توقفت عن الكلام حين وجدته يصوب نظره على شيء بالخلف فالتفتت فورًا وهمست برعب جلي وصدمة: _زين!!! رأته يقترب نحوهم حتى وقف أمام أحمد مباشرًا وجذبه من لياقة قميصه موجهًا له حديثه في صوت كان مرعبًا بالنسبة لها: _امشي من هنا بالذوق بدل ما أخليهم ياخدوك على نقالة.
القي أحمد نظرة متشفية على ملاذ فلقد حالفه الحظ ويبدو أنه نجح في تخريب زفافها دون أن يبذل جهدًا، عاد بنظره لزين ونزع قبضته عن ملابسه ثم هندم قميصه والقى عليهم نظرة بابتسامة استهزاء ثم استدار ورحل. أما هي فكان جسدها يرتجف من الخوف والارتباك فآخر شيء كانت توده هو أن يعرف الحقيقة بهذا الشكل. رأت في وجهه جموح وسخط مرعب، لأول مرة تراه بهذا الشكل المخيف.
كان يتحاشى النظر لوجهها حتى لا يرتكب جرمًا يندم عليه فيما بعد، فاستجمعت شجاعتها المزيفة وهمست في صوت كان به بعض التوسل أن يتركها تفسر له كل شيء: _زين أااا… قطع كلامها صوته المريب والمتحشرج وهو يلقي عليها أوامر مفروغ منها ويضغط على كفه ليتمالك أعصابه التي على وشك الانفجار: _ارجعي الفرح جوا.
وقفت تحدق به بأعين بائسة ودامعة وسرعان ما انتفضت واقفة وتراجعت للخلف قبل أن تستدير وتذهب مسرعة نحو الحمام، عندما سمعته يصيح بها بصوت جهوري ووجه محتقن بالدماء: _سمعتي! رأتها مي وهي تتجه نحو الحمام مسرعة عندما خرجت لتراها ولكنها دهشت حين رأت زين يتجه نحو سيارته ليصعد بها وينطلق مغادرًا الزفاف بأكمله. فهرولت هي الأخرى راكضة وراء صديقتها وفتحت باب الحمام خلفها فتجدها منكبة على نفسها تبكي بحرقة وعنف لتسرع لها وتهتف بهلع:
_ملاذ حصل إيه؟ رفعت نظرها وقالت بصوت مرتعش من أثر البكاء: _عرف كل حاجة وسمعني وأنا بتكلم معاه وبقوله إني بحبه وإني اتجوزت زين عشان انتقم منك. كتمت شهقتها المنصدمة والمرتفعة بكف يدها ثم قالت في عتاب شديد: _أنا قولتلك متطلعيش إنتي اللي صممتي ومسمعتيش كلامي، أنا شوفت زين دلوقتي وهو بيركب عربيته ومشي وساب الفرح. فغرت شفتيها بدهشة وازداد بكائها وهتفت بقلق حقيقي وندم:
_هو عصبي جدًا ولو حصلتله حاجة وهو متعصب كدا مش هسامح نفسي أبدًا.. أنا السبب في كل حاجة واستاهل كل اللي يجرالي. ضمتها مي لصدرها مرتبة على ظهرها بحنو وهمس في رزانة: _مش وقته الكلام ده دلوقتي، إنتي دلوقتي هتفكري هتعملي إيه وهتتصرفي إزاي في اللي حصل ده، ومتقلقيش عليه إن شاء الله من هيحصله حاجة، كفاية عياط بقى وقومي عشان اظبطلك المكياج ونرجع لهم. _مش عايزة حاجة يامي أنا تعبت بجد. ملست على وجنتها برقة وهي تجفف لها دموعها
هامسة في إشفاق عليها: _عارفة بس صدقيني كل حاجة هتبقي زي الفل والله أنا واثقة.. قومي يلا ابوس إيدك ومتخليش حد يشك كفاية هو عرف، خلينا نحاول ننقذ ما يمكن انقاذه قبل ما يفوت الآوان. بقت جامدة تمامًا لا تصدر حركة ودموعها أخذت تسقط في صمت للحظات حتى توقفت وبدأت صديقتها تعيد مكياجها البسيط جدًا من جديد حتى لا يشك أحد بالأمر وأخذتها وعادوا لهم.
جلست على مقعدها المخصص لها كالآلية لا تشعر بشيء مما أثار وضعها ريبة والدتها التي اقتربت منها وسألتها في قلق: _ملاذ في إيه مالك؟ انتبهت لها فنظرت لها وتمتمت في هدوء مرير: _مفيش حاجة ياماما مرهقة شوية بس. *** أوقف السيارة جانبًا في أحد الشوارع، ورجع بظهره للخلف مغمضًا عيناه باستياء امتزج بمرارته. هل قبلت به لتأخذ منه درعًا تحمي به الباقي من كرامتها المهدرة؟ هل كانت تنظر في وجهه وتضحك وهي تحمل في قلبها غيره؟
بل كيف يمكنها أن تكون بكل هذا الانحطاط وتقبل نفسها أن تكون زوجة لرجل وتترك قلبها لغيره؟ هل كان هذا هو جزاء الإحسان؟
لا يدري أيلومها لأنها وضعته محل المغفل أم يلوم نفسه لأنه وثق بها ثقة عمياء وأحبها من أعماقه. كان على أتم الاستعداد أن يجعلها أسعد امرأة في الكون سيغمرها بعشقه ولطفه وحنانه للدرجة التي تجعلها لا تطيق الابتعاد عنه للحظة، ولكنها لا تستحق أن تظفر بهذا الحنان. ياليتها أخبرته بكل شيء بنفسها كان سيحترم صراحتها وسيعلو شأنها في نظره ولكن بفعلتها تلك سقطت من مقصورة نظره إلى أدنى مستوى وأحقره.
الآن هو يجب أن يتحلى بالحكمة والرزانة وينهي كل شيء بهدوء. هي أخطأت وهو لا شك بأنه أخطأ أيضًا ويجب أن يكون عادلًا. فمهما فعلت هو لن يتمكن من معاقبتها بقسوة وسيكتفي بهذا القرار الذي اتخذه الآن والذي سيكون أسلم حل لوضعهم. حرك محرك السيارة وانطلق عائدًا للزفاف بعد أن هدأت نفسه الثائرة قليلًا وأجاب على رنين هاتفه المتكرر بخشونة: _أيوة ياحسن. أتاه صوت أخيه مازحًا بمرح: _إيه شوفتها ياعم الحبيب؟ قال ساخرًا في نبرة صوت كان
يجاهد في إخراجها طبيعية: _أممم شوفتها. _طيب إنت فين ليه مرجعتش، الكل بيسأل عليك هنا؟ اكتفى بكلمة واحدة في حزم وأنهى الاتصال دون انتظار إجابة منه: _جاي. أنزل حسن الهاتف من على أذنه باستغراب ونظر لكرم الجالس بجواره الذي سأله في فضول: _في إيه؟ زم حسن شفتيه للأمام بجهل متمتمًا: _معرفش شكل في حاجة حصلت، صوته غريب. _لا عادي متاخدش في بالك تلاقيه مش طايق نفسه عشان من الصبح مانعينه يشوف مراته. _عندك حق.
قالها حسن وهو يضحك ليبادله هو بابتسامة بسيطة. *** كانوا مجتمعين في حديقة المنزل بعد انتهاء الزفاف ويقضون جلسة عائلية مرحة وجميلة ويشاركهم حسن ويسر في هذه الجلسة التي كانت بين عائلة محمد العمايري فقط. هتفت رفيف في عبس بسيط: _والله القعدة دي ناقصة زين. هتف حسن بدوره مازحًا: _آه كان هيقولنا إيه القعدة اللي قاعدينها دي قوموا استفادوا بالوقت بدل ما إنتوا بتحكوا كدا.
كان كرم يستمع لحديثهم ويكتفي بالابتسام كعادته في أي تجمع عائلي يفضل أن يكون مستمعًا صامتًا. أما يسر فكانت تقشر من اللب الموضوع في الصحن أمامها وتهتف في جدية وابتسامة صافية: _لا بس ملاذ لايقة جدًا على زين، اخترتي صح يامرات عمي طلعتي مش ساهلة! قهقهت هدى بقوة وأجابت عليها في فخر: _لازم أنقيله ست البنات ده الغالي، وملاذ أدب وأخلاق ماشاء الله. قالت رفيف وهي تزم شفتيها للأمام في عدم اقتناع:
_أنا مش نازلالي من زور معرفش ليه، حساها خبيثة ولئيمة. _بالعكس أنا شيفاها طيبة وكيوتة خالص. قالتها يسر ببساطة وهي لا تتوقف عن أكل وتقشير اللب كنوع من التسالي المفضلة لديها، لتجيب عليها رفيف بضحك ومشاكسة: _الدنيا حصل فيها إيه! يسر بتشكر في حد، لا مش مصدقة! نقلت نظرها بينهم جميعًا في دهشة امتزجت بالإحراج وقالت متصنعة الغضب في كذب مكشوف: _على فكرة إنتوا ماخدين عني فكرة غلط، أنا قلبي طيب وبحب كل الناس والله.
نظرت رفيف لكرم الذي يطالع زوجة أخيه وابنة عمه مبتسمًا باتساع وقالت في مكر مرح: _طبعًا إنتي هتقولي كلنا نشهد على ذلك من طفولتك بتحبي الناس وعمرك ما أذيتي حد. أصدر كرم ضحكة مرتفعة رغمًا عنه عندما تذكر تلميح شقيقته لتستغرق هدى لحظات حتى تفهم سبب ضحكهم وتنفجر هي الأخرى ضاحكة. أما هي فأخذت تفكر وتحاول فهم ما الذي تذكروه ولما انفجر كرم ضاحكًا؟
وأول شيء خطر على ذهنها عندما كانت في سن السادسة وأخبرها والدها وعمها محمد بأنهم سيزوجوها لكرم فأخذت تصرخ بهم قائلة أنها لن تتزوج سوى حسن وأنها تكره كل البشر ما عدا هو. وبعد دقائق خرجت لحديقة المنزل وكانوا هم يبنون غرفة خارجية في الحديقة فجمعت في يدها مجموعة من الحصى الكبير نسبيًا واتجهت حيثما يجلس كرم الذي كان يبلغ من العمر اثني عشر عامًا وأخذت تحدفه بالحصى وحاول هو أن يتفاداها ويصيح عليها أن تتوقف إلى أن أصابت أحدهم رأسه ونزف الدماء!
اخفضت نظرها فورًا في إحراج وهي تتحاشى النظر إليهم وتخفي ابتسامتها الخجلة من ضحكهم حتى وجدت هدى تهتف من بين ضحكها: _طول عمرك مفترية يايسر ياحبيبتي. _خلاص بقى يا جماعة أقوم طيب عشان تبطلوا تحفيل عليا! توقف كرم عن الضحك عندما أخرج هاتفه الذي يصدر رنينه وقرأ اسم المتصل لينهض من جانبهم ويبتعد قليلًا ليجيب. أما حسن فقد اقترب من أذنها هامسًا في خنق: _ممكن تبطلي أكل اللب عشان صوته بيعصبني.
رمقته ببرود ثم وضعت واحدة بين أسنانها وضغطت عليها لتصدر الصوت الذي يستفزه وغمغمت في أذنه بهدوء مثير للأعصاب: _ملكش دعوة مش عاجبك قوم من جمبي.
صر على أسنانه ياغتياظ يحاول أن يبدو بمظهر الهادئ وأن يتصنع الثبات، فانحنى للأمام ناحية المنضدة الصغيرة والتقط الصحن من عليها متصنعًا أنه يريد أن يأكل وأسقطه عمدًا على الأرض لتتناثر حبات اللب جميعها على الأرض فتنحني يسر لتلمهم حتى لا يدعس أحد عليهم أحد فتجد هدى تخبرها بعفوية أن تتركهم وأن حارس الحديقة سيأتي بعد قليل وسيقوم بتنظيف الحديقة بأكملها، لتعود لجلستها الطبيعية وترمق الجالس بجانبها شزرًا وهو لا يبالي لها مطلقًا.
أجاب كرم على الهاتف ليتلقى خبرًا من الحارس الخاص بشفق كان بمثابة الصاعقة التي نزلت عليه، ويخبره بوضوح أن والدة صديقه قد أخذوها للمستشفى وتوفت نتيجة لغيبوبة سكري مفاجئة والمسكينة ابنتها في حالة يرثى لها وقد أعطوها حقنة مهدئة حتى تتوقف عن الصراخ والبكاء، فانهى معه الاتصال فورًا وهرول ناحية سيارته ليستقل بها وينطلق وسط نداء أمه عليه التي فزعت من منظره المذعور! ***
مرت نصف ساعة منذ قدومهم للمنزل وهي كامنة في الغرفة لا يصدر لها صوت وهو بالصالون يجلس على الأريكة، مستندًا بمرفقه على مسندها الجانبي وكفه على جبهته. هل كان يستحق ما فعلته به؟ لماذا أخفت عليه أنها لا تحبه ولا تريده؟ هل العبث بالمشاعر مباح بالنسبة لها؟ قبلت أن تكون زوجة له وهي تعرف عواقب هذه الخطأ الذي لا يغفر! ياليته لم يحبها مثلما فعلت هي، فربما معاناته الآن كانت ستكون أقل.
اعتدل في جلسته وأخذ نفسًا عميقًا بعد أن استعد لمواجهتها وهب واقفًا ثم سار صوب الغرفة التي من المفترض أن تكون غرفتهم!
فتح الباب دون أن يطرق ليجدها تجلس على الفراش وكما هي منذ أن دخلت الغرفة لم تنزع حجابها حتى، فيدخل ويترك الباب مفتوحًا ثم يجلس على المقعد الوثير أمام المرآة وعم الصمت بينهم لدقيقة كاملة وهو يتابعها ويرى قسمات الخوف الممزوجة بالحزن على محياها وهي تطرق رأسها أرضًا، ليبتسم بسخرية ومرارة عندما فهم ما يدور في ذهنها. هل حقًا تظنه سيثأر منها لكرامته ورجولته التي كسرتها عندما رآها تتحدث مع رجل وتقول له بكل وضوح أنها تحبه هو ولا تحب زوجها!
ولكن لديها العذر فهي لم تعرفه جيدًا بعد وإلا لما كان رأى نظرات الخوف في عينيها من أن يرفع يده عليها ويضربها! أصدر زفيرًا قوي سمعته هي جيدًا ثم سمعت صوته القاسي وهو يتحدث بثبات لم تتوقعه منه:
_أنا مش هطلب منك تفسير على اللي حصل لإني مش عايز أعرف واللي سمعته كفاية أوي، فأنا عايزك تركزي في اللي هقوله دلوقتي كويس.. كل اللي بينا انتهى واظن إننا مش لبعض وإنتي أكيد هتلاقي الشخص اللي يناسبك وتحبيه، فعشان كدا هعمل حساب لكلام الناس وجوازنا هيستمر لمدة شهر وبعديها هطلقك وكل واحد فينا هيروح لحاله، لأن أنا مش هقبل إني أعيش مع واحدة عقلها وقلبها مع راجل غيري.. مش هقبل تكوني في حضني وبين إيديا وعقلك مشغول بالتفكير في
غيري، إنتي وافقتي تتجوزيني واستخدمتيني وسيلة عشان تنتقمي من خطيبك السابق اللي إنتي لسا بتحبيه.. وكملتي لغاية ما كتبنا الكتاب، إنتي عارفة يعني إيه تكوني على ذمة راجل.. يعني قلبك وتفكيرك ميبقاش غير ليه بس واللي إنتي كنتي بتعمليه ميطلقش عليه غير مسمى واحد وهو الخيانة، وكنتي بتكدبي عليا لما بسألك عن سبب انفصالك بخطيبك.
سالت دموعها وهتفت مقاطعة إياه في صوت باكي ونادم محاولة الدفاع عن نفسها المذنبة: _أنا مكنــ… توقفت حين وجدته يهتف في حزم ونظرات مميتة: _أنا لسا مخلصتش كلامي ومش عايز اسمع صوتك نهائي لغاية ما اقول اللي عندي وأقوم. التزمت الصمت فورًا وعادت تجفل نظرها أرضًا مجددًا وتترك العنان لدموعها التي تنهمر بصمت وتستمع له وهو يكمل بنفس نبرته القاسية بل وأشد قسوة:
_الحياة بينا خلال الشهر دي هتكون بحدود، كل واحد فينا في أوضة ولو مش حابة تواجهي قسوتي يبقى تجنبيني ومتخلنيش اشوف وشك أبدًا طول ما أنا موجود في البيت، لإني مش طايق أشوفك أصلًا ولا اسمع صوتك ياملاذ، واللي حصل ده ياريت محدش يعرف بيه ولا يعرف إننا بعد شهر هنتطلق هنتصرف طبيعي قدام أهلك وأهلي.. مفهوم.
هزت رأسها بالموافقة ودموعها تزداد في الأنهمار، أما هو فوقف وانصرف متجهًا للغرفة المجاورة، لتقف هي وتسرع بإغلاق الباب وتنكب على الأرض باكية بعنف ولا تتمكن من التقاط أنفاسها من شدة البكاء، تقسم له أنها لم تكن تقصد خيانته وتغيرت تمامًا بعدما تزوجته وأصبحت تحاول جاهدة لنزع ذلك العشق المحرم من قلبها لتكون ملكًا له بجميع جوارحها.. ولكن الأمر يحتاج لبعض الوقت ولو أعطاها الفرصة فهي بالتأكيد ستصلح الجرم الذي ارتكبته في حقه وستثبت له أنها تريد أن تكون زوجته هو ولا تريد أن يكون في قلبها رجل غيره، ولكن للأسف فلا سلطان على القلب!
*** كان يقود خطواته الراكضة نحو باب المستشفى حتى استوقفه انتظار الحارس فتوجه إليه وهتف في زعر: _حصل إيه يامسعد؟ أطرق رأسه في أسف وحزن مغمغمًا:
_أنا كنت تحت عند باب العمارة ومرة واحدة لقيت عربية الإسعاف وقفت وطلعوا على فوق مجاش في بالي إنها هتكون والدة الأنسة شفق نهائي وبعديها بدقايق لقيتهم نازلين وهما شايلنها على النقالة وكانت قاطعة النفس يعني متوفية من قبل ما توصل المستشفى وركبت الأنسة شفق معاها في العربية وأنا جيت وراهم علطول والدكتور بمجرد ما كشف عليها قال إنها متوفية بسبب غيبوبة سكر. مسح على وجهه وهو يتأفف بقلب موجوع ويهتف معنفًا إياه:
_وإنت متصلتش بيا ليه من وقت ما جات عربية الإسعاف. _تلفوني كان فاصل شحن واستنيت لغاية مايشحن شوية واتصلت بيك. _طيب وهي فين دلوقتي؟ أجابه في خفوت: _منتظرين حد يخلص إجرارات الوفاة والخروج عشان تبدأ في تصريحات الدفن، والأنسة شفق انهارت وادوها حقنة مهدئة وصحبتها جات من حوالي خمس دقايق ومعاها دلوقتي.
استقرت في عيناه نظرة مريرة ثم تركه وسار نحو الداخل ببطء، إلى متى سيستمر في تلقي أخبار وفاة احبائه، إلى متى سيظل هو من يتولى تصريحات دفنهم ويكون هو أول من يدخلهم لقبرهم. ذاق العذاب لأول مرة عند وفاة والده ومن بعده زوجته ولحق صديقه بها والآن المرأة التي لطالما أحبها واعتبرها أمًا ثانية له!
جلس على أقرب مقعد وجده أمامه واحني رأسه دافنًا إياها بين راحتي يديه وأعتق دمعة كانت تحارب من أجل السقوط، كانت تحارب لأجل كل الآلام والأوجاع التي سكنت قلبه بفراق أحبته. أصبح يخشى العيش أكثر فيشهد فقد عزيز آخر! بعد مرور دقائق من الصراع والحزن هب واقفًا واتجه نحو الغرفة التي تكمن بها شفق وطرق الباب بهدوء شديد، ففتحت له نهلة التي كانت عيناها تذرف الدموع بغزارة. حتى جاءها صوته الضعيف وهو لا ينظر لها: _عاملة إيه دلوقتي؟
غمغمت في صوت باكي: _جاتلها حالة انهيار وعصبية بقت تصرخ بطريقة هستيرية أنا مشوفتهاش كدا يوم وفاة سيف، والممرضات ادوها حقنة مهدئة ولسا نايمة. قال في إيجاز لعدم قدرته على التحدث: _طيب خليكي جمبها معلش ومتسبهاش لغاية ما اخلص الإجراءات وكل حاجة. أومأت له بالموافقة وهي تمسح دموعها التي تسقط تلقائيًا حزنًا على صديقتها وأمها، بينما هو فاستدار وانصرف. ***
انتهت إجراءات الدفن كاملة وتم العزاء ومر يوم كاملًا ومع فجر اليوم الأول كان ضوء الشروق خافت في السماء والأجواء هادئة تمامًا في الشوارع. إن قمت بإلقاء إبرة ستسمع صوتها كأنها قطعة حديد سميكة!
كان يسير على قدميه وحيدًا واضعًا قبضتيه في جيبي بنطاله، بعد أن قضى وقته المعتاد مع كل من زوجته وصديقه يشكو لهم همه وألمه ولا تخلو جملة دون أن يبوح بمدى شوقه وتعطشه لمعانقتهم مجددًا، فقد بدأت الأعباء تثقل وظهره بدأ في الانحناء ولكنه يعافر ولا يقبل الضعف!
وصل أخيرًا بعد دقائق طويلة من السير على الأقدام وفتحوا له حراس البوابة الرئيسية الباب ليدخل بهدوء تام ويتجه نحو الأريكة المتوسطة في آخر الحديقة ثم يلقي بجسده عليها، لتركض التي كانت تقف في شرفتها منتظرة قدومه على أحر من الجمر وبعد لحظات وقفت أمامه ثم انحنت وملست على شعره الغزير مغمغمة في حنو وعتاب رقيق: _كرم كنت فين يابني لغاية دلوقتي قلقتني عليك؟
فتح عيناه المرهقة وابتسم لها ببساطة ثم التقط كفها وقبل باطنه في رقة واعتدل جالسًا لتجلس هي بجواره وتهمس في شفقة: _مالك ياكرم؟ تطلع إليها بأعين تسبح بها الدموع الموجوعة ثم اقترب وألقى بنفسه بين ذراعيها لينعم بحنانها الذي يزيح عن نفسه شقائها، ويخرج صوته مبحوحًا: _تعبان يا أمي تعبان أوي. هطلت دموعها بغزارة حرقة وألم على عزيزها وفلذة كبدها الذي ينهار رويدًا رويدًا أمامها وهتفت بنبرتها الباكية:
_ليه بتعمل في نفسك كدا ياحبيبي.. كفاية يابني ابوس إيدك! وجده يهتف في ابتسامة تحمل كل أصناف الشقاء: _الموت مخدش مني غير اللي بحبهم، وبقيت بفكر ياترى الدور على مين تاني، وبتمنى يكون عليا أنا عشان ارتاح. عنفته بشدة من وسط بكائها الذي اشتد: _بعد الشر عليك.. لو حصتلك حاجة هتلاقيني وراك أنا مستحملش أشوف فيك شر إنت وإخواتك، أنا حاسة بيك بس حزنك مش هيفيدهم بحاجة ادعيلهم وبص لحياتك ولنفسك ياحبيبي. غمغم في مرارة وأسى:
_سيف سابلي أمانة تقيلة أوي وخايف مكونش قدها واضيع الأمانة، أروى برضوا كانت أمانة وضيعتها ومحافظتش على الأمانة.. في اليوم ده فضلت ترن عليا عشان تقولي إنها طالعة ورايحة فين وأنا مردتش عليها.. ليه؟ عشان كنت في اجتماع.. أنا فضلت الشغل عليها وهي راحت! وراحت بأبشع الطرق وسابت نار جوايا مش هتتطفي غير لما أخد حقها. _ربنا يرحمها ياحبيبي، هي في مكان أحسن منينا. غمغم في صوت يغلبه البكاء: _وحشتني أوي يا أمي.
جففت دموعها وحاولت امساكهم حتى لا يسقطوا مجددًا، ثم أخذت تملس على شعره كما كانت تفعل في صغره.. فشعره نقطة ضعفه يهدأ ويسكن تمامًا عندما يلامسه أحد. مرت دقائق قليلة وهي لا تزال تملس عليه بحنو حتى خرج صوتها مهتمًا: _شفق عاملة إيه دلوقتي؟ ابتعد عنها ومسح على وجهه مغمغمًا بأسى وإشفاق على تلك المسكينة:
_عدى يوم وداخلين في التاني أهو ولسا زي ما هي مبتتكلمش والأكل صحبتها بتخليها تاكله بالعافية دخلت ليها النهاردة حاولت اتكلم معاها وهي كأنها مش عايشة ومش سمعاني ومبصتش عليا حتى. تنهدت هدى في حزن وشفقة وقالت بقسمات وجه متأثرة: _ربنا يصبرها، الصراحة كتر خيرها.. البنت لسا مفقتش من موت أخوها ودلوقتي أمها وهي ملهاش غيرهم، إلا صح ياكرم هي ملهاش عم أو خال أو أي حد؟
_أمها كانت وحيدة أبوها وأمها وأبوها معاه أخ وفي مشاكل كبيرة أوي بينهم وعايشين برا وحتى لما مات ابن اخوه مهنش عليه ياجي يحضر العزا، ربنا يصلح الحال.. أنا هستني الصبح يطلع وهغير هدومي وهروح أجيبها من المستشفى وأخليها تاجي تقعد هنا معانا مش هقدر أسيبها وحدها في البيت. ابتسامة خبيثة داخلية انطلقت في نفس هدى، ولكنها أخفتها مم الظهور على شفتيها وقالت بإذعان لرغبتها في جلبها للعيش معهم: _أعمل اللي تشوفه صح يابني. ***
داخل شركة عائلة العمايري بعد ساعات ليست بقليلة. كانت يسر في مكتبها وبيدها كوب الشاي الدافئ الصباحي الخاص بها، وترتشف منه ببطء وهي تقف أمام النافذة تشاهد الداخل والخارج للشركة من نافذتها، فإذا بنظرها يقع على المدعوة بـ "رحمة" وهي تسير صوب الباب مسرعة، لتبتسم بسخرية امتزجت باللؤم وهي تهمس في نظرات شيطانية: _أدخلي ادخلي ياعمري.. ده أنا كنت مستنياكي!
ثم وضعت كوب الشاي على المنضدة وهندمت من ملابسها وتنصب جسدها لتقف شامخة ثم اندفعت للخارج متجهة نحو مكتب زوجها، وقبل أن تدخل وقفت تتحدث للسكرتيرة في جدية مغمغمة: _ميرنا، البنت اللي اسمها رحمة طالعة لما توصل اديني رنة وخليها تدخل علطول وادخلي وراها وقولي إنها دخلت بالغصب فاهمة.
أومأت لها بإيجاب بابتسامة عذبة، بينما هي فتوجهت نحو الباب وفتحته دون أن تطرق ودخلت لتجده يقف أمام الزجاج الشفاف ويولي ظهره للباب، فأغلقت الباب ببطء واقتربت له بعد أن التقطت حبة عنب من الصحن الموضوع على المنضدة المتوسطة في نصف المكتب، فسمعت صوته المختنق يهتف دون أن يستدير نحوها: _كان المفروض امنعك من الشغل مش هتبقى في البيت والشركة. اقتربت منه وعانقته من الخلف مغمغمة في دلال: _اخص عليك ياحسن!!
على فكرة إنت بتجرح مشاعري! قبض على ذراعيها الملتفين حول خصره وازاحهم بهدوء وهو يستدير له هاتفًا في استهزاء: _إيه ده هو إنتي عندك دم!! أنا كنت فاكرك عديمة الإحساس. لفت ذراعيها حول رقبته ورسمت ابتسامة صفراء على شفتيها وهي تجز على أسنانها وتجيبه بغيظ مكتوم: _دمك شربات يابيبي! لف ذراعه حول خصرها وقال في نظرة وقحة وكلمات قاصدًا منها أن يثير غضبها التي تحاول كبحه أمامه:
_إللي يشوفك وإنتي عمالة تتدلعي كدا عليا ميشوفكيش يوم الفرح لما فضلت تتوسليني عشان ملمسكيش، لو غيرتي رأيك يبقي وفري الدلع ده لما نروح البيت، بس خليكي فاكرة إن مهما تعملي مش هتقدري تغيري نظرتي ليكي. سمعت رنة هاتفها في جيبها، فتحكمت في أعصابها وابتلعت كلامته المهينة في جوفها حتى لا تفسد خطتها وزادت من اتساع ابتسامتها المزيفة ثم قربت رأسها منه وطبعت قبلة رقيقة على وجنته وهمست بالقرب من أذنه في ثقة تامة: _هنشوف!
وكما خططت فتحت رحمة الباب وهي تبتسم باتساع وسعادة غامرة ولكنها تسمرت بأرضها عندما رأته في هذا الوضع مع زوجته التي كان يخبرها بالأمس أنه لا يحبها وسيطلقها! لتتصنع يسر الانتفاضة وتلتفت لها صائحة في غضب مزيف ومكر: _إيه ده إنتي ازاي تدخلي كدا؟ نظرت إلى ميرنا الواقفة خلفها واكملت صياحها المزيف بنظرات استطاعت فهمها: _إزاي تسمحيلها تدخل. تصنعت الأخرى الأسف وقالت: _أنا آسفة يايسر هانم مقدرتش امنعها.
نظر حسن لميرنا وأشار لها بعيناه أن تنصرف ففعلت على الفور ثم عاد بنظره لرحمة هاتفًا في نفاذ صبر: _إيه اللي جابك تاني؟ صاحت رحمة في بكاء وحرقة: _إنت مش كلمتني إمبارح بليل وقولتلي إنك سامحتني خلاص وإنك بتحبني و هتطلق مراتك عشان مش بتحبها.. هي دي اللي مش بتحبها!
طالعها بدهشة فهو لم يذكر أنها تحدثت معه أبدًا، أما يسر فقد بدأت تظهر عن مخالبها خاصة أنها تذكر هذه المحادثة جيدًا، عندما عاد للمنزل بالأمس وهو ثملًا وقد سمعته وهو يحدثها بالهاتف ويخبرها بمدى عشقه لها وأن سيطلقها وسيتزوجها تحت عبارة تافهة "لأني بحبك". تبًا لك ولحبك الساذج هذا.. فاقسمت بأن تذيقه من نفس الكأس الذي يجبرها على ابتلاع ما به من جفاء ولكن عندما يحين الوقت المناسب. هتف وهو يضحك بسخرية: _أنا قولتلك كدا!!
أنا مش فاكر إني قولت حاجة زي دي أبدًا وحتى لو قولتها فهي أكيد مش حقيقية. همت بأن تجيب عليه ولكنها وجدت قبضة يسر تقبض بعنف على ذراعها وتسحبها معها للخارج، فلم يحاول أن يمنع زوجته بل تركها لتفعل بها ما تشاء فتلك الساقطة تستحق كل شيء حتى ولو كان لا يزال يضمر لها القليل من العشق في قلبه. زجت بها يسر داخل المصعد وقالت في نظرات نارية ومتقدة تحمل التهديد:
_أظن شوفتي وادركتي إنه بيحبني أنا وإني مراته وهفضل لغاية آخر نفس فيه مراته، فإنتي زي الشاطرة كدا هتبعدي عن جوزي وهتبطلي تحومي حواليه وإلا هتشوفي مني حاجة مش هتعجبك، ومتنسيش إنه معرفش غير نص حقيقتك فاحترمي نفسك وابعدي بكرامتك، ده آخر تحذير ليكي يارحمة إنتي متعرفنيش لسا فتجنبي غضبي أحسن. ثم ضغطت على زر المصعد لكي يعود بها للدور الأرضي وطالعتها شزرًا والباب ينغلق ببطء ثم التفتت وعادت لمكتبها وهي تستشيط من
الاستياء والازدراء وتهمس: _قال يطلقني، دي نجوم السما أقربلكم! *** انتهى من ارتداء ملابسه التي هي عبارة عن بنطال أسود وقميص رصاصي اللون ويعلوه سترته السوداء، وقف أمام المرآة وصفف شعره جيدًا ثم وضع مفاتيحه وهاتفه في جيبه وهم بالانصراف. ولكنه توقف عندما خطرت على ذهنه، من أين أتى قلبه بكل هذه القسوة ليترك المسكينة حبيسة غرفتها منذ ليلة الزفاف؟
مر يوم وليلة واليوم هو اليوم الثاني لهم ولم يراها سوى مرة واحدة وكأن كل منهم يعيش في منزل منفصل وليس الغرف فقط! انتابه القلق والخوف عليها من أن يكون قد أصابها مكروه فهي لم تخرج من غرفتها مطلقًا ولا يسمع لها نفس حتى، هو من اختار أن يستمر زواجهم لشهر كاملًا ويجب عليه أن يحكم بينهم بالعدل ولا يترك جموحه يسيطر عليه، لابد من الاعتناء بها قليلًا حتى لو كانت لا تستحق اعتنائه.
خرج من غرفته وكانت وجهته الأولى نحو المطبخ فتش في الثلاجة عن الطعام الذي أحضره صباح الأمس فوجده كما هو لم يلمس حتى ليتأفف بمفاذ صبر مرددًا "استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه". هذه الحمقاء على الغالب تود أن تموت من عدم الأكل! تحرك صوب غرفتها وفتح الباب على مصراعيه، لتنتفض هي واقفة مطأطأة رأسها أرضًا من على الأريكة التي كانت تجلس عليها وتضم ساقيها لصدرها متفردة بعنائها وشقائها. شعرت به يقف أمامها
مباشرة ويهتف في صوت غاضب: _وآخر ما تحبسي نفسك هنا ومتاكليش هيحصل إيه ولا هيتغير إيه يعني! كانت لا تجرؤ على رفع عيناها والنظر إليه فما كان منها إلا أنها أغمضت عيناها وعضت على شفتها السفلى في مرارة، وتسمعه يكمل في صرامة: _مكالتيش حاجة من إمبارح صح؟! هزت رأسها بالإيجاب وهي تحاول الإمساك على دموعها التي تقيم الحرب عند جفنيها لتنل حريتها وتسقط، ليأتيها سؤاله الثاني في ترقب ولكنه لم يكن يقصد به عدم تناولها للطعام أبدًا:
_ليه؟ لم تجبه وظلت على حالها تنظر للأرض في صمت وإذا بها تشعر بقبضتيه على ذراعيها ويهزها بقوة هاتفًا في عين تعاني من ألم الخيانة والعشق: _بصيلي وردي عليا.. ليه؟ .. ليه عملتي فيا كدا أنا عملتلك إيه! ده أنا كنت مستعد أعيشك عيشة الملوك، كنتي شيفاني مغفل للدرجة دي! لدرجة إنك هتدخلي بيتي وتنامي معايا في نفس السرير ومش هحس ولا هشك فيكي، كنت مسيري هعرف بس ربنا أراد إني أعرف قبل ما يفوت الآوان.
انفجرت باكية ورفعت نظرها إليه أخيرًا وهي تهتف بصوت مرتجف: _صدقني ما كانت في نيتي إني أخدعك أو أخونك بمجرد إني أقبل أكون على ذمتك وأنا بفكر في راجل غيرك، أنا مش هنكر إني غلطت بس والله العظيم بعد ما كتبنا الكتاب أنا خدت عهد على نفسي إني هعمل المستحيل وهشيله من عقلي وهكون ليك بكل جوارحي، أنا مكسوفة ما أرفع عيني في عينك لإني معترفة بغلطي. تركها وهدر ضاحكًا بسخرية وجفاء:
_عارفة أنا كنت بحبك وبحترمك وبعزك بس أتضح إنك متستهليش المشاعر النقية دي، وحتى لو حصل في يوم وسامحتك عمرك ما هتقدري تسترجعي المشاعر دي. ثم استدار واتجه ناحية الباب مغادرًا وتوقف قبل أن ينصرف هاتفًا في حدة: _مش عايز ارجع بليل الاقي الأكل في التلاجة زي ماهو.. كلي مش هتعاقبي نفسك بعدم الأكل!
قال آخر كلماته واندفع مغادرًا المنزل بأكمله لتنهار هي على الأرض باكية بعنف ولا تعرف كيف تتصرف في هذه المعضلة، كيف يمكنها أن تستعيد ثقته بها وتجعله يسامحها! فهي إن لم تمت من عدم الأكل فسيقتلها تأنيب ضميرها وشعورها بفداحة الذنب والخطأ الذي ارتكبته في حق نفسها وحقه، لم تكن تود أن تصل الأمور لهذا المنحني أبدًا!
كانت ستعيش معه حياة ستشكلها بنفسها وكانت ستجاهد وتسعى لإزالة هذا العشق المحرم والمدنس من قلبها وتعلنه هو سلطانها الجديد ورئيس قلبها الأبدي لأنها تدرك قيمة الفرصة التي أرسلها الله لها وإن لم تكن تدركها كما يقول فما كان حالها هكذا الآن وهي تشعر بأنها خسرت فرصة ذهبية لن تعوض! ***
انتظر بالخارج لحظات وهو يبتسم براحة بسيطة فقد هدأت نفسه قليلًا عندما أخبرته صديقتها بأنها أخيرًا تحدثت ووضعها النفسي تحسن بعض الشيء. خرجت مي من الغرفة وأشارت له بعيناها أن يدخل لها بعد أن طلب منها أن تخبرها بأنه بالخارج ويريد رؤيتها، ففتح الباب ببطء ودخل بينما مي فذهبت للحمام. جلب هو مقعد وجلس على مسافة معقولة منها مغمغمًا في ابتسامة رقيقة: _عاملة إيه دلوقتي؟ غمغمت في أعين تائهة دون أن تنظر له: _الحمدلله كويسة.
ساد الصمت لثوانٍ قليلة قبل أن تهمس في امتنان صادق: _شكرًا ياكرم على وقفتك جمبي، أنا مش عارفة هوفيلك حق كل اللي عملته معانا ومعايا أنا بذات إزاي. تهتف في نظرة دافئة وابتسامة شفتيه الساحرة تزين وجهه: _مفيش شكر بين الأخوات ياشفق، ده واجبي! هزت رأسها بالإيجاب وهي تبتسم بمرارة وألم، يبدو أنها يجب عليها أن تكون نظرتها له أخوية فقط! غمغمت في خفوت بابتسامة مزيفة: _أيوه مفيش شكر فعلًا بس إنت تستحق الشكر.
_طيب يلا جهزي نفسك عشان هتاجي تقعدي معايا في الفيلا. نظرت له بذهول تحاول استيعاب ما سمعته أذنيها! فلم تمر دقيقة وهي تقول أنها يجب أن تنظر له كأخ وهو يريدها الآن أن تقيم معهم في منزلهم وتعيش في نفس المنزل معه لتراه دائمًا أمامها في الصباح والمساء.. مستحيل! همست في صوت ضعيف: _لا لا أنا هقعد في بيتنا. تشدق في جدية تامة: _مينفعش ياشفق تقعدي وحدك في البيت.
_مش هقدر أسيب بيتنا ياكرم بجد.. متقلقش عليا هبقى كويسة إن شاء الله. قال بنبرة صوت خشنة: _متبقيش عنيدة واسمعي الكلام. تمتمت في بساطة شديدة: _مش موضوع عناد والله بس أنا هبقى مرتاحة أكتر لما أقعد في بيتنا صدقني.. ارجوك بلاش تضغط عليا وسيبني على راحتي وأنا لو حصلت أي حاجة اوعدك هتصل بيك والله. لانت نبرته وقال في لطف وهو يهم بالنهوض: _طيب هسيبك على راحتك.. بس برضوا قومي يلا البسي عشان أوصلك البيت وأنا هستناكي برا. _حاضر.
قالتها في رقة وهي تقابل لطفه بابتسامة ناعمة على شفتيها الصغيرة وانتظرت انصرافه لتنهض من فراشها وتبدأ في تبديل ملابسها! *** في المساء.
كان يقود سيارته بسرعة جنونية ولا يطيق الانتظار حتى يصل للمنزل لكي يطبق على حنجرتها ويخنقها ويتخلص منها للأبد، تلك الشيطانة التي دمرت كل شيء بحياته.. فرقت بينه وبين الفتاة التي أحبها وجعلته يضطر للزواج منها، والآن تغلي الدماء في عروقه كلما يتذكر ما روته له رحمة منذ قليل عندما اتصلت به وتوسلته أن يأتي لمنزلها لكي تخبره بشيء مهم يخص زوجته!
"مراتك هي اللي كانت السبب في اللي حصل بينا، دلوقتي بس عرفت إنها هي اللي ورا كل حاجة، أنا متجوزتش برضايا زي ما إنت فاهم أنا كنت مضطرة هددني إني لو متجوزتهوش هيأذي اخويا الصغير واتضح إن يسر هي اللي كانت مخططة لده كله، ودلوقتي لما لقتني بحاول اقرب منك تاني هي اللي هددتني المرة دي بإنها هتأذيني وهتاذي اخويا، دي شيطانة ياحسن صدقني!
توقفت سيارته أمام المنزل وقاد خطواته الثائرة نحو الباب وفتحه بالمفتاح ليدخل ويغلقه خلفه بعنف صائحًا عليها: _يــــــــســــــــر!!! *** نهاية الفصل
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!