الفصل 25 | من 45 فصل

رواية ضروب العشق الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ندى محمود توفيق

المشاهدات
22
كلمة
5,101
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 56%
حجم الخط: 18

وفي ظرف لحظة واحدة تحول علاء من الهدوء إلى الجنون، حيث اظلمت عيناه وأصبح لونهما مريبًا، لتسمعه أمه يهتف بعدم استيعاب امتزج بشيء من السخرية: "مش موجودة! أمال راحت فين؟ "معرفش أنا دخلت عليها الأوضة ملقتهاش وفضلت أدور عليها في البيت وبرضوا مش قاعدة." استنشق الهواء محاولًا السيطرة على جموحه، ثم دخل وأخرج هاتفه يجري اتصالًا بها ولكن دون إجابة. وهنا فقد زمام انفعاله حيث صاح بعصبية:

"أنا نبهت عليها إن خروج مفيش، بس شكلها مصممة تطلع أسوأ ما فيا. ماشي يا ميار أما أوريكِ عقاب كسر كلامي مبقاش أنا علاء." اقتربت منه أمه ترتب على كتفه بلطف لتهدأ قليلًا من سخطه وتهمس بنبرة قلقة: "اهدى يا حبيبي وخلينا نشوف راحت فين لما ترجع. متستاهلش تعصب نفسك عشانها." مسح على وجهه وهو يترنح من شدة الانفعال ويتوعد لها بعقاب لم تشهده طوال حياتها. ***

كان زين يجلس في شرفة الغرفة وبيده كوب الشاي الصباحي الخاص به، يتطلع إلى منظر البحر أمامه والنسمات الباردة تلفحه مع أشعة الشمس الدافئة تمنحه المزيد من الدفء والاستمتاع. ولكنه شعر بها تستند بيدها على كتفه وتنحني إلى أذنه هامسة بعبث: "زين هو أنا جيت معاك هنا ليه؟ التفت برأسه لها وطالعها بشيء من الدهشة قائلًا بعدم فهم: "مش فاهم قصدك إيه؟ قبضت على يده وأنهضته، ثم جذبته للداخل وأغلقت باب الشرفة قائلة بعبوس وخنق:

"أنا جهزت لك هدومك وأنا هدخل الحمام ألبس عشان نخرج وتفسحني. أنا زهقت وعايزة أخرج." "دي أوامر يعني؟ أومأت له برأسها في احتجاج، فهتف هو باسمًا بلؤم: "طيب ولو قلت لأ! تنفست الصعداء بنفاد صبر، ولكنها تصرفت بذكاء أنثوي حيث لمعت عيناها بوميض ماكر واقتربت منه تلف ذراعيها حول رقبته. وجاهدت بصعوبة حتى تقوم بحركتها القادمة دون أن يهيمن عليها خجلها، حيث اقتربت بوجهها منه وطبعت قبلة رقيقة وسريعة على وجنته هامسة بدلال:

"هقولك عشان خاطر ملاذك! تجمدت ملامح وجهه وجعل يحدقها بسكون تام تبدو عليه معالم الدهشة من ردها غير المتوقع. دلالها وقبلتها ونبرتها بعثرته لأشلاء، ولوهلة أحس بنفسه سيكرر ما فعله بالأمس بل وأكثر. ازدرد ريقه وحاول الفرار بسرعة من أفكاره ومن اقترابها الحميمي، فابعدها عنه برفق مغمغمًا بحزم مزيف يضمر خلفه تبعثره: "طيب روحي البسي يلا."

تراجعت للخلف ثم استدارت واتجهت نحو الحمام وهي تضحك بصوت مكتوم. وبعد دقائق ليست بطويلة خرجت وهي ترتدي ملابسها الفضفاضة كعادتها، وكان هو قد انتهى ويجلس بانتظارها ولكنه كان شارد الذهن يحلق في السقف بتفكير. فتسللت له وجلست بجواره ثم نكزته بكتفها في كتفه هامسة بابتسامة عريضة: "ششش سرحان في إيه؟ انتبه لها وقال بالنفي في نبرة عادية: "لا ولا حاجة.. خلصتي؟ "اممممم." "طيب حابة تروحي فين؟ رفعت كتفيها لأعلى بجهل وقالت في رقة:

"أنا معرفش حاجة هنا فوديني إنت أي مكان على ذوقك.. إنت عارف أنا نفسي في إيه بس الحقيقة أخاف ما أقولك." طالعها بأعين متسائلة وبحيرة، لتستكمل هي في تردد ونظرات بها بعض الخوف من ردة فعله: "نفسي أنزل البحر وأعوم! رفع حاجبه مستنكرًا طلبها ليجيبها بابتسامة صارمة قليلًا: "هنا لأ أكيد، لإننا مش هنكون وحدنا." هزت رأسها بالتفهم والموافقة في وجه يائس وعابس، ليضحك ويلف ذراعه حول خصرها متمتمًا في حب:

"طيب ولو قولت لك هوديكي مكان أحلى من البحر! أشرق وجهها بسعادة غامرة وقالت بحماس: "فين؟ زم شفتيه بابتسامة جذابة وهو يكمل همسه اللطيف: "هو مش هنا خالص، بس أنا جالي اتصال الصبح إن في شغل ضروري ولازم أسافر. فهنسافر بكرة بإذن الله وهناك هتشوفي المكان ده." ضيقت عيناها باستغراب وهي تجيبه بريبة: "يعني مش هنرجع البيت؟ "لأ أخلص الشغل اللي ورايا إن شاء الله وبعدين هننزل على القاهرة علطول."

التزمت الصمت وهي تتساءل في نفسها عن ذلك المكان الذي سيأخذها إليه. وبينما هي منشغلة بالتفكير رأته يقف ويقول: "يلا بقى ولا غيرتي رأيك ومش عايزة تطلعي؟! "لأ طبعًا عايزة!! قالتها بضحك وهي تثب واقفة، ثم أنزلت النقاب على وجهها وانصرفوا. ***

ساعتان ومن ثم ثلاثة وأخيرًا أربعة، ومازالت لم تعد للمنزل. الجميع عاد للمنزل ما عدا هي. وكل من علاء وطاهر يحاولون الاتصال بها ولكنها لا تجيب. كل منهم يجلس في ركن مختلف. كان علاء يجلس على أحد المقاعد التي بجوار النافذة المطلة على الخارج. بدا للجميع هادئًا ومعالم وجهه ساكنة وجامدة وكأن غضبه منذ قليل تلاشى في ثانية. ولكن الحقيقة أنه كان يكتمه بداخله ويجمعه حتى يطلقه كله بها حين تعود.

المزيد من الدقائق مرت حتى رآها تترجل من سيارة أجرة أمام المنزل وتقود خطواتها نحو الباب. فابتسم بنظرات نارية ومرعبة ثم هب واقفًا واتجه نحو الباب ليفتحه قبل أن تطرق. فتقابل هي ابتسامته التي قذفت الرعب في قلبها. ولم يمهلها لحظة حتى تتحدث حيث قبض على ذراعها بكامل العنف وجذبها معه هامسًا في نبرة غليظة: "تعالي." طاهر بصوت رجولي حازم يردعه عن الذي ينوي فعله: "عــــلاء أا........ قاطع أبيه بلهجة صارمة:

"لو سمحت يا بابا دي مراتي وأنا هتصرف معاها بطريقتي." ثم زاد من ضغطه على ذراعها وهو يجرها معه للأعلى، بينما هي تتأوه في صمت وتحاول الإفلات من قبضته في محاولات فاشلة. هتفت الأم بتشفي محدثة طاهر: "سيبه خليها يربيها.. هي عايزة تتربي فعلًا." رمقت يسر والديها بعدم رضا وأصدرت تأففًا قوي ثم استقامت واتجهت لغرفتها بعد أن أبدت للجميع من خلال قسمات وجهها ضيقها من الذي يحدث.

فتح علاء الباب وزج بها للداخل ثم أغلقه خلفه لتتراجع هي للخلف بارتياد وتردف باضطراب: "علاء أنا كنت تعبانة والله ورحت المستشفى. حاولت أتصل بيك بس تلفوني فصل شحن ومكنتش قادرة أستناك لغاية ما تيجي من تعبي فروحت وحدي، لو مش مصدقني أهو العلاج." مدت يدها في حقيبتها وأخرجت كيسًا به أصناف مختلفة من الأدوية وترفعه أمامه حتى يراه جيدًا ويهدأ. ولكن لم ينجح الأمر معه حيث صرخ بها بنبرة نفضتها نفض: "وأنا قولت مفيش خروج من البيت!

قالت بصوت مرتجف وأعين دامعة: "أيوة بس أنا بقولك كنت تعبانة!! أكمل صياحه بها بدون رحمة أو رفق بوضعها: "كنتي زفت تعبانة يبقى تقولي لماما قبل ما تطلعي وتردي على الـ**** التلفون. مش تطلعي من غير ما حد يعرف روحتي فين." انهمرت دموعها وأجابته ببعض الدهشة: "والله قولتلها إني رايحة المستشفى. وطلبت منها كمان تحاول تكلمك وتقولك." عاد يقبض على ذراعها وهو يهتف ساخرًا بغضب عارم:

"ياسلام والمفروض أصدقك أنا كده. الله أعلم روحتي فين كمان بعد المستشفى ده لو روحتيها فعلًا." لا يصدقها رغم أنها رأت الأدوية جميعها!! كان على وشك أن يبدأ في عقابه الحقيقي لها. ولكن يسر اقتحمت عليهم الغرفة ودخلت لتقترب من أخيها وتنزع يده على ذراعها هاتفة بحزم: "كفاية ياعلاء." "اطلعي برا يايسر!! قالها بتحذير حقيقي حتى لا ينفجر بها هي الأخرى، ولكنها صرخت به بنبرة مرتفعة ومتضجرة:

"هطلع وهاخدها معايا. مش معنى إنها مراتك يبقى يحق لك تمد إيدك عليها! هي تستاهل العقاب على كل أخطائها بس مش بالإهانة. في مليون طريقة للعقاب غير الذل وكسرة النفس. يا إما بقى طلقها وريح نفسك وريحنا من القرف ده." ثم نظرت لميار وأشارت لها بعينيها أن تذهب معها. لتلقي ميار نظرة على وجهه المحتقن بالدماء وهو يقف متصلبًا وكأن كلمات شقيقته تمكنت من إخماد الوحش الذي بداخله. ثم تحركت مع يسر الذي أخذتها لغرفتها وأغلقت الباب. ***

جلست ميار على الفراش وهي تجفف دموعها بظهر كفها وتهمس في امتنان وصوت متحشرج: "شكرًا يايسر." لوت فمها بامتعاض وهدرت في خنق: "العفو.. بس متفتكريش إني عملت كده عشان خاطر عيونك. لإني لسا مش بطيقك أصلًا. أنا بس عارفة وجربت الإهانة وأكيد مش هحب أشوف حد بيتعرض ليها حتى لو مش بحبه." ثبتت نظرها على عينيها التي يحوم بها الاكتئاب والألم، لتزم شفتيها بأسى وتقول بوجه يحمل بعض الإشفاق: "حسن هو السبب مش كده؟ تنهدت يسر بشجن وغمغمت

تسألها لتغير مجرى الحديث: "إنتي روحتي فين؟ ميار بنبرة ضعيفة: "كنت تعبانة ورحت المستشفى أكشف عند دكتورة قالت لي عليها رفيف. وقبل ما أطلع قولت لمرات عمي إني تعبانة وبرن على علاء تلفونه مغلق، فقالت لي روحي وأنا هبقى أقوله." اقتربت يسر منها ورتبت على كتفها هامسة بلطف: "طيب يا ميار لو حابة باتي معايا في الأوضة النهاردة لغاية ما علاء يهدى."

ثم ابتعدت واتجهت إلى الحمام وهي تزفر بضيق من الذي فعلته أمها. وظلت ميار تحدق على آثارها ببعض الذهول من تغيرها المفاجئ معها. *** أظلمت السماء وارتفع ضوء القمر البدر مع نجوم ساهرة تزين لوحة الخالق عز وجل. كانت الساعة قد دقت الحادية عشر قبل منتصف الليل.

فتح كرم الباب ونزع حذائه عنه ثم قاد خطواته نحو غرفتهم بعد أن وجد المنزل هادئًا كالعادة، ولكنه لم يجدها بالغرفة فعقد حاجبيه بريبة واستدار ليبحث عنها في بقية أرجاء المنزل، حتى وصل إلى غرفة مكتبه وفتح الباب ببطء ليجدها جالسة على الأريكة أمام الصورة الكبيرة له هو وأخيها، ولكن هذه المرة مختلفة حيث كان بيدها كوب كاكو يبدو أنه باردًا وترجع برأسها للخلف تسندها على ظهر الأريكة ونائمة.

تنهد مغلوب على أمره وهو يبتسم ثم تحرك إليها بحذر شديد حتى لا يوقظها وجلس القرفصاء أمامها يمعن النظر بملامحها الملائكية والبريئة، لا تبدو أبدًا كامرأة ناضجة تخطت سن الواحد والعشرين، بل كمراهقة في سن السادسة عشر أو الخامسة عشر. حتى الآن يحاول تفسير لكل ما حدث معهم ولم يجد له تفسير سوى أنه قدر.

ظهرت أمامه منذ تلك الليلة الذي كان سيدهسها فيها بالسيارة في الليل ومن بعدها تطورت الأحداث وربطتهم معًا دون أن يشعروا، موت صديقه ومن ثم ذلك الوغد الذي كان يحاول أذيتها ووفاة والدتها، وأخيرًا ضغط أمه عليه ووضعه بين جانبي النار وإما أن يسير في المنتصف للأمام أو يسلك أحد الجانبين ويختار تمسكه بحب زوجته وعناده ويخسر معه والدته، فلم يكن أمامه حل سوى الموافقة بعد أن اقتنع بأنه حل أسلم ليرضي أمه ولتكون تلك المسكينة تحت رعايته دومًا. فلا مانع من التضحية لأجل سعادة وراحة أحبائنا.

مد يده بحرص وسحب من يدها الكوب ببطء شديد ثم وقف منحنيًا وهم بأن يحملها ولكنها انتفضت جالسة بمجرد لمسته وشهقت فزعة، ليتراجع هو للخلف حتى لا يفزعها أكثر ويبتسم متمتمًا: "اهدي، ده أنا! استغرق الوضع لحظات قصيرة حتى تنفست الصعداء واعتدلت في جلستها تسأل بصوت خافت: "هو أنا نايمة كتير هنا؟ زم شفتيه للأمام بجهل ليقترب مجددًا ويجلس بجوارها متمتمًا: "معرفش، أنا جيت زي العادة لقيتك نايمة." رفعت يدها تفرك عيناها وتقول متثاوبة:

"أنا ذات نفسي معرفش إيه اللي بيحصلي كل ما ادخل واقعد هنا بنام!! ضحك ببساطة بينما هي عادت تنظر لوجه أخيها وهي تبتسم بمرارة مغمغمة: "غالبًا بحس بالراحة والأمان وبحس أنه حواليا ومعايا عشان كدا بستكين وبنام." فكر في إضفاء نوع من الدعابة قليلًا حتى لا يأخذ الحديث مجرى كئيب، فوجدته يجيبها بمداعبة وهو يضحك: "بصيلي كدا وريني دموعك!! ضحكت بخفة وهزت رأسها نافية وهي تردف: "لا مش هعيط متخفش، اخدت جرعتي قبل ما تاجي."

أخذ نفسًا عميقًا واعتدل في جلسته ليصبح مواجهًا لها مباشرة ويغمغم في نبرة رخيمة وحكيمة: "شفق صدقيني الحزن والعياط مش هيفيد بحاجة ومش هيرجعهم ليكي، أنا لغاية فترة قليلة وكنت دافن نفسي في الحزن وادركت دلوقتي ومتأخر للأسف، الحزن مش هيفيدك بحاجة بالعكس ده هيتعبك نفسيًا وجسديًا، ادعيلهم وكوني واثقة إنهم في مكان أفضل منينا." طالعته بأعين تائهة وحبيسة الألم متمتمة بشجن: "أنا مليش في الدنيا غيرهم ياكرم."

مسك بكفها الصغير واحتضنه بين كفيه مردفًا في حنو ونظرات دافئة: "عارف إن وجود العيلة لا يعوض بس أنا معاكي أهو وجمبك، اعتبريني اخوكي وابوكي وصديقك وكل حاجة، أنا مش عايزك تحسي إنك وحدك ياشفق." غامت عيناها بالعبارات وهي تبتسم له بعشق وتهمس في خوف: "معدش باقيلي حد غيرك أساسًا وبقيت اخاف لتسيبني إنت كمان زيهم." شدد من ضغطه على كفها برفق وهدر بنظرة ثابتة ورقيقة مع همس كان له أثر بالغ على قلبها المتيم به:

"اوعدك مش هسيبك أبدًا." لم تتمكن من السيطرة على نفسها حيث اجشمت في بكاء قوي مع ملامح طفولية، ليضحك هو بعدم حيلة ويضمها لصدره هامسًا بنبرة ضاحكة وهو يمرر كفه على خصلات شعرها: "يعني مفيش فايدة برضوا في العياط ده!!! تشبثت به بشدة وهي لا تتوقف عن البكاء لتسمعه يقول بحيرة باسمًا: "إنتي دموعك جاهزة علطول، ده مفيش لحظة وبتفتحي الحنفية دي." اكملت بكائها وتجيبه من بين بكائها بعفوية: "عشان إنت حنين أوي عليا."

"حاضر من هنا ورايح هعاملك وحش يمكن الآية تتقلب وتبطلي عياط." توقفت عن البكاء ورفعت عيناها له وهي لا تزال بين ذراعيه لتهمس بعبوس واحتجاج: "لا هعيط أكتر!! اطلق ضحكة رجولية متأججة ابتسمت هي على أثرها وعادت تخفض نظرها مجددًا وهي تتنهد بسعادة. ***

وصل حسن إلى المنزل بعدما اتصلت به والدته واخبرته أن جدته تريد رؤيته والتحدث معه، فجاء على مضض وهو يتوقع سبب رغبتها في التحدث معه، وكان طول الطريق يعد نفسه للحوار الذي سيكون بينهم حتى لا يخطأ بشيء ويكشف كل شيء كان بينهم. فتحت هدى له الباب واستقبلته بعناقها الأمومي الحنون وهي تردف: "أهلًا ياحبيبي عامل إيه؟ مسك بكفها وقبله في لطف مغمغمًا في تساءل يتصنع عدم الفهم: "الحمدلله ياست الكل.. خير تيتا عايزاني في إيه؟

لوت هدى فمها باحتجاج وقالت بضجر ونظرة تحولت إلى الحدة: "إنت تتوقع في إيه مثلًا؟! قال بنفاذ صبر وهو يبتعد من أمامها: "يسر طبعًا! التفتت بجسدها للخلف تتابعه وهو يصعد الدرج متجهًا ناحية غرفة جدته، وتزفر مغلوبة على أمرها منه وتهمس بحزن: "ربنا يهديك يابني." فتح الباب ببطء بعد أن طرق عدة طرقات خفيفة وسمحت له بالدخول. اغلقه خلفه واقترب منها ينحني باتجاه كفها يقبله هامسًا في حنو: "عاملة إيه تيتا؟

اجابته باقتضاب ووحدة وهي تشير بكفها على الفراش بجوارها: "الحمدلله.. اقعد ياحسن." أخذ شهيقًا قوي وزفره حارًا ثم امتثل لطلبها وجلس بجوارها وقبل أن تبدأ في الحديث باغته هو بقوله الصارم: "تيتا لو طلبتي تشوفيني عشان تعرفي اللي حصل بينا فأنا آسف مش هقدر اقولك.. دي كانت مشكلة بيني وبين مراتي ومش حابب اقول لحد." اظلمت عيني الجدة واستشاطت غيظًا منه حيث صاحت منفعلة:

"لما هي مشكلة بينك وبين مراتي ومش عايزين حد يعرف، يبقى تحلوها بين بعضكم كمان مش توصل للطلاق." "الطلاق كان أفضل حل لينا! يقنع نفسه بأنه أفضل حل وبالأخص بعدما بدأ يشعر بآثاره السلبية عليه، وأنه في بداية طريق الشوق والندم على خسارتها. اكملت الجدة صياحها به في ألم ودموع ممتلئة بمقلتيها: "هتفضل لغاية إمتى كدا عديم مسئولية؟

إنت وميار اثبتولي إن دلعي ليكم مجبش غير التعب لينا كلنا.. ابوك كان عنده حق لما اخدكم وعاش وحده معاكم لأن أنا السبب في فسادكم وكنت فاكرة إني كدا بربي فيكم الحب والحنية لما ادلعكم واتاريني كنت بضيعكم وبفسدكم." كان يطرق رأسه لا ينظر لها فقط يستمع لتوبيخها وتعنيفها الشديد له، كلماتها تزيد من آلام قلبه الذي يعاني ألم الندم ولم تكتف بهذه القدر حيث أكملت بقسوة أشد:

"كلنا عارفين حبها ليك بس إنت اللي ناكر الجميل ومتستهلش الحب ده، أي كانت المشكلة اللي بينكم مفيش حاجة تستاهل إنك تخسرها عشانها، وزي ما أنا متأكدة إن يسر لسا بتحبك.. متأكدة كمان إن إنت اللي غلطان في المشكلة اللي وصلتكم لكدا والدليل إنك خايف تقول وهي رغم ده كله لسا بتداري عليك وعلى غلطك وبتقول إنها الغلطانة مش إنت." نظر لها وابتسم ساخرًا بعد أن نجحت في تصويب سهمها في اليسار، فخرج صوته بيأس ومرارة مع قسمات وجه عابسة:

"مبقتش تحبني، وحتى لو لسا بتحبني فهي مبقتش عايزاني خلاص وحاولت اخليها تسامحني بس مفيش أمل." "غبي ومش بتفهم ومش هتفهم طول ما إنت بالغباء والسطحية دي.. هي حاجة واحدة هقولهالك لو ندمان بجد وعايز تصلح المشكلة اللي حصلت بينك وبينها من غير ماتخلي حد يتدخل يبقى ردها لعصمتك، غير كدا يبقى تنهي الموضوع خالص وتبعد عنها نهائي."

رفض الحل الأول، مازال يعاند ويعافر مشاعره وينكرها بل لا يعترف بها أساسًا، ويأبي الإذعان لها رغم اعترافه بالخطأ الذي اقترفه في حقها ولكنه يغلق جميع الأبواب أمام قلبه. استقام واجاب على جدته في جفاء ونبرة صلبة: "هنهي الموضوع ياجدتي، هنهيه للأبد." ثم استدار وفتح الباب مغادرًا تاركًا إياها تتأفف باغتياظ وخنق من حماقته وعناده. *** وضع الكارت في الباب وانفتح فسبقته هي أولًا ورفعت عن وجهها النقاب وهي تقول بسعادة غامرة:

"لا أنا عايزة اتفسح زي كدا كل يوم." لحق بها واغلق الباب، ليهتف مستنكرًا بابتسامة: "إيه الطمع ده؟! بدأت في نزع حذائها ومن ثم حجابها، والقت بنفسها على الفراش هاتفة في إرهاق: "لا بس الصراحة رجلي مش قادرة اقف عليها والله." ثم وقفت مجددًا واقتربت منه تساعده في خلع سترته وقميصه متمتمة بفضول حقيقي: "لكن إنت هتوديني فين لما نسافر بكرا؟ زين بصوت خافت وهو يرمقها بطرف عينه غامزًا لها: "مفاجأة." قالت محتجة بضجر:

"أنا مبحبش المفاجآت.. قولي بقى!

جذب ملابسه واتجه نحو الحمام ليأخذ حمامًا سريعًا يزيح به إرهاق الصباح الطويل عن جسده، متجاهلًا ضيقها بتعمد لتصدر هي تأفف بصوت مرتفع في خنق وجلست تنتظره حتى خرج فدخلت هي لتأخذ نصيبها من الماء الدافئة التي تنعش جسدها، وبعد دقائق طويلة نسبيًا خرجت ووقفت أمام المرآة تجفف شعرها جيدًا وتسرحه، بينما هو فكان متسطح على الفراش ويعقد كفيه أسفل رأسه، يتابعها مبتسمًا وهي ترتدي ملابس أنوثية رائعة، لا يدري إلى متى سيظل صامدًا هكذا أمامها ولكن بالتأكيد ليس كثيرًا!

انتهت من تجفيف شعرها واقتربت لتتسطح بجواره هاتفة بعبث: _برضوا مش هتقولي يعني هتوديني فين؟ كتم ضحكة بسيطة كانت ستنطلق من بين شفتيه، واكتفى بابتسامته الماكرة وهو يعتدل في نومته ويرفع جسده قليلاً عن الفراش ليخطف قبلة سريعة من جانب ثغرها ويعود لوضعه الطبيعي موليًا إياها ظهره وهو يتمتم: _تصبحي على خير يا ملاذ. نجح في اسكاتها كما خطط، حيث علقت عيناها على السقف في استحياء ودهشة وهمست بصوت منخفض لم يسمعه: _وإنت من أهله!

مع إشراقة شمس يوم جديد، استيقظت ميار بعد أن قضت الليلة في غرفة يسر، وعندما وجدت أن يسر ذهبت للعمل مبكرة توقعت أنه سيكون ذهب أيضًا، فخرجت وقادت خطواتها نحو غرفتها، وحين فتحت الباب ودخلت دهشت ووجدته لا يزال يستعد للذهاب، فاخفضت نظرها تتفادى النظر إليه وتحركت باتجاه الحمام، ولكنها تذكرت شيئًا فعادت للخزانة لكي تأخذ منها الملابس. وبينما هي منشغلة بإخراج ملابسها اقترب ووقف خلفها هاتفا بصوته الغليظ:

_من هنا ورايح الكلمة اللي أقولها تتسمع يا ميار، عشان اللي حصل امبارح ما يتكررش تاني! استدارت له بجسدها كاملًا وطالعته بثبات مزيف، كانت تود أن تدافع عن نفسها ولكن لا فائدة من التبرير، ففضلت الخضوع لأوامره بدون نقاش، هتفت في خفوت: _حاضر يا علاء، في أي أوامر تاني؟ _آه في!

في إني حابب أقولك إنك مش لوحدك المغصوبة على الجوازة دي، أنا زيك ومستني الفترة المناسبة تعدي بفارغ الصبر عشان أطلقك، فخلينا حلوين مع بعض ومن غير مشاكل لغاية ما نتطلق ومتعانديش معايا لإني مش هضمن ردة فعلي المرة الجاية. تلالأت الدموع في عيناها بحرقة وصاحت به مندفعة في ألم: _متقولش إنك مغصوب!

إنت لو عايز تطلقني هتطلقني دلوقتي ومحدش هيتكلم معاك. إنت زي عمي وزين وحسن وكرم، اللي عملته مخليكم محوشين جواكم غيظكم وغضبكم مني، وإنت لقيت الجواز حجة عشان تكسرني وتعاقبني. والحقيقة إنكم عندكم حق، أنا فعلًا غلطانة واستاهل العقاب واكبر عقاب هو نينا اللي مش عايزة تشوفني ولا تسمع صوتي وبتقول إني مش حفيدتها ومتعرفنيش. أنا فعلًا عايزة الفترة دي تخلص وقريب أوي هتخلص للأبد وكلنا هنرتاح. غضن حاجبيه باستغراب متمتمًا:

_قصدك إيه؟ _مش قصدي حاجة.. امشي عشان متتأخرش. قالت جملتها وهي تبتعد عنه متجهة نحو الحمام لتتركه يحاول فهم مغزى كلامها الغامض، وجالت بعقله فكرة جنونية ولكنه نفضها عن ذهنه ساخرًا من أنها تجرؤ أصلًا على فعل شيء كهذا! بمنزل كرم العمايري...

دقائق طويلة مرت وهي تحاول إيجاد طريقة لاقناعه بها إن رفض طلبها، ولم تجد سوى طريقة واحدة، فسرعان ما وثبت واقفة من الفراش ووقفت أمام باب الحمام مباشرة منتظرة خروجه وهي ترسم على وجهها ابتسامة عريضة تظهر أسنانها البيضاء. ولم يدم انتظارها سوى للحظات قليلة حتى فتح الباب هو وكان يلف حول رقبته منشفته الصغيرة، وحين اصطدم بها بمجرد ما خرج ارتد للخلف بزعر هاتفا: _بسم الله! زمت شفتيها للأمام وهي تجيبه بعبس طفولي وطريقة كوميدية:

_أخص عليك ياببلاوي شوفت عفريت! وكالعادة فشل في كبح ضحكته حيث أصدر ضحكة بسيطة وازاحها من طريقه ليعبر مغمغمًا بابتسامة بعد أن فهم أنها تريد شيئًا: _عايزة إيه يا شفق؟ سارت خلفه وهتفت برقة وهي تشير إلى عقلة سبابتها: _عايزة طلب صغنن خالص خالص قد كدا! زادت ابتسامته اتساعًا ليردف متنهدًا وهو يجفف شعره: _خــيـر!! اقتربت ووقفت أمامه ثم مدت يديها وتولت مهمة تجفيف شعره مغمغمة في براءة متصنعة بعض الشيء:

_خير متقلقش.. وأنا عارفة إنك قمر وطيب ومش بتقدر ترفضلي طلب ولا تزعلني. أبعد يدها ببطء عن شعره متشدقًا في بساطة: _قولي علطول من غير مقدمات. لم تبالي بإبعاده ليدها حيث أعادتها مجددًا تعبث بأكتاف تيشرته وكذلك المنشفة مغمغمة في رقة مقصودة: _عايزة اخرج اشوف نهلة عشان وحشتني جدًا ولينا فترة طويلة أوي مقعدناش مع بعض. هيمن الصمت عليه وهو يحدجها بصمت وكأنه على وشك الرفض، فهتفت مسرعة بوجه عابس: _وافق بقى!

إنت اللي كنت بتبقى خايف عليا منه مات خلاص ومفيش حاجة بتهدد سلامتي تاني. أخذ نفسًا عميقًا وقال بحنو واهتمام:

_عارف إنك ممكن تكوني بتضايقي من تحكمي فيكي في نقطة الخروج دي، بس عايزك كمان تفهمي خوفي عليكي. أنا من ساعة اللي حصل مع أروى ومعاكي لما حاول الحيوان ده يعتدي عليكي اكتر من مرة بقيت عايز اخبيكي في مكان محدش يعرفك فيه غيري عشان احميكي من أي راجل مش منه بس. وحتى رفيف كذلك بخاف عليها بجنون وأنا اكتر واحد كنت رافض فكرة إنها تشتغل ولما وافقنا خليتها تروح وتيجي بسواق خصوصي يأما بوصلها واجيبها أنا وخروجها بيبقى بحساب.

انحرفت شفتيها في ابتسامة مغرمة به لأبعد الحدود، وعانقته بقوة هاتفة بعشق: _متخفش عليا! مش هيجرالي حاجة طول ما إنت جمبي. ربنا يخليك ليا. ثم ابتعدت عنه وقالت في ابتسامة عذبة: _خلاص موافق مش كدا؟ أصدر تأففًا حارًا بنفاذ صبر من إلحاحها لتميل هي برأسها للجانب وتبتسم بساحرية وترمش بعيناها عدة مرات تستعطفه من خلالهم ببرائتها لكي يوافق هامسة: _ارجــــــوك! أبتسم بعدم حيلة بعد أن أدرك استحالة الفرار من إصرارها وضعفه أمام

نظراتها ليقول باقتضاب: _طيب خلاص يا شفق روحي. بس هتروحوا فين وامتى؟ تهللت أساريرها وقالت بحماس وفرحة: _دلوقتي هلبس وهنروح في أي كافتيريا نقعد شوية. _طيب يلا اجهزي لغاية ما ألبس عشان أوصلك ولما تخلصوا رني عليا عشان آجي آخدك. أماءت برأسها عدة مرات وهي تفشل في إخفاء سعادتها ليكمل هو مبتسمًا بمداعبة: _مع إني بقيت بتشائم من صحبتك دي من ساعة ما قولتيلي نروح خطوبتها وشوفتي إيه حصل يومها. قهقهت بخفة وقالت في نعومة:

_لا متقولش كدا دي نهلة عسل. وبالعكس دي وشها حلو عليا دايما لما باخدها معايا في أي مكان. _ربنا يستر! قالها مستنكرًا وهو يضحك ثم استدار وذهب ناحية الخزانة ليخرج ملابسه ويبدأ في الاستعداد، وهي كذلك أخذت ملابسها وذهبت لترتدي في الحمام. فتحت المساعدة الخاصة به الباب وقالت في رسمية تامة: _الملفات اللي محتاجة مراجعة يسر هانم تحب أوديها ليها يا حسن بيه. قال بإيجاز وهو منشغل بالعمل الذي أمامه:

_آه وديهم ليها وقوليلها تخلصهم بسرعة. استدارت الفتاة وكانت على وشك الرحيل لولا صوته وهو يوقفها هاتفا: _استني يا ميرنا! أحس بأنه يريد رؤيتها ومحادثتها، ولا يريد الاعتراف في قرارة نفسه أن بات يشتاق لها، ففكر في أن يأخذ هو لها الملفات متحججًا لها بهم وفي نفس ذات اللحظة تكون حجة لنفسه العنيدة التي تأبي الخضوع. استقام وتحرك ناحيتها وأخذ من يدها الملفات متشدقًا بحزم: _أنا هوديهم ليها. روحي إنتي على شغلك خلاص.

أماءت له بالموافقة وانصرفت فورًا، ليغادر هو الآخر متجهًا إلى مكتبها، وحين فتح الباب ودخل كان فارغًا ولكنه رأى أشياءها على سطح المكتب ففهم أنها ذهبت لمكان ما سريعًا وستعود. أغلق الباب وجلس على الأريكة بإرياحية منتظرًا إياها، وطال انتظاره لدقائق طويلة حتى وجدها تفتح الباب وتدخل وهي تتحدث في الهاتف وتضحك. تسمرت بأرضها حين وقع نظرها عليه ولجمتها الدهشة لثواني فقط، ثم تصنعت عدم المبالاة بأمره وأكملت حديثها الهاتفي مع ابن خالتها "راسل" متعمدة الضحك والتحدث بحرية بعدما فهمت في الأيام القليلة الماضية ضيقه وغضبه كلما يراها معه.

رآها وهي تجلس على مقعد مكتبها وتتحدث مع من في الهاتف بعفوية بالغة والذي من الواضح أنه رجل، وفي ظرف لحظة تحول لجمرة نيران ملتهبة حين سمعها تنطق اسمه، غليت دمه في عروقه وحدجها بابتسامة مزيفة تضمر خلفها بركان تطفو حممه على وجهه، فاشاح بوجهه عنها للجانب وهمس لنفسه وهو يحك ذقنه بنبرة متأججة بنيران الغيرة: _لا أنا مش هتعصب.. أنا هادي خالص أهو!

كانت تختلس النظرات له في تشفي وغل وتزيد من ضحكها وحديثها، ليعود هو بنظره لها ويرمقها بأعين ملتهبة ومغتاظة، يجاهد بكل ما لديه من ثبات انفعالي حتى يبقى هادئًا ولا يفقد صوابه. ولكنه فقد كل ما لديه ثبات حين سمعها تقول بصدق "لا والله ربنا يعلم ياراسل أنا بعزك إزاي.. ربنا يخليك ليا". مسح حسن على وجهه هامسًا وهو يصر على أسنانه: _لا مش هقدر. لغاية كدا وكفاية. استقام واقفًا واندفع نحوها يجذب من يدها الهاتف وينهي الاتصال

هاتفا بصرامة ونبرة قوية: _عرفنا إننا يعتبر اطلقنا، بس احترمي وجودي مش كدا هاااا. ضحكت ساخرة وهبت واقفة تقول بسخط: _ياريت حد غيرك يتكلم عن الاحترام. ثم إن إنت مالك وإيه اللي جايبك أصلًا مكتبي. _يسر بلاش الطريقة المستفزة دي عشان أنا على أخرى أساسًا. صرخت بصوتها المرتفع وهي في ذروة انفعالها:

_اتكلم بالطريقة اللي عايزها. إنت ملكش دعوة بيا فاهم ولا لا. ملكش دعوة بيا يا حسن. تحب أقول كمان ولا كفاية. اطلع من حياتي نهائي ومش عايزة أشوف وشك حتى. أنا بقيت لما بشوفك معدتي بتقلب وبحس نفسي عايزة أخنقك بأيديا. كفاية بقى أنا قرفت منك وبقرف من نفسي وجسمي كل ما افتكر إنك لمستني. توقفت، تأخذ نفسًا عميقًا، ثم عادت تكمل بنظرات قوية تخفي خلفها مشاعر العشق الكامنة في أعماقها وهي تشير بسبابتها على الباب: _اطلع برا ياحسن.

كوّر قبضة يده بعنف وهو يجز على أسنانه، يحاول منع نفسه عنها حتى لا ينفجر بها كالطوفان العاتي. اقترب منها هامسًا أمام وجهها مباشرة بصوت يشبه فحيح الأفعى: _النهردا عيونك فضحتك وكشفت كدبك. واللي شايفه دلوقتي حاجة واحدة وهي إنك لسا بتعشقيني يايسر.

ثم انتصب في وقفته، وألقى بالملفات على سطح المكتب في عنف، واستدار مغادرًا، تاركًا إياها متصلبة بأرضها تحدق على آثاره بغيظ وحرقة. فامسكت بكوب الماء وألقت به على الباب ليتناثر إلى أجزاء متفرقة على الأرض. جلست على مقعدها من جديد هامسة لنفسها متوعدة وبنظرة متقدة: _مسيري هكرهك متقلقش!! ***

كان إسلام يجلس بحديقة المطعم الخارجية على أحد المقاعد يحتسي كوب الشاي الصباحي الخاص به. وعقله شارد بها. بات يشعر بالخطر كلما تمر الأيام وهم يعملون معًا. ففي كل يوم يمر يزداد تعلقًا بها. ومشاعر الإعجاب بدأت تأخذ طريقًا مغايرًا. أن سمح لنفسه بأن تسلكه سيسبب له الألم والحزن للمرة الثانية. وليس هناك حل سوى أن يضع الحدود لقلبه أو يعتذر ويترك هذا العمل الذي يجمعه بها. انضم له صديقه وجلس قباله هاتفًا: _إيه الأخبار؟

_تمام وإنت؟ هتف صديقه بنبرة مستغربة بعض الشيء: _إيه إنت مفيش شغل ولا إيه معاك؟ قولتلي تعالى على المطعم. أجابه إسلام بهدوء تام ونظرة مهمومة: _امممم يعتبر مفيش شغل النهردا وحتى العمال هياجوا متأخر شوية. _مالك إنت مضايق من حاجة؟ نظر له باستنكار متمتمًا: _إنت تتوقع إيه مثلًا؟ أصدر صديقه تنهيدة حارة وقال بنفاذ صبر وضيق: _يابني ولما إنت معجب بيها كدا وعايزها ماتكلم اخوها وتشوف مش يمكن توافق.

ضحك إسلام بسخرية ورفع عكازه لأعلى قليلًا حتى يكون في مستوى نظر صديقه وقال مستهزئًا: _توافق!!! هتوافق بده؟ _أيوه توافق يا إسلام مش معنى إن خطيبتك كانت واحدة **** ولما عملت الحادث وعرفت إنك هتمشي على عكاز سابتك يبقى الكل زيها. جرب إنت مش هتخسر حاجة. اشتعلت عيناه بالغضب وقال شبه منفعلًا بنبرة موجوعة:

_لا دي الحقيقة يامعاذ. مفيش واحدة هتقبل تتجوز عاجز. ومتحاولش تقنعني إن العجز اللي في رجلي مش مشكلة وإني اقدر اعيش حياتي بطبيعية. لأن مهما حصل هتفضل في حجات كتير أنا عاجز عنها وعن إني اقوم بيها. _أنا قولتلك اللي فيها. لو عايزها بجد جرب وكلم زين ده. وافقت تمام. موافقتش يبقى هي اللي خسرتك مش إنت. طالعه بصمت غير مقتنعًا بما يقوله وعاد يرتشف الشاي وهو يتنهد بنفس مختنقة! ...... *** داخل أحد المقاهي المتوسطة... هتفت

نهلة بفضول ونظرة حماسية: _هااا قوليلي بقى عاملة إيه؟ وأخبار الجواز إيه؟ ابتسمت شفق بمرارة وأجابتها بأسى: _نهلة إنتي عارفة إن ده جواز مش حقيقي. هتفت نهلة باستنكار وسخط: _ومش حقيقي ليه بقى إن شاء الله؟ كانت جوازة بالغصب مثلًا؟ _أهاا هو اضطر إنه يتجوزني بسبب الظروف اللي حكمت عليه بكدا. لولا الظروف دي عمره ماكان هيفكر إنه يتجوزني. غضنت الأخرى حاجبيها بحيرة وتمتمت بشيء من الدهشة:

_يابنتي إنتي مش لسا امبارح كنت مكلماني وبتقوليلي إنه كويس معاكي وإنك مبسوطة ومرتاحة. حصل إيه بس؟ سرحت بعقلها قليلًا حين حضرت صوره في عقلها وتذكرت معاملته وطريقته الحانية معها فابتسمت بحب امتزج بالحزن وقالت محاولة إضفاء جو المرح قليلًا: _كويس بس!!

ده أنا بحس إني أميرة من معاملته ليا. بجد يانهلة أنا مشوفتش راجل زيه في حياتي. أنا بقاوم جماله بالعافية صدقيني. وبقول لما هو بيعاملني كدا و هو مش بيحبني امال لو كان بيحبني كان هيبقى إزاي؟ قالت جملتها الأخيرة وقد طغى على نبرتها اليأس والحزن. لمست صديقتها الحزن في نبرتها فمدت يدها واحتضنت كفها هامسة برزانة:

_شفق افهمي أنا قولتلك إنه لو مش بيحبك فعلًا ومش عايزك واضطر زي ما بتقولي على الجواز منك فمستحيل يعاملك بالطريقة اللي حكتيلي عنها إمبارح. أنا واثقة إنك بدأتي تأثري فيه وتخليه يحبك بجد مش مجرد إنك غالية عليه ولا بيعزك والكلام الفارغ ده. هزت رأسها نافية. ترفض تصديق ذلك الكلام وإوهام نفسها بأشياء مبنية على توقعات وسراب. هدرت بثقة متلقلقة: _لا بيتهيألك مفيش حاجة من كدا. _لا في. والأيام هتثبتلك ده وتقولي إني عندي حق!

طالعتها مطولة بتفكير في كلماتها. من جهة قلبها الذي يريد تصديق ذلك الكلام ويخبرها بأن صديقتها لديها الحق فهو لم يكن معها هكذا قبل الزواج أو حتى في بداية زواجهم ففي الفترة الأخيرة أصبح مختلفًا بعض الشيء وبالأخص من بعد اختطافها. وعلى الجهة الأخرى عقلها الذي يضحك ساخرًا ويقول بحكمة "توقفي عن سذاجتك إنتي تعرفين جيدًا الأجابة على كل هذه الأسئلة. يعاملك جيد لأنه يشفق عليكي وعلى حالك. وتغيره معكي بالتأكيد هو بسبب أنه بدأ بعتاد عليكي أكثر ولم يعد يخجل منك كالسابق. يكفيكي حماقة!!

" ربما هي حقًا حمقاء ولكنها ستتصرف بذكاء وتحاول الحصول على حبه وإن لم تتمكن ستسحب نفسها بهدوء من دائرة العشق السوداء هذه! استمر حديثهم لساعة أو أكثر تقريبًا حتى نهضت نهلة بعد أن انتهت جلستهم وقالت باهتمام: _اقعد معاكي لغاية ما ياجي يابنتي متقعديش وحدك. _لا لا امشي إنتي متخفيش هو أساسًا قالي انه قريب يعني دقيقتين ويوصل. اقتربت وعانقتها مودعة إياها بعذوبة مردفة: _طيب مع السلامة ياروحي. _سلام.

وتابعتها وهي تغادر المقهي تمامًا لتشيح هي بنظرها وتثبت نظرها علي خارج المقهى تتابع حركات الناس وبانتظار قدومه. وإذا بها تشعر بأحدهم يجلس مكان مقعد صديقتها الفارغ لتنظر فورًا وتهتف بذهول: _عمر!!! هتف باعتذار ونظرة مهمومة: _شفق أنا آسف سامحيني. أنا ندمان والله إني شكيت فيكي. رمقته بخزي وهتفت بنبرة تعاني الخذلان والوجع: _بعد إيه ياعمر؟

ده إنت الوحيد اللي مكنتش متوقعة منك إنك تصدق فيا كدا. لا وكنت ناوية آجي واقولك عشان تساعدني. صدقت بسهولة وجاي بتعاتبني كمان والشخص اللي مكنش يعرفني ولا يعرف حاجة عني وقف جمبي ووثق فيا. بس تعرف اللي حصل ده اثبتلي قد إيه أنا كنت مخدوعة فيك إنت والحيوانة مروة. عاد يكرر اعتذار بصدق أشد وأعين حزينة:

_أنا آسف ياشفق. والله أنا معرفش إزاي عملت كدا. لما شوفت الصور اتجننت. أنا مستعد ارجع كل حاجة زي ما كانت وهكلم عمك وهطلب إيدك منه زي ما كنا متفقين قبل ما سيف يموت. استقامت واقفة وقالت مبتسمة بسخرية: _امممم بس للأسف أنا اتجوزت. ونفس الشخص اللي كنت بتقولي إنه مش كويس ومش مرتحله.

ثم استدارت واندفعت لخارج المقهى مسرعة أما هو فاستغرقت دهشته لثلاث ثواني بالضبط حتى وثب واقفًا ولحق بها راكضًا واستطاع أن يمسك بها بعدما غادرت المقهى تمامًا حيث قبض على ذراعها يرغمها على الوقوف هاتفًا بضجر حقيقي: _استني هنا.. يعني إيه اتجوزتي!!!! قالت بغضب وهي تحاول نزع يدها من قبضته: _سيب إيدي ياعمر. وامشي احسلك من هنا لإن كرم جاي ولو شافك مش هيحصل طيب أبدًا.

وما هي إلا لحظة وبالفعل توقفت سيارته بالخلف وترجل كرم منها ليقف للحظات معدودة يحملق بعمر وهو يمسك بذراعها بعنف ويرغمها على الوقوف معه. فتطاير الشر من عيناه وبدأ يظهر عن حقيقته المتوحشة التي شهدتها منذ أيام عندما اختطفت...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...