ابعد حسن نظره وكذلك كرم وقد بدت عليهم علامات الاستياء البسيط. أما زين فخانه نظره والقى نظرة سريعة عليها كنوع من الفضول، وبمجرد ما وقع نظره عليها اشاح بوجهه فوراً ومسح على وجهه متأففاً في غضب شديد متمتماً: _استغفر الله العظيم يارب. كانت يسر قد اتت قبل زين بلحظات قليلة ولم تتمكن من الترحيب بها، فاقتربت هي منها ومدت يدها تقول في رقة طبيعية منها: _Hi! مدت يسر يدها وصافحتها في عنف هاتفة باغتياظ وغل:
_هاي ورحمة الله وبركاته ياحبيبتي.
حك حسن ذقنه محاولاً إخفاء ابتسامته التي كانت ستنطلق على شفتيه بعدما رأي قسمات زوجته وردها المليء بمشاعر الحقد على ابنة عمها. أما ميار فاقتربت من ملاذ أولاً تمد يدها لتسلم عليها، ولكن ملاذ رمقتها بنظرة فاحصة كلها غيرة خاصة بعدما عرفت من زوجها قبل أن يأتوا أن جدته كانت تحاول تزويجه من هذه الفتاة المتحررة. ثم صافحتها بخنق ولم تقترب من زين ولم تحاول أن تمد يدها المصافحة لعلمها أنه لا يصافح النساء. وكان واضح على معالمه أنه ينقصه دقيقة أخرى وينفجر بالكل بلا استثناء من فرط غيظه وهو يتحاشي النظر إليها ولا يرفع نظره بتاتاً واحتراماً لجدته فقط هتف
بامتعاض دون أن ينظر لها: _عاملة إيه ياميار؟ ردت عليه في خفوت هاديء وتوتر من ملامح وجهه المحتقنة بالدماء: _الحمدلله كويسة. كان يسود الصمت المشحون بالتوتر والضيق من الجميع على ما ترتديه أمام أولاد عمها دون احترام لأحد، ولكن زين لم يكن يستطيع تحمل هذه المهذلة حيث وجه حديثه لشقيقته في نظرة صارمة ومخيفة وصوت رجولي أجش: _قومي يا رفيف خدي ميار واديها حاجة تلبسها من هدومك.
نقلت ميار نظرها بين الجميع في شيء من الدهشة، وبالأخص جدتها التي اشارت لها بأن تفعل دون جدال، فنهضت ولحقت برفيف إلى اعلى حيث غرفتها. ليصدر هو زفيراً ملتهباً ويزداد سوء غضبه عندما سمع جدته تهتف مدافعة عن حفيدتها: _زين ميار متربية طول عمرها في المانيا واتعودت على اللبس ده، كنت قولتلي أنا وأنا كنت هقولها. هدر في اندفاع وعصبية بصوت به لمسة خشنة مريبة:
_اللبس ده تلبسه في المانيا ملناش دعوة بيها، لكن هنا تحترم وجودنا.. مش طالعة قدامنا بقميص نوم. ثم هب واقفاً واندفع لغرفته بالاعلى، وبدون تفكير لحقت به ملاذ. وهدى كانت تنظر في عدم حيلة فهذا ما كانت تخشاه، أما الجدة فقد ظهرت علامات الغضب على وجهها فلأول مرة يصيح بها حفيدها هكذا. ليهتف كرم في هدوء ولطف: _متزعليش من زين ياتيتا، إنت عارفاه عصبي. انتي اتكلمي مع ميار بس وفهميها بهدوء. ثم تحولت نبرته من الهدوء إلى
الحدة البسيطة وهو يكمل: _لأن هو عنده حق برضوا تلبس اللي عايزاه في المانيا.. بس هنا تحترم وجودنا. كان حسن يتابع الذي يحدث في صمت وفضل أن لا يتحدث أبداً حتى لا يكون فظاً أكثر من أخيه الكبير. ولتنهي هذا التوتر هدى وهي تهتف معاتبة ابنائها في ضيق: _خلاص ياولاد حصل خير، جدتكم لسا جاية من سفر هتضايقوها من أول كام ساعة كدا.. تعالي ياماما اوضتك فوق وغيري هدومك وارتاحي شوية من السفر.
استقامت واقفة ثم اتجهت إلى غرفتها بالأعلى ولحقت بها هدى. وانتهت الجلسة على كرم وزوجته وحسن ويسر. ليقول حسن ساخراً وهو يضحك بشيء من الضجر في اندهاش من جرأتها التي مكنتها من الخروج أمامهم بهذه الملابس الفاضحة: _على رأى زين ده قميص نوم فعلاً! بادله الضحكة الساخرة بنفس الضجر. لتهب يسر واقفة وهي تتنهد الصعداء وتشير لشفق بأن تأتي معها ويجلسوا في أي مكان آخر ويجددوا مودهم الذي عكرته تلك الالمانية الصغيرة!
اغلقت ملاذ باب الغرفة خلفها برفق ورفعت النقاب عن وجهها، ثم اقتربت منه وملست بيدها على كتفه هامسة: _ممكن تهدى، الموضوع مش محتاج كل العصبية دي! صاح منفعلًا: _مش محتاج ازاي ياملاذ، إنتي مش شايفة كانت لابسة إيه.. إزاي اصلا قدرت تطلع قدامنا بالمنظر القذر ده! قبضت على كفه تضغط عليه بلطف وتتمتم برزانة: _هي صغيرة لسا وزي ما قالتلك جدتك هي عايشة برا فمتعودة على كدا. قال ضاحكاً بسخرية على حسن نية زوجته:
_ميار مش أول مرة تاجي عندنا يا ملاذ، دايمًا بتاجي ولما بتاجي أنا بسكت وبستحمل وعمرها في مالبست اللبس ده. عقدت حاجبيها وهي تتساءل عن سبب تغير الأمر الآن وتهدر في حيرة: _وإيه اللي اتغير دلوقتي يعني؟ قال بتوضيح أشد ونظرة مشتعلة:
_اللي اتغير إن جدتي مش عجبها إني اتجوزتك، وأكيد موصياها وهي فاكرة إنها لما تلبس كدا أنا هغير رأي وهتجوزها وهطلقك مثلاً.. من الآخر يعني كل ده مقصود وهو ده اللي مجنني ومخليني متعصب كدا عشان فاهم حركاتهم دي كويس أوي. تركت يده وظهرت علامات الغيظ والغل على محياها. هل تسعى تلك الشيطانة الصغيرة للتفريق بين زوجها بعد كل ما فعلته لكي تحسن علاقتهم؟ بالتأكيد لن تسمح لها بالعبث معها وستضع الحدود لردعها كما يجب!
مدت يدها وقالت بدلال وهي تعبث بقميصه وتنهدم من مظهره: _ومين قالك إني هسمحلها أصلاً إنها تفرق بينا حتى لو كانت جدتك. نظر إلى يدها التي على قميصه وتلمس صدره ونبرة صوتها المغرية ونظرتها، فكاد لوهلة أن ينصاع خلف رغباته، ولكنها اكملت في لؤم: _هي جدتك مش عايزاك تاخد اسبوع معاهم هنا.. أنا بقولك نقعد اسبوع وسبلي البت ميار دي. ابعد يدها بكامل الهدوء حتى لا تؤثر عليه أكثر من ذلك بلمساتها المذهلة، وقال باسمًا بتحذير:
_ملاذ أنا مش عايز مشاكل! أجابته ضاحكة بمداعبة محببة لقلبه: _إنت تعرف عني إني بتاعت مشاكل برضو ياحبيبي.. اطمن. واستجمعت ثقتها وشجاعتها لتقترب وتطبع قبلة ناعمة على وجنته، لتذيبه بالكامل على أثرها. ألم تكفيها كلمة "حبيبي" حتى تضع هذه القبلة المسحورة على وجهه؟
فأخذ هو نفساً عميقاً ليخرج قليلًا من النيران التي اشتعلت في أعماقه على أثر قبلة واحدة. ولم يغب عنها وضعه بالتأكيد حيث لاحظت تأثيرها عليه، فابتسمت بعاطفة وتلفتت في الغرفة بحركة دائرية وهي تقول: _إيه ده أول مرة ادخل اوضتك.
كانت غرفة هادئة وألوانها تبعث الراحة والسكينة، واسعة إلى حد ما وعلى الحائط لوحة صغيرة مكتوب عليها آية الكرسي. ثم وقع نظرها على الفراش العريض فنقلت نظرها في ارجاء الغرفة بحثاً عن أريكة، وعندما لم تجد شكرت ربها في قرارة نفسها وسعدت لأنها ستقضي أسبوعاً كاملاً وهي بجواره في نفس الفراش. وستأخذ هذا الأسبوع وسيلة لتقوية علاقتهم أكثر ولن تسمح لجدته أو ابنة عمه بأن يشعلوا فتيل المشاكل بينهم! عادت بنظرها مجدداً
له وقالت في جدية وحنو: _روح اعتذر من جدتك، مينفعش إنت عليت صوتك عليها برضوا. متخليهاش زعلانة منك وهي لسا جاية من سفر. أماء لها بالموافقة ثم قرب كفه وملس بابهامه على وجنتها في حنان نابع من عيناه وهو يهمس شاكراً إياها لأنها نجحت في امتصاص غضبه بأقل الكلمات: _شكراً ياملاذ.
طالعته بابتسامة عاشقة وأعين تلمع بوميض جميل لتصنع ابتسامتها وعيناها مزيج غرامي رائع. واستقرت هو من عيناه نظرة دافئة أخيرة قبل أن يستدر وينصرف متجهًا إلى غرفة جدته حتى يعتذر منها عما صدر منه من فظاظة وانفعال ليس بإرادته!
فتحت الباب ودخلت بعد أن اخبرتها رفيف بأنه في غرفته. اغلقت الباب خلفها وسمعته وهو يتحدث مع أحدهم عن البحث عن شخص وكان مستاء بشدة ويقول بوضوح "مهو أنا هجيبه يعني هجيبه هيروح مني فين". فتوقفت للحظات تحاول توقع عن
الجمته كلماتها وصنمته في مكانه فأخذ يتطلع إليها بسكون دون أن يتكلم. بل ما قالته كان كافياً لعدم إيجاده الكلمات التي سيجيب عليها بها. فمن جهة ألم قلبه وناره على زوجته التي قتلت بأبشع الصور ونفسه التي لن ترتاح إلا حين تأخذ بثأرها، ومن جهة مسؤوليته تجاهها. والآن فقط فهم كم هو صعب مفهوم التضحية، فعليه أن يضحي إما بثأره لزوجته أو يضحي بها.
حارب توتره الدائم بمجرد ما أن يقترب منها، ومد كفه الكبير بصعوبة يضعه على كف يدها الناعم والصغير محاولاً تهدئتها وإبعاث الأمان إلى نفسها المضطربة والخائفة. وهمس بالقرب منها باسمها في حنو مع قليل من المداعبة ليخرجها من الكآبة المهيمنة عليها: "طيب يا شفق، وإنتي دلوقتي شوفتيني قتلته ودخلت السجن. أنا تقريباً كل ما أتكلم معاكي بتعيطي لدرجة إني بقيت أخاف أكلمك لتعيطي ومبقتش فاهم في إيه!
أكيد عارفة إن الزعل الكتير مضر، وخصوصاً لو كان على بنوتة قمر زيك كدا! قال جملته الأخيرة بجرعة زائدة من الرقة أفقدتها توازنها، ولوهلة أحست بأنها ستسقط بين ذراعيه فاقدة لوعيها. حيث حدقت به بأعين هائمة
وهي تقول في نفسها برجاء: "توقف، أرجوك لا تنظر لي بعيناك الجميلة هذه وبهذه النظرات الدافئة، فأنا لم أعد أتحمل وسامتك ورقتك." ولكنها عادت لوعيها بسرعة وأجفلت نظرها عنها في خجل واستحياء من مغازلته لها. بل في الغالب كانت خجلة وفي نفس ذات اللحظة ترغب في الابتسام من دهشتها بأنه تغزل بها لأول مرة، وهي تعرف جيداً توتره الشديد منها. فلم يكن الأمر مخجلاً بقدر ما كان مدهشاً بالنسبة لها.
ثم رفع كفه عنها وقال ضاحكاً عندما تذكر شيئاً: "استني، هوريكي حاجة بس يارب متكونش ماما شالتها." ثم هب واقفاً واتجه نحو خزانته وفتحها وانحنى للأسفل يفتش عن شيء معين بين الملابس حتى وجدها. وكانت عبارة عن لعبة مهرج شكله قبيح قليلاً. ثم عاد وجلس بجوارها مجدداً. فاخذتها من يده تحدق به باستغراب هاتفة: "إيه دي؟
"دي يا ستي طفولتي البائسة. كنت دايماً وأنا صغير بعيط على أقل حاجة، ومش عياط طبيعي، لا ده إزعاج يعني كنت مزعج. فبابا سافر برا مصر لشغل ولقى اللعبة دي بالصدفة وجابهالي مخصوص وهو جاي. اللعبة دي بقى بمجرد ما تعيطي بصوت عالي بتقلدك بس بطريقة كوميدية. وفي مرة بابا حبسني في أوضتي وسابها معايا، وكنت كل ما أعياط من الزعل والضيق إنهم حبسوني، هي تقلدني وأفضل أضحك. طبعاً هي بنسبة لطفل لعبة مضحكة جداً، مع إن شكلها وحش. ولما كنت بعيط قدامهم كانوا بيطلعوها قدامي فتقلدني وأضحك فوراً. فاللعبة دي كانت وسيلة للتخلص من الإزعاج بتاعي، ولغاية دلوقتي محتفظ بيها وكل ما أشوفها أضحك تلقائياً. فأنا هخليها جنبك في البيت في الأوضة عشان كل ما تعيطي كدا تضحكك."
أطلقت ضحكة مرتفعة وقالت تبادله مداعبته في حب: "اممم، انت عندك حق. أنا فعلاً محتاجة اللعبة دي لأن الفترة دي بعيط بسبب ومن غير سبب." "أهاا، ما أنا ملاحظ كدا برضوا. أهم حاجة ميكونش السبب أنا بس! هزت رأسها بالنفي قائلة من بين ضحكاتها: "لا، اطمن مش إنت." أظهرت شفتيه عن ابتسامة عريضة وقال في صوت به لمسة مريحة: "طيب الحمدلله. يلا قومي عشان ننزل لهم تحت، لأحسن تيتا تزعل لما متلاقيناش."
مدت يدها وجففت دموعها بظهر كفها، ثم استقامت بعد أن نهض هو واتجه نحو الباب، فلحقت به حتى تخرج لهم معه. فهي لازالت لم تتعود على أشقائه وزوجاتهم جيداً وتتوتر منهم. ولكن علاقتها قوية بأمه وشقيقته فقط. *** داخل غرفة الجدة. هتفت هي في عتاب وغضب دفين: "وصلت إنك تعلي صوتك عليا يا زين!! أجفل نظره أرضاً في خجل وقال بندم واعتذار صادق: "أنا آسف، مقصدش والله يا جدتي أعلي صوتي عليكي. أنا فقدت أعصابي ومقدرتش أتحكم في نفسي."
هتفت في حدة وصرامة بضجر: "أي كان السبب، مكنش ينفع تحرجها كدا قدام الكل. رفيف بتقولي فضلت تعيط في الأوضة لما طلعت فوق." ضحك باستهزاء وهو يحاول تمالك أعصابه التي على وشك الانفجار من جديد، وقال بنبرة مستنكرة مما تقوله جدته: "أحرجها! ثم إن إنتي إزاي بتدافعي عنها؟ "أنا قولتلك إنها متعودة من صغرها بتلبس كدا وأنا مش بتدخل ومش بحب أضيق عليها. البنت لا ليها أب ولا أم وملهاش غيري وغيركم إنتوا وعمك طاهر."
لم يتمكن من حجب نفسه أكثر من ذلك، حيث حدق بجدته بنظرات مريبة وهدر بلهجة مخيفة: "وهي في بنت محترمة تلبس كدا! ومفيش حاجة اسمها مش بحب أضيق عليها يا جدتي. في حاجة اسمها إن دينا بيأمرنا بالحجاب والاحتشام والأدب والأخلاق. لكن تطلع قدامنا بفستان بالمنظر ده يبقى لازم نحطلها حدود. أنا مكنتش بتكلم لما كنتي بتيجي إنتي وهي كل مرة، بس جبت آخري خلاص." لم يعجبها كلامه مطلقاً، حيث قالت باعتراض، وفي آخر كلامها ختمته بالشيء الذي
زاد من اشتعال نيران غيظه: "برضوا مكنش ينفع تقولها كدا قدامكم كلكم. وبعدين فهمني إنت إيه مش عاجبك في بنت عمك؟ مش كنت إنت أولى بيها بدل ما أروح اتجوزت بنت لا نعرفها ولا تليق بيك أصلاً." تمالك أعصابه بصعوبة شديدة ومسح على وجهه متأففاً وهو يستغفر ربه، وقال في هدوء يضمر خلفه إعصار تسونامي:
"مراتي أنا اللي اخترتها وقررت إني أكمل معاها، وطالما قررت القرار ده يبقى أنا شايف إنها تليق بيا. بس برضوا هتكلم معاكي بالمنطق. قوليلي يا جدتي بالله عليكي، هي ميار تليق بيا؟ صمتت لبرهة وهي تحاول إسكات الصوت الذي بداخلها ويخبرها بأن تجيب عليه بـ "لا"، وقالت بإصرار على رأيها: "ومتلأقش بيك ليه بقى؟ تنهد بعمق وقال في رزانة وقد هدأت ثورته الداخلية قليلاً:
"إنتي عارفة إني عصبي ودمي حامي وعندي حدود وقوانين ومينفعش حد يتخطاها، وميار متنفعش مع حدودي وقوانيني. لأن لا هي هتستحملني ولا أنا هستحمل دلعها وأسلوب حياتها اللي اتعودت عليه. من الآخر أنا عايز واحدة تقدر تفهمني وأفهمها. واحدة أقدر أستأمنها على بيتي وولادي وأنا مغمض وتكون على خلق ودين وعاقلة. لكن ميار مستحيل أنا وهي ننفع مع بعض، فعشان كدا أرجوكي يا جدتي طلعي الموضوع ده من دماغك. كفاية أنا تعبت والله."
مازالت لم تتخلى عن رغبتها في تزويجه من ابنة عمها، وخصوصاً بعدما رأت زوجته ولم تستلطفها أبداً. وقالت في استسلام سريع وعجيب بالنسبة له: "طيب ياحبيبي ربنا يسعدك مع مراتك." اقترب وقبّل جبهتها في حنو وقال بشيء من الجدية:
"أنا هقعد معاكي الأسبوع زي ما إنتي عايزة عشان خاطرك بس وعشان مزعلكيش، بس أرجوكي خلال الأسبوع ده مش عايز أي حاجة تحصل تضايق مراتي أو توجهي ليها أي إهانة، سواء إنتي أو ميار، لإني مش هضمن ردة فعلي وقتها. احترامها من احترامي يا جدتي! رتبت على كتفه برفق مغمغمة بنبرة من الخارج تبدو عادية، ولكن من في جوفها تحمل كل أشكال الغيظ والحقد والمكر:
"حاضر اطمن متقلقش، ده إنت الغالي ابن الغالي ومقدرش على زعلك. ومراتك فوق راسي ياحبيبي." ابتسم له في دفء، ثم رفع كفها لشفتيه يقبل ظاهره في مشاعر نقية وعذبة، فتبادله نفس نظرة الحب النقية والصادقة وتملس على شعره بكفها الآخر في حنو. *** في تمام الساعة الثامنة مساءً.
خرج حسن من المنزل وقاد خطواته نحو الأريكة الكبيرة المتوسطة في نصف الحديقة وأمامها طاولة صغيرة فاخرة، وكان في يده كأس الشاي الخاص به. وجلس على الأريكة بجوارها بعدما وجدها تجلس بمفردها في الخارج وقال وهو يرتشف من كأسه: "قاعدة وحدك ليه؟ هتفت ميار في بساطة مبتسمة: "عادي زهقت شوية وحبيت أقعد هنا. وإنت ليه مش قاعد معاهم جوا؟ أجابها بنبرة صوت عادية: "بحب أشرب الشاي في روقان."
أماءت له برأسها في تفهم، ثم هيمن الصمت بينهم لدقائق قليلة حتى نظرت له وقالت بمزاح لطيف: "لما نينا قالتلي في ألمانيا إنك اتجوزت يسر اندهشت الحقيقة." عاد يرتشف من كأسه مرة أخرى ويجيبها باسمها في شيء من الفتور: "امممم شوفتي.. هي الدنيا كدا يوم ليك ويوم عليك! ضحكت بخفة وأنوثة ليست متكلفة منها، ثم أكملت في ضحك أشد متشبعة بحرارة الحديث: "لا بس بجد آخر بنت كنت أتوقع إنك تتجوزها هي يسر يا حسن." قال بضحكة خفيفة في خنق:
"هتصدقيني لو قولتلك وأنا كمان." اعتدلت في جلستها وأصبحت مواجهة له وهي تقول بتشويق وفضول: "وإيه بقى إيه اللي خلاك تفكر تتجوزها؟ سكت للحظات قصيرة يعيد شريط الأحداث التي حدثت قبل أن يتزوجوا وماذا فعلت وكيف استغلت الصور والتسجيلات ضده لكي تصل لمبتغاها وهو الزواج منه، ولا ينكر أنها نجحت بالفعل في إحراز أول أهدافها في معركتهما.
رفع نظره لأعلى بتلقائية، فرأى زوجته في شرفة الغرفة تنظر لها بأعين نيرانية والغيرة قد وصلت لذروتها لديها. وفقط يستطيع وصف نظراتها بأنها كانت تود أن تفتك بالجالسة بجواره. وفي ظرف لحظة وجدها تدخل للداخل فعرف أنها قادمة إليهم. ليقترب من ميار ويهتف ضاحكاً: "نصيحة مني لو خايفة على نفسك اهربي." حدقته بحيرة وقالت بتعجب متسائلة: "أهرب! ليه؟ "هتعرفي دلوقتي ليه."
ولحظات بالضبط وكانت يسر تتحرك في اتجاههم وهي تبتسم بتصنع. وحده هو استطاع فهم الحقيقة التي تخفيها خلف الابتسامة المزيفة وهي أنها تشتعل بنيران الغيرة. وحين وصلت لهم جذبت مقعد صغير وجلست بجوار ميار، ثم وجهت حديثها له هاتفة في رقة متكلفة: "إيه ياحبيبي ليه مش قاعد معانا جوا؟
افتر عن ابتسامة عريضة ومتحمسة لما سيحدث الآن ولم يجب عليها، فقط جلس بإرياحية أكثر على الأريكة مستنداً بساعده على ذراع الأريكة وهو يجهز نفسه لمشاهدة المعركة الكلامية التي ستحدث الآن. وبالفعل تحدثت إلى ميار بشيء من الغيظ ولكنها تخفيه بابتسامة صفراء: "عاملة إيه ياميار؟ أجابتها في عفوية وابتسامة عذبة: "Gut. كنا لسا بنتكلم عنك وبقوله إني مكنتش متوقعة أبداً إنكم تتجوزوا."
ألقت نظرة مشتعلة عليه لتراه يحاول كتم ضحكاته، ثم تعود بنظرها لميار وتهتف في هدوء ما قبل العاصفة: "مكنتيش متوقعة ليه ياحبيبتي؟ _يعني أصل الكل بيشهد دايماً على خناقكم وعارفين إن حسن كان مش بيستلطفك أوي يعني العلاقة ما بينكم مش قد كده. لم يتمكن من حجب ابتسامته ولكنه أخفاها بيده متصنعاً أنه يحك ذقنه ويقول في قرارة نفسه: "بتقولي إيه يابنت الهبلة هتاكلك! " وبالفعل رأى في عينيها علامات الغيظ والسخط، ولكنها تحكمت في
انفعالاتها وقالت باقتضاب: _كان.. لكن دلوقتي الوضع يختلف، مش كده ولا إيه ياحبيبي؟ وجهت له سؤالها في نظرات متقدة كلها غيرة وعصبية، ليجيبها ضاحكاً مسايراً إياها في كذبتها العلنية باستمتاع بغيرتها وعصبيتها التي تحاول إخفاءها: _اممممم أكيد طبعاً يختلف، ويختلف كتير أوي كمان! هتفت يسر محدثة ميار في لؤم: _ألا قوليلي ياميار، هو الفستان اللي كنتي لبساه الصبح ده مش من مصر صح؟ أصل عجبني أوي وكنت عايزة أشتري زيه.
ارتبكت قليلاً بمجرد ذكر ما حدث بالصباح، ولكنها قررت أن تكون لؤماً أكثر منها وتسكتها تماماً عن الكلام، حيث قالت باسمة باستنكار: _وإنتي هتعملي بيه إيه يايسر؟ أعتقد إنك مينفعش تلبسيه لإنك محجبة. بدأ الحديث يأخذ المنحنى المفضل بالنسبة للشاهد الذي كان يتابع ما يحدث وهو يبتسم، فوجد زوجته تضحك بخبث فاقت مكر تلك الحمقاء التي ظنت نفسها قادرة على الانتصار عليها. حيث قالت في خفوت ماكر ونبرة تقصد بها الإهانة ولكن بشكل غير مباشر:
_لا ماهو إنتي متعرفيش إن الهدوم دي البنت بتلبسها في بيتها لجوزها بس، مش في العلن عشان أمة لا اله إلا الله تتفرج. بس واضح إن تيتا مقالتش ليكي الكلام ده لإنك لو كنتي عارفة مستحيل كنتي هتطلعي قدام ولاد عمك بالمنظر ده، وللأسف الكل فاهم لبستي كدا ليه، وأولهم زين و......
نقلت ميار نظرها بين حسن الجالس وقد بدت علامات الدهشة على محياه، حيث لم يكن يتوقع أن يكون ردها بهذا القسوة. فقد أصابت الهدف تماماً بكلماتها. ولم يعجبه آخر ما قالته بالأخص في وجوده. فلم يكن هناك داعي لآخر جملة، حيث هتف مقاطعاً إياها بنظرة حازمة ونبرة قوية: _يــــســـــر!!! التزمت الصمت بعدما رأت نظرته الغاضبة، أما ميار فرمقتها شزراً وباغتيظ، ثم هبت واقفة واتجهت لداخل المنزل. فتقول يسر ساخرة بقرف:
_وكمان ليها عين ترد عليا.. ده إيه البرود ده، أما بنت معندهاش دم صحيح! ألقى عليها نظرة مستاءة وزفر بنفاذ صبر وهو يشيح بوجهه عنها محاولاً تهدئة نفسه حتى لا ينفجر بها. وفي ظرف لحظة وجدها تثب وتجلس بجواره ملتصقة به وتضربه على ذراعه بخفة هاتفة في غيرة شديدة: _شفتك بتضحك معاها.. بتضحك معاها ليه وكنتوا بتقولوا إيه هااا؟ بدأ مفزوعاً من وثوبها المفاجيء إلى جانبه وضربها له على ذراعه، فصاح بها منفعلًا:
_وإنتي مالك كنا بنقول إيه! فتحت عينيها على أخرهم مدهوشة من رده، وقالت بعصبية وانفعال أشد منه: _أنا متقوليش إنتي مالك.. أنا مراتك ومن حقي اعرف كنت بتقول إيه لما تقعد مع بنت. أرغمته كلماتها وطريقة عصبيتها على الضحك، ولكنه أيضاً ما زال محتفظاً ببعض الغيظ، حيث دفعها عنه هاتفاً بأعين مشتعلة: _الشاي هيتكب عليا!! .. ابعدي كدا بقى دي إنتي لزقة إيه الغلاسة دي. عادت تلتصق به من جديد قاصدة استفزازه وهي
تقول بسخط حقيقي وليس مزيف: _مش هبعد وهتقولي كنتوا بتقولوا إيه ياحسن. رفع كأس الشاي لأعلى يوهمها بأنه سيسكبه عليها ويقول بضحكة بسيطة منذرًا إياها: _ابعدي هكب الشاي عليكي لو مبعدتيش والله.
تراجعت للخلف وهي ترمقه شزراً بامتعاض وعيناها تطلق شرارات حمراء، فاطمئن لها وأنزل الكأس ليجدها تهجم عليه وتغرز أسنانها بغل في وجنته، فيرتفع صوت تأوه متألمًا وتثب هي واقفة راكضة بعيداً عنه حتى لا ينال منها، وتسمعه يقول بغضب حقيقي هذه المرة واضعاً كفه على وجنته: _آاااه يابنت الـ ........ هزت له كتفها يساراً ويمينًا كوسيلة لزيادة ضجره وهي تضحك بخبث وتشفي، ثم استدارت ودخلت للداخل تاركة إياه يتوعد لها! .........
انتهى اليوم العائلي والجميع رحل باستثناء زين وملاذ اللذين سيقضيان أسبوعًا كاملاً معهم في المنزل بناءً على رغبة الجدة. وقد دقت الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل وجميع من في المنزل بمضاجعهم نائمون في ثبات بعد اليوم الطويل والمرهق الذي مر على الجميع بلا استثناء!
كان زين في فراشه جالساً ويستند برأسه على حافة الفراش من خلفه وبيده أحد الكتب الدينية يقرأ بها بتركيز شديد، ولكن تشتت انتباهه بمجرد ما لمحها وهي تخرج من الحمام بعد أن أخذت حمامًا مسائيًا دافئًا وكانت ترتدي منامة بنصف أكمام، ضيقة بعض الشيء على جسدها أي أنها تظهر منحنياتها بوضوح وتصل إلى أسفل ركبتيها ولديها فتحة صدر واسعة بعض الشيء تأتي على شكل مثلث. فقد مر على زواجهم شهر ولم يراها ترتدي شيئًا كهذا قط من قبل، والغريب من كل هذا أنها كانت تتصرف بطبيعية تمامًا ولم تنظر لها مطلقًا، فقط تجفف شعرها بالمنشفة الجافة ومن ثم اتجهت إلى أمام المرآة لتبدأ في تسريحه!
وكانت أفكاره كالتالي: "ماذا تفعل؟ هل تحاول إغوائي؟ أم أنها تحاول أن تسلبني عقلي حتى لا أفكر مجرد التفكير في ميار؟ أي أنها تريد أن لا تجعل أي فرصة بيني وبين أي أفكار معاكسة قد تظهر فجأة في ذهني! " أخذ يحدق بها وهي تسرح شعرها وعيناه لا تنحرف عنها لثانية، ويترك لعينيه الحرية في التأمل بهذه المرأة الفاتنة التي تقف أمامه بملابس مثيرة. ولم يعلم كم مر من الوقت وهو على هذه الحالة حتى وجدها تقف أمامه وهي تبتسم
برقة وتتمتم في إحراج بسيط: _لو مش حابب أنام جنبك أنا ممكن أنام على الأرض عادي. يقسم لها أنه لو كان يوجد بهذه الغرفة أريكة لكانت ستجده فورًا عليها. فهو لا يضمن نفسه السيئة عندما تدخل معه في نفس الفراش بملابسها هذه. وبالتأكيد لم يتركها تقضي ليلتها على الأرضية، فأفسح لها في الفراش عن مكان وقال بسخرية وجدية: _تعالي جمبي وبلاش هبل قال أنام على الأرض!!
ابتسمت ابتسامة خفية لن يتمكن من مشاهدتها، ثم تمددت بجواره وسحبت الغطاء إلى جسدها وأخذت تتابعه بصمت وهو يقرأ في كتابه. وبعد دقائق اعتدلت في نومتها وقالت بحماس مترددة في طلبها: _ينفع ندردش مع بعض شوية لو مش هتضايق؟ ترك الكتاب من يده وأسنده على الفراش بجواره ونظر لها متمتمًا بتنهيدة عميقة: _ندردش في إيه ياملاذ! اقتربت منه واستندت بمفرقها على وسادة الفراش وكفها كان تحت وجنتها وهتفت في وجه بشوش:
_في أي حاجة. وأنا كنت حابة أسألك عن حاجة كدا. _حاجة إيه؟ اسألي! أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تبدأ في سؤالها وهي تقول بهدوء مشجع: _يعني أنا كنت عارفة إنك في فترة خطوبتنا مكنتش بتكلمني لإنك كنت خايف تغلط وتقول حاجة وتاخد ذنوب عليها من غير ماتحس. لكن سؤالي بقى هو حرام فعلاً إن البنت تكلم خطيبها؟ ابتسم لها بحنو وأجابها بنبرة متشبعة بحرارة الحديث في ابتسامة ناعمة:
_لا مش حرام طبعاً ياملاذ وإلا مكنتش هكلمك نهائي. بس مش حرام لما المكالمة تبقى لمجرد السؤال والاطمئنان فقط زي ما كنت بعمل يعني كل كام يوم كنت بكلمك أسأل عليكي وأطمن عليكي وأقفل. أو مثلاً لو كانوا بيتكلموا عن حاجة تخص شقتهم وكدا لازم يتفقوا مع بعض ويتكلموا عشان يجهزوا شقتهم وبرضه بيبقى الكلام بحدود وبضوابط محددة. لكن إيه هو الحرام بقى؟
الحرام اللي بيحصل حالياً ده خطيبي وبتكلم معاه في التلفون بيطمن عليا. وبيطمن عليها دي اللي هي ساعتين أو تلاتة في كلام ملوش لازمة. وعاملة إيه ياحبيبتي ووحشتيني ومعرفش إيه الكلام ده كله حرام زي ما هو حرام إن يبقى في خلوة بينك وبين خطيبك ولازم يبقى في غض بصر وكمان أنه يلمسك أو يمسك إيدك زي ما بيحصل حالياً ده غلط. لإن الخطوبة دي وعد بالزواج مش زواج يعني خطيبك ده غريب عنك واجنبي زيه زي أي راجل ماشي في الشارع غريب. هل هتسمحي لحد غريب يلمسك أكيد لا وهو كذلك مينفعش.
هزت رأسها متفهمة كلامه جيدًا ثم قالت باسمة بمشاكسة: _وإنت عشان كده عجلت في الجواز. _امممم لإني مبحبش الخطوبة دي نهائي وكنت بتعمد إني مكلمكيش أو أشوفك غير لما تبقي مراتي عشان تبقي كل حاجة حلال ومفيش حاجة غلط. تمتمت في نظرات غرامية وهائمة في بحور عشقه ونبرة تعزف سيمفونية حب ساحرة: _بجد أنا بحمد ربنا كل يوم إنه كرمني بيك يازين.. ربنا يخليك ليا وميحرمنيش منك.
افترت شفتيه عن ابتسامة عاطفية ومد يده يعبث بخصلة شعرها المتمردة هامسًا: _طيب نامي يلا عشان الوقت اتأخر. تصبحي على خير. ثم تمدد على الفراش وهم بأن يوليها ظهره ولكنها أوقففته بقبضة يدها التي على كتفه وقالت بتعجب به بعض المداعبة: _مش هتقولي ويخليكي ليا إنتي كمان؟ قهقه بخفة وأجابها معيدًا ما قالته للتو في دفء: _ويخليكي ليا ياملاذ. حلو كدا؟
انحنت وخطفت قبلة سريعة من وجنته ثم تمددت بجسدها كاملاً على الفراش وجعلت وجهتها أمامه بالضبط تحدق به وهي تبتسم بسعادة غامرة بعد أن شعرت بدنو هدفها، بينما هو فكان يوليها ظهره لا يرى وجهها الذي يتلون بمائة لون في اللحظة الواحدة من فرط سعادتها. وظلت هكذا لدقائق حتى غلبها النوم وابحرت في عالم أحلامها الخاص، فيلتفت هو برأسه ناحيتها ثم بجسدها كاملاً ويبتسم لها بنفس مشاعر العشق المتبادلة. ويلتقط كفها بحرص شديد ليطبع قبلة
ناعمة على ظهره ثم يرفع شفتيه لوجهها ويطبع قبلته الثانية على جبهتها ومن ثم وجنتها وأخيرًا على أعلى كتفها برقة أشد. وحين وجدها بدأت تشعر بلمسات شفتيه المتفرقة على وجهها وكتفها وستستيقظ فابتعد عنها فورًا وأغمض عينه سريعًا متصنعًا النوم!!!!
....... ترجلت رفيف من السيارة في صباح مشرق ودافئ. ووقفت لدقائق وتحدق بالمطعم من بعيد وتفرك يديها ببعضها في توتر. تحاول استدعاء بعضًا من ثقتها بنفسها وشجاعتها لتظهر أمامه في أول يوم عمل بينهم بكامل الثقة والشموخ. ولكنها تعرف حق المعرفة أنها ستذعن لتوترها وإعجابها به بمجرد رؤيته. وفورًا عصفت صورة أخيها في ذهنها فقالت بخوف في قرارة نفسها: "ماذا لو كان زين ينتظرني معه بالداخل...
لا لا أستطيع، يجب أن أضع حدودًا لاضطرابي ومشاعري الحمقاء هذه. هندمت من ملابسها جيدًا وقادت خطواتها بكامل الثقة والثبات تجاه الداخل. بمجرد دخولها استقبلتها الفتاة التي تعمل في الشركة، وقد كلفها أخيها بمهمة مساعدتها حتى لا تبقى بمفردها. حدثتها رفيف في نظرات تتجول في أرجاء المطعم بأكمله: "أستاذ إسلام وصل يا رحاب." أومأت لها بالإيجاب. وقالت باسمة: "أها، ومستنيكي جوا عشان نبدأ في الشغل فورًا."
أخذت نفسًا عميقًا ثم قادت خطواتها نحو جزء داخلي في المطعم. فوجدته يجلس على طاولة متوسطة وأمامه أوراق، بعضها كبير والآخر صغير، ومنشغل بتفقدهم والعمل. لتتحرك نحوه وتقف قائلة بخفوت: "أستاذ إسلام." رفع نظره لها وهب واقفًا فورًا وهو يجذب عكازه ليستند عليه في الوقوف. ويمد يده مصافحًا إياها في عذوبة. لتمد يدها وتتصافح معه بسطحية شديدة. ثم تسحب المقعد المقابل له للأمام وتجلس هاتفة باعتذار بسيط:
"اتأخرت عليك، أنا آسفة بس الطريق كان واقف." هز رأسه نافيًا يوضح له بساطة الأمر. ويقول ببشاشة: "لا متأخرتيش، أنا لسه واصل قبلك بدقايق أساسًا." افترت عن ابتسامة خفيفة على شفتيها وهي تقاوم ارتباكها منه. ثم نظرت إلى الأوراق وعادت بنظرها له مجددًا تهز رأسها بعدم فهم. ليقول في رسمية تليق بصوته الرجولي:
"تمام، بصي الورق ده فيه كل حاجة ومحتاج قعدة كدا طويلة عشان أفهمك كل حاجة فيه ونشتغل صح. وإحنا بنشتغل فنجان قهوة كدا هيظبط كل حاجة. بتشربي قهوة؟ تلعثمت لسبب مجهول، هل لرسميته أم لوسامته أم لماذا؟ لا تعرف. ولكنها نفرت تلك الأفكار واستغفرت ربها في نفسها. ثم قالت في هدوء تام: "أكيد بشرب قهوة." هب واقفًا وتحامل على عكازه موليًا إياها ظهره. وقبل أن يتحرك خطوة للأمام التفت برأسه ناحيتها. وقال في ابتسامة أظهرت عن غمازته:
"فطرتي ولا أطلب لك فطار؟ بادلته الابتسامة التي كادت أن تكون ضحكة. وقالت بامتنان: "فطرت الحمدلله، شكرًا." عاد يوليها ظهره مجددًا وسار مبتعدًا عنها. ليقوم بتحضير القهوة لكليكما كما قال. وتركها تتخبط في صراعاتها وهي تعنف نفسها بشدة. ولوْهلة فكرت بأن تقول لأخيها بأنها لا تريد أن تتولى هذه المهمة. فمن جهة توترها منه ومن جهة ضميرها الذي يلومها بشدة لأنها تعرف أن تلك المشاعر خاطئة ولا تجوز!! ......
داخل منزل حسن العمايري....... كانت يسر تمسك باختبار الحمل بيدها وتحدق به بخوف ومشاعر متضاربة. وتخشى أن تقوم بإجرائه فترى النتيجة إيجابية. بالتأكيد ستفرح كثيرًا بمجرد تخيل أنها تحمل قطعة منه داخلها. ولكنها تفكر كيف ستكون ردة فعله يا ترى حين يعرف؟! اتخذت قرارها النهائي وهو أن تقوم بإجرائه حتى تطمئن نفسها القلقة منذ تأخر موعد دورتها الشهرية عنها لأيام. استقامت ثم دخلت الحمام وقضت دقائق طويلة.
ثم فتحت الباب وخرجت وهي تحدق بنتيجته والتي كانت تظهر شرطتين! فشهقت بذهول ووضعت كفها على فمها لا تصدق ما تراه عيناها. وتهتف بضحكة بلهاء: "أنا حامل بجد! خرجت من غرفتها بعد دقائق وبعد أن هيأت نفسها لأخباره بكامل القوة والثبات دون ضعف. واتجهت إلى غرفته ثم فتحت الباب لتراه يستعد للنزول ويصفف شعره بحرص شديد. لتهتف في نبرة عادية بعض الشيء: "رايح فين؟ التفت لها برأسه وطالعها باستهزاء متمتمًا في حدة: "أظن حاجة متخصكش."
هدأت نفسها تمامًا بصعوبة. ثم تحركت نحوه ووقفت بجواره هاتفة في جدية ونظرة مريبة: "عايزة أقولك حاجة." القى نظرة عليها بطرف عيناه متعجبًا من نبرتها ونظرتها. وأحس بأنه أمر جدي بالفعل. فقال بحيرة: "في إيه؟ قولي!!! أصدرت زفيرًا حارًا استطاع سماعه. وبكامل شجاعتها وقالت بدون مقدمات: "أنا حامل."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!