كانت ستجيب عليه، ولكن أحست باليد التي قبضت على الهاتف من الخلف وجذبته من يدها بقوة. استدارت مذعورة فوراً وتسمرت بأرضها حين رأته يقف أمامها وبيده الهاتف. وضعه على أذنه يستمع إليه ويهتف: "الو.. الو ملاذ! ". تلونت عيناه بلون دموي مرعب، وخرج صوته المريب والذي يقذف الخوف في الأبدان: "اعتبره أول وآخر تحذير ليك، وإلا اقسم برب العزة ما هخليك تشوف الشمس تاني."
ولم يكن في حاجة ليوضح له مباشرة من ماذا يحذره. يكفي أنه فهم جيداً ماذا يقصد. أنهى الاتصال وألقى عليها نظرة نارية ملتهبة بنيران السخط وبعض الخذلان. اكتفى بهذه النظرة التي تحدثت بدلاً عنه، واستدار متجهاً نحو الخزانة يخرج ملابس له بعد أن نزع عنه سترته.
غامت عيناها بالعبارات، وشعرت بسكين حادة غرست في قلبها. خجلت أشد الخجل من نظرة الخذل التي رأتها في عينيه. أبداً لم تكن تريد أن تراها أو تجعله يشعر بالخذلان فيها للمرة الثانية. هي فقط خشيت من النتائج إن أخبرته. خشيت من اضطراب علاقتهم من جديد. خطت بخطواتها المترددة والوجلة نحوه حتى وقفت خلفه مباشرة وقالت بصوت يغلبه البكاء: "زين.. أنا آسفة!
جالت بذهنه فكرة أنها قد تكون كذبت عليه بالأمس، ولم يكن مرضها حقيقياً كما أقنعته. فالتفت لها برأسه وهتف بأعين مشتعلة وصوت حاد: "أعتقد إن امبارح شوفتيه في الفرح، عشان كدا طلبتي نمشي وكنتي متوترة ومش طبيعية." توقعت أنه سيكشف الأمر، فهو ليس أحمق للدرجة التي تجعله يغفل عن شيء كهذا. أطرقت رأسها أرضاً وقالت بندم وخذل من نفسها: "آسفة! والله خوفت أقولك تتعصب وتحصل مشكلة لو شفته."
سرت رجفة قوية في جسدها أثر صيحته العنيفة بها قائلاً: "أنا مبحبش الكذب! انهمرت دموعها كالشلال على وجنتيها، وأجابته بصوت متقطع ومرتعش دون أن ترفع نظرها عن الأرض: "خو..فت يا..زين! خوفت أقولك وأفكرك بكل حاجة تاني لما تشوفه. أنا بعمل المستحيل عشان أخليك تنسى اللي حصل وتسامحني. ولما شفته امبارح حسيت إنك لو شفته ممكن ترجع تعاملني بجفاء زي الأول." لم يتوقف صياحه بها حيث وصل لذروة غضبه وهو يصرخ بها: "ده مش مــــــــبرر!
لما شوفتيه كان المفروض تقوليلي مش تمثلي إنك تعبانة عشان نمشي. ودلوقتي بتردي عليه وبتكلميه! رفعت نظرها له وقالت مسرعة ببكاء حاد محاولة تصحيح ما قاله: "لا والله مكنتش أعرف إنه هو.. كان رقم غريب وأنا رديت واكتشفت إنه هو وكنت هقفل المكالمة بس... "بس إيه هااا.. كنتي حابة تسمعي توسلاته عشان ترضي كرامتك وهو بيقولك ارجعيلي. مش هو ده السبب اللي وافقتي تتجوزيني عشانه برضوا!
هزت رأسها بالنفي تترجاه بنظراتها أن لا يقل هكذا وهي تبكي بحرقة، ولكن ما قاله جعلها تتوقف عن البكاء وترتفع علامات الصدمة والأسى على وجهها: "عايزة تعرفي إجابة السؤال اللي سألتهولي امبارح.. لا يا ملاذ أنا مبثقش فيكي ومظنش إني في يوم هرجع أثق فيكي تاني!
ظلت متصلبة بأرضها كالتمثال، واليأس يحاوطها من كل الجهات حتى شعرت بأنه يكتم على أنفاسها تدريجياً. راودها الدوار من فرط الضغط العصبي والنفسي الذي عانت منه منذ ليلة أمس. وأحست ببرودة جسدها وبدأت أعصابها في التراخي، ولم تسمع شيء بعدها سوى صوته غير الواضح يهتف بذعر: "ملاذ.. ملاذ! ***
كل من حسن وكرم يتبادلان الأحاديث داخل مكتبه، ويتناقشان بأمور تخص العمل بجدية شديدة. حتى قطع لحظات عملهم رنين الهاتف الخاص بكرم، الذي نظر لشاشته وقرأ اسم المتصل "مسعد". فوجه حديثه لأخيه وهو يجذب الهاتف ليجيب عليه: "ثانية يا حسن مسعد بيتصل! أجاب على الاتصال ليأتيه صوته القوي وهو يقول: "الو يا كرم بيه." "أيوة يا مسعد حصل إيه؟ طالعه حسن بنظرات مستفهمة، فانزل هو الهاتف من على أذنه وقام بتشغيل مكبر الصوت ليسمع
كليهما صوت مسعد الجاد: "البيت اللي قاعد فيه اتحرق." غضن حاجبيه بدهشة وهتف بخشونة: "لحظة يا مسعد بيت مين ده اللي اتحرق؟! "اللي قتل مرات حضرتك يا كرم بيه." تبادل هو وحسن نظرة منصدمة، ثم عاد يجيبه بصوت صلب: "اتحرق إزاي وهو عايش ولا لا؟ "مش عايش محدش لحقه وجثته مش باين ليها ملامح أصلاً.. لكن مين اللي عملها معرفش. تقريباً واحد من اللي ليهم فلوس بضاعة عنده ولما مدفعلهوش قتله." هتف حسن يتساءل باهتمام وتعجب:
"حصل امتى يا مسعد الكلام ده؟ استغرب الآخر قليلاً عند سماعه لصوت حسن، ولكنه أجابه بنفس نبرته السابقة: "امبارح الفجر." أكمل حسن بغلظة: "هو مكنش في حد معاه في البيت؟ "لا جثته بس اللي طلعت من البيت." مسح كرم على وجهه متأففاً بخنق، ثم هتف بشيء من الانزعاج: "طيب يا مسعد خلاص." أنهى معه الاتصال ونظر لحسن، الذي لاحت على شفتيه بشائر الابتسامة المندهشة والممتزجة بالتشفي، ثم نظر له وقال باسمًا:
"هو ده أفضل عقاب كان يستحقه وربنا أداله جزائه اللي يستحقه في الدنيا." لا يزال تحت تأثير الدهشة ولا يصدق كيف حدث هذا فجأة. ولكن لا يهم، فقد داهمته مشاعر السعادة والتشفي مثل أخيه، حيث أجابه باسمًا: "الصراحة مكنتش متوقع أبداً إن يحصل كدا.. أنا كنت لسه النهاردة هبلغ عن مكانه وكان هيتعدم بما إنه هربان من السجن أصلاً وعليه حكم أعدام، فبمجرد ما يتمسك كان هيتنفذ عليه الحكم، بس ربنا أخذه أخذة عزيز جبار منتقم." اتسعت ابتسامة
حسن وأجابه بمداعبة لطيفة: "طيب بمناسبة الخبر الحلو ده بقى لازم نحتفل، وباقي اليوم النهاردة إجازة وهنمشي الموظفين." "نمشي مين!! أنت عبيط يالا!!!! .. عارف لو زين كان موجود وسمعك بتقول كدا كان هيعمل فيك إيه." أطلق ضحكة مرتفعة وأكمل مشاكسته قائلاً: "ماهو مش موجود، فناخد راحتنا بقى.. بعدين خلاص القرار صدر، أنا أساساً عايز أمشي ومش طايق أقعد. وإنت...
توقف عن الكلام عندما فتحت يسر الباب ودخلت متجهة نحو كرم ووضعت أمامه بعض الملفات تأخذ رأيه بشيء معين، غير مبالية تماماً لوجود حسن وكأنه ليس موجود. فحدق بها بأعين ثاقبة كالصقر يتفحصها بتدقيق في ملابسها، وحين تذكر ضحكها ودلالها مع ذلك الذي يدعى "راسل" ابن خالتها، استشاط واحتقن وجهه بالدماء. هب واقفاً وقال بمضض وهو يوجه حديثه لأخيه ولكن عيناه مثبتة عليها: "أنا همشي ولو حصلت حاجة ابقى اتصل بيا."
رفع عيناه عن الأوراق وحدق بأخيه هاتفاً بنبرة عادية: "طيب ومتنساش تاخد معاك الملفات اللي محتاجة مراجعة وتظبطها زي ما اتفقنا." أماء له برأسه وعيناه لا تزال معلقة عليها، وكلما يراها لا تنظر له وتتجاهله تماماً يزداد غيظه. حجب نفسه بصعوبة عنها واندفع إلى خارج المكتب قبل أن يفقد زمام نفسه. أما هي فلوت فمها بخنق واقتضاب، ثم أخذت الورق وانصرفت بعد أن انتهت من حديثها مع كرم، الذي ضحك بخفة بمجرد رحيلها وقال: "ربنا يهديكم." ***
فتحت عيناها تدريجياً ببطء شديد، وكانت الرؤية مشوشة في بادئ الأمر حتى بدأت تتضح. وأول شيء رأته كان هو، حيث كان بجوارها على حافة الفراش وعيناه تحوم فيها إشارات الفزع. سمعت همسه القلق إليها عندما رآها عادت لوعيها: "ملاذ أنتي كويسة.. أخْدُك للدكتور؟!
هزت رأسها بالنفي، وعصف بذهنها ما حدث قبل أن تفقد وعيها، فغامت عيناها بالعبارات مجدداً لتعتدل في نومتها حتى تصبح شبه جالسة. أجفلت نظرها للأسفل ولم تقو على وضع عيناها بعينيه، وخرج صوتها به غصة مريرة، منكسر ومهزوز: "أنا مكنش في نيتي أخبي عليك، أنا لما شفته قولت دي صدفة ومش هشوفه تاني، فلموش لزمة أقولك وأعمل مشكلة ملهاش لزمة. لو كنت أعرف إن ده اللي هيحصل كنت قلتلك." فرت دموعها من عيناها لترفع أناملها وتجففهم مكملة
حديثها بنبرة بائسة وتائهة: "أنا لغاية دلوقتي بشوف في عينك نظرة عدم الثقة يا زين. بحسك مش واثق فيا ولسا بتفكر إني ممكن أخدعك أو أخونك. وإنت قولتها بنفسك إنك مش بتثق فيا." دموعها، نبرتها، بؤسها.. جميعهم أصابوا الهدف تماماً وغرسوا في يساره سهم حاد. أضعفته دموعها وندم على ما قاله في لحظة غضب لا تُحسب. لانت نظرته لها وأصبحت ممتلئة بالدفء والاعتذار. فأصدر تنهيدة حارة ومسك بكفها يملس عليه بلطف هامسًا بأعين محبة: "غلط!
أنا مشكيتش فيكي، أنا كل غضبي كان بسبب إنك خبيتي وكدبتي عليا. كنت أحب إنك تقوليلي مش تخبي عليا. ومتاخديش على كلامي أنا كنت متعصب ومكنتش عارف أنا بقول إيه. وزي ما إنتي محتاجة تحسي بثقتي فيكي، أنا كمان محتاج ده. ومحتاج أحس بإنك بتعتبريني كل حاجة بنسبالك مش مجرد زوج. فيه حاجات كتير ناقصة بينا يا ملاذ أنا مش هعرف أشرحهالك صدقيني."
توقفت عيناها عن ذرف الدموع وحدقته بحيرة امتزجت باليأس من كلماته. أما هو فهب واقفاً وانحنى إليها يطبع قبلة رقيقة على شعرها متمتمًا: "ارتاحي وكلي الأكل اللي جبتهولك. وأنا هروح أصلي الظهر في المسجد وجاي." تابعته بوجه عابس وهو يستدير ويرحل. وعقلها يطرح الأسئلة: "ما هو الناقص؟ ماذا يقصد بالأشياء الناقصة بيننا؟ وياترى ماذا علي أن أفعل حتى أساعد معه في إكمال الناقص؟
". لا شك في أنها أخطأت حين ظنت بأن الوصول لذروة العشق سهلة. فلن يصل للعشق الصادق إلا من مر بجميع تحدياته ووقف صادمًا بوجه أعتى الرياح والصعاب. وليس هناك أصعب من التوغل لقلب رجل ناضج ومثقف. وحتى تتمكني من الإلمام بجميع جوانبه، عليكي أولًا أن تلمسي أعمق نقطة في داخله. *** مع غروب الشمس وحلول المساء...
فتح كرم الباب ودخل، ثم نزع حذائه عنه وأغلق الباب خلفه وقاد خطواته نحو غرفته مباشرة لظنه بأنها ستكون نائمة في فراشهم، ولكنه سمع صوتها وهي تهتف من المطبخ: "كرم إنت جيت؟ توقف والتفت برأسه للخلف وأجابها: "أيوة يا شفق جيت." ثم استدار بكامل جسده وذهب إليها ليجدها تقف أمام آلة تحضير القهوة وتحاول تشغيلها وهي تقول بعبث: "إزاي بتشتغل دي... نفسي أعمل عليها قهوة مش عارفة! مالت شفتيه للجانب بضحكة بسيطة واقترب منها ليقف بجوارها
ويغمغم بعد أن أبعدها برفق: _ابعدي وهوريكي إزاي تتعاملي معاها. تراجعت للخلف وركزت كامل انتباهها عليه وهو يريها طريقة تشغيلها والتعامل معها. وبعد أن انتهى نظر لها بعينيه الرماديتين متمتمًا: _عرفتي إزاي هتشغليها؟ أومأت بابتسامة رقيقة وهمت بأن تطبق عمليًا ما علمه إياها حتى تحضر له كوب قهوة، لعله يزيل آلام رأسها. ولكنها وجدته يقبض على رسغها هاتِفًا بشيء من الحزم: _إيه؟ إنتي هتعملي قهوة دلوقتي؟
_أهاا، مصدعة أوي والله ولما بشربها بتظبط دماغي جدًا. رأت الابتسامة تشق طريقها لشفتيه وهو يردف ساخرًا: _إيه شغل المدمنين ده! أنا اللي من عشاقها مش بشرب منها في الوقت المتأخر ده. ثم إن غلط تشربيها دلوقتي، لو مصدعة نامي، لكن لو شربتيها دلوقتي هتزود عليكي الصداع وهتعملك إرهاق ومش هتعرفي تنامي. رفعت يدها تشير إلى عقلة من سبابتها قائلة برجاء ونظرات مستعطفة: _هشرب حتة صغننة خالص، قد كده!
هز رأسه رافضًا بحدة مزيفة ليحاول إخفاء ابتسامته على طفوليتها: _تؤتؤ.. قولت لا. تأففت بخنق وقالت بعبوس وضيق: _يوووووه، إنت وحش على فكرة. لف ذراعه حول كتفيها وهو يديرها لكي تتجه معه نحو الغرفة متمتمًا بمشاكسة محببة لقلبها: _تقريبًا إنتي أول واحدة تقول إني وحش، بس ما علينا، تعالى عشان عندي ليكي خبر حلو. تجاهلت جملته الأخيرة أو بالأحرى لم تركز فيها جيدًا، فأجابته بغنج أنوثي ومغازلة صريحة به:
_بهزر طبعًا، هو مين ده اللي وحش! كل الحلاوة دي ووحش! رفع حاجبه فاترًا عن ابتسامة واسعة تميل لليسار قليلًا وقال برقته المعهودة يتغزل بها بمداعبة لأول مرة.. فقد تمكنت في الأيام القليلة أن تمحو حواجز توتره وخجله منها وأصبح يتصرف معها بطبيعية وبحرية أكثر: _دي عيونك اللي حلوة. لم يكن حياؤها بقدر صدمتها من أنه يتغزل بها، لتصمت وتحدقه بمزيج من الخجل والدهشة. وعلى شفتيها ابتسامة مستحية. ولكنها تصرفت بشيء من المرح وهي تهتف:
_هو أنا المفروض دلوقتي أتكسف ولا أندهش؟ _زي ما تحبي! قالها بنفس تعابير وجهه السابقة لتحاول هي الخروج من قوقعة خجلها وتوترها، فتهتف بفضول: _طيب إيه هو الخبر اللي بتقول عليه ده؟ أخذ نفسًا عميقًا وأخذت ملامحه القليل من الجدية مع بعض الفرح وهو يقول:
_من هنا ورايح مفيش قلق تاني، وده مش بنسبالك بس ده بنسبالي أنا كمان، لإني كنت ببقى قلقان وخايف عليكي كل ما أطلع من البيت وأسيبك وحدك بسبب الحيوان اللي كان بيحاول يأذيكي.. ودلوقتي حصل حريق في البيت اللي كان موجود فيه وهو كان جوا ومات محروق لدرجة إن جثته مش باين ليها ملامح. هيمن عليها الذهول للحظات قبل أن تهدر بصدمة وعدم استيعاب: _لحظة، فهمني طيب ده حصل إزاي وامتى؟
_حصل امبارح الفجر، أما إزاي فأنا ذات نفسي معرفش، بس مش هو ده المهم.. المهم إننا خلصنا من شره وربنا انتقم لينا منه. أنا حاسس براحة جميلة جدًا من وقت ما عرفت وبحمد ربنا إنه خلاني أشوفه قبل ما يموت عشان آخد حق اروى وأطفي ناري. دلوقتي بس أنا أقدر أقول إن الهم اللي كان على قلبي انزاح. اتسعت ابتسامتها وقالت بسعادة غامرة وأعين تفيض حبًا:
_لا أنا بقى بحمد ربنا إنه استجاب لدعواتي لإني كنت خايفة عليك منه أوي، بس خلاص مات وارتحنا منه. حدجها مبتسمًا للحظات طويلة يمعن النظر فيها حتى وجدها تهتف بحماس طفولي: _طيب وبمناسبة الخبر الحلو ده يلا نشرب قهوة. انطلقت منه ضحكة مرتفعة وقال بإصرار ورفض قاطع: _لا برضوا.. ويلا روحي نامي عشان الصداع اللي عندك ده يخف. _اوووووف بجد يا كرم.
رأته يقف جامدًا لا يظهر عنه أي ابتسامة أو تعبيرات لطيفة، فقط معالم وجهه صارمة بعض الشيء. فتحركت باتجاه الغرفة وهي تلتفت برأسها له وترمقه بأعين مغتاظة وتقوم ببعض الحركات الكوميدية بشفتيها كدليل على غيظها وخنقها منه ومن رفضه. وأخيرًا سارت مباشرة دون أن تتلفت له ودخلت الغرفة ليضحك هو مغلوبًا على أمره من مشاكساتها وعنادها ثم لحق بها! ***
طرقت ميار عدة طرقات خفيفة على الباب حتى أتاها صوته الرجولي وهو يسمح لها بالدخول. ففتحت الباب ودخلت على استحياء. ورأته يشير لها بعينيه ناحية الباب ففهمت فورًا وأغلقت خلفها. ثم تحركت نحوه وجلست على المقعد المقابل له هامسة بنظرة مضطربة: _حضرتك قولت إنك عايزني؟ أخذ طاهر نفسًا عميقًا قبل أن يهتف بحدة: _أيوة، حبيت أقولك بنفسي عشان تعملي حسابك ومتحطيش أمل إنك ممكن ترجعي ألمانيا تاني.
رمقته بذهول صامتة لخمس ثوانٍ حتى تحدثت بعد استيعاب لما تفوه به للتو: _بس ياعمو أنا لسه فاضلي سنة في الكلية ومش هقدر أسيبها. أظلمت عيناه ونبرته أصبحت أكثر خشونة وغلظة، ليجيبها بأعين أرهبتها قليلًا: _كليتك هتكمليها هنا.. لكن سفر تاني مفـــيــــش ياميار. انسي إنك تشوفي ألمانيا دي تاني حتى لو طلقتي من علاء. كانت إشارات الصدمة تعلو معالم وجهها ونظراتها لا تصدق ما يأمرها به، بل وحتى عقلها يرفض الخضوع. فهدرت في رفض بسيط:
_wie bitte!!! ich kann nicht (ماذا!!! أنا لا أستطيع) ارتفعت نبرة صوته قليلًا وهتف بقسوة: _أنا مش بخيرك! ده إجباري ومش قراري لوحدي، دي جدتك بنفسها هي اللي قالتلي كدا. استقامت واقفة وهتفت مندفعة بأعين دامعة: _لا بس ده ظلم، أنا مش عايزة أعيش في مصر وعايزة أكمل دراستي في ألمانيا. طاهر بصياح هادر وانفعال مخيف: _ظلم! كان المفروض تفكري في ده قبل ما تعملي عملتك المهببة دي وتخلي راسنا في الأرض.
انتفضت واقفة بهلع من أثر صيحته وانهمرت دموعها غزيرة. لتسحب نفسها بسرعة وتندفع لخارج مكتبه عائدة لغرفتها متجاهلة نظرات زوجة عمها المستاءة منها. فتحت غرفتها واغلقت الباب خلفها. ثم ألقت بنفسها على الفراش منخرطة في نوبة بكاء عنيفة واستمرت على وضعها هذا إلى ما يقارب الربع ساعة، حتى رأت علاء يفتح الباب ويدخل بعد أن عاد من الخارج. نزع سترته عنه غير مبالٍ لها. ولكن حين وقع نظره عليها ورأى وجهها الغارق بدموعها هتف بغلظة
وسؤال من دافع الفضول فقط: _مالك؟ لم تجبه، فقط ألقت عليه نظرة كلها غل وغضب. لتجده يعيد سؤاله ولكن بنبرة مرعبة: _لما أكلمك تردي عليا! وثبت من الفراش واقفة واندفعت نحوه تصيح به بسخط قوي غير مكترثة لأي شيء ودون أن تضع في الحسبان نتائج فعلتها تلك: _أنا مش عايزك ومش عايزة أعيش هنا. أساسًا أنا مش طايقاكم كلكم. ومحدش فيكم عايز يصدقني والكل شايفني كذابة!! .. هو إنت فاكر إنك هتخوفني بطريقتك دي؟
أنا أصلًا مش شايفاك راجل يا علاء عشان أخاف منك.
هي حقًا فقدت عقلها بالكامل لتهتف بهذه الكلمات أمامه دون إدراك لعواقب الأمر. كان يحجب نفسها عنها بصعوبة منذ أن تزوجها بسبب أبيه الذي يحذره مرارًا وتكرارًا من أن يقوم بفعل متهور معها. ولكن بعد ما قالته الآن هيجت الوحش الخامد في أعماقه وأثارته لدرجة لا يمكنها تخيلها. حيث شعرت بكفها القوي يهوي على وجنتها بعنف حتى أسقطها على الفراش وانحنى نحوها يجذبها من خصلات شعرها ليجعلها تقف على قدماها مجددًا صارخًا بها بصوته الجهوري الذي نفضها نفضًا
بأرضها: _مش راجل هااا! عشان اتجوزتك وداريت على فضيحتك يا***** مش شيفاني راجل؟ ده أنا مشوفتش واحدة في بجاحتك ياقذرة. ارتفع صوت نشيجها القوي وهي تحاول التملص من بين قبضتيه. بينما هو فأكمل ولكن هذه المرة بهمس أثار قشعريرة في جسدها: _إنتي فعلًا متربتيش وعايزة تربية وأنا عارف هربيكي من أول وجديد إزاي ياميار. مبقاش علاء العمايري أما خليتك تشوفي التربية على حق. ثم دفعها على الفراش مجددًا تاركًا إياها وهو يهتف مشمئزًا:
_جاتك القرف في شكلك! *** تحديدًا بغرفة يسر....... تقف في الشرفة وتترك لنسائم الشتاء الباردة الحرية في لفح وجهها فيتطاير معها خصلات شعرها السوداء. دومًا رأيته كتلك النسائم الباردة لا يملك دفء أو رفق، فقط القسوة والصقيع. كانت دموع عشقها تنهمر على وجنتيها لتدفئها فيأتي هو بصقيعه ليثير الرجفة في جسدها ويجمدها بجفائه!
لم تكن تطلب منه أكثر من بعض اللطف والحنو. كان سيكفيها القليل من مشاعر الحب والرغبة. ولكنه رأى أن حتى المشاعر كثيرة عليها. وأشبعها قسوة وإهانة ومشاعر كلها نقم. ولكنها هي المخطئة. هي من سمحت له بتدميرها وتجميد قلبها. هي الساذجة الوحيدة في هذه الحكاية! اندفعت خلف هوسها به حتى نسيت كبرياءها وكرامتها فبعثرها لأشلاء ودهسها!
وفي الواقع هو لم يهنها بل هي من أهانت نفسها حين ركضت خلف رجل لا يريدها. وحين داس بقدمه على عزة روحها في صباح الليلة الأولى بينهم ولقنها بكلماته القاسية وحملها هي ذنب ما حدث بينهم. ورغم هذا لم تفق وعادت له مجددًا حتى تكون الصدمة أقوى ويزيد من إذلالها عندما عرف بحملها وأجبرها على إجهاضه. حينها استفاقت من تعويذة العشق التي كانت تعميها لتفهم وتدرك أن ذلك الرجل لا يستحق ذرة واحدة من عشقها ولا يستحق سوى البغض!
أخفت وجهها بين ثنايا كفيها منخرطة في بكاء حار بقلب منفطر ومنكسر، تبكي حرقة على ما فعله بها فقط لأنها أحبته ورغم كل هذا مازالت تشتاق له. تبًا لهذا العشق اللعين! رفعت وجهها وجعلت تجفف دموعها بسرعة عندما دخلت أمها الغرفة وسمعتها تهتف: _يسر ياحبيبتي إنتي لسه صاحية! التفتت برأسها لأمها وابتسمت بتكلف تتصنع الطبيعية: _هنام دلوقتي ياماما. _طيب ادخلي ياحبيبتي من البرد إيه اللي موقفك كدا؟ كانت تقاوم بالظهور ثابتة حتى لا تنفجر
باكية أمامها وقالت بخفوت: _حاضر هدخل. روحي إنتي نامي. _تصبحي على خير. _وإنتي من أهله. استدار ورحلت أمها. فاستنشقت هي القليل من نسائم الشتاء حتى تعيد تجميد قلبها وتتوقف عيناها عن ذرف الدموع. ولأول مرة ينفعها الصقيع ويزيدها قوة وصلابة. أخرجت زفيرًا يحمل بخار الشتاء ثم دخلت واغلقت باب الشرفة واتجهت نحو فراشها لتمدد جسدها عليه وتتدثر جيدًا بالغطاء مغمضة عيناها في محاولة بائسة منها للهرب من واقعها الأليم!
يتجنب الحديث معها منذ صباح اليوم ولا ينظر لها حتى لا يوهمها بأنه صفى تماما لها. ولكن تجاهله لها بات يثير جنونها ولا تطيقه. لا تتحمل رؤيته غاضب منها ولن تهدأ إلا حين تحصل على مسامحته وتنزع الاستياء من أعماقه. وستعتذر له بكل الطرق الممكنة. رأته يقف أمام الخزانة يخرج ملابس له حتى يأخذ حمام دافيء فنهضت من الفراش واعترت طريقه قبل أن يتحرك. تنظر له بعبوس وتهمس بأسى: _لسا واخد على خاطرك مني صح!
اطال النظر في معالم وجهها دون أن يجيب وهو يجاهد في منع نفسه التي تلح عليه بأن يعانقها ويعنفها بلطف حتى لا تنظر له بهذه النظرات التي تأثره مجددا. وكأنها قرأت أفكاره فوجدها ترتمي بين ذراعيه وتعانقه دافنة وجهها بين ثنايا رقبته هامسة بصوت مبحوح ويغلبه البكاء: _ارجوك يازين متعاقبنيش ببعدك عني وجفائك. أنا تعبت والله ومبقتش قادرة استحمل.
اذابت الجليد بنبرتها وعناقها له فخر مستسلما أمامها. وابعدها عنها يتمتم بصوت دافيء عندما رأى عيناها الممتلئة بالدموع: _متعيطيش! أجابته بعينان تلمع بوميض الأمل ونبرة فرحة: _يعني مش زعلان مني خلاص!
مالت شفتيه للجانب بابتسامة عاشقة وكانت في عيناه نظرة مريبة وجديدة تماما. فطالعته هي بحيرة تنتظر منه الأجابة بنعم. ولكنه اراد أن تكون اجابته مختلفة. حيث رأته ينحني برأسه ناحيتها فتجمد جسدها واضطربت حين توقعت فعلته القادمة. ولم يخطأ توقعها حيث نجح في أن يسرق أخيرا أولى لحظاتهم الغرامية معاً للحظات كانت بمثابة ساعات بالنسبة لكليهما. فيسلبها عقلها بكامل ارادتها.
ابتعد بعد لحظات عابرة واقترب من اذنها يهمس بنبرة اطلقت سهامها إلى قلبها وبابتسامة واسعة: _أظن كدا الإجابة وصلت!
ثم تحرك متجها نحو الحمام تاركا إياها في تخبطات مشاعرها. تحاول لملمة شتات نفسها الذي بعثرها للتو. ثلاث ثواني بالضبط وارتفعت الابتسامة الخجلة لشفتيها تدريجيا لتضع كفها على فمها أو على شفتيها تحديدا موضع قبلته وهي تضحك باستحياء وسعادة غامرة. هرولت نحو الفراش وتدثرت بالغطاء مولية وجهة الحمام ظهرها لكي تتهرب منه حين يخرج كوسيلة لإخفاء خجلها. ظلت تحملق في اللاشيء أمامها وهي تبتسم إلى حين سماعها لباب الحمام يفتح بعد دقائق ليست بطويلة. فأغلقت عيناها فورا متصنعة النوم وقد احست بقلبها الذي يطرق بعنف كالمطرقة. وزاد توترها حين شعرت به ينضم بجوارها في الفراش هاتفاً:
_ملاذ!!! فتحت عيناها على أخرهم ودارت بهم في جميع حدود الغرفة التي أمامها لا تعرف بماذا تجيبه. بل خجلها هيمن عليها لدرجة أنها إن اجابته ستتلعثم ولم تخرج كلمة واحدة صحيحة على الأقل. أما هو فضحك بصوت مكتوم حين فهم خجلها وقال باسمها بشيء من المكر ليوقعها في شباكه: _ملاذ إنتي نمتي! "نمت!! أجل هذه أفضل حجة لأتهرب منه" قالتها لنفسها بارتباك وتصنعت النعاس وهي تردف بتلعثم: _أاا..ايوة. كتم ضحكته واجابها بمزيد من اللؤم:
_امال بتردي عليا إزاي! وجدت نفسها تلتفت له برأسها وتهتف مغتاظة من مكره واصراره على زيادة خجلها: _برد عليك من الحلم يازين!! انطلقت منه ضحكة مرتفعة نسبيا ثم اعتدل في نومته واقترب منها طابعا قبلة رقيقة على جبهتها هامسا: _طيب تصبحي على خير. ذلك الخبيث لم يكفيه مابعثره منها بقبلته منذ قليل والآن يحاول أن يبعثر ما تبقى. اجابت عليه بإيجاز وتوتر امتزج بحياء ملحوظ منها: _وإنت من اهله.
وسرعان ما عادت توليه ظهرها من جديد مغمضة عيناها في محاولة منها للسيطرة على دقات قلبها المتسارعة. داخل منزل محمد العمايري في صباح اليوم التالي. كان كل من هدى ورفيف والجدة يجلسون على مائدة الطعام ويتناولون فطورهم. ماعدا الجدة التي كانت تحدق بالطعام في صمت دون أن تدخل لقمة واحدة منه في فمها. فانتبهت لها هدى وتأففت بنفاذ صبر هاتفة بلين:
_ياماما كلي ابوس إيدك. إنتي بتاخدي علاج ولو مكلتيش كويس هتتعبي. ده من وقت اللي حصل مع ميار وإنتي مش بتاكلي كويس! نظرت لها وقالت باقتضاب: _المفروض إني أكون فرحانة ياهدى! اقتربت بمقعدها منها وامسكت بكفها تملس عليه بلطف هامسة بحنو. فهي تعتبرها أما لها وبينهما علاقة قوية: _أنا مبقولكيش تفرحي! أساسا محدش فينا فرحان. بس مينفعش تفضلي زعلانة كدا ومش عايزة تاكلي. غامت عينان الجدة بالدموع وهي تقول بوجه حزين:
_مش قادرة اصدق إنها عملت كدا ياهدى. أنا دلعتها فعلا بس كنت واثقة فيها وفي الآخر هي تحط راسي في الأرض. تدخلت رفيف في الحديث وقالت بشيء من الحزم: _تيتة إنتي فعلا غلطانة إنك مكنتيش بتاخدي بالك منها ولا بتراقبي أفعالها. بس ده ميمنعش إن الغلط الاكبر عليها وميار مش صغيرة وعارفة الغلط من الصح. وأظن إنها دلوقتي بتدفع تمن غلطها بجوازها من علاء. اماءت الجدة بتأيد على ماقالته حفيدتها ثم مدت يدها وجففت دمعتها
لتنظر لهدى وتقول بصرامة: _والاستاذ حسن مش ناوي يقول اللي حصل بينهم خلاه يطلق مراته. عبست ملامح هدى وقالت بضيق وصوت يائس: _لا هو ولا يسر عايزين يتكلموا. وانا هتجن وافهم ازاي طلقها بالسهولة دي. مش معقول تكون خناقة عادية اللي حصلت بينهم. هتفت الجدة بحدة ونظرات ثاقبة: _أنا هتكلم معاه لما ياجي وهعرف اتصرف معاه الغبي ده!
تنهدت هدى بعدم حيلة بينما رفيف فابتسمت على نعتها له بالغبي. فإن نظرت من المنظور الواقعي هو بالفعل كما وصفته الجدة. اهدر فرصة لن تأتيه ثانية. ولن يجد فتاة تعشقه بقدر يسر مهما فعل!
كان كرم لا يزال نائم في الفراش بثبات تام. وهي بجواره كلاهما وجه لوجه تحدق به بتمعن. تتأمل ملامحه الهادئة والجميلة حتى وهو نائم. شعره الذي يعطي لمسة بنية خفيفة. انفاسه المنتظمة والدافئة. لا يمكن أن يكون بكل هذه الوسامة حتى في نومه. باتت تعشقه أكثر من أي شيء. بل وكيف لامرأة تحظي بقرب هذا الوسيم واللطيف ولا تقع بين شباك عشقه.
وجدت به الأخ والصديق والزوج عندما كان لا يوجد لديها أحد سواه. لطفه وحنانه وحسن معاملته وكلامه الساحر اجبروها على الانخراط بتعويذة العشق. رأت فيه طوق النجاة وحظت بالآمان بقربه وحصلت على ملجأ لها من كل شيء. يكفيها وجوده معها الذي يمنحها القوة والسكينة والأطمئنان. هناك مشاعر متضاربة وكثيرة تشعر بها تجاهه ولكنها لا تعرف حتى كيف تصفها لنفسها سوى أنها تعشقه بكل حرف تحمله الكلمة من معنى.
ومع الأسف يبدو أنها ستعاني من ألم العشق. فهي تعرف جيدا أن برغم كل ما يفعله معها لا يحبها مثلما تحبه فقط يراها كصديقة وشخص يمتلك مكانة كبيرة جدا في قلبه. ولكنها لا تريد تلك المكانة بل تريد قلبه كله. تريد عشقه مثلما يعشق زوجته حتى الآن. فالعشق لا يعرف العدل وإن أحببت يجب عليك أن تتبع قاعدة الانانية أول شيء. وهي لا تريد أن يكون بقلبه سواها. ولكنه لا يحبها! هل هي قبيحة ولذلك لا يلتفت لها؟
ماذا وجد بزوجته حتى عشقها لهذا القدر؟ هل هناك شيء لا يعجبه فيها؟ أم أنها فشلت خلال هذه الفترة أن تنل القليل من حبه؟ توقفت عن طرح الاسئلة لنفسها حين رأته يفتح عيناه فكانت هي جامدة تماما تحملق به بأعين دامعة ولكنه بسبب استيقاظه للتو لم ينتبه جيدا لها وفقط عقد حاجبيه باستغراب حين رآها تحدق به ورسم ابتسامة عذبة على شفتيه يجيبها وهو يهب جالسا ويفرك عيناه: _صباح الخير! تمتمت بخفوت وابتسامة مهمومة: _صباح النور. التفت لها
برأسه وغمغم متسائلا بحيرة: _إنتي صاحية من بدري! اعتدلت في نومتها وجلست مثله. تهز رأسه نافية وتهمس: _لا! أماء برأسه بحركة خفيفة ثم نهض من الفراش واتجه إلى الحمام الملحق بغرفتهم لتحدق على آثاره بيأس وضيق. وبقيت مكانها لدقائق طويلة حتى خرج بعد أن أخذ حمامه الصباحي وكان يمسك بالمنشفة يجفف شعره الذي تتساقط منه قطرات الماء. وأخيرا انتبه لوضعها المريب وشرودها وعبوس وجهها فاقترب وجلس بجوارها بعد أن لف المنشفة
حول رقبته وغمغم باهتمام: _مالك ياشفق! _مليش! قالتها بعدم مبالاة لوضعها وقلة حيلة. فدقق هو النظر جيدا بعيناها المجفلة لأسفل ليراها ممتلئة بالدموع. فظهرت علامات الدهشة والقلق على وجهه وسألها بهدوء: _بتعيطي ليه! رفعت اناملها لعيناها ومسحت دموعها ثم هزت بكتفيها لأعلى وتمتمت بصوت بائس دون أن تنظر له: _مش بعيط! _طيب العياط ده. ليه علاقة بسيف ومامتك!
نفت برأسها وهي مازالت مطرقة لأسفل بوجه تعلوه معالم الأسى. فزدادت حيرته وقلقه ليمد اناملها ويرفع ذقنها برفق هامسا: _بصيلي ياشفق. في إيه!!! علقت عيناها عليه وتمتمت بنظرات مشوشة وصوت مهزوز يغلب عليه البكاء: _هو أنا وحشة ياكرم! غضن حاجبيه بريبة من سؤالها العجيب ولكن سرعان ما ابتسم وتمتم بحنو وهو يملس على شعرها: _وحشة!
أنا مش فاهم إيه مناسبة السؤال ده. بس لا أكيد مش وحشة ياشفق. بالعكس انتي جميلة جدا كفاية ملامحك البريئة وتصرفاتك العفوية اللي بحبها أوي. عادت تشيح بوجهها عنه وتقول محتجة بقلة ثقة: _متجاملنيش! زادت ابتسامته اتساعا وهمهم برقة: _أنا مش بجاملك ومبعرفش اجامل أساسا. طيب تعالي! وقف وجذبها من يدها بلطف حتى اوقفها أمام المرآة ووقف خلفها مباشرة ثم وجدته يضع كلتا يديه على كتفيها هامسا بنظرات عيناه الرمادية الساحرة:
_بصي لنفسك. إنتي شايفة نفسك وحشة كدا!!! دقت النظر بنفسها في المرآة لثواني قليلة ثم نظرت لصورته هو في انعكاس المرآة لتجده يكمل همسه الذي كان قريب بما فيه الكفاية من أذنها: _وبعدين أنا في رأى إن الجمال عمره ما كان بالشكل. ابتسمت ساخرة وهي تقول: _آهاا الجمال جمال الروح وكلام الأفلام والمسلسلات ده! استرسل حديثه بكامل الدفء والرزانة: _بس ده مش كلام أفلام ده حقيقة!
في ناس حلوة كتير شكلها بس لا أخلاق ولا طبع ولا تعامل، والناس كلها بتبقى بتكرهم. وفي ناس بتبقى مش حلوة أبداً بس أخلاقها وطبعها مع الناس بتجبر الكل إنه يحبها. إنتي مستحيل تحبي حد عشان شكله، وإلا ده يبقى مسموش حب، يبقى اسمه إعجاب وهياخدله كام يوم أو كام شهر ويروح. هديكي مثال مثلاً. في كتير بيتجوزوا بنات مش حلوين أو العكس، وبيبقوا مبسوطين وفرحانين ببعض. هتقوليلي إزاي حبها أو إزاي حبته، دول مش لايقين على بعض خالص. هقولك هي محبتش شكله، هي حبت ذاته. في النهاية اللي عايز أوصلهولك إن مفيش حد هيحبك عشان شكلك، إنتي بروحك وأفعالك بتخلي الشخص اللي قدامك يحبك. فهمتي؟
أدمعت عيناها بعاطفة جياشة وهي تبتسم على حظها الجميل وتقول لنفسها: "وماذا إن كان وسيم الشكل مثلك وجميل الطبع أيضاً؟ بتأكيد سأفقد عقلي تماماً! التفتت له بكامل جسدها وهي تحدجه بدموع عينيها وتبتسم بعشق جارف، وارتمت بين ذراعيه مغمغمة بدلال أنثوي جميل: _طيب اسمحلي أقولك إن إنت اللي حلو بجد في كل حاجة، مش شكلها بس.
كان يشك في حقيقة مشاعرها تجاهه منذ فترة، والآن شكه ازداد أكثر في أعماقه. ولكنه لم يعقب كثيراً وفضل أن يتصرف بطبيعية تماماً وكأنه لم يفهم شيئاً من نظراتها العاشقة له دوماً. لاحت ابتسامة بسيطة على شفتيه، ورفع يده يضعها على ظهرها متمتماً بنعومة: _اممممم عارف، قولتهالي كتير قبل كدا. بس إنتي مش ملاحظة إنك بتتغزلي فيا كتير الأيام دي. ابتعدت عن وقالت بمشاكسة وغنج عفوي: _أنا!! لا أبداً. إنت أكيد بيتهيألك!!
_اااه ما أنا قولت كدا برضو! قالها بابتسامة امتزجت ببعض المكر، لتتخلي هي عن مزاحها وتقول بلطافة وامتنان به القليل من الخبث شاكرة إياه على كلماته الرائعة التي قالها للتو: _شكراً يا كوكو! مد يده يقرص وجنتها بلطف ويقول بنفاذ صبر مغتاظاً: _العفو. بس نبطل كوكو دي هااا!! افترت عن ابتسامة عريضة وأسنان بيضاء ناصعة، أما هو فألقى عليها نظرة دافئة أخيرة قبل أن يستدير وينصرف، تاركاً إياها تبتسم بهيام وتصدر تنهيدات مغرمة بجماله.
داخل مقر شركة العمايري، تحديداً بمكتب حسن. مر أسبوع منذ أن تركت المنزل ورحلت. أسبوع فقط قلب جميع الموازين ضده! ولا ينكر أنه لسبب مجهول لا يتمكن من التوقف عن التفكير فيها، بالأخص بعد ظهور ابن الخالة الذي يراه بكثرة معها. وفي كل مرة يراها معه يداهمه شعور عدواني تجاهه بأن يذهب ويبرحه ضرباً، ومن ثم يجذبها ويرحل بها فيعنفها بشدة. ولكنه يتجاهل ذلك الشعور الذي يخنقه ولا يعرف سببه، وينجح بكل مرة أن يتمالك أعصابه بصعوبة.
الآن هناك صوت بداخله يلح عليه بأن يذهب ويتحدث معها، لعله يتمكن من الحصول على مسامحتها. فهناك حقيقة واحدة يقرها وهي أن ضميره يقتله كل يوم، ولا يستطيع إسكاته. يشعر بالذنب تجاهها وتجاه طفله، ولا يود أن تكون النهاية مؤلمة لكليهما هكذا. هب واقفاً بعد أن حسم قراره وغادر مكتبه متجهاً إلى مكتبها، ولكنه قابلها في الطريق وهي على وشك أن تستقل بالمصعد الكهربائي. وهمت بأن تضع قدمها بداخله، ولكن تراجعت حين سمعت صوته يهتف منادياً
عليها: _يــســر! أغلقت عيناها وهي تأخذ شهيقاً قوياً وتخرجه زفيراً متهللاً، تؤهل نفسها لمواجهته بقوة كما اعتادت. وبالفعل التفتت له بكامل جسدها وطالعته بثبات تام، ليقترب ويقف أمامها متمتماً بهدوء: _ممكن نتكلم شوية؟ قالت بعدم اكتراث وجفاء وهي تهم بالاستدارة والرحيل: _مفيش حاجة بينا عشان نتكلم فيها! قبض على رسغها ليوقفها من الرحيل هامساً بنبرة تحمل بعض الرجاء: _خمس دقايق بس!
نظرت ليده التي تقبض على رسغها بنظرات نارية، فتركها فوراً حتى لا يغضبها أكثر، بينما هي فقالت بشراسة: _معاك خمس دقايق بالظبط تقول فيهم اللي عايزه، لأني مش فاضية. وإيدك دي متلمسنيش تاني يا حسن، فاهم ولا لا!! تنهد بضيق وقال موافقاً: _حاضر. ممكن بقى تاجي المكتب عشان مش هينفع نتكلم هنا! تأففت بخنق ثم سارت قبله باتجاه المكتب ودخلت، ليدخل هو خلفها ويغلق الباب ثم يقول بصوت رجولي مشيراً بعينيه على الأريكة: _اقعدي.
اغتاظت بشدة من محاولاته لكسب الوقت وقالت شبه منفعلة: _إنا مش هقعد.. قول اللي عايز تقوله يا حسن، يلا. رمقه بأسى، فقد يبدو أنه لم يتمكن من الحصول على ما يريد أبداً. اقترب منها ووقف أمامها مغمغماً باعتذار صادق: _أنا عارف إني كنت بعاملك وحش وظلمتك أوي وهنتك وعذبتك. وعارف إننا كنا متفقين على الطلاق وإنك عندك حق تاخدي مني الموقف ده بعد اللي حصل مني. بس أنا مش حابب ننهيها بالطريقة دي صدقيني وحابب أثبتلك ندمي.
ضحكت باستهزاء قائلة: _هي انتهت خلاص، مش لسه هننهيها. إنت طلقتني لو ناسي يعني! وأنا مش فارق معايا ندمك أو غيره أصلاً. خلاصة الكلام إنت ذات نفسك كلك متفرقش معايا. أطال النظر في عينيها يحاول البحث عن القليل من العشق المدفون تجاهه، ولكنه لم يجد سوى الغضب والنقم والثبات. فابتسم ببعض المرارة ساخراً: _يااااه بالسرعة دي قدرتي تكرهيني؟ بعد كل اللي عملتيه عشان توصلي ليا وبعد كلامك إني مش هلاقي حد يحبني قدك!
كانت تعافر نفسها الضعيفة على الظهور أمامه بمظهر القوية، ولملمت ما تبقى من شتات قلبها لتجيبه بكل القسوة والحزم والقوة: _مبقتش عايزة أحبك خلاص!! كان غلط كبير جداً. وإنت أكبر غلط هفضل ندمانة عليه طول حياتي. أنا ندمانة على كل ذرة من مشاعري اللي أهدرتها على واحد ميستهلش زيك. عايز الصراحة؟
أنا الوحيدة اللي طلعت غبية وساذجة من اللعبة دي، مش إنت. وللأسف أدركت ده متأخر. بس متقلقش، كلها كام يوم وهماحيك من كل ذكريات حياتي زي النكرة، عشان مش يسر اللي هيكسرها واحد حقير زيك. ثم تراجعت للوراء واخرجت هاتفها الذي يعلن عن وصول اتصال من أحدهم، ثم سمعها تجيب عليه وهي تغادر المكتب: _الو يا راسل، أنا نازلة أهو! كور قبضة يده بقوة، وهو يجز على أسنانه هامساً بأعين حمراء كالدم: _امممممم راسل!!!!!
فتح علاء باب المنزل ودخل ليجد أمه تسرع إليه قائلة بانفعال: _برن عليك إنت وأبوك محدش بيرد عليا ليه؟!! أجابها مستغرباً من انفعالها: _كنت في اجتماع يا ماما وبابا كان معايا، أنا جاي آخد حاجة وماشي تاني. في إيه متعصبة كدا ليه؟ _ميار مش قاعدة في البيت. قلبت عليها البيت كله ملهاش أثر!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!