية الخاصة بهم. وبعد لحظات تجد نفسها أمام الطابق الأرضي فتخرج وتقود خطواتها للخارج حتى وصلت لسيارته وفتحت باب المقعد المجاور له وتنحني بجزعة لتركب بجانبه وترسل له ابتسامة رقيقة. فتقابل منه ابتسامة عريضة وأول شيء يهتف به في مغازلة صريحة بها:
"ما شاء الله إيه القمر ده بس!"
توردت وجنتيها بحمرة الخجل وأخفضت نظرها هامسة في استحياء:
_ شكرًا.
أتاها صوته الرجولي حازم والممتزج بابتسامته التي لطفت الجو:
_ شوفتي شكلك أحلى بكتير إزاي من غير الروج والمكياج!
ضحكت بخفة وقررت أن تتصرف معه على طبيعتها وعفويتها مع القليل من التحفظ في كلامها بالطبع، فإن كانت لا تتمكن حتى الآن من الوقوع في حبه ربما يكون تصرفها معه بتلقائية كأنه صديق لها ينجح في جعلها تحبه:
_ أنا أساسًا مش بحط مكياج وإمبارح ماما اللي يسامحها هي اللي غصبت عليا أحط والنتيجة إنها جابتلي الكلام وأخدت كلمتين حلوين منك إمبارح، فأطمن كانت أول مرة وآخر مرة.. مش لازم تفكرني كل شوية بقى.
كانت تتحدث بعفوية واضحة أحس بها مما أسعده أنها بدأت تتأقلم معه، ونبرتها المرحة وطريقتها وهي تتحدث جعلته يطلق ضحكة رجولية مرتفعة نسبيًا، هاتفًا في حدة مزيفة:
_ عارفة لو كنتي منقبة كنت أنا بنفسي اللي هقولك حطي لإن محدش هيشوفك غيري.
عندما تحدث عن النقاب ابتسمت تلقائيًا، فهي كانت تود ارتدائه منذ زمن وحين عرضت الفكرة على خطيبها السابق لم يوافق، وبالطبع كيف يوافق وهذا التقاب كان سيمنعه من رؤيتها، ونظرًا لأنه كان لا يود الزواج من البداية وكان مستعدًا لخيانتها ويعلم أنه لن يستمر معها فكان يريد التمتع من رؤيتها ومحادثتها بحرية وهي كانت ساذجة وسمحت له بهذه المسافة وأن يتخطى الحدود والعرف والدين.
هتفت في حماس حقيقي وأعين تلمع بسعادة:
_ زين إنت عاوزني البس نقاب؟
نظر لها مستغربًا سؤالها المفاجيء وطريقتها الحماسية ولكنه أجاب ببساطة وابتسامة دافئة:
_ النقاب فيه قولان لأهل العلم واختلفوا بين وجوبه وجوازه والعلماء اللي قالوا بجواز كشف الوجه هما هما اللي قالوا بوجوب تغطيته في زمن الفتن ومفيش شك في إن احنا في زمن الفتن دلوقتي، دي أول حاجة وثاني حاجة إن الوجه محل الأثارة حتى للزوج من زوجته في فراش الزوجية، فأنا أكيد هفضل إن مراتي تكون لابسة نقاب وخصوصًا لو كانت في جمالك كدا لإن دي الفتنة بعينها حتى لو مش بتحطي مكياج، وأنا مقدرش أقول على النقاب فرض لإن العلماء ذات نفسهم اختلفوا فعشان كدا لو إنتي مش حابة تلبيسه أنا مقدرش أجبرك عليه لكن اللي أقدر أجبرك عليه هو اللبس المحتشم والحجاب الشرعي بمعني إنه ميكونش واصف أو لازق أو شفاف يعني بيبقى واسع وبيغطي منطقة الصدر كلها وإنك متطلعيش من بيتك متزينة ومتعطرة وتطلعي بهدوم فضفاضة ومتظهرش محاسن ومنحنيات جسدك، فهمتيني؟
أماءت له بالإيجاب وهتفت وهي مازالت تحتلها السعادة وتسأله بتأكد:
_ يعني إنت مش هتمانع لو لبسته؟
قال بابتسامة مستنكرًا سؤالها:
_ بعد ده كله ولسا بتسألي همانع ولا لا!! بس إنتي ناوية تلبيسه بجد يعني؟
تشدقت باسمة في خفة:
_ أنا من زمان نفسي البسه بس مكنتش متشجعة أو لاقية اللي يشجعني الصراحة وإنت دلوقني شجعتني فأنا هصبر شوية لغاية ما أكون متأكدة من القرار ده علشان لما البسه إن شاء الله مقلعهوش تاني وربنا يثبتني.
أوقف السيارة جانبًا ثم نظر لها وغمغم بحنو:
_ يلا وصلنا.
_ إيه ده بسرعة كدا!
هتف مشاكسًا إياها ومازحًا:
_ هتحسي بالطريق ازاي وإنتي من ساعة ما ركبتي العربية وبتتكلمي!
فغرت شفتيها بصدمة من رده الصادم والغير متوقع ولكنها شاركته المزاح:
_ أنا! ربنا يسامحك بس على فكرة بقى إنت اللي بدأت الكلام.
أطلق ضحكة صامتة قبل أن يمسك بكفها ويقربه من شفتيه ليقبله برقة هامسًا في عاطفة:
_ بهزر.. اتكلمي براحتك ياحبيبتي، على قلبي زي العسل.
توترت بشدة من تقبيله لكفها وسحبتها برقة تنظر حولها متفحصة المكان الذي جاءا إليه لتهتف:
_ إيه هناخد رحلة نيلية صغيرة!
ترجل من السيارة ثم التف ناحيته فتنزل هي بدورها وتسير معه ناحية اليخت النيلي الصغير وتقول عابسة:
_ على فكرة أنا بخاف من الميا بليل.
_ وهو أنا بقولك انزلي عومي احنا هنركب يخت.
سارت معه حتى وصل أمامه وصعد هو إليه ولحقت به ثم تطلعت حولها في الماء وسمعته ينادي عليها من الداخل فدخلت له وجلست على الأريكة الجليدية والبنية اللون، المتلصقة في أساس اليخت نفسه، ثم أحست به بدأ يتحرك في الماء فنظرت من الزجاج تتابع الماء ومنظرها الليلي المريب، حتى وجدته يجلس بجوارها ويمد يده إليه بمشروب دافئ نظرًا لأنهم في الشتاء، فأخذته من بيده بابتسامة ممتنة ثم قال هو يفتح حوارًا للحديث:
_ هااا قوليلي بقى بتخافي من الميا ليه؟
تردد قليلًا ولكنها قالت بإحراج:
_ هقولك بس متضحكش.
_ تمام قولي!
غمغمت في خفوت:
_ بسبب الأفلام الأجنبي، عشان أنا من صغري بحب أتفرج الأجنبي وخصوصًا الأفلام اللي بتبقى في الميا وفيها سمك قرش والتماسيح وسمك البيرانا فعملتلي عقدة من الميا وبقيت بخاف ما أنزلها.
أطلق ضحكة متأججة بعفوية على طفوليتها لتزم هي شفتيها وتقول بتذمر وعبس:
_ قولتلك متضحكش.
كتم ضحكته وقال معتذرًا وهو يحاول منع نفسه من الضحك مجددًا:
_ حاضر، بس احنا في النيل وإيه اللي هيجيب سمك القرش والبيرانا للنيل.
عادت لطبيعتها وغمغمت ببساطة:
_ عارفة بس أنا عمومًا بخاف من البحر ولما بنزل بيكون أخري رجلي بس وعلى الشط كمان، وبليل لو قطعتوا إيدي مستحيل أحط صباع واحد في الميا وأصلًا منظرها بليل بيخوفني معرفش ليه بس بحس برهبة من الميا وبليل بذات، صحيح إنت ليه جبتني هنا؟
_ ملقتش مكان حلو نقعد فيه وحدنا على رواق غير ده.
هزت رأسها بالتفهم ثم لفت ذراعيها حول نفسها تأخذ وضعية الحضن وكفيها يفركان على أعلى ذراعيها نزولًا وطلوعًا بسبب شعورها بالبرد محاولة تدفئة نفسها وإذا بها تشعر به يلف سترته الجليدية والثقيلة حولها مغمغمًا:
_ اشربي اللي جبتهولك هيدفيكي، أنا لو أعرف إنك مش بتلبسي هدوم شتوي كنت قولتلك عشان تعملي حسابك.
نظرت له وقالت باهتمام بسيط:
_ طيب وأنت كدا هتبرد!
_ لا أنا عامل حسابي متقلقيش.
لم تعقب مجددًا واكتفت بأنها لفتها حولها جيدًا وأدخلت ذراعيها في الأزرع لتنال أكثر قدر من الدفء فجسدها أصابته قشعريرة البرد العنيفة، ولكن رائحة عطره الرجولي النفاذة والرائعة تسللت لأنفها من خلال سترته التي ترتديها، لم تنكر أنها رائحة مغرية ومثيرة خصوصًا أنها تحب عطر الرجال وتتعمد من وضع عطر أخيها في المنزل دون الخروج به، وبينما هي منسجمة في احتساء المشروب الدافئ وبدأ الدفء يعود لجسدها مجددًا، وجدته يقترب ويطبع قبلة على رأسها من فوق حجابها ثم يجذبها لصدره مملسًا على ذراعها بلطف كنوع من إبعاث الدفء لها والسكينة، فهمت هي أن تبتعد عنه ولكنها تراجعت وفكرت بعقلها هذه المرة الذي يخبرها بأنها إذا ارادت نسيان الماضي وبدء حياة جديدة معه يجب عليها أولًا أن تسمح لنفسها بأن تنعم بين تفاصيل العشق وتتركه يحبها بحرية وتجرب العشق كاملًا ومن ثم تقرر هل تحبه أم تفضل الأبتعاد، فسكنت وهدأت بين ذراعيه وعادوا يتبادلون الأحاديث مجددًا!
تمسك بهاتفها وتحدق بصوره الذي أرسلها لها الرجل الذي كلفته بمهمة مراقبته لتعرف إلي أين يذهب، كانت هادئة معه تمامًا منذ الأمس واستحملت طريقته القاسية ولم تعقب ولكن وصل للخط الأحمر الذي لا تهاون فيه، يجب عليه احترام زواجهم حتى ولو كان بالنسبة له اتفاق وصفقة بينهم، وسواء شاء أم أبى هي زوجته وغيرتها عليه مخيفة تصل للجنون. ويؤسفها القول بأنه سيرى مخالب القطة الشرسة وكيف تكون قوة المرأة الحقيقة!
ظلت واقفة وتجوب الصالة إيابًا وذهابًا وهي تضرب بهاتفها على كفها بخفة وعيناها معلقة على الساعة التي قاربت على الثالثة فجرًا وكلما يمر الوقت تهيج نفسها الثائرة أكثر، وأخيرًا سمعت صوت الباب ينفتح فاندفعت نحوه ثائرة لتجده ينظر لها بعدم اكتراث ويتوجه نحو غرفته المنفصلة عن غرفتها ويغلق الباب ليبدأ في تبديل ملابسه ولكنها لم تبالي بشيء سوى تفريغ جموحها بهذا المنحل، ففتحت باب الغرفة ودخلت وتجده فك جميع أزرار قميصه ويهم بنزعه ولكنه توقف نتيجة لاقتحامها عليه الغرفة وصاح:
_ في إيه؟
رفعت شاشة هاتفها في وجهه تريه إحدى صوره وهو في ملهى ليلي صائحة بدورها:
_ إيه ده ياحسن!
التقط الهاتف من يدها ودقق النظر في الصور ليجدها صوره اليوم بالفعل ليلقي به على الفراش ويصرخ بها بصوت جهوري:
_ وإنتي مالك إيه ده، إنتي هتحاسبيني ولا إيه! وبعدين جبتي الصور دي من فين لتكوني مكلفة حد يراقبني مهو مش بعيد عليكي أصل هنتظر إيه من شيطانة.
بالأمس كانت أنثى وتخشى صوته وغضبه والآن هي لا تدري عن مفهوم الأنوثة بشيء وصوته لا يهز شعرة واحدة منها، حيث اندفعت نحوه ووقفت أمامه مباشرة هاتفة في شراسة:
_ أهااا هحاسبك، أنا ممكن استحمل معاملتك ليا لكن خيانتك علني كدا وفي أول يوم جواز مش هسكت عليها.
ضحك باستهزاء من فرط انفعاله وصاح مستشيطًا غيظًا:
_ إنتي عبيطة يابت! خيانة إيه! هو أنا إمتى حبيتك ولا كان في بينا حاجة عشان اخونك أصلًا.
اقتربت منه أكثر وهو لا يظل ثابتًا في أرضه ووجدها تهتف مباشرة أمام وجهه في صوت يشبه فحيح الأفعى وأعين شيطانية:
_ إنت اتجوزتني عشان تكرهني فيك وتنتقم مني على اللي عملته معاك ومتخلنيش افضحك، وأنا وافقت وقفلت على موضوع الصور والتسجيل وقولت مش مشكلة هستحمل، يعني احنا في بينا اتفاق ومن شروط الاتفاق إنك تبعد عن القرف ده.. خاف مني ياحسن عشان أنا ممكن أقلب عليه الطرابيزة بجد وافضحك وأقول إنك بتخوني وأقول على كل بلاويك وهتبقى خسرت أهلك وعمك وبرضوا هفضل وراك وهقولهم إني مسمحاك وإني مش عايزة اطلق وبكلمتين ودمعتين مني الكل هيصدق حبي النقي ليك وإنك قذر وحيوان ولما يلاقوني مصممة إني مطلقش هيوافقوا والكل هيبقى في صفى أنا وهتبقى إنت الوحيد اللي طلعت خسران من اللعبة.
ده نبذة بسيطة عن اللي ممكن أعمله فيك.
كان جامد تمامًا ودمه يغلي في عروقه وعقله يرسل له إشارات متتالية أن يقبض على رقبتها ويخنقها ليتخلص منها نهائيًا، ولكنه تظاهر بالثبات لتكمل هي بنبرة أكثر شراسة من السابقة:
"مش بعد السنين دي كلها هسمح لحد ياخدك مني. إنت ليا لوحدي. تعرف أنا ماشية بمبدأ إيه؟ لو الحاجة مش هتكون ليا يبقى مش هتكون لحد غيري أبدًا."
"دي مجنونة! حتمًا فاقدة لعقلها!" كان يقولها لنفسه، فلا يمكن أن يكون حبها له وصل لهذا الحد من الجنون. فهتف منذهلًا مما تقوله:
"إنتي مستحيل تكوني طبيعية. إنتي محتاجة تروحي مستشفى مجانين وتتعالجي بجد."
لم تبالي بما قاله، فهي الآن في ذروة غضبها واستمرت في الحديث قاصدة استفزازه:
"لو أنا عملت زيك وشوفت صوري وأنا في كباريه وفي حضن راجل. أنا عارفة إنك مش طايقني ومش هتفرق أوي معاك، بس هتحس بإيه لإني في الأول وفي الآخر مراتك للأسف."
هتف ضاحكًا بسخرية وعدم مبالاة:
"روحي اعملي، هو أنا منعتك."
لن تتركه إلا حين تثير جنونه كما أثاره، حيث قالت بنبرة صوت وهي تطلق كلمات تعرف مدى تأثيرها عليه جيدًا:
"متأكد؟ أصل أنا دلوقتي زي ما قولتلك أنا مراتك، يعني أي كلمة هتاجي في حقي هتكون في حقك إنت وإنت اللي هتتفضح، يعني أهلي مش هتطولهم الفضيحة قد ماهتطولك. والناس بقى لسانها مش بيسكت هيقولوا إيه اللي يخليها تعمل كدا إلا لو كان جوزها مش راجل ولا مؤاخذة مش عارف يحكمها ولا يشكمها وكلام كتير كدا أنا اتكسف ما أقوله، بس إنت فاهم."
نجحت في إثارة عواصفه، حيث احمرت عيناها بسبب جملتها الأخيرة الذي فهم مقصدها منها جيدًا، فتحول لجمرة نيران ملتهبة، وبحركة مفاجأة جذبها من خصلات شعرها هاتفًا في صوت يأتي كالرعد في أذنها:
"إنتي عاوزة إيه؟ عاوزاني أمد إيدي عليكي وأوريكي أنيل من اللي شوفتيه امبارح؟ رسيني إنتي عاوزة إيه عشان أفهم وأبلغلك طلباتك."
دفعت يده عنها بعنف صائحة محذرة إياه:
"اوعى تفتكر نفسك إنك قدرت عليا امبارح، أنا اللي سبتك بمزاجي. وإياك يا حسن تجرب تمد إيدك عليا تاني فاهم."
ثم استدارت وغادرت، تاركة إياه يتستشيط وبترنح من الانفعال ولا يعلم ما الذي يمنعه عن تلقيها ألوان العذاب والضرب المختلفة التي تستحقها، فربما لأن ليس من شيمه استخدام العنف مع النساء سواء بالضرب أو التعذيب، ولم ينشأ على هذه العادات السادية.
... عروس! تتلقى التهنئات من الجميع منذ صباح اليوم. لما الكل سعيد ماعداها؟ بالرغم من أنها هي التي يفترض بها أن تكون أسعدهم! ترتدي فستان زفافها ولا تشعر به على جسدها، كأنه رداء للعيد قامت بشرائه ولم تنتظر قدوم العيد وارتدته قبل الأوان في مكان وزمان غير مناسب، فلم تشعر بفرحته كما يجب. وتكثر ملامسته والنظر لنفسها في المرآة لعلها تجد سعادتها الخامدة في الأعماق، ولكن كلما تنظر لا ترى سوى عبوس وألم وحسرة على حظها السيء الذي حرمها السعادة في مثل هذا اليوم الذي لا يتكرر سوى مرة واحدة! وانقباض قلبها يزداد كلما يقترب انتهاء الزفاف، لا تعرف سبب هذا الانقباض. فيأتي دور عقلها الذي لا يهدأ عن تشويشها وإتعابها ويقول: "لما الحزن يا عروس؟ فأنتِ من اخترتي الزواج وإنتِ لا تحبيه. وأخبرتكِ أنه لا يصلح لكِ وعلاقتكم لن تستمر كثيرًا، ولكنكِ أصررتِ على قراركِ الخاطئ. هذا الرجل لا تستحقيه يا مخادعة. هو يستحق امرأة تحبه كما يجب أن يُحب. ولكن بقاءه معكِ أكبر خطأ ارتكبه، وكلاكما سيدفع ثمن هذا الخطأ." هذه المرة عقلها قال الحقيقة كاملة، ولكنها تجهل الإجابة عن سؤاله عن سبب حزنها! ربما يكون سببه عدم تمكنها من حبه وهي تريد أن تنعم بحياة زوجية سعيدة معه، أو ربما يكون لأن ضميرها يأنبها بشدة أنها كذبت عليه واستغلته طعمًا في بادئ الأمر لترضي كبريائها الذي دمره خطيبها السابق! وهي لا تنكر أنها كانت ترغب في زواج يعيد لها كرامتها، ولكن بعدما تعرفت عليه جيدًا تغيرت أهدافها لتصبح محاولات للتمسك به والوقوع في شباك عشقه، ولكن يزال ضميرها يذكرها دومًا بهدفها منذ البداية والذي ربما يكون قائمًا حتى الآن.
فاقت من شرودها على صوت رفيف وهي تسألها عن أحوالها ولماذا هي شاردة، فتقابلها بابتسامة مزيفة وتنظر للجميع بأسى. وبعد لحظات تجد صديقتها تسرع نحوها بوجه مذعور وتهمس في أذنها:
"ملاذ أحمد برا."
انتفضت جالسة وقالت بتوتر شديد:
"إيه؟ وهو عرف إزاي إن فرحي النهاردة؟"
"معرفش. أنا تلفونك كان معايا ورن، فرديت ومعرفش إنه هو. لقيته بيقولي خلي ملاذ تطلعي وإلا هعملها مشكلة."
تطلعت لصديقتها بتردد وخوف، ولكنها حسمت أمرها وشعرت بأنها فرصة لكي تستعيد كرامتها المهدرة، فاقتربت من أذن مي هاتفة:
"أنا هطلعله، ولو حد سألك عليا قوليلوا روحت الحمام أظبط الفستان."
قبضت على ذراعها بعنف هاتفة بارتباك امتزج بالغضب:
"تطلعيله إيه؟ إنتي اتهبلتي؟ ولو حد شافك هتقولي إيه؟"
لم تصغِ لها وقالت بإصرار:
"متقلقيش، محدش هيشوفني أساسًا. مكان الرجالة بعيد من هنا شوية."
"طاب استني هاجي معاكي!"
قالتها مي بعدم حيلة عندما وجدتها مصرة، ولكنها رفضت رفضًا قاطعًا وتحركت نحو الحمام أولًا حتى لا تجعل أحد يشك بها، ومن ثم تسللت دون أن يشعر بها أحد. وجدت مي هدى تسألها بتساؤل:
"راحت فين ملاذ؟"
هتفت بارتباك بسيط:
"راحت الحمام تظبط الفستان وجاية. قولتلها أروح معاكي قالتلي لا، هعرف اتصرف لوحدي."
أماءت لها بإيجاب في ابتسامة عذبة. أما رفيف فقد راحت تجيب على أخيها الذي كان صوته متلهفًا:
"رفيف قولي لو في حد قاعد بشعره يلبس الطرحة، أنا واقف برا وهدخل أشوفها."
أجابت على أخيها ضاحكة:
"إيه يا زين شغل العيال ده؟ ما خلاص كلها ساعتين وتاخدها وتروحوا بيتكم وتشوفها."
قال بعدم صبر واغتياظ:
"عايز أشوفها، مشوفتهاش وإنتوا خلتوها تلبس الفستان وخدوتها علطول عندكم من غير ما أشوفها حتى."
أكملت ضحكها هاتفة تقترح عليه حل وسط:
"مينفعش تدخل، بص إيه رأيك هصورها وابعتهالك تشوفها طالما إنت مش قادر تصبر كدا."
"طيب صوريها بس يلا بسرعة."
"حاضر، بس هي راحت الحمام دلوقتي، لما ترجع هصورها وابعتهالك."
دهش عندها رآها تتجه نحو الخارج للباب الرئيسي وهي تتلفت حولها كأنها تخشى من أن أحد يراها. ماذا تفعل هنا؟ ألم تقل شقيقته بأنها ذهبت للحمام؟ أنزل الهاتف من على أذنه وتسلل خلفها دون أن تشعر، فيجدها تقف مع رجل لم يره من قبل ويسمع حوارهم الذي كالآتي...
"إنت إيه اللي جابك؟ مش مكفيك اللي عملته معايا وكمان جاي عاوز تعملي مشكلة في فرحي؟"
انطلقت منه ضحكة ساخرة وهو يهدر في غضب:
"فرحك! ده على أساس إنك في قمة السعادة. أنا متأكدة إنك لسا بتحبيني ومش قادرة تنسيني."
هزت رأسها بالنفي وهي تجيبه بألم:
"لا."
قال في ثقة تامة واستنكار:
"بجد؟ كدابة ومتعرفيش تكدبي. لو مكنتيش بتحبيني مكنتيش وافقتي تطلعيلي. وكمان مكنتش هشوف الدموع دي في عينك. مفكرتيش إيه رد جوزك لما يعرف إنك لسا بتحبي خطيبك القديم وإنك مبتحبهوش. أنا بقول إننا بقينا متعادلين وإنتي كمان بقيتي كدابة ومخادعة، والأفضل إنك تنهي المهزلة دي ونرجع لبعض."
تبغضه بشدة. لوهلة شعرت بأنها تستحقره أكثر من السابق، والآن هي تكره ضعفها له ودموعها الحارقة المتجمعة في عيناها. لا تريد أن تكون تحت رحمة عشقه، ستجاهد في نزعها وستكون هذه البداية.
هتفت في تحدي وصوت مهزوز:
"لمس السما أسهل لك من التفكير في إننا ممكن نرجع لبعض. وعارف أنا اتجوزت ليه؟ عشان انتقم منك واخليك تحس بنفس الإحساس اللي حسيته لما خونتني يا أحمد. يمكن أكون لسا بحبك فعلًا بس تأكد إن المشاعر دي زائلة ومش هتستمر كتير و..."
توقفت عن الكلام حين وجدتـه يصوب نظره على شيء بالخلف، فالتفتت فورًا وهمست برعب جلي وصدمة:
"زين!!!"
رواية ضروب العشق الفصل التاسع 9 - بقلم ندى محمود توفيق
توقفت عن الكلام حين وجدته يصوب نظره على شيء بالخلف فالتفتت فورًا وهمست برعب جلي وصدمة:
_ زين!!!
رأته يقترب نحوهم حتى وقف أمام أحمد مباشرًا وجذبه من لياقة قميصه موجهًا له حديثه في صوت كان مرعبًا بالنسبة لها:
_ امشي من هنا بالذوق بدل ما أخليهم ياخدوك على نقالة.
القي أحمد نظرة متشفية على ملاذ فلقد حالفه الحظ ويبدو أنه نجح في تخريب زفافها دون أن يبذل جهدًا، عاد بنظره لزين ونزع قبضته عن ملابسه ثم هندم قميصه والقى عليهم نظرة بابتسامة استهزاء ثم استدار ورحل.
أما هي فكان جسدها يرتجف من الخوف والارتباك فآخر شيء كانت توده هو أن يعرف الحقيقة بهذا الشكل. رأت في وجهه جموح وسخط مرعب، لأول مرة تراه بهذا الشكل المخيف.
كان يتحاشى النظر لوجهها حتى لا يرتكب جرمًا يندم عليه فيما بعد، فاستجمعت شجاعتها المزيفة وهمست في صوت كان به بعض التوسل أن يتركها تفسر له كل شيء:
_ زين أااا…
قطع كلامها صوته المريب والمتحشرج وهو يلقي عليها أوامر مفروغ منها ويضغط على كفه ليتمالك أعصابه التي على وشك الانفجار:
_ ارجعي الفرح جوا.
وقفت تحدق به بأعين بائسة ودامعة وسرعان ما انتفضت واقفة وتراجعت للخلف قبل أن تستدير وتذهب مسرعة نحو الحمام، عندما سمعته يصيح بها بصوت جهوري ووجه محتقن بالدماء:
_ سمعتي!
رأتها مي وهي تتجه نحو الحمام مسرعة عندما خرجت لتراها ولكنها دهشت حين رأت زين يتجه نحو سيارته ليصعد بها وينطلق مغادرًا الزفاف بأكمله. فهرولت هي الأخرى راكضة وراء صديقتها وفتحت باب الحمام خلفها فتجدها منكبة على نفسها تبكي بحرقة وعنف لتسرع لها وتهتف بهلع:
_ ملاذ حصل إيه؟
رفعت نظرها وقالت بصوت مرتعش من أثر البكاء:
_ عرف كل حاجة وسمعني وأنا بتكلم معاه وبقوله إني بحبه وإني اتجوزت زين عشان انتقم منك.
كتمت شهقتها المنصدمة والمرتفعة بكف يدها ثم قالت في عتاب شديد:
_ أنا قولتلك متطلعيش إنتي اللي صممتي ومسمعتيش كلامي، أنا شوفت زين دلوقتي وهو بيركب عربيته ومشي وساب الفرح.
فغرت شفتيها بدهشة وازداد بكائها وهتفت بقلق حقيقي وندم:
_ هو عصبي جدًا ولو حصلتله حاجة وهو متعصب كدا مش هسامح نفسي أبدًا.. أنا السبب في كل حاجة واستاهل كل اللي يجرالي.
ضمتها مي لصدرها مرتبة على ظهرها بحنو وهمس في رزانة:
_ مش وقته الكلام ده دلوقتي، إنتي دلوقتي هتفكري هتعملي إيه وهتتصرفي إزاي في اللي حصل ده، ومتقلقيش عليه إن شاء الله من هيحصله حاجة، كفاية عياط بقى وقومي عشان اظبطلك المكياج ونرجع لهم.
_ مش عايزة حاجة يامي أنا تعبت بجد.
ملست على وجنتها برقة وهي تجفف لها دموعها هامسة في إشفاق عليها:
_ عارفة بس صدقيني كل حاجة هتبقي زي الفل والله أنا واثقة.. قومي يلا ابوس إيدك ومتخليش حد يشك كفاية هو عرف، خلينا نحاول ننقذ ما يمكن انقاذه قبل ما يفوت الآوان.
بقت جامدة تمامًا لا تصدر حركة ودموعها أخذت تسقط في صمت للحظات حتى توقفت وبدأت صديقتها تعيد مكياجها البسيط جدًا من جديد حتى لا يشك أحد بالأمر وأخذتها وعادوا لهم.
جلست على مقعدها المخصص لها كالآلية لا تشعر بشيء مما أثار وضعها ريبة والدتها التي اقتربت منها وسألتها في قلق:
_ ملاذ في إيه مالك؟
انتبهت لها فنظرت لها وتمتمت في هدوء مرير:
_ مفيش حاجة ياماما مرهقة شوية بس.
***
أوقف السيارة جانبًا في أحد الشوارع، ورجع بظهره للخلف مغمضًا عيناه باستياء امتزج بمرارته. هل قبلت به لتأخذ منه درعًا تحمي به الباقي من كرامتها المهدرة؟ هل كانت تنظر في وجهه وتضحك وهي تحمل في قلبها غيره؟ بل كيف يمكنها أن تكون بكل هذا الانحطاط وتقبل نفسها أن تكون زوجة لرجل وتترك قلبها لغيره؟ هل كان هذا هو جزاء الإحسان؟
لا يدري أيلومها لأنها وضعته محل المغفل أم يلوم نفسه لأنه وثق بها ثقة عمياء وأحبها من أعماقه. كان على أتم الاستعداد أن يجعلها أسعد امرأة في الكون سيغمرها بعشقه ولطفه وحنانه للدرجة التي تجعلها لا تطيق الابتعاد عنه للحظة، ولكنها لا تستحق أن تظفر بهذا الحنان. ياليتها أخبرته بكل شيء بنفسها كان سيحترم صراحتها وسيعلو شأنها في نظره ولكن بفعلتها تلك سقطت من مقصورة نظره إلى أدنى مستوى وأحقره.
الآن هو يجب أن يتحلى بالحكمة والرزانة وينهي كل شيء بهدوء. هي أخطأت وهو لا شك بأنه أخطأ أيضًا ويجب أن يكون عادلًا. فمهما فعلت هو لن يتمكن من معاقبتها بقسوة وسيكتفي بهذا القرار الذي اتخذه الآن والذي سيكون أسلم حل لوضعهم.
حرك محرك السيارة وانطلق عائدًا للزفاف بعد أن هدأت نفسه الثائرة قليلًا وأجاب على رنين هاتفه المتكرر بخشونة:
_ أيوة ياحسن.
أتاه صوت أخيه مازحًا بمرح:
_ إيه شوفتها ياعم الحبيب؟
قال ساخرًا في نبرة صوت كان يجاهد في إخراجها طبيعية:
_ أممم شوفتها.
_ طيب إنت فين ليه مرجعتش، الكل بيسأل عليك هنا؟
اكتفى بكلمة واحدة في حزم وأنهى الاتصال دون انتظار إجابة منه:
_ جاي.
أنزل حسن الهاتف من على أذنه باستغراب ونظر لكرم الجالس بجواره الذي سأله في فضول:
_ في إيه؟
زم حسن شفتيه للأمام بجهل متمتمًا:
_ معرفش شكل في حاجة حصلت، صوته غريب.
_ لا عادي متاخدش في بالك تلاقيه مش طايق نفسه عشان من الصبح مانعينه يشوف مراته.
_ عندك حق.
قالها حسن وهو يضحك ليبادله هو بابتسامة بسيطة.
***
كانوا مجتمعين في حديقة المنزل بعد انتهاء الزفاف ويقضون جلسة عائلية مرحة وجميلة ويشاركهم حسن ويسر في هذه الجلسة التي كانت بين عائلة محمد العمايري فقط.
هتفت رفيف في عبس بسيط:
_ والله القعدة دي ناقصة زين.
هتف حسن بدوره مازحًا:
_ آه كان هيقولنا إيه القعدة اللي قاعدينها دي قوموا استفادوا بالوقت بدل ما إنتوا بتحكوا كدا.
كان كرم يستمع لحديثهم ويكتفي بالابتسام كعادته في أي تجمع عائلي يفضل أن يكون مستمعًا صامتًا. أما يسر فكانت تقشر من اللب الموضوع في الصحن أمامها وتهتف في جدية وابتسامة صافية:
_ لا بس ملاذ لايقة جدًا على زين، اخترتي صح يامرات عمي طلعتي مش ساهلة!
قهقهت هدى بقوة وأجابت عليها في فخر:
_ لازم أنقيله ست البنات ده الغالي، وملاذ أدب وأخلاق ماشاء الله.
قالت رفيف وهي تزم شفتيها للأمام في عدم اقتناع:
_ أنا مش نازلالي من زور معرفش ليه، حساها خبيثة ولئيمة.
_ بالعكس أنا شيفاها طيبة وكيوتة خالص.
قالتها يسر ببساطة وهي لا تتوقف عن أكل وتقشير اللب كنوع من التسالي المفضلة لديها، لتجيب عليها رفيف بضحك ومشاكسة:
_ الدنيا حصل فيها إيه! يسر بتشكر في حد، لا مش مصدقة!
نقلت نظرها بينهم جميعًا في دهشة امتزجت بالإحراج وقالت متصنعة الغضب في كذب مكشوف:
_ على فكرة إنتوا ماخدين عني فكرة غلط، أنا قلبي طيب وبحب كل الناس والله.
نظرت رفيف لكرم الذي يطالع زوجة أخيه وابنة عمه مبتسمًا باتساع وقالت في مكر مرح:
_ طبعًا إنتي هتقولي كلنا نشهد على ذلك من طفولتك بتحبي الناس وعمرك ما أذيتي حد.
أصدر كرم ضحكة مرتفعة رغمًا عنه عندما تذكر تلميح شقيقته لتستغرق هدى لحظات حتى تفهم سبب ضحكهم وتنفجر هي الأخرى ضاحكة. أما هي فأخذت تفكر وتحاول فهم ما الذي تذكروه ولما انفجر كرم ضاحكًا؟ وأول شيء خطر على ذهنها عندما كانت في سن السادسة وأخبرها والدها وعمها محمد بأنهم سيزوجوها لكرم فأخذت تصرخ بهم قائلة أنها لن تتزوج سوى حسن وأنها تكره كل البشر ما عدا هو. وبعد دقائق خرجت لحديقة المنزل وكانوا هم يبنون غرفة خارجية في الحديقة فجمعت في يدها مجموعة من الحصى الكبير نسبيًا واتجهت حيثما يجلس كرم الذي كان يبلغ من العمر اثني عشر عامًا وأخذت تحدفه بالحصى وحاول هو أن يتفاداها ويصيح عليها أن تتوقف إلى أن أصابت أحدهم رأسه ونزف الدماء!
اخفضت نظرها فورًا في إحراج وهي تتحاشى النظر إليهم وتخفي ابتسامتها الخجلة من ضحكهم حتى وجدت هدى تهتف من بين ضحكها:
_ طول عمرك مفترية يايسر ياحبيبتي.
_ خلاص بقى يا جماعة أقوم طيب عشان تبطلوا تحفيل عليا!
توقف كرم عن الضحك عندما أخرج هاتفه الذي يصدر رنينه وقرأ اسم المتصل لينهض من جانبهم ويبتعد قليلًا ليجيب. أما حسن فقد اقترب من أذنها هامسًا في خنق:
_ ممكن تبطلي أكل اللب عشان صوته بيعصبني.
رمقته ببرود ثم وضعت واحدة بين أسنانها وضغطت عليها لتصدر الصوت الذي يستفزه وغمغمت في أذنه بهدوء مثير للأعصاب:
_ ملكش دعوة مش عاجبك قوم من جمبي.
صر على أسنانه ياغتياظ يحاول أن يبدو بمظهر الهادئ وأن يتصنع الثبات، فانحنى للأمام ناحية المنضدة الصغيرة والتقط الصحن من عليها متصنعًا أنه يريد أن يأكل وأسقطه عمدًا على الأرض لتتناثر حبات اللب جميعها على الأرض فتنحني يسر لتلمهم حتى لا يدعس أحد عليهم أحد فتجد هدى تخبرها بعفوية أن تتركهم وأن حارس الحديقة سيأتي بعد قليل وسيقوم بتنظيف الحديقة بأكملها، لتعود لجلستها الطبيعية وترمق الجالس بجانبها شزرًا وهو لا يبالي لها مطلقًا.
أجاب كرم على الهاتف ليتلقى خبرًا من الحارس الخاص بشفق كان بمثابة الصاعقة التي نزلت عليه، ويخبره بوضوح أن والدة صديقه قد أخذوها للمستشفى وتوفت نتيجة لغيبوبة سكري مفاجئة والمسكينة ابنتها في حالة يرثى لها وقد أعطوها حقنة مهدئة حتى تتوقف عن الصراخ والبكاء، فانهى معه الاتصال فورًا وهرول ناحية سيارته ليستقل بها وينطلق وسط نداء أمه عليه التي فزعت من منظره المذعور!
***
مرت نصف ساعة منذ قدومهم للمنزل وهي كامنة في الغرفة لا يصدر لها صوت وهو بالصالون يجلس على الأريكة، مستندًا بمرفقه على مسندها الجانبي وكفه على جبهته.
هل كان يستحق ما فعلته به؟ لماذا أخفت عليه أنها لا تحبه ولا تريده؟ هل العبث بالمشاعر مباح بالنسبة لها؟ قبلت أن تكون زوجة له وهي تعرف عواقب هذه الخطأ الذي لا يغفر! ياليته لم يحبها مثلما فعلت هي، فربما معاناته الآن كانت ستكون أقل.
اعتدل في جلسته وأخذ نفسًا عميقًا بعد أن استعد لمواجهتها وهب واقفًا ثم سار صوب الغرفة التي من المفترض أن تكون غرفتهم! فتح الباب دون أن يطرق ليجدها تجلس على الفراش وكما هي منذ أن دخلت الغرفة لم تنزع حجابها حتى، فيدخل ويترك الباب مفتوحًا ثم يجلس على المقعد الوثير أمام المرآة وعم الصمت بينهم لدقيقة كاملة وهو يتابعها ويرى قسمات الخوف الممزوجة بالحزن على محياها وهي تطرق رأسها أرضًا، ليبتسم بسخرية ومرارة عندما فهم ما يدور في ذهنها. هل حقًا تظنه سيثأر منها لكرامته ورجولته التي كسرتها عندما رآها تتحدث مع رجل وتقول له بكل وضوح أنها تحبه هو ولا تحب زوجها! ولكن لديها العذر فهي لم تعرفه جيدًا بعد وإلا لما كان رأى نظرات الخوف في عينيها من أن يرفع يده عليها ويضربها!
أصدر زفيرًا قوي سمعته هي جيدًا ثم سمعت صوته القاسي وهو يتحدث بثبات لم تتوقعه منه:
_ أنا مش هطلب منك تفسير على اللي حصل لإني مش عايز أعرف واللي سمعته كفاية أوي، فأنا عايزك تركزي في اللي هقوله دلوقتي كويس.. كل اللي بينا انتهى واظن إننا مش لبعض وإنتي أكيد هتلاقي الشخص اللي يناسبك وتحبيه، فعشان كدا هعمل حساب لكلام الناس وجوازنا هيستمر لمدة شهر وبعديها هطلقك وكل واحد فينا هيروح لحاله، لأن أنا مش هقبل إني أعيش مع واحدة عقلها وقلبها مع راجل غيري.. مش هقبل تكوني في حضني وبين إيديا وعقلك مشغول بالتفكير في غيري، إنتي وافقتي تتجوزيني واستخدمتيني وسيلة عشان تنتقمي من خطيبك السابق اللي إنتي لسا بتحبيه.. وكملتي لغاية ما كتبنا الكتاب، إنتي عارفة يعني إيه تكوني على ذمة راجل.. يعني قلبك وتفكيرك ميبقاش غير ليه بس واللي إنتي كنتي بتعمليه ميطلقش عليه غير مسمى واحد وهو الخيانة، وكنتي بتكدبي عليا لما بسألك عن سبب انفصالك بخطيبك.
سالت دموعها وهتفت مقاطعة إياه في صوت باكي ونادم محاولة الدفاع عن نفسها المذنبة:
_ أنا مكنــ…
توقفت حين وجدته يهتف في حزم ونظرات مميتة:
_ أنا لسا مخلصتش كلامي ومش عايز اسمع صوتك نهائي لغاية ما اقول اللي عندي وأقوم.
التزمت الصمت فورًا وعادت تجفل نظرها أرضًا مجددًا وتترك العنان لدموعها التي تنهمر بصمت وتستمع له وهو يكمل بنفس نبرته القاسية بل وأشد قسوة:
_ الحياة بينا خلال الشهر دي هتكون بحدود، كل واحد فينا في أوضة ولو مش حابة تواجهي قسوتي يبقى تجنبيني ومتخلنيش اشوف وشك أبدًا طول ما أنا موجود في البيت، لإني مش طايق أشوفك أصلًا ولا اسمع صوتك ياملاذ، واللي حصل ده ياريت محدش يعرف بيه ولا يعرف إننا بعد شهر هنتطلق هنتصرف طبيعي قدام أهلك وأهلي.. مفهوم.
هزت رأسها بالموافقة ودموعها تزداد في الأنهمار، أما هو فوقف وانصرف متجهًا للغرفة المجاورة، لتقف هي وتسرع بإغلاق الباب وتنكب على الأرض باكية بعنف ولا تتمكن من التقاط أنفاسها من شدة البكاء، تقسم له أنها لم تكن تقصد خيانته وتغيرت تمامًا بعدما تزوجته وأصبحت تحاول جاهدة لنزع ذلك العشق المحرم من قلبها لتكون ملكًا له بجميع جوارحها.. ولكن الأمر يحتاج لبعض الوقت ولو أعطاها الفرصة فهي بالتأكيد ستصلح الجرم الذي ارتكبته في حقه وستثبت له أنها تريد أن تكون زوجته هو ولا تريد أن يكون في قلبها رجل غيره، ولكن للأسف فلا سلطان على القلب!
***
كان يقود خطواته الراكضة نحو باب المستشفى حتى استوقفه انتظار الحارس فتوجه إليه وهتف في زعر:
_ حصل إيه يامسعد؟
أطرق رأسه في أسف وحزن مغمغمًا:
_ أنا كنت تحت عند باب العمارة ومرة واحدة لقيت عربية الإسعاف وقفت وطلعوا على فوق مجاش في بالي إنها هتكون والدة الأنسة شفق نهائي وبعديها بدقايق لقيتهم نازلين وهما شايلنها على النقالة وكانت قاطعة النفس يعني متوفية من قبل ما توصل المستشفى وركبت الأنسة شفق معاها في العربية وأنا جيت وراهم علطول والدكتور بمجرد ما كشف عليها قال إنها متوفية بسبب غيبوبة سكر.
مسح على وجهه وهو يتأفف بقلب موجوع ويهتف معنفًا إياه:
_ وإنت متصلتش بيا ليه من وقت ما جات عربية الإسعاف.
_ تلفوني كان فاصل شحن واستنيت لغاية مايشحن شوية واتصلت بيك.
_ طيب وهي فين دلوقتي؟
أجابه في خفوت:
_ منتظرين حد يخلص إجرارات الوفاة والخروج عشان تبدأ في تصريحات الدفن، والأنسة شفق انهارت وادوها حقنة مهدئة وصحبتها جات من حوالي خمس دقايق ومعاها دلوقتي.
استقرت في عيناه نظرة مريرة ثم تركه وسار نحو الداخل ببطء، إلى متى سيستمر في تلقي أخبار وفاة احبائه، إلى متى سيظل هو من يتولى تصريحات دفنهم ويكون هو أول من يدخلهم لقبرهم. ذاق العذاب لأول مرة عند وفاة والده ومن بعده زوجته ولحق صديقه بها والآن المرأة التي لطالما أحبها واعتبرها أمًا ثانية له!
جلس على أقرب مقعد وجده أمامه واحني رأسه دافنًا إياها بين راحتي يديه وأعتق دمعة كانت تحارب من أجل السقوط، كانت تحارب لأجل كل الآلام والأوجاع التي سكنت قلبه بفراق أحبته. أصبح يخشى العيش أكثر فيشهد فقد عزيز آخر!
بعد مرور دقائق من الصراع والحزن هب واقفًا واتجه نحو الغرفة التي تكمن بها شفق وطرق الباب بهدوء شديد، ففتحت له نهلة التي كانت عيناها تذرف الدموع بغزارة. حتى جاءها صوته الضعيف وهو لا ينظر لها:
_ عاملة إيه دلوقتي؟
غمغمت في صوت باكي:
_ جاتلها حالة انهيار وعصبية بقت تصرخ بطريقة هستيرية أنا مشوفتهاش كدا يوم وفاة سيف، والممرضات ادوها حقنة مهدئة ولسا نايمة.
قال في إيجاز لعدم قدرته على التحدث:
_ طيب خليكي جمبها معلش ومتسبهاش لغاية ما اخلص الإجراءات وكل حاجة.
أومأت له بالموافقة وهي تمسح دموعها التي تسقط تلقائيًا حزنًا على صديقتها وأمها، بينما هو فاستدار وانصرف.
***
انتهت إجراءات الدفن كاملة وتم العزاء ومر يوم كاملًا ومع فجر اليوم الأول كان ضوء الشروق خافت في السماء والأجواء هادئة تمامًا في الشوارع. إن قمت بإلقاء إبرة ستسمع صوتها كأنها قطعة حديد سميكة!
كان يسير على قدميه وحيدًا واضعًا قبضتيه في جيبي بنطاله، بعد أن قضى وقته المعتاد مع كل من زوجته وصديقه يشكو لهم همه وألمه ولا تخلو جملة دون أن يبوح بمدى شوقه وتعطشه لمعانقتهم مجددًا، فقد بدأت الأعباء تثقل وظهره بدأ في الانحناء ولكنه يعافر ولا يقبل الضعف!
وصل أخيرًا بعد دقائق طويلة من السير على الأقدام وفتحوا له حراس البوابة الرئيسية الباب ليدخل بهدوء تام ويتجه نحو الأريكة المتوسطة في آخر الحديقة ثم يلقي بجسده عليها، لتركض التي كانت تقف في شرفتها منتظرة قدومه على أحر من الجمر وبعد لحظات وقفت أمامه ثم انحنت وملست على شعره الغزير مغمغمة في حنو وعتاب رقيق:
_ كرم كنت فين يابني لغاية دلوقتي قلقتني عليك؟
فتح عيناه المرهقة وابتسم لها ببساطة ثم التقط كفها وقبل باطنه في رقة واعتدل جالسًا لتجلس هي بجواره وتهمس في شفقة:
_ مالك ياكرم؟
تطلع إليها بأعين تسبح بها الدموع الموجوعة ثم اقترب وألقى بنفسه بين ذراعيها لينعم بحنانها الذي يزيح عن نفسه شقائها، ويخرج صوته مبحوحًا:
_ تعبان يا أمي تعبان أوي.
هطلت دموعها بغزارة حرقة وألم على عزيزها وفلذة كبدها الذي ينهار رويدًا رويدًا أمامها وهتفت بنبرتها الباكية:
_ ليه بتعمل في نفسك كدا ياحبيبي.. كفاية يابني ابوس إيدك!
وجده يهتف في ابتسامة تحمل كل أصناف الشقاء:
_ الموت مخدش مني غير اللي بحبهم، وبقيت بفكر ياترى الدور على مين تاني، وبتمنى يكون عليا أنا عشان ارتاح.
عنفته بشدة من وسط بكائها الذي اشتد:
_ بعد الشر عليك.. لو حصتلك حاجة هتلاقيني وراك أنا مستحملش أشوف فيك شر إنت وإخواتك، أنا حاسة بيك بس حزنك مش هيفيدهم بحاجة ادعيلهم وبص لحياتك ولنفسك ياحبيبي.
غمغم في مرارة وأسى:
_ سيف سابلي أمانة تقيلة أوي وخايف مكونش قدها واضيع الأمانة، أروى برضوا كانت أمانة وضيعتها ومحافظتش على الأمانة.. في اليوم ده فضلت ترن عليا عشان تقولي إنها طالعة ورايحة فين وأنا مردتش عليها.. ليه؟ عشان كنت في اجتماع.. أنا فضلت الشغل عليها وهي راحت! وراحت بأبشع الطرق وسابت نار جوايا مش هتتطفي غير لما أخد حقها.
_ ربنا يرحمها ياحبيبي، هي في مكان أحسن منينا.
غمغم في صوت يغلبه البكاء:
_ وحشتني أوي يا أمي.
جففت دموعها وحاولت امساكهم حتى لا يسقطوا مجددًا، ثم أخذت تملس على شعره كما كانت تفعل في صغره.. فشعره نقطة ضعفه يهدأ ويسكن تمامًا عندما يلامسه أحد.
مرت دقائق قليلة وهي لا تزال تملس عليه بحنو حتى خرج صوتها مهتمًا:
_ شفق عاملة إيه دلوقتي؟
ابتعد عنها ومسح على وجهه مغمغمًا بأسى وإشفاق على تلك المسكينة:
_ عدى يوم وداخلين في التاني أهو ولسا زي ما هي مبتتكلمش والأكل صحبتها بتخليها تاكله بالعافية دخلت ليها النهاردة حاولت اتكلم معاها وهي كأنها مش عايشة ومش سمعاني ومبصتش عليا حتى.
تنهدت هدى في حزن وشفقة وقالت بقسمات وجه متأثرة:
_ ربنا يصبرها، الصراحة كتر خيرها.. البنت لسا مفقتش من موت أخوها ودلوقتي أمها وهي ملهاش غيرهم، إلا صح ياكرم هي ملهاش عم أو خال أو أي حد؟
_ أمها كانت وحيدة أبوها وأمها وأبوها معاه أخ وفي مشاكل كبيرة أوي بينهم وعايشين برا وحتى لما مات ابن اخوه مهنش عليه ياجي يحضر العزا، ربنا يصلح الحال.. أنا هستني الصبح يطلع وهغير هدومي وهروح أجيبها من المستشفى وأخليها تاجي تقعد هنا معانا مش هقدر أسيبها وحدها في البيت.
ابتسامة خبيثة داخلية انطلقت في نفس هدى، ولكنها أخفتها مم الظهور على شفتيها وقالت بإذعان لرغبتها في جلبها للعيش معهم:
_ أعمل اللي تشوفه صح يابني.
***
داخل شركة عائلة العمايري بعد ساعات ليست بقليلة.
كانت يسر في مكتبها وبيدها كوب الشاي الدافئ الصباحي الخاص بها، وترتشف منه ببطء وهي تقف أمام النافذة تشاهد الداخل والخارج للشركة من نافذتها، فإذا بنظرها يقع على المدعوة بـ "رحمة" وهي تسير صوب الباب مسرعة، لتبتسم بسخرية امتزجت باللؤم وهي تهمس في نظرات شيطانية:
_ أدخلي ادخلي ياعمري.. ده أنا كنت مستنياكي!
ثم وضعت كوب الشاي على المنضدة وهندمت من ملابسها وتنصب جسدها لتقف شامخة ثم اندفعت للخارج متجهة نحو مكتب زوجها، وقبل أن تدخل وقفت تتحدث للسكرتيرة في جدية مغمغمة:
_ ميرنا، البنت اللي اسمها رحمة طالعة لما توصل اديني رنة وخليها تدخل علطول وادخلي وراها وقولي إنها دخلت بالغصب فاهمة.
أومأت لها بإيجاب بابتسامة عذبة، بينما هي فتوجهت نحو الباب وفتحته دون أن تطرق ودخلت لتجده يقف أمام الزجاج الشفاف ويولي ظهره للباب، فأغلقت الباب ببطء واقتربت له بعد أن التقطت حبة عنب من الصحن الموضوع على المنضدة المتوسطة في نصف المكتب، فسمعت صوته المختنق يهتف دون أن يستدير نحوها:
_ كان المفروض امنعك من الشغل مش هتبقى في البيت والشركة.
اقتربت منه وعانقته من الخلف مغمغمة في دلال:
_ اخص عليك ياحسن!! على فكرة إنت بتجرح مشاعري!
قبض على ذراعيها الملتفين حول خصره وازاحهم بهدوء وهو يستدير له هاتفًا في استهزاء:
_ إيه ده هو إنتي عندك دم!! أنا كنت فاكرك عديمة الإحساس.
لفت ذراعيها حول رقبته ورسمت ابتسامة صفراء على شفتيها وهي تجز على أسنانها وتجيبه بغيظ مكتوم:
_ دمك شربات يابيبي!
لف ذراعه حول خصرها وقال في نظرة وقحة وكلمات قاصدًا منها أن يثير غضبها التي تحاول كبحه أمامه:
_ إللي يشوفك وإنتي عمالة تتدلعي كدا عليا ميشوفكيش يوم الفرح لما فضلت تتوسليني عشان ملمسكيش، لو غيرتي رأيك يبقي وفري الدلع ده لما نروح البيت، بس خليكي فاكرة إن مهما تعملي مش هتقدري تغيري نظرتي ليكي.
سمعت رنة هاتفها في جيبها، فتحكمت في أعصابها وابتلعت كلامته المهينة في جوفها حتى لا تفسد خطتها وزادت من اتساع ابتسامتها المزيفة ثم قربت رأسها منه وطبعت قبلة رقيقة على وجنته وهمست بالقرب من أذنه في ثقة تامة:
_ هنشوف!
وكما خططت فتحت رحمة الباب وهي تبتسم باتساع وسعادة غامرة ولكنها تسمرت بأرضها عندما رأته في هذا الوضع مع زوجته التي كان يخبرها بالأمس أنه لا يحبها وسيطلقها! لتتصنع يسر الانتفاضة وتلتفت لها صائحة في غضب مزيف ومكر:
_ إيه ده إنتي ازاي تدخلي كدا؟
نظرت إلى ميرنا الواقفة خلفها واكملت صياحها المزيف بنظرات استطاعت فهمها:
_ إزاي تسمحيلها تدخل.
تصنعت الأخرى الأسف وقالت:
_ أنا آسفة يايسر هانم مقدرتش امنعها.
نظر حسن لميرنا وأشار لها بعيناه أن تنصرف ففعلت على الفور ثم عاد بنظره لرحمة هاتفًا في نفاذ صبر:
_ إيه اللي جابك تاني؟
صاحت رحمة في بكاء وحرقة:
_ إنت مش كلمتني إمبارح بليل وقولتلي إنك سامحتني خلاص وإنك بتحبني و هتطلق مراتك عشان مش بتحبها.. هي دي اللي مش بتحبها!
طالعها بدهشة فهو لم يذكر أنها تحدثت معه أبدًا، أما يسر فقد بدأت تظهر عن مخالبها خاصة أنها تذكر هذه المحادثة جيدًا، عندما عاد للمنزل بالأمس وهو ثملًا وقد سمعته وهو يحدثها بالهاتف ويخبرها بمدى عشقه لها وأن سيطلقها وسيتزوجها تحت عبارة تافهة "لأني بحبك". تبًا لك ولحبك الساذج هذا.. فاقسمت بأن تذيقه من نفس الكأس الذي يجبرها على ابتلاع ما به من جفاء ولكن عندما يحين الوقت المناسب.
هتف وهو يضحك بسخرية:
_ أنا قولتلك كدا!! أنا مش فاكر إني قولت حاجة زي دي أبدًا وحتى لو قولتها فهي أكيد مش حقيقية.
همت بأن تجيب عليه ولكنها وجدت قبضة يسر تقبض بعنف على ذراعها وتسحبها معها للخارج، فلم يحاول أن يمنع زوجته بل تركها لتفعل بها ما تشاء فتلك الساقطة تستحق كل شيء حتى ولو كان لا يزال يضمر لها القليل من العشق في قلبه.
زجت بها يسر داخل المصعد وقالت في نظرات نارية ومتقدة تحمل التهديد:
_ أظن شوفتي وادركتي إنه بيحبني أنا وإني مراته وهفضل لغاية آخر نفس فيه مراته، فإنتي زي الشاطرة كدا هتبعدي عن جوزي وهتبطلي تحومي حواليه وإلا هتشوفي مني حاجة مش هتعجبك، ومتنسيش إنه معرفش غير نص حقيقتك فاحترمي نفسك وابعدي بكرامتك، ده آخر تحذير ليكي يارحمة إنتي متعرفنيش لسا فتجنبي غضبي أحسن.
ثم ضغطت على زر المصعد لكي يعود بها للدور الأرضي وطالعتها شزرًا والباب ينغلق ببطء ثم التفتت وعادت لمكتبها وهي تستشيط من الاستياء والازدراء وتهمس:
_ قال يطلقني، دي نجوم السما أقربلكم!
***
انتهى من ارتداء ملابسه التي هي عبارة عن بنطال أسود وقميص رصاصي اللون ويعلوه سترته السوداء، وقف أمام المرآة وصفف شعره جيدًا ثم وضع مفاتيحه وهاتفه في جيبه وهم بالانصراف.
ولكنه توقف عندما خطرت على ذهنه، من أين أتى قلبه بكل هذه القسوة ليترك المسكينة حبيسة غرفتها منذ ليلة الزفاف؟ مر يوم وليلة واليوم هو اليوم الثاني لهم ولم يراها سوى مرة واحدة وكأن كل منهم يعيش في منزل منفصل وليس الغرف فقط! انتابه القلق والخوف عليها من أن يكون قد أصابها مكروه فهي لم تخرج من غرفتها مطلقًا ولا يسمع لها نفس حتى، هو من اختار أن يستمر زواجهم لشهر كاملًا ويجب عليه أن يحكم بينهم بالعدل ولا يترك جموحه يسيطر عليه، لابد من الاعتناء بها قليلًا حتى لو كانت لا تستحق اعتنائه.
خرج من غرفته وكانت وجهته الأولى نحو المطبخ فتش في الثلاجة عن الطعام الذي أحضره صباح الأمس فوجده كما هو لم يلمس حتى ليتأفف بمفاذ صبر مرددًا "استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه". هذه الحمقاء على الغالب تود أن تموت من عدم الأكل!
تحرك صوب غرفتها وفتح الباب على مصراعيه، لتنتفض هي واقفة مطأطأة رأسها أرضًا من على الأريكة التي كانت تجلس عليها وتضم ساقيها لصدرها متفردة بعنائها وشقائها. شعرت به يقف أمامها مباشرة ويهتف في صوت غاضب:
_ وآخر ما تحبسي نفسك هنا ومتاكليش هيحصل إيه ولا هيتغير إيه يعني!
كانت لا تجرؤ على رفع عيناها والنظر إليه فما كان منها إلا أنها أغمضت عيناها وعضت على شفتها السفلى في مرارة، وتسمعه يكمل في صرامة:
_ مكالتيش حاجة من إمبارح صح؟!
هزت رأسها بالإيجاب وهي تحاول الإمساك على دموعها التي تقيم الحرب عند جفنيها لتنل حريتها وتسقط، ليأتيها سؤاله الثاني في ترقب ولكنه لم يكن يقصد به عدم تناولها للطعام أبدًا:
_ ليه؟
لم تجبه وظلت على حالها تنظر للأرض في صمت وإذا بها تشعر بقبضتيه على ذراعيها ويهزها بقوة هاتفًا في عين تعاني من ألم الخيانة والعشق:
_ بصيلي وردي عليا.. ليه؟.. ليه عملتي فيا كدا أنا عملتلك إيه! ده أنا كنت مستعد أعيشك عيشة الملوك، كنتي شيفاني مغفل للدرجة دي! لدرجة إنك هتدخلي بيتي وتنامي معايا في نفس السرير ومش هحس ولا هشك فيكي، كنت مسيري هعرف بس ربنا أراد إني أعرف قبل ما يفوت الآوان.
انفجرت باكية ورفعت نظرها إليه أخيرًا وهي تهتف بصوت مرتجف:
_ صدقني ما كانت في نيتي إني أخدعك أو أخونك بمجرد إني أقبل أكون على ذمتك وأنا بفكر في راجل غيرك، أنا مش هنكر إني غلطت بس والله العظيم بعد ما كتبنا الكتاب أنا خدت عهد على نفسي إني هعمل المستحيل وهشيله من عقلي وهكون ليك بكل جوارحي، أنا مكسوفة ما أرفع عيني في عينك لإني معترفة بغلطي.
تركها وهدر ضاحكًا بسخرية وجفاء:
_ عارفة أنا كنت بحبك وبحترمك وبعزك بس أتضح إنك متستهليش المشاعر النقية دي، وحتى لو حصل في يوم وسامحتك عمرك ما هتقدري تسترجعي المشاعر دي.
ثم استدار واتجه ناحية الباب مغادرًا وتوقف قبل أن ينصرف هاتفًا في حدة:
_ مش عايز ارجع بليل الاقي الأكل في التلاجة زي ماهو.. كلي مش هتعاقبي نفسك بعدم الأكل!
قال آخر كلماته واندفع مغادرًا المنزل بأكمله لتنهار هي على الأرض باكية بعنف ولا تعرف كيف تتصرف في هذه المعضلة، كيف يمكنها أن تستعيد ثقته بها وتجعله يسامحها! فهي إن لم تمت من عدم الأكل فسيقتلها تأنيب ضميرها وشعورها بفداحة الذنب والخطأ الذي ارتكبته في حق نفسها وحقه، لم تكن تود أن تصل الأمور لهذا المنحني أبدًا! كانت ستعيش معه حياة ستشكلها بنفسها وكانت ستجاهد وتسعى لإزالة هذا العشق المحرم والمدنس من قلبها وتعلنه هو سلطانها الجديد ورئيس قلبها الأبدي لأنها تدرك قيمة الفرصة التي أرسلها الله لها وإن لم تكن تدركها كما يقول فما كان حالها هكذا الآن وهي تشعر بأنها خسرت فرصة ذهبية لن تعوض!
***
انتظر بالخارج لحظات وهو يبتسم براحة بسيطة فقد هدأت نفسه قليلًا عندما أخبرته صديقتها بأنها أخيرًا تحدثت ووضعها النفسي تحسن بعض الشيء. خرجت مي من الغرفة وأشارت له بعيناها أن يدخل لها بعد أن طلب منها أن تخبرها بأنه بالخارج ويريد رؤيتها، ففتح الباب ببطء ودخل بينما مي فذهبت للحمام.
جلب هو مقعد وجلس على مسافة معقولة منها مغمغمًا في ابتسامة رقيقة:
_ عاملة إيه دلوقتي؟
غمغمت في أعين تائهة دون أن تنظر له:
_ الحمدلله كويسة.
ساد الصمت لثوانٍ قليلة قبل أن تهمس في امتنان صادق:
_ شكرًا ياكرم على وقفتك جمبي، أنا مش عارفة هوفيلك حق كل اللي عملته معانا ومعايا أنا بذات إزاي.
تهتف في نظرة دافئة وابتسامة شفتيه الساحرة تزين وجهه:
_ مفيش شكر بين الأخوات ياشفق، ده واجبي!
هزت رأسها بالإيجاب وهي تبتسم بمرارة وألم، يبدو أنها يجب عليها أن تكون نظرتها له أخوية فقط!
غمغمت في خفوت بابتسامة مزيفة:
_ أيوه مفيش شكر فعلًا بس إنت تستحق الشكر.
_ طيب يلا جهزي نفسك عشان هتاجي تقعدي معايا في الفيلا.
نظرت له بذهول تحاول استيعاب ما سمعته أذنيها! فلم تمر دقيقة وهي تقول أنها يجب أن تنظر له كأخ وهو يريدها الآن أن تقيم معهم في منزلهم وتعيش في نفس المنزل معه لتراه دائمًا أمامها في الصباح والمساء.. مستحيل!
همست في صوت ضعيف:
_ لا لا أنا هقعد في بيتنا.
تشدق في جدية تامة:
_ مينفعش ياشفق تقعدي وحدك في البيت.
_ مش هقدر أسيب بيتنا ياكرم بجد.. متقلقش عليا هبقى كويسة إن شاء الله.
قال بنبرة صوت خشنة:
_ متبقيش عنيدة واسمعي الكلام.
تمتمت في بساطة شديدة:
_ مش موضوع عناد والله بس أنا هبقى مرتاحة أكتر لما أقعد في بيتنا صدقني.. ارجوك بلاش تضغط عليا وسيبني على راحتي وأنا لو حصلت أي حاجة اوعدك هتصل بيك والله.
لانت نبرته وقال في لطف وهو يهم بالنهوض:
_ طيب هسيبك على راحتك.. بس برضوا قومي يلا البسي عشان أوصلك البيت وأنا هستناكي برا.
_ حاضر.
قالتها في رقة وهي تقابل لطفه بابتسامة ناعمة على شفتيها الصغيرة وانتظرت انصرافه لتنهض من فراشها وتبدأ في تبديل ملابسها!
***
في المساء.
كان يقود سيارته بسرعة جنونية ولا يطيق الانتظار حتى يصل للمنزل لكي يطبق على حنجرتها ويخنقها ويتخلص منها للأبد، تلك الشيطانة التي دمرت كل شيء بحياته.. فرقت بينه وبين الفتاة التي أحبها وجعلته يضطر للزواج منها، والآن تغلي الدماء في عروقه كلما يتذكر ما روته له رحمة منذ قليل عندما اتصلت به وتوسلته أن يأتي لمنزلها لكي تخبره بشيء مهم يخص زوجته!
"مراتك هي اللي كانت السبب في اللي حصل بينا، دلوقتي بس عرفت إنها هي اللي ورا كل حاجة، أنا متجوزتش برضايا زي ما إنت فاهم أنا كنت مضطرة هددني إني لو متجوزتهوش هيأذي اخويا الصغير واتضح إن يسر هي اللي كانت مخططة لده كله، ودلوقتي لما لقتني بحاول اقرب منك تاني هي اللي هددتني المرة دي بإنها هتأذيني وهتاذي اخويا، دي شيطانة ياحسن صدقني!"
توقفت سيارته أمام المنزل وقاد خطواته الثائرة نحو الباب وفتحه بالمفتاح ليدخل ويغلقه خلفه بعنف صائحًا عليها:
_ يــــــــســــــــر!!!
***
نهاية الفصل
رواية ضروب العشق الفصل العاشر 10 - بقلم ندى محمود توفيق
توقفت سيارته أمام المنزل وقاد خطواته الثائرة نحو الباب، فتحه بالمفتاح ودخل، أغلقه خلفه بعنف وصاح:
"يسر!!!"
كانت تشاهد التلفاز وانتفضت جالسة بفزع على أثر صياحه. وثبت واقفة، وقبل أن تخطو خطوة وجدت يده تغرس أصابعه بعنف في ذراعها وهو يصيح:
"إنتي إيه.. شيطانة! أنا كنت متوقع إنه هيكون ليكي إيد في اللي حصل بيني وبين رحمة، لكن توصل بيكي الحقارة إنك تهدديها بأخوها الصغير اللي ملهوش ذنب وتبعتيلها واحد عشان تتجوزه بالغصب."
أخذت ترمش بعينيها بذهول مما تسمعه منه. سرعان ما انطلقت منها ضحكة أنوثية مرتفعة وهي تشير إلى نفسها بسبابتها:
"أنا هددتها بأخوها؟!"
استمرت بالضحك وهي تراه يشتعل واقفًا من الغضب. وبعد ثانية بالضبط توقفت عن الضحك واكتفت بابتسامة شرسة وهي تهتف:
"أنا فعلًا هددتها، بس هددتها بحاجة هي مش هتقدر تقولها ليك. أنا مصدومة فيك، كنت متوقعاك أذكى من كدا، طلعت طيب لدرجة السذاجة وغبي عشان بكلمتين صدقتها."
"ومصدقهاش ليه؟ ما أنا متوقع منك أي حاجة!"
دفعت يده عنها بعنف وصاحت به بنبرة صوت مرتفعة وقد وصلت لذروة سخطها:
"أنا مش بخاف منك ولو عملت كدا هقولك في وشك، أيوة أنا عملت. لكن دي بنت ****، كلبة فلوس. وبعدين جواز إيه اللي اتغصبت عليه؟ ضحكتني والله. أنا فعلًا أنا اللي بعتلها الراجل ده، وجوزها ده كان معرفة قديمة من أيام الكلية ومن عيلة كبيرة زينا بالظبط. وعشان هي قذرة وبتموت في الفلوس، لما عرض عليها الجواز وقالها هيكتبلها الفيلا اللي هيعيشوا فيها باسمها وهيجيب لها عربية وهيديها أسهم في الشركة بتاعتهم، باعتك فورًا. لازم تبيعك مش الموضوع فيه فلوس وأملاك. هي كانت طمعانة في فلوسنا ولما لقت فرصة أفضل منك باعتك، وإنت بكل غباء قالتلك كلمتين وصدقتهم. تقدر تقولي لو هو هددها فعلًا ليه مجاتش وقالتلك الحقيني يا حسن وده عايز يأذيني أنا وأخويا؟ مقالتش ليك، عارف ليه؟"
توقفت عن الكلام للحظات تعيد لملمة شتات قلبها الممزق والسيطرة على دموعها السابحة في عيونها، ثم عادت تستكمل صياحها به بحرقة:
"عشان هي أصلًا عمرها ما حبتك، وإنت كنت دايب فيها ويمكن مازلت. هي باعتك في أول محطة ولسا بتحبها. ويسر هتفضل وحشة لو قتلت نفسها عشانك. إنت مبتقكرش حتى تحاول تعاملني كويس وكرهك ليا مخليك أعمى.. أعمى عن أي حاجة حلوة بعملها عشانك.. مخليك مش شايف غير عيوبي. وبنسبالك يسر قذرة وحيوانة وبتتكلم عن العشق وهي متعرفش يعني إيه عشق. اللي لسا بتحبها دي تخلت عنك رغم كل اللي عملته عشانها، وأنا رغم كل حاجة لسا متمسكة بيك وحبي ليك بيزيد مش بيقل. رغم معاملتك واهانتك وكلامك اللي مفيش واحدة تستحمله، لسا زي ما أنا بحبك وللأسف مش عارفة أكرهك وأحيانًا بتمنى إني أكرهك بجد. ومش بعيد في يوم من الأيام أكرهك ووقتها هباركلك على الفوز العظيم اللي حققته ده وهقولك إنت اللي انتصرت."
دفعته بعنف من أمامها لتعبر وتتجه نحو غرفتها وتغلق الباب على نفسها مطلقة حرية دموعها تسمح لهم بالانهمار بقوة.
***
مذنبة! هي لا تحتاج لأحد لكي يذكرها بأنها مذنبة، هي تعرف حق المعرفة أنها أخطأت ويجب أن تدفع الثمن أي كان. ولكن ماذا إن اختارت هي الطريقة التي تعاقب بها؟ فهناك عقاب يحتمل وآخر لا يحتمل.
ربما لم يتمكن من اعتلاء عرش قلبها حتى الآن، ولكنه بالتأكيد نجح في تثبيت وسامه في مكان ما بداخلها. ولا يفشل في أن يزيد كل يوم مكانة وشأن في نظرها. لا يفشل في كل مرة أن يجعلها تصمم على عدم خسارته حتى لو كانت تعرف أنها ستعاني قليلاً معه. ولكنها على اعتقاد تام بأن سيأتي يوم وستعلن عهد السلطان الجديد على مملكتها الخاصة، ولا سيما في أنها ستحارب من أجل الوصول لهذا اليوم. هي مازالت لا تعشقه، ولكنها أيضًا لا تكرهه، بل تكن له كامل الود والاحترام.
هو لديه الحق فيما قاله صباحًا، إضرابها عن الطعام لن يجدي بأي نفع عليها، لن تستفيد شيء عندما تسجن نفسها بين أربعة حوائط وتزج بنفسها بين طيات الحزن. بل يجب عليها أن تتصرف كالنساء وتحمي عشها من الانهيار حتى ولو كان هذا العش تم بنائه على الكذب والخداع، فهي بإمكانها أن تعيد بنائه بالثقة والعشق والرحمة والرفق. بإمكانها أن تحول العش لقصر منيع لا تهدمه حتى أقوى الرياح المدمرة، وسيكون ثابتًا كالجبال في وجه كل الظروف. ولكنها تحتاج لمزيد من الشجاعة والثقة بالنفس حتى تتمكن من النجاح وإصلاح ما أفسدته. ولتثبت له أنها لا تريد ذلك العشق الذي كان يحتلها وتريده هو. أجل، كان! الآن هي تشعر بنفسها طائر حر طليق وتركوه حرًا، ولكن تركوه بيده الأغلال. أي أنها لا زالت تحمل آثار الماضي وذلك العشق، ولكنها ستلوذ للشخص المناسب وسيفك عنها هذه الأغلال التي باتت تخنقها.
الآن هي يجب عليها أن تعمل بنصيحة صديقتها وتحاول التقرب منه.
نهضت من فراشها واتجهت للحمام لتأخذ حمامًا دافئًا، ثم خرجت وارتدت ملابس منزلية جميلة ورقيقة وصففت شعرها جيدًا، ثم تركته حرًا وغادرت غرفتها متجهة نحو المطبخ. قامت بتحضير عشاء قيم يكفي لفردين. وبعد دقائق طويلة انتهت وقادت خطواتها المترددة نحو غرفته. وقفت أمام الباب للحظات تفرك كفيها بتوتر تحاول استجماع شجاعتها للتحدث إليه. أخذت شهيقًا وأخرجته زفيرًا متمهلًا ببطء لثلاث مرات حتى حسمت أمرها وطرقت الباب منتظرة منه الرد، ولكنه لا يجيب. فعادت تطرق مجددًا ولا يأتيها صوته أيضًا. فقبضت على مقبض الباب تديره ببطء وتفتح الباب بحذر شديد لتنظر بنصف وجهها من الباب. فتجده راكعًا على سجادة الصلاة يقضي فرضه. فابتلعت ريقها بارتباك وفتحت الباب جيدًا ثم أهلت منه ووقفت بجانبه تنتظر انتهاءه. وبعد لحظات قليلة انتهى ونظر لها بريبة مغمغمًا:
"في إيه؟"
تلعثمت ولفت ذراعيها خلف ظهرها لتعيد فرك كفيها بتوتر هامسة:
"أنا حضرت العشا."
هب واقفًا والتقط المصلاة من على الأرض ويجيبها ببرود وهو يطويها:
"بالهنا والشفا."
اقتربت نحوه في خطى متعثرة ووقفت خلفه تهدر برقة وأعين راجية:
"تعالى اتعشى معايا، أنا مش بحب آكل لوحدي.. ممكن؟"
ألقى بالمصلاة على الفراش ثم التفت بجسده كاملًا وهتف في حزم وامتعاض:
"لا مش ممكن."
ثم هم بأن يعبر من جانبها لينصرف، فاعترضت طريقه ووقفت أمامه مباشرة تطالعه بنظرات استعطاف وتهمس في توسل:
"متكسفنيش.. أرجوك."
ساد الصمت بينهم للثواني حتى وجدته يقول في خشونة دون أن يتخلى عن وجوم وجهه:
"طيب روحي وهاجي وراكي."
ارتفعت الابتسامة لشفتيها وأومأت فورًا في موافقة وانصرفت متجهة لطاولة الطعام المتوسطة. تجلس على أحد مقاعدها بانتظار قدومه دون أن تمد يدها في أي صحن. وإذا بها تجده يقترب ويسحب المقعد الذي في مقدمة الطاولة ويجلس ثم يبدأ في تناول الطعام وهي تنظر له بحزن تحاول جمع بعض الكلمات لتقولها. وأخيرًا تحدثت بأسف وهي مجفلة نظرها أرضًا:
"أنا.. غلطانة وأنا مش بلومك على أي حاجة قولتها وعملتها أو هتعملها وهتقولها، لإنك عندك حق. أنا مكنتش قد الثقة وخنتها. أنا كنت بتكلم دايمًا وبقول إن مفيش علاقة بتكمل لو مفيهاش ثقة والعشق بنسبالي ثقة، وأنا خنت نفسي قبل ما أخون ثقتك فيا. أنا مش هطلب منك تسامحني لإني عارفة إنه صعب بل شبه مستحيل دلوقتي، بس كل اللي هطلبه منك إنك تديني فرصة تانية أثبتلك إني ندمانة على اللي عملته وإني عايزاك إنت."
ترك المعلقة من يده وهو يضحك بسخرية ويهتف في نظرة مشتعلة:
"آااه اللي هو أنا بحب راجل غيرك بس عايزاك إنت!! أنا اديتك فرصة وإنت ضيعتيها وأهدرتيها من غير ما تدركي قيمتها وللأسف أنا مش بدي غير فرصة واحدة ومعنديش فرص تاني."
قالت في صوت مبحوح وأعين دامعة:
"مش عايزة أحبه، أنا بكرهه ومبقتش بطيق أشوف وشه أصلًا، يعني اعتبرني خلاص مبقتش أحبه. أنا عايزة أكمل حياتي معاك إنت يا زين."
أخذ نفسًا عميقًا وغمغم في قسوة:
"إنتي لسا قايلة إن مفيش علاقة مفيهاش ثقة بتستمر، وأنا مبقتش أثق فيكي ومش قادر أصدقك، فمتحاوليش في حاجة أساسًا انتهت بنسبالي."
سقطت دمعة متمردة من عينيها، فاسرعت ومسحتها بأناملها ثم هبت واقفة وقالت بصوت يغلبه البكاء:
"بالعكس دي لسا هتبدأ وأنا مش هأيس ومش هرتاح غير لما أخليك تسامحني."
ثم ابتعدت وقادت خطواتها السريعة نحو غرفتها. فالتفت برأسه ناحية باب الغرفة الذي أغلقته خلفها وتنهد باختناق، ثم عاد ينظر للطعام الذي أمامه بدون شهية وهب هو الآخر واقفًا ينقل الصحون للمطبخ ويضعها بالثلاجة، ثم توجه بدوره لغرفته.
***
كانت تسير في الشارع عائدة من الكلية في صباح شمسه دافئة تبعث الدفء والراحة في الجسد مع رياح الشتاء الباردة. تضم كتابًا ضخمًا إلى صدرها بذراعها اليسرى وعلى الذراع الأخرى حقيبة يدها المتوسطة. وبينما هي في طريقها تسير مباشرة دون أن تتلفت حولها، استمعت إلى من ينادي عليها كأنها قطة (بالبسبسة!). فالقت نظرة بطرف عينيها لتجدها سيارة، ولكنها لم تر وجه من يقودها. فظنت أنه شاب منحرف من الشباب الذين يغازلون الفتيات في الشوارع لتسرع في سيرها حتى تتفاداه، ولكنها توقفت حين سمعته يهتف باغتياظ:
"بت يا رفيف!!"
قطبت حاجبيها واحست بأن الصوت مألوف عليها. وفورًا التفتت تنظر له، وإذا بها تصدر تأففًا قوي:
"والله وقعت قلبي في رجليا يا أخي، حرام عليك."
ابتسم ثم مد يده وفتح باب السيارة هاتفًا:
"ارركبي يا أختي."
استقلت بجواره وأغلقت الباب لينطلق هو بالسيارة ويهتف مستنكرًا:
"عرفتيني أول ما قلت يابت.. صحيح مبتجيش غير بالتهزيق!"
أمسكت بالكتاب الذي في يدها ورفعته في وجهه قائلة في تحذير باغتياظ:
"علاء اتلم بدل ما تلاقي الكتاب ده نازل على دماغك وأخليك تدخل في غيبوبة."
كان عين على الطريق وعين على الكتاب الذي بيدها وهو يضحك مغمغمًا:
"ده يفتح راسي مش يدخلني في غيبوبة، أعوذ بالله بيتذاكر إزاي ده!!"
أشاحت بوجهها للجهة الأخرى تخفي ابتسامتها، ثم عادت له وقالت في استهزاء:
"طبعًا هتعرف بيتذاكر إزاي، ما تلاقيك مكنتش بتفتح كتاب في الكلية."
"طب وليه الإحراج ده يا بنت عمي بس!!"
أطلقت ضحكة بسيطة لتجده يكمل في جدية بخفوت:
"عاملة إيه إنتي؟"
"الحمد لله كويسة. لقيت شغل وحاولت أقنع ماما وزين بس رافضين."
هتف في صوت رجولي قوي:
"شغل إيه دلوقتي بس يا رفيف، مش لما تخلصي كليتك الأول على الأقل."
اعتدلت في جلستها وهتفت محاولة إقناعه:
"أنا زهقت من قعدة البيت يا علاء وخلاص، أنا فاضلي ترم وأخلص وهاخد الشهادة وهشتغل بيها. وماما كل اللي عليها تشتغلي ليه وفين. وزين إنت عارفه دماغه قفل مفيش شغل.. طيب السبب؟ من غير سبب طالما إنتي مش محتاجة للشغل يبقى ملوش لازمة. ده حتى كرم بيقولي لأ.. وحسن اللي بينصفني في كل حاجة يقولي الدنيا مش أمان وإنتي لسا صغيرة!! يعني هو عندي أنا لأ وعندي مراته تشتغل عادي."
أطلق ضحكة قوية وأجابها ببساطة:
"يسر بتشتغل ليها خمس سنين في الشركة معانا، وبعدين دي قدام عينينا يعني مع أبوها ومعايا."
"وأنا كمان عايزة اشتغل في الشركة، ولا عشان يسر محدش بيقدر عليها وبتفرض كلمتها عليكم مش بتقدروا ترفضوا ليها طلب."
قالتها وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها باحتجاج ليجيبها ضاحكًا برزانة:
"خلاص هكلم بابا وأقوله أخليه يقنع زين وإخواتك وتشرفي معانا في الشركة."
أشرق وجهها بابتسامة عريضة وأردفت بسعادة:
"بجد يا علاء هتقول لعمي؟!"
رمقها بطرف عينه غامزًا بابتسامة وهو يهتف:
"اممممم وهو إحنا عندنا كام رفيف في العيلة؟"
رجعت بظهرها على المقعد وهي تقول بتحمس:
"مع إني مش حابة الشركة بس يلا أهو أمري لله، هبدأ منها."
ألقى نظرة عليها مبتسمًا ثم عاد بنظره للطريق يقود السيارة متجهًا إلى منزل عمه. بينما هي فأخرجت هاتفها وأخذت تعبث به تارة وتارة تتابع الطريق في صمت.
***
جاثية أمام قبر والدتها تتلمس بيدها التراب المدفون أسفله ودموعها لا تتوقف للحظة عن البكاء. تذرف الدموع كأنها دماء من شدة ألمها وحزنها. بقيت بلا أب ولا أم ولا أخ. لم يعد هناك شيء يدعى أهل. ستحرم من الدفء والحنان والعناية والسعادة وكل شيء. ستكون حبيسة شجونها وآلامها إلى الأبد، وستظل تعاني ألم الفراق حتى تخرج روحها وتذهب لهم.
كان الحارس الخاص بها يقف على مسافة بعيدة قليلًا عنها ليترك لها حريتها في إفراغ ما يخنق نفسها. فشعر بيد توضع على كتفه ليلتفت ويجده كرم. فيبتسم في هدوء ويبادله هو الابتسامة مربتًا على كتفه يسمح له بالذهاب. فأومأ له بالموافقة واستدار وسار مبتعدًا مغادرًا المكان بأكمله. أما هو فحمل دلو الماء الصغير واقترب ناحيتها ثم وقف خلفها بمسافة قصيرة واسنده على الأرض ورفع كفيه لأعلى يبدأ في قراءة سورة الفاتحة بصوت منخفض. ثم حمله مجددًا واتجه به نحو زرعة الصبار الصغيرة بجانب قبرها وقام بسقيها بالماء. لتنتبه هي له وتنتفض واقفة لتنفض عن ملابسها السوداء الأتربة هاتفة باستعجاب:
"عرفت إزاي إني هنا؟"
وضع الدلو على الأرض بعد أن فرغ من الماء وغمغم في خفوت جميل:
"مسعد اتصل بيا وقالي، وحتى لو مكنش قالي أنا باجي كل يوم هنا بزور سيف وأروى."
نسيت أن ذلك الحارس لا يتأخر في إخباره بأي مكان تذهب له، ولكن لم تعد تهتم. فليخبره كما يشاء وليؤدي مهمته على أكمل وجه، فبؤسها الآن أشد من أن تنشغل بأمره.
لاحت ابتسامة شبه خفية على شفتيها وعادت تحدق بقبر والدتها تدعو لها في صوت لا يسمع بأدعية خاصة بالمتوفي ودموعها تسقط من حفنتيها في صمت. ولتمر دقائق قصيرة وكل منهم يستخدم طريقة مختلفة في الدعاء. وعندما وجدت نفسها ستنهار في البكاء أمامه ففضلت الرحيل وطلبت منه أن يذهبوا. فلم يبدي أي اعتراض ورافقها حتى وصلوا لسيارته واستقلت بالمقعد المجاور له.
خرج همسها بعد دقيقتين وهي مستندة برأسها على زجاج السيارة وعيناها معلقة على الطريق:
"قبل ما تتوفي بيومين كان بتكتبلي على الورقة دايمًا وتقولي أنا حاسة إني هروح لسيف قريب أوي وأنا كنت بضايق منها وبقولها وهتسبيني إنتي كمان زيه أنا مليش غيركم وهفضل لوحدي.. وأهي سابتني وبقيت لوحدي مليش حد. حتى عمي ميعرفش إنها ماتت أساسًا ولو عرف مش هيسأل فيا. مفضليش في الدنيا دي ناس غيرك."
آخر كلمة نطقت بها جعلته ينظر لها باستغراب بسيط، ولكنه لم يعرف بماذا يجيب عليها. فأطال النظر إليها لثواني يحاول إيجاد الكلمات ولكنها لا تأتي. وحين وجدها ستلتفت برأسها ناحيته فأشاح بنظره فورًا وثبته على الطريق. لتبتسم هي بخفة رغم الكآبة المهيمنة عليها عندما فهمت أثر كلمتها الأخيرة على نفسه الخجولة وفهمت اضطرابه وعدم إيجاد الكلمات المناسبة. نفسه الخجولة التي لا تزال حتى الآن تستعجب منها ولا يستوعب عقلها أن هناك رجل يخجل من النساء هكذا. فقررت إصلاح ما تفوهت به وغمغمت في رزانة:
"أقصد إني مبقليش حد غيرك إنت وطنط هدى ورفيف، يعني مفاضليش غيركم."
أتاها صوته أخيرًا وهو يبتسم بساحرية متمتمًا:
"فاهم يا شفق ومتقلقيش، هفضل دايمًا معاكي وجمبك لغاية ما أسلمك بإيدي لعريسك اللي يصونك عشان ساعتها أبقى مطمئن عليكي وأكون وفيت بوعدي لأخوكي. واحنا بقينا أهلك خلاص وإنتي بقيتي واحدة مننا، فمش عاوز أسمعك بتقولي تاني إنك لوحدك وملكيش حد."
عادت تنظر للطريق وهي توميء له بتفهم وإيجاب. لتجده يهتف بدفء بعد لحظات من الصمت بينهم:
"أنا عازمك على الفطار النهاردة، أعتقد معندكيش مانع."
هدرت في رفض رقيق وصوت ناعم:
"مليش نفس والله يا كرم للأكل نهائي."
هتف ببساطة متجاهلًا رفضها الهامشي بالنسبة له:
"تمام يبقى موافقة.. على العموم، إحنا خلاص قربنا نوصل للمطعم أهو!"
حدقت به لثلاث ثوانٍ بالضبط ثم أشاحت بنظرها وهي تهز رأسها متنهدة بابتسامة مغلوبة على أمرها. فلم يترك لها حق الاختيار وأصبح حتى تناول الطعام بالإجبار، مثل الحارس وغيره.
***
نزع حذائه بجانب الباب ثم اتجه صوب غرفته وقام بتبديل ملابسه. ألقى نظرة على ساعة الحائط يتفقد الساعة ليجدها الثالثة عصرًا، فيتنهد بإرهاق ويقترب من الفراش يلقي بجسده عليه سامحًا لعينيه بالانغلاق حتى ترتاح قليلًا من مشقة العمل منذ الصباح الباكر. ولكن صوت ارتطام إحدى الأدوات المعدنية الخاصة بالمطبخ على الأرض والذي أصدر صوت مفزع جعلته يثب جالسًا بزعر بعد أن كانت عيناه ستنصاع خلف رغبتها في الراحة وتشوقها للنوم.
مسح على وجهه متأففًا ثم هب واقفًا وغادر متجهًا إلى المطبخ. ثم وقف مستندًا على باب المطبخ بكتفه عاقدًا ذراعيه أمام صدره يتابعها وهي توليه ظهرها ومركزة كامل انتباهها على الطعام التي تقوم بتحضيره. بينما هو فكان انتباهه على شيء آخر يتفحص ملابسها بتمعن ووقاحة، حيث ترتدي ثوبًا منزليًا قصيرًا يصل لركبتيها ضيق بعض الشيء وتثبت شعرها لأعلى بمشبك الشعر وينسدل بعض منه على وجنتيها من الجانبين. رغم نقمه وبغضه لهذه الشيطانة إلا أنه لا يمكنه إنكار أن لديها جسدًا وانحناءات تذهب العقل بلحظة واحدة! كان يتابع حركاتها العفوية بجمود ظاهري، تارة ترفع مشط قدمها لتلتقط شيئًا في الأعلى وتارة تنحني لتلتقط شيئًا آخر في الجزء السفلي من المطبخ. إلى أن وجدها التفتت بجسدها تلقائيًا ناحيته غير منتبهة لوجوده. وبمجرد ما وقع نظرها عليه انتفضت واقفة وسقط الصحن من يدها فتكسر وتناثر لجزئيات صغيرة متفرقة على الأرض. فانحنت للأسفل فورًا وبدأت تلم في جزئياته وجرحت أصابعها عن غير قصد. فامسكت بالصابع المجروح تضغط عليه حتى لا يذرف الدم. ثم رفعت نظرها لتجده كما هو ينظر بجمود وثبات مما استفزها بشدة فصاحت به مغتاظة:
"واقف كدا ليه؟!"
لم ينطق ببنت شفة فقط ألقى عليها نظرة مريبة ثم استدار وانصرف غير مكترثًا لجرح أصابعها الذي هو سببه. أما هي فانشغلت بتنظيف الأرضية من الزجاج ثم قامت بوضع لاصق طبي على صابعها المجروح. وبعد دقائق بدأت في وضع الصحون على طاولة الطعام في الصالون وجلست على مقعدها تبدأ في الأكل دون انتظاره. وبعد لحظات رأته ينضم لها ويجلس في مقابلتها على أحد المقاعد. فلم تعره اهتمام وركزت على طعامها. فنظر هو لها مختنقًا، مجرد جلوسها معه على نفس الطاولة لا يتحمله. ولن يستطيع تحملها، سينهي هذا الزواج في أقرب فرصة. باتت نفسه تضيق كلما يعود ويجدها بمنزله. أخفض نظره للصحون الممتلئة بالطعام المتنوع ثم التقطت ملعقة وبدأ بتناول أول لقمة من الصحن الذي أمامه. فتصنع التقزز من مذاقه والقى بالملعقة جانبًا هاتفًا في قسوة وغلظة:
"لو مبتعرفيش تعملي أكل قولي بدل ما إنتي بتأكليني حاجة ملهاش طعم.. إيه القرف ده!!"
ثم امسك بالصحن وسكبه في سلة القمامة الصغيرة بجانبه وهب واقفًا عائدًا لغرفته تاركًا إياها معلقة نظرها على سلة القمامة. ثم التقطت قطعة خيار وألقتها بفمها وهي تهمس محاولة تمالك أعصابها:
"خليكي relax يا يسر، أساسًا ده مستفز وميستاهلش تعصبي نفسك عشانه.. قال قرف!!"
***
تقلب في ألبوم صورهما. كان يجمع الألبوم ما بين صور عقد القران وبين الخطوبة وأخيرًا الزفاف. توقفت عند صورة ليوم زفافهم ودققت النظر بملامح وجهه كيف كان يبتسم بسعادة ودفء. وهي بكل سهولة قضت على فرحته سرقت ابتسامته، وشوهت أجمل شيء في العلاقات وهو الثقة. فقدت ثقته بها وهذا يعني أن ليس هناك أمل في زواجهم ما لم تستعيد ثقته.
كانت لا تريد هذا الزواج وربما لم تكن تريده هو أيضًا، ولكن الآن هي أكثر من يريده. وشعورها بنمو مشاعر الود والاحترام والتقدير والحب له وتزايدهم عن الطبيعي في كل ساعة تعيشها معه في المنزل حتى ولو كانوا لا يتحدثون وكل منهم منعزل عن الآخر إلا أن هذه المشاعر تسعدها وترضي ضميرها الذي يعذبها بأنها لا ينبغي عليها أن تستمر في هذه العلاقة وهي لا تحبه. فتخبره بكل وضوح أنها بدأت تخطو أولى خطوات العشق وهي الآن في أولى درجات السلم وبالتأكيد بعد وقت قصير ستصل للقمة وستكون انتصرت على نفسها المتمردة.
سمعته يتحدث في الهاتف بالخارج فنهضت من على الفراش ووقفت وراء الباب تحاول سماع حديثه وتسمعه يتحدث مع والدته عبر الهاتف ويسألها عن اسم دواء يسكن آلام الرأس التي تداهمه بسبب مشقة العمل. فتستغرق هي لحظات بسيطة تفكر في شيء وتتردد في فعله ولكنها حسمت أمرها واتجهت ناحية خزانتها وأخرجت شريط أقراص مسكن لآلام الرأس تستخدمه دومًا عندما يصيبها الصداع الشديد. وانتظرت لدقائق قصيرة حتى ينهي حديثه مع والدته ثم خرجت وذهبت للمطبخ تملأ كوب ماء بارد وسارت باتجاهه في الخارج وجلست بجواره على الأريكة تمد يد تحمل كوب الماء واليد الأخرى بها شريط الأقراص متمتمة في لطف وابتسامة عذبة:
"اشرب ده مفعوله حلو جدًا، أنا باخد منه دايمًا لما أكون مصدعة."
أطال النظر إليها في صمت ونظرات ثاقبة كالصقر. ثم التقطه من يدها وأخرج قرصًا وألقاه في فمه ثم شرب الماء كله عليه. فهو لا يطيق ألم الرأس ويريد أي شيء لكي ينهيه. أما هي فابتسمت له بدفء واقتربت منه تمد كفيها لرأسه حتى تقوم له بمساج بسيط لعله يخفف من ألم رأسه وهتفت في رقة تأخذ منه الإذن:
"تسمحلي؟"
لم تجد إجابة منه بالرفض. فقط كان يحدق بها كالمغيب. فهو يعاني ألم الخيانة والعشق. يحبها ولا يتمكن من مسامحتها وربما لن يتمكن. فما فعلته خطأ لا يغفر بالنسبة له. وبرأيه أنها حتى الفرصة الثانية التي تريدها لا تستحقها. فمن أهدر الأولى بسبب إهماله وعدم وعيه لأهميتها بإمكانه أن يهدر الثانية أيضًا إن مُنحت له. ولذلك هي لا تستحقها أبدًا ولن يسمح لها بأن تستحوذ عليه أكثر من ذلك.
لمسة يديها الناعمة على وجهه هيجت عواصفه ورغباته الذي يحاول كبحها عنها منذ أن عرف بالحقيقة. لوهلة ود بمعانقتها وتقبيلها، ولكنه ذكر نفسه بما فعلته حتى لا يدع قلبه يرق ويلين لها مطلقًا. فازاح يديها عنها وقال منذرًا بجفاء:
"آخر مرة هقولها ليكي يا ملاذ ابعدي عني نهائي. أنا مش عايز أتعصب عليكي يا بنت الناس وأخليكي تكرهيني."
ثم هب واقفًا واتجه لغرفته. فلوت فمها بيأس وحزن وهبت هي الأخرى متجهة خلفه وفتحت الباب دون أن تطرق ثم أغلقته خلفها واقتربت لتجلس بجواره على الفراش مغمغمة في خفوت بائس:
"لما ماما قالتلي إنك اتقدمتلي أنا مكنتش أعرفك ولا حتى شفت صورتك فرفضت ومكنتش عايزك. واللي خلاني أوافق إني كنت عايزة أنتقم من أحمد. ولما شفتك في الرؤية الشرعية حسيت بحاجة غريبة، بس إحساسي في إني مش عايزك كان لسا موجود. ولغاية يوم الخطوبة لما كنا بنتكلم وقولتلي إنك حابب نبدأ حياتنا صح ومن غير ذنوب عشان ربنا يبارك لنا فيها، أنا مقدرتش أستحمل وقمت روحت الحمام لو فاكر وعيطت ودخلت صحبتي عليا وقولتلها إني مش هقدر أكمل ومش هقدر أكون ليك الزوجة اللي عايزها وقولتلها مش هقدر أخدعك وأخونك. قالتلي ادي لنفسك فرصة وطلعي أحمد من قلبك يمكن تحبي خطيبك. المهم أنا هديت وقررت إني هكمل بس لو لقيت مفيش أي أمل إني أكمل معاك هفسخ الخطوبة فورًا. وفي خلال شهر الخطوبة حسيت إنك بني آدم كويس أوي وإني لو اتعرفت عليك أكتر أكيد هحبك. فكملت وكتبنا كتب الكتاب وفي اللحظة اللي قال فيها المأذون بارك الله لكم وبارك عليكم، أنا خدت عهد على نفسي إني هعمل المستحيل وهشيل أحمد من قلبي وهكون ليك. ولما أخدتني الشركة هناك أدركت إنك فرصة متتعوضش ولو ضيعتها أبقى غبية وإنك هدية ربنا بعتهالي عشان يعوضني. وخلال الأيام اللي كانت قبل فرحنا كنت كل ما بكلمك أو بشوفك كنت بزداد تمسك بيك وبزداد إصرار في إني هعمل المستحيل وهحافظ على جوازنا وعلى الرابط اللي بينا لإنك إنسان يتحب يا زين. ويوم الفرح أنا غلطت مكنش ينفع أطلعله بس كنت شايلة أوي في نفسي وكان نفسي جدًا أقوله الكلمتين اللي قولتهم. وللأسف مش هعرف أبرر اللي قولته وقتها لإن أنا غلطانة جدًا كمان ومكنش المفروض أقول كدا. آخر الكلام اللي عايزة أقوله ليك من بين كل الكلام ده أنا اتجوزتك بكامل إرادتي ومكنتش مغصوبة أو مضايقة. ولو كنت مضايقة فده بسبب إني مكنتش قادرة أشيل أحمد من عقلي ومش عارفة أحبك وأكون ليك بكل جوارحي وأكون الزوجة اللي بتتمناها. وعمري ما كرهتك أو حسيت نفسي في مرة مش طيقاك، بالعكس أنا دايمًا كنت بكن ليك الحب والاحترام والود وكنت برتاح جدًا معاك ومازلت وهفضل كدا."
أتاها صوته الخافت وهو يقول بأسف:
"كل اللي قولتيه مش مبرر لكدبك عليا يا ملاذ وخداعك ليا. للأسف أنا مش بعرف أسامح بسهولة ومش هقدر أكمل معاكي حتى لو إنتي عايزة تكملي. قولتها ليكي امبارح وهقولها تاني أنا مبقتش بثق فيكي ومش هقدر أعيش مع واحدة وأقبل تكون أم لأولادي وأنا مش واثق فيها. واحدة خدعتني وقبلت على نفسها تتجوزني وهي بتحب راجل غيري. وعشان كدا أسلم حل لوضعنا ده الطلاق. ومش عايزك تحبيني ولا تكرهيني ولا أنا عايز أحبك. عايزك بس تبعدي عني لغاية ما الشهر ده يخلص."
غمضت عيناها بالعبرات. فيبدو أن طريقها سيكون صعبًا ومليئًا بالعوائق ولن تتمكن من نيل مسامحته بسهولة كما توقعت. ولكن طالما مازالت زوجته لن تيأس وستستخدم جميع الطرق معه حتى تصل لمبتغاها. هبت واقفة واسرعت مغادرة الغرفة قبل أن تنهار بالبكاء أمامه تاركة إياه معلق نظره على آثارها بألم.
***
في تمام الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل.
كانت شفق على فراشها مستغرقة في النوم وضوء الغرفة مغلق وكذلك الباب. وفجأة وثبت جالسة بفزع من نومها عندما صك سمعها صوت ارتطام شيء قوي بالخارج. فابتلعت ريقها برعب جلي ونهضت من الفراش ببطء شديد ثم تحركت نحو الباب بقدم مرتجفة وفتحته بحذر حريصة على عدم إصدار أي صوت. ففتحت جزء صغير منه وأخرجت رأسها تتلفت يمينًا يسارًا لتطمئن من عدم وجود أحد. فتجمدت الدماء في عروقها وشعرت بأن نفسها انقطع من الخوف حين رأت ذلك الوغد من ظهره الذي لا يكف من ملاحقتها وأذيتها. وتلقائيًا دخلت فورًا غرفتها مجددًا وأخذت تتلفت حولها بزعر ويداها ترتجف من الارتعاد. كيف دخل وهي تحكم إغلاق باب المنزل جيدًا! "يا الله ماذا أفعل أين أختبئ منه حتى أنجو بنفسي؟" استمرت في الالتفات حول نفسها وهي تمسك برأسها وتحاول تمالك نفسها من الانهيار. ليس بغرفتها أي شيء تستطيع حتى حماية نفسها به. وقع نظرها على الفراش فهرولت واختبأت أسفله وقد بدأت دموعها في الانهمار بشدة في صمت. إن وجدها بالتأكيد سيؤذيها وسيُحاول الاعتداء عليها. خرجت من تحت الفراش والتقطت هاتفها ثم عادت مجددًا تختبئ وجعلت تبحث عن رقمه في قائمة الأسماء بيد مرتعشة حتى وجدته ووضعت الهاتف على أذنها تنتظر رده وهي تهمس برجاء وبكاء:
"رد أبوس إيدك يا كرم."