اسرعت واختبأت في مكان قريب منهم ولكن بعيد عن أنظارهم حتى تستطيع سماعهم جيداً. وقف أمامها بشموخ واضعاً كلتا يديه في جيبي بنطاله وهتف بتعالي يليق به: "حقيقي مش مصدق نفسي رحمة هانم بنفسها جاية تقابلني.. طيب كنتي اتصلي بيا حتى قبل ما تيجي عشان استقبلك استقبال يليق بيكي يامدام رحمة" تعمد الضغط على آخر جملة بين أسنانه فخرجت مخيفة بعض الشيء، فأطرقت هي أرضاً بخزي وهمست بدموع تملأ عيناها: "أنا اطلقت ياحسن"
ابتسم ساخراً وهتف بغطرسة واضحة غير مكترثاً لأي شيء مما قالته وفقط يتصنع الاهتمام: "ياخبر حصل إيه لده كله .. ده أكيد شيطان ودخل بينكم" ثم صمت لثانية وعاد يغمغم بعد أن اختفت ابتسامته وظهر محلها الغضب الحقيقي: "جاية ليه يارحمة؟ رفعت نظرها عن الأرض وثبتت نظراتها المستعطفة على خاصته لتيقنها بأنه لا يزال يعشقها حتى الآن ولا زال تأثيرها عليه مستمر، وفي ظرف لحظة قبضت على كفه هاتفة بتوسل ضعيف:
"أنا آسفة ياحسن سامحني ابوس إيدك .. أنا اللي كنت مغفلة إني سبتك وروحت للحيوان ده، سامحني وتعالي نرجع زي الأول"
كأنها ألقت عليه تعويذة وسقط في وحل سحرها، ظل يحدق في عيناها كالمسحور ولمسة يدها ليده كانت كالخمر الذي أسكره.. وكان على وشك التعمق في السحر ويضعف أمامها ولكنه سحب يده فوراً بعنف محدقاً إياها بنارية. أما على الناحية الأخرى كان هناك من تحرقه نيران الغيرة وتشتعل بداخله، وكادت أن تندفع نحو تلك الساقطة وتجذبها من خصلات شعرها وتلقنها الدرس الذي تستحقه ولكنها تمالكت نفسها إلى حين رحيله حتى تنفرد بها. صاح بها منفعلًا
يحاول إخفاء تأثيرها عليه: "نرجع إيه! .. والصراحة أنا اللي اكتشفت إني مكنتش بحبك وكانت مجرد مشاعر زائفة وراحت لحالها.. يعني من الأساس مكنش في بينا حاجة عشان اسامحك عليها ومكنش في بينا علاقة عشان تنتهي وترجع من تاني" سالت عبراتها على وجنتيها وقالت برجاء محاولة استعطافه: "لا متقولش كدا ياحسن أنا بحبك.. ومستعدة أعمل إي حاجة عشان تسامحني ونرجع من تاني"
تراجع خطوة للوراء ليثبت لها أنه لا يمكن تخطي الحدود الصارمة التي رسمتها بينهم منذ هجرها له، وهتف بقسوة شديدة: "امشي يارحمة ومتورنيش وشك تاني" ثم استدار وفي لمح البصر دخل مبنى الشركة مجدداً وظلت هي واقفة غارقة دموعها، أما الأخرى فقد قدمت لها فرصتها على طبق من ذهب حيث بدأت تشمر قليلاً عن ذراعيها وهي ترمق تلك الشمطاء بتوعد بالأخص بعد أن رأت تأثيرها عليه وضعفه أمامها.
اندفعت نحوها كالنسر حين يرى فريسته وقبل أن تستقل تلك الطوفيلية بسيارة الأجرة أوقفت الباب بيدها قبل أن تدخل وطالعتها شرزاً، فرمقتها الأخرى باستغراب وقالت: "إنتي مين؟ انتصبت في وقفتها وكانت وقفتها تشبه وقفته لحد كبير ولكنها اختلفت عنه في نظرتها النارية ونبرتها المهددة إياها بجراءة: "اسمعي ياقطة لو خايفة على نفسك تبعدي عن حسن خالص وإلا هخليكي تندمي على الساعة اللي شوفتيه وشوفتيني فيها"
اصابها بعض الخوف من نظرتها وتهديدها الصريح ولكنها صاحت بها بغضب وشجاعة مزيفة: "إنتي مالك أساساً أبعد ولا أقرب، ثم إنك إزاي تكلميني كدا ومين إنتي أصلاً؟! أجابتها بحدة ونظرة ثاقبة وشرسة: "أنا مراته.. وخليكي فاكرة إني حذرتك ولو شوفتك بتحومي حواليه تاني صدقيني مش هيحصلك طيب.. فاهمة ولا لا"
ثم استدارت وقادت خطواتها نحو باب الشركة تاركة رحمة في صدمتها ورعبها من هذه الفتاة التي تعتقد أنها أنها لا تمزح فملامحها تخبر الجميع بأنها خطيرة وشيطانة! أما يسر فكانت تسير داخل المبني وكل عضو في جسدها ينتفض من الغضب والغيرة وتهتف بحسم: "لغاية هنا وكفاية مش هسمح ليها تاخدك مني تاني سواء هي أو أي وحدة غيرها.. وأعتقد إن عقارب الساعة دقت الساعة 12 وخلاص حان الوقت فاستعد ياحسن بيه! *** "شفــــق خلصتي اللي قولتلك عليه؟
جاءها صياح أمها عليها من المطبخ فعادت تجيبها بنبرة مرتفعة حتى تسمعها: "أيوة ياماما خلصت" كانوا في جلبة من أمرهم هي تتولى مهمة تنظيف المنزل وأمها في المطبخ تقوم بتحضير الطعام، فقد اقترب موعد قدوم ضيف اليوم ويجب أن يكون كل شيء كاملاً على أكمل وجه، فهذه هي الأصول وكرم الضيافة الصحيحة.
ارتفع صوت جرس الباب فهبت هي واقفة والتقطت حاجبها وهمت بأن تعتكف في غرفتها كعادتها عندما يأتي هذا الكرم، ولكن صياح أمها وهي تطلب منها أن تفتح لهم الباب سمرها في أرضها وركلت الأرض بغيظ ثم اندفعت نحو أمها بغضب وهمست: "افتحي إنتي ياماما، افتح أنا ليه؟ قالت الأم باعتذار صادق وإيجاز: "معلش ياحبيبتي إيدي مش فاضية زي ما إنتي شايفة.. بعدين هو كرم غريب عننا يعني وأخوكي معاه يلا يابنتي روحي افتحي عيب يقف الراجل على الباب كدا"
تأفف بغيظ واستغفرت ربها، فهي لا تنكر خجلها منه أو ربما ليس منه بالأخص بل من أي رجل اجنبي عنها هكذا.. وبالرغم من أن كرم صديق أخيها منذ طفولته، تتوتر بشدة عندما تراه ربما بسبب ما كانت تقصه لها والدتها عن طفولتها عندما كان يأتي لهم إما لزيارة عادية أو ليشارك صديقه في المذاكرة كيف كانت تصر على الجلوس معهم كشيء من فضول الأطفال وعن طرائفها التي لا تعد، كل هذه الأشياء سبب خجلها منه.
لفت حجابها على شعرها بانتظام وهندمت من عبائتها التي ترتديها ثم اتجهت لتفتح الباب فيدلف أخيها أولاً من ثم يهتف محدثاً الآخر: "تعالى ياكرم هو إنت غريب يا راجل.. ده أنت صاحب بيت" ابتسم له بعذوبة ثم تنحنح بإحراج ليس بجديد عليه والقى تحية السلام عليها خافضاً نظره أرضاً وهو يمر من الباب فترد هي السلام بخفوت ثم تغلق الباب وتنتظر دخولهم فتهرول ناحية غرفتها لكن أمها اوقفتها للمرة الثالثة وهي تهمس بجدية:
"تعالي ياشفق ساعديني خليني اخلص بسرعة مينفعش اتأخر علي الغدا.. ولا أقولك اعمليلهم شاي وأنا هروح اسلم على كرم وبعدين هاجي أكمل" رفعت نظرها لأعلى بيأس وأصدرت زفيراً حاراً باستسلام لأمرها المفروغ منه وهو عدم قدرتها على الهروب منه، ثم دخلت المطبخ وبدأت في تحضير الشاي كما طلبت منها والدتها. ***
رائحة يدها لا تزال عاقلة في يده، ولمستها له لا يزال يشعر بها.. كم تمنى أن يعانقها ويخبرها بأنه اشتاق لها كثيراً وأن برغم كل مافعلته لم يتمكن قلبه الذي كان يعشقها بصدق إن يبغضها، ولكن يجب عليه أن يلزم قلبه من بغضانها فهي لا تستحق حبه له.. تخلت عنه والآن تطلب العودة جديد حتى تخونه مجدداً ويعيش هو نفس الألم لمرتين ولكن بجرعة أكبر.
أحدهم تطفل عليه في هذه اللحظة بطرقه للباب، فهو ليس من عادته القدوم لمقر الشركة إلا نادراً جداً. "ادخل! هكذا اتاها صوته الذي يوحى بغضبه ففتحت الباب بثبات تام ودخلت حاملة بيدها كأس شاي راقي فهي تعلم جيداً عشقه للشاي، ثم أغلقت الباب بقدمها وتوجهت نحوه واضعة الكأس أمامه على سطح المكتب، وسط نظراته المندهشة منها.. وهو يطرح التساؤلات في ذهنه كالآتي "متي أتت هذه؟! .. ولماذا جاءت إلي؟!
.. هل نسيت شجارنا بالأمس بكل هذه السرعة؟! .. بالطبع لا فهي لا تمتلك ذلك القلب الصافي والنقي الذي ينسى الأذى في ظرف ساعات! انتظرها حتى تبدأ هي وبالفعل جلست على أحد المقاعد وغمغمت ببرود ونبرة خبيثة: "متزعلش نفسك، صدقني هي اللي خسرتك" "قصدك على مين؟! قالها بشيء من الحزم فأكملت هي بهدوء مستفز وجراءة متوقعة منها: "على رحمة.. اصلي شوفتك بتتكلم معاها من شوية تحت" جاءها سؤاله المندهش: "وإنتي تعرفيها وتعرفي موضوعنا من فين؟!
هبت واقفة وتمتمت ساخرة وبنبرة ممتعضة: "أنا جيت أقولك بس إنك تبقى مغفل فعلاً لو رجعلتها تاني لإن اللي باعتك مرة هتبيعك مليون مرة" ربما لم تكن من ضمن خطتها التحدث معه ولكنها كانت ستنفجر من غيظها إن لم تخرج الكلمات من داخلها، واكتفت بقولها هذا حتى تريح قلبها قليلاً وهمت بالرحيل.. ولكن للمرة التانية كان يقبض على ذراعها هذه المرة كانت فبضة قاسية وقوية فالتفتت له ووجدته يحدقها شزرًا ويقول:
"سألتك سؤال يايسر.. تعرفي رحمة منين؟ اوعي تكوني ليكي إيد في المشاكل اللي حصلت بينا! ضحكت بقوة وهتفت بغطرسة واستنكار: "وأنا مالي بيك أصلاً عشان أعمل مشاكل بينك وبين حبيبتك السابقة! كان في زروة غضبه ولا يدري ما يفعله أو ما يقوله حتى، كل ما يراه أمامه أن هذه هي ابنة عمه الذي طالما كان يبغضها وينتظر الفرصة لكي يخرج لها اشمئزازه منها وها هي سمحت له الفرصة وهو أفضل من يستغل الفرص!
"إنتي هتستعبطي يايسر أنا وإنتي عارفين كويس أوي إنك بتحبيني وهتموتي عليا وطبعاً تلاقيكي غيرتي منها وقولتي أما أحاول أعمل مشاكل بينهم بأي شكل ومش بعيد تكوني إنتي اللي بعتيلها العريس ده.. بس أحب أقولك يايسر إني هرجعلها وبالعند فيكي، ومتنتظريش مني غير المعاملة دي وأنا بنصحك إنك تطلعيني من دماغك.. إنتي فاكرة إن ممكن حد يبصلك أصلاً؟
وحدة زيك متعرفش تحب إنتي بس بتعرفي تأذي.. وبرأى قبل ما تفكري تحبي أبقى بصي لنفسك تصلحي للحب ولا لا! كلماته كانت كالخنجر المسموم الذي رشقه في صدرها بدون رحمة، كانت تعرف أنها يبغضها ولكنها لم تكن تتنظر منه كل هذه القسوة وعدم تقدير مشاعرها حتى لو كان لا يقبل حبها له.. كيف له أن يكون بكل هذا الجفاء؟
الآن فقط أدركت أنه استحق ما سببته له من ألم عندما فصلت بينه وبين حبيبته.. استحق كل شيء قالته له المرأة التي عشقها.. واستحق هجرها له كأنه نكرة! لأن هو الذي لا يعرف شيء عن العشق وجبر الخواطر حتى لو بكلمة بسيطة.. هو الذي لا يصلح للحب وليس هي!
شعرت بأن دموعها على وشك السقوط ولكنها أبت الظهور أمامه ضعيفة فسحبت يدها من يده بعنف تلقى عليه نظرة أخيرة ساخرة تحمل الألم ثم التفتت وفتحت الباب وانطلقت كالسهم إلى خارج الشركة ودموعها أخذت طريقها لوجنتيها وتهتف بتوعد حقيقي لا يحمل التهاون أو المزاح: "أنا فعلاً مبعرفش أحب لإني حبيت واحد زيك.. وعشان أنا مبعرفش غير الأذي هخليك تشوف معنى الأذي بجد ياحسن، وهدفعك تمن كل كلمة قولتها من شوية صدقني"
هتشوف يسر المؤذية على حقيقتها بقى *** في مساء ذلك اليوم كان عائدًا إلى المنزل بعد قضاء يوم مرهق ومتعب، قضى نصفه في منزل صديقه الحميم، ثم توجه إلى العمل لينهي بعض الأعمال المتعجلة، والآن هو في طريقه للمنزل يتشوق لفراشه والنوم.
وإذا به يجد فتاة تظهر أمامه فجأة، وهي غير منتبهة لوجود السيارة القادمة نحوها، ولكنها انتبهت وانتفضت بهلع. ومن فعل الخضة، عندما حاولت الابتعاد انزلقت قدمها وسقطت. أما هو فأوقف السيارة بعنف، كادت أن تنقلب على عقبيها. وتسارعت نبضات قلبه عندما رآها ساقطة على الأرض تتألم من قدمها. ونزل من سيارته مسرعًا ليرى هذه الفتاة بخير أم أصابها مكروه. وعندما دقق النظر بها جيدًا هتف بذهول: "أنسة شفق!!
رفعت نظرها له فأصابتها الدهشة الممزوجة بالخجل والتوتر، وكأن دلو ماء بارد سكب عليها. تحاملت على نفسها ووقفت على قدمها هاتفة وهي تطرق أرضًا موضحة له ذهولها بمقابلتها له أيضًا: "أستاذ كرم! هتف بقلق حقيقي دون أن يكون في نبرته أو نظرته أي خجل على عادته: "إنتي كويسة؟ أنا آسف جدًا والله ما أقصد. لو رجلك فيها حاجة تعالي نروح المستشفى حالًا." أجابت مسرعة بارتباك واستحياء:
"لا لا مستشفى إيه ملوش لزمة. أنا بس عشان اتخضيت فوقعت. الحمدلله ربنا لطف. وكمان أنا اللي غلطانة مبصيتش على الطريق قبل ما أعدي." "متأكدة إنك كويسة؟! أماءت له بابتسامة متوترة. أما هو فعاد لطبيعته المعتادة حيث أجاب بخفوت ونبرة مؤدبة: "طيب اتفضلي هوصلك للبيت. البيت مش بعيد من هنا." غمغمت باعتراض بسيط بعد أن ازداد الأمر سوءًا بالنسبة لها: "أنا كويسة والله. هاخد تاكسي وهروح دلوقتي."
رسم ابتسامة بسيطة على شفتيه وقال بشيء من الحدة واللين دون أن تكون نظراته على وجهها ثابتة: "تاكسي إيه في الوقت ده! مينفعش تاخدي تاكسي دلوقتي وحدك. وأنا أكيد مش هسيبك تركبي تاكسي. يلا اتفضلي هوصلك."
تنفست الصعداء بيأس واتجهت إلى السيارة وهي تعرج قليلًا، ثم استقلت بالمقعد الخلفي. واستقل هو بمقعده المخصص وانطلق بالسيارة. فخطف نظرات سريعة لها من مرآة السيارة العلوية التي تعكس الأجسام. وهو يتردد في سؤالها سؤال كهذا، أو بالأحرى يشعر بالخجل لأن هذا شيء ليس من شأنه. ولكنه لا ينظر لها إلا أنها مثل شقيقته ولا مانع من سؤالها كشيء من الاطمئنان!
تنحنح بصوت مسموع قبل أن يطرح سؤاله عليها في إحراج شديد دون أن ينظر لوجهها مطلقًا: "أنا آسف على سؤالي. بس هو إنتي كنتي بتعملي إيه في الوقت ده والمكان الشبه مقطوع ده؟! تعجبت من سؤاله لها واستاءت، فهو ليس من حقه أن يسألها شيء كهذا. ثم هتفت بشيء من الحزم بعد أن فهمت أنه يشك أنها كانت في مكان لا يليق بفتاة مثلها أو كانت تقابل أحدًا: "هكون كنت بعمل إيه يعني برأيك!! واتمنى أكون فهمت صيغة سؤالك وقصدك غلط!
ساد الصمت لبرهة من الوقت يحاول فهم ما تقصده، حتى فهم فازداد إحراجه وقال معتذرًا بخجل: "أنا مقصدش كدا والله. وآسف لو ضايقتك!
ربما فهمت سؤاله على هذا النحو وأنه يشك بها، لأنها كانت فعلًا مع صديقتها بصحبة أحد أصدقائها. ولكنها اصطحبتها شبه إجبارًا بعد إلحاحها الشديد بأن تأتي معها، مقنعة إياها أنه حبيبها ولا تستطيع مقابلته بمفردها وأنها تخجل منه كثيرًا. واختاروا هذا المكان المخيف للتقابل وهي ذهبت معها مغلوبة على أمرها. وإن عرف أخوها بهذا الأمر سيتخذ قواعد صارمة حيالها! *** "بس إيه رأيك؟ قالتها بنبرة وضيعة ليجيبها هو بنظرات شيطانية:
"لا البت طلعت جامدة الصراحة. بس هتاخدي إيه مقابل اللي هتعمليه ليا؟ تمتمت بغل وحقد ينبعثان من مقلتيها: "هاخد بس مش هاخد منك إنت. هاخد منها هي. أنا عايزاك تعمل فيها اللي يخلي عمر ميفكرش يبصلها حتى مش يتجوزها." صمت لبرهة وهو يفكر بلؤم ونبرة حقيرة: "دي حتة بسكوتة حرام أخدها على الحامي كدا علطول. خليها واحدة واحدة أصل الحقيقة مش حابب أجرب معاها العنف علطول كدا." "أمال عايز تعمل فيها إيه؟!
تطلع بعيدًا وهو تلوح بذهنه أفكار لعينة لهذه الفاتنة، ثم عاد بنظره لها وقال بخبث: "هقولك وهتعملي اللي هقولك عليه بالحرف الواحد." *** داخل منزل طاهر العمايري بالتحديد في غرفة يسر... تمعن ابنة خالتها الكامنة بجوارها النظرات لها بذهول. فهذه الفتاة حتمًا فقدت عقلها. ماهذا الجنون الذي تفكر به. هل يعقل أن هناك عشق بهذا الجنون! كانت دائمًا تسمع عن أفعال العشاق ولا تصدقها والآن اثبتت لها ابنة خالتها. ساد الصمت للحظات
حتى انفعلت صائحة بها: "لا يايسر متوصلش بيكي للجنان ده أنا مستحيل أساعدك في حاجة زي كدا." أظهرت عن حدتها وغضبها وهي تلقي أوامرها عليها بصوت خفيض: "وطي صوتك لحد يسمعنا. وهتساعديني يازينب. أنا أكيد مش هأذي حد يعني أنا ههدده بس مش أكتر." كادت أن ترفع نبرة صوتها مجددًا ولكنها تحكمت في انفعالها وهتفت باستنكار: "وإنتي فكرك إن حسن هيتهدد؟! غمزت لها بطرف عيناها اليسار هامسة بثقة مطلقة:
"هيتهدد وهتشوفي. أو بمعنى أصح هيعملي حساب." أكملت بنظرة حاقدة وغاضبة:
"لإن بعد اللي عمله معايا النهردا وغيره لازم يدفع تمن عمايله معايا. وهو عارف من زمان إني بحبه وحتى لو هو مبيحبنيش على الأقل يعاملني كويس ويحاول يفهمني بالحسنى إننا منفعتش لبعض حتى لو مش هقتنع بس على الأقل هحترمه لإنه ماخدش مشاعري على أنها مشاعر سخيفة. والنهردا فعلًا اثبتلي إنه استحق كل اللي عملته فيه ولسا هعمله. عشان يعرف إني مش من ال**** اللي عرفهم. لا وبيقولي هرجعلها بالعند فيكي. طاب لو راجل وريني إزاي هتعملها وترجعلها!
حدقت بها زينب بصدمة فهي ليست طبيعية. لا يمكن أن تكون هذه أفعال فتاة ناضجة وعاقلة. عشقها لحسن قادها للجنون حقًا! هتفت بسخرية: "حسن ده جننك بجد يايسر. وبرأي أن كل اللي قولتيه ده مش هيأثر فيه والسحر هيتقلب على الساحر في الآخر واوعي تكوني فاكرة إنه هيتجوزك ولا حاجة." هبت واقفة وعقدت ذراعيها أمام صدرها هاتفة بابتسامة شيطانية ولئيمة:
"ومين قالك إني عايزة أتجوزه. أنا نسيت موضوع الجواز خلاص. دلوقتي كل هدفي إني أذله وأهينه وأشوفه وهو بيترجاني." هي تخطت حدود الجنون وأصبحت مشاعرها مزيج بين العشق والانتقام لكرامتها الذي بعثرها هذا الفاسق! أجل فاسق ولكن مع الأسف القلب لا يفهم هذه المصطلحات!! *** انضمت لجلسته الخلوية في حديقة المنزل وجلست بجواره تحدق به للحظات بصمت. تفكر في طريقة تعرض عليه بها موضوعها الذي من المؤكد أنه سيواجهه بالرفض القاطع كعادته.
ولكنه بدأ الحديث بشيء من عدم مبالاة: "موافق ياماما شوفي يوم عشان نروح نتقدم." استغرقت الدهشة دقائق وهي تستوعب موافقته السريعة هذه بدون أي مقاومة منه. ولكن لا يهم كيف وافق أو لماذا الأهم أنه أخيرًا تقبل فكرة الزواج! "ايوة كدا يازين فرحتني والله ياحبيبي. صدقني مش هتندم البنت محترمة وكويسة أوي على ضمانتي. بس مش هنروح نتقدم علطول لازم تشوفها الأول وهي تشوفك." هنا تحول هدوءه وعدم اكتراثه لسخط وحدة وهو يقول بحزم:
"نشوف بعض إيه!! لتكوني عايزاني أخدها وأفسحها كمان ماهو ده اللي ناقص يا أمي. ثم إني أصلًا مش هعمل خطوبة والكلام الفارغ ده هو كتب كتاب علطول وبعديها تاخد راحتها تجهز نفسها لغاية الفرح." "يابني بلاش عمايلك دي. أنا مش بقولك روح امسك إيدها ولا اعملوا حاجة حرام دي رؤية شرعية وأنا هكون معاك وهي تكون معاها أمها كمان يعني مش هتبقى خلوة زي ما بتفكر. متبقاش معقد كدا يازين." هتف منفعلًا:
"هو أنا عشان ماشي على الدين بقيت معقد. ما أنا عشان كدا رافض الجواز. وإنتي عارفة إني مبعترفش بالخطوبة دي وأقعد أكلمها وأخرجها وهي مش مراتي وكله ده حرام في حرام." قالت برزانة محاولة تهدئته بحنو: "ياحبيبي أنا معاك. بس مفيش كدا إنت وهي مش عارفين بعض من سنين عشان تقبل تتجوزك علطول لازم تحصل خطوبة عشان تعرفك الأول و يمكن تلاقوا نفسكم مش متفاهمين." "استغفر الله العظيم يارب." ضربت على قدمها بنفاذ صبر وقالت وهي تحاول البقاء
هادئة أمام هذا العنيد: "يازين دي خطوبة وأنا مش بقولك أخرج معاها طبعًا لا. ولا كلمها وأقعد حب فيها في التلفون لا إنت لما تكلمها هيبقى كلامكم في حدود مثلًا إنك تطمئن عليها مش أكتر أو تتفقوا على حاجات في فرحكم والجواز وأنا مش محتاجة أقولك إن ده عادي مفهوش حاجة إنت عارف ده كويس. إنت بس اللي عايز تحط العقد في المنشار. بالله عليك يابني ماتعقد الموضوع وخليه يمشي وأفرح بيك بقى." بدأ وكأنه استسلم للأمر الواقع
وخضع لها حيث قال بخنق: "اعملي اللي عايزاه يا أمي." قالت بسعادة وحماسة شديدة: "تمام هما فاضين بكرا ومعندهمش مانع لو طلعنا عشان الرؤية الشرعية. فجهز نفسك بقى عشان قبل الظهر هنطلع." استقام وقال بموافقة ووجه شبه متضايق: "طيب! لا يعرف ما سبب موافقته!! هل أراد أن يعطي لنفسه فرصة أخرى في الحياة. أم أنه فكر أن لا مانع من تجربة حظه هل سيصيب أم يخيب. أم أن الأمر ليس له علاقة به بتاتًا وهو قدر ونصيب جعله ينصاع لرغبته كالمغيب!
*** مع إشراقة شمس يوم جديد. كان يوم هادئ منذ بدايته ولكن العواصف كانت تقيم بداخلها. كلما تتذكر ليلة أمس وتلعن نفسها في الدقيقة ألف مرة لأنها اتبعت صديقتها وذهبت معها لهذا الشاب. ورغم أنها لم تراه ولكنها شعرت بمشاعر سلبية في هذا المكان. وكم توسلت صديقتها لكي يرحلوا ولكن دون فائدة. وعندما خرجت اصطدمت بصديق أخيها.
وحتى الآن تشعر بالخجل عندما تتخيل كيف فكر بها وهي في منطقة مهجورة كهذه وفي وقت متأخر قليلًا. لا يصح لفتاة أن تكون في هذا المكان حتى وإن كان في جوف النهار. استفاقت من شرودها على صوت مألوف عليها، وعندما انتبهت له تأكدت من شكوكها. فهبت واقفة لولا يده الذي أمسك برسغها وهو يقول بنظرة مستعطفة: _اقعدي ياشفق عشان خاطري متقوميش. سحبت يدها من بين يده بصرامة وهتفت: _عمر مش هقولك تاني إياك تفكر بس تلمسني حتى لو بالغلط.
استقام هو الآخر وهتف معتذرًا بصدق وندم: _طيب أنا آسف آخر مرة صدقيني. نفسي أفهم إنتي بتعملي فينا كدا ليه؟ أنا بحبك وإنتي كذلك. قالت بحدة بسيطة وصوت منخفض: _بحبك آه بس قولتلك الحل. غير كدا متنتظرش مني حاجة ياعمر. _طيب قوليلي هروح اتقدملك إزاي بس وأنا لسا طالب وحتى معيش شقة ولا حاجة؟ اخوكي هيوافق عليا إزاي! تمتمت ببساطة بعد أن عادت لرقتها المعهودة:
_أنا مش بقولك نتخطب ياعمر. بس عايزاك تثبتلي إن نيتك واضحة وصريحة وتكلم سيف وعلى الأقل نقرى فاتحة بس لغاية ما نخلص كلية. وإنت ما شاء الله عليك بتطلع من الأوائل يعني إن شاء الله بمجرد ما تتخرج هتلاقي شغل بكل سهولة وسعتها نعمل الخطوبة. تنهد بعمق بعد اقتراحها، وقد اقتنع به بالفعل. فهو يريد أي شيء لكي يحصل عليها وتصبح له. لا يطيق الانتظار لليوم الذي ستكون فيه زوجته. هتف باستسلام:
_طيب لو ده اللي هيريحك ويثبتلك إني عايز اتجوزك النهردا قبل بكرا هعمله. هاتي رقم أخوكي عشان أكلمه. ابتسمت له برقة وخجل ثم أخرجت هاتفها وعثرت على رقم أخيها من بين قائمة الأسماء ثم أملته إياه. وودعته إياه ورحلت حتى لا تتأخر على محاضرتها القادمة. وتسير بين الحشود وهي تبتسم تلقائيًا عند تخيلها أنهم سيصبحان لبعض بعد إعجابها به الذي طال لسنوات. *** اقتحم الغرفة دون إنذار وقال مازحًا بضحك:
_لا أنا أكيد بحلم يومين ورا بعض في الشركة!! إيه هي الدنيا زنقت معاك ولا إيه وقولت أما آجي آكل بلقمة عيشي!!
"علاء" الوريث الوحيد لطاهر العمايري وشقيق يسر. يتميز بشخصيته المرحة ونجح في جذب جميع أفراد عائلته وحتى الفتيات. ويستنكر الجميع لصداقته الحميمية هو وحسن. فحسن مشهور بعلاقته المتعددة وأنه شاب ماجن. أما علاء فبرغم أنه يمتلك الدهاء كابن عمه وصديقه إلا إنه لا يتخطى حدوده مع أي امرأة. وهذا هو المعروف عن عائلة العمايري وابنائها ذو الأخلاق الحميدة! طالعه حسن بقرف وهتف: _لو جاي تستظرف لف وارجع من مكان ما جيت.
تجاهله وتوجه جالسًا بجواره على الأريكة المتوسطة والتقط حبة عنب من الصحن الموضوع أعلى المنضدة الصغيرة أمامه. وتمتم بجدية حقيقية: _عملت إيه إمبارح مع رحمة؟ _ولا حاجة عملت معاها اللازم وطردتها بالذوق. قال عايزة ترجعلي هو في حد بيجرب لدغة العقرب ويرجعله تاني عشان يلدغه للمرة التانية. كان يتحدث بعدم مبالاة وسخرية تضمر خلفها جدار قلبه الذي ينهار من شوقه لها. ليجيبه علاء بتأييد:
_بظبط.. بعدين أنا قولتلك من الأول البنت دي مادية حقيرة وبتجري ورا فلوسك ولما لقت واحد هيحققلها كل اللي نفسها فيه من غير ماتطلب منه حتى قالت وماله ابيع حسن ولما اداها على دماغها دلوقتي رجعتلك. حدجه باستنكار وغمغم بمرارة: _ده على أساس إن أنا مكنتش هحققلها كل اللي نفسها فيه ياعلاء!! أنا كنت مستعد افديها بروحي لو طلبت.. كنت هخليها ملكة وهعيشها عيشة عمرها في حياتها ما كانت تتخيلها. أصبح شبه منفعلًا وهو يصيح به باشمئزاز:
_الأشكال اللي زي دي مبيهمش حاجة غير الفلوس. هي مكنتش بتحبك كانت بتحب فلوسك يابن عمي ودلوقتي رجعت عشان فلوسك برضوا.. طلعها من دماغك.
انحنى بجزعه للأمام دافنًا وجهه بين ثنايا كفيه. وصورتها وهي تترجاه بالأمس لا تزال أمام عيناه. دموعها الذي كان يكره كل شيء يجعل عيناها تذرف الدموع. كم تمنى أن يجففهم لها ويهمس لها منذرًا إياها بعقاب يليق بمعشوقته أنها إن بكت أمامه مجددًا ستتلقى عقابها. ولكنها لا تستحق عشقه. فقط تستحق الكره. خرج صوته مبحوحًا وشجينًا وهو لا يزال على وضعه:
_مش عارف ياعلاء حاولت مليون مرة. وفي كل مرة بفشل. امبارح كان فاضل لحظة بس وارمي كل حاجة حصلت ورا ضهري واسيبها تتمكن مني تاني. ولحقت نفسي بإني سبتها ومشيت وإلا كنت هضعف قدامها. _أنا مظنش إنها هتيجي تاني بعد ما إنت بتقول إنك طردتها وعاملتها وحش. ولو جات إنت مش غبي للدرجة اللي تخليك تسمحلها تستغل مشاعرك تاني. هو لديه كل الحق!
يجب أن يعطيها المشاعر الذي تستحقها. ولا يظهر لها سوى الكره حتى يتمكن قلبه أيضًا من أن يكرها ويتحرر من قيودها! *** داخل أحد المقاهي الراقية والهادئة. المطلة على الماء كان هو وهدى على أحد الطاولات المتوسطة تتسع لخمس أشخاص. وكانت هدى نظراتها معلقة على باب المقهى متنظرة قدوم العروس! أما هو فبدى غير مهتم تمامًا لأي شيء حيث كان مثبت نظره على الماء يتأمل المنظر من حوله بذهن شارد. حتى شعر بأمه التي تنكزه في أعلى قدمه
بيدها لتلفت انتباهه هامسة: _جم يازين.
تلقائيًا منه نظر ناحية الباب فوقع نظره على السيدة التي تناظر أمه في السن وكان يعرفها جيدًا. ثم تحول نظره للتي تسير معها وترتدي ملابس لا بأس بها. عبارة عن بنطلون من الجينز ويعلوه شميز طويل يصل إلى أسفل الركبة وفوق كل هذا حجابها البسيط والجميل. وكانت الفتنة عندما سقطت نظراته على وجهها. حينها أدرك أن أخطأ بالجلوس في هذا المكان. فهذه الفتاة فتنة ستسحبه للجحيم. كانت ساحرة وفاتنة للدرجة التي تجعل أي رجل يفقد نفسه أمامها.
فأشاح بنظره فورًا قبل أن يرتكب ذنوب أكثر. وعندما وصلوا لهم وقف هو ووالدته كنوع من الذوق والاحترام ونظر إلى والدتها مبتسمًا باحترام وهي تلقى عليه التحية دون أن تمد يدها للتصافح لعلمها أنه لا يصافح النساء. كان يتحاشي النظر لهذه الفتنة الكامنة أمامه ولكنها كانت تنظر له بمزيج من التفحص والخجل وتلاحظ توتره الواضح وإحراجه.
جاءهم صوت هدى وهي تعرف العروسين: _زين ابني الكبير. ثم نقلت نظرها لابنها الذي كان لا ينظر لها بتاتًا وهتفت مبتسمة وهي تشير على العروس: _أنسة ملاذ. ثم جلسوا جميعهم مجددًا على المقاعد وبدأت هدى الحديث وهي تنظر لملاذ هاتفة بعذوبة: _عاملة إيه ياملاذ آخر مرة شوفتك فيها كنت في الثانوية والله. اجابت ملاذ وهي تبادلها الابتسامة: _السنين بتعدى بسرعة ياطنط. رفيف عاملة إيه. _الحمدلله كويسة لسا مخلصتش كليتها فاضلها سنة.
اماءت لها بهدوء ثم نكزت ابنها خلسة في قدمه حتى يقول شيء وينظر للفتاة. لا يبقى كالمجبور على الزواج. فباغت هو أمه بنظرة حادة ثم استغفر ربه ورفع راسه وتحدث إليها ونظراته زائغة ليست ثابتة عليها. بادئًا بتعريف نفسه: _أنا زين 30 سنة خريج كلية تجارة ومدير عام لشركة العمايري. كانت تنظر له باستغراب وهي يتحاشى النظر إليها ويبدو عليه الخنق فشكت أنها قبيحة ولم تعجبه. ولكن قطع تفكيرها تحدث أمها بدلًا عنها معرفة ابنتها:
_ملاذ عندها 25 سنة وخريجة كلية تجارة برضوا. صمت لبرهة ثم هتف بخشونة ونبرة شبه خافضة: _كنتي مرتبطة قبل كدا.. اقصد خطوبة يعني؟ قالت بثبات وهي تجيب بوضوح: _أيوة وفسخنا من حوالي شهر والسبب إننا مكناش متفاهمين مع بعض.
أماء بتفهم ثم عاد ليشيح بوجهه مجددًا عنها. ثم انتقل الحديث طبيعيًا عن أمور الحياة بين السيدتان وكانت تشاركهم هي وأحيانًا هو. وانتقل أيضًا إلي اسئلة طبيعية بين العروسين من آن إلى آن. واستمرت الجلسة لعشر دقائق تقريبًا حتى أشارت ملاذ لأمها بعيناها أن ينهضوا وانتهت المقابلة التقليدية كأي رؤية شرعية وغادرت هي وأمها وبقوا هما مكانهم. فنظرت هدى لأبنها وهتفت مبتسمة باتساع: _إيه رأيك البنت قمر وأدب واحترام صح؟
هتف بخنق مستنكرًا: _أهاا فعلًا أنا لو كنت أعرف كدا مكنتش وافقت إني آجي أشوفها أصلًا. فهمت مقصده جيدًا فقهقت بقوة وهتفت ضاحكة: _ربنا يقدم اللي فيه الخير يابني. صلي استخارة وخد قرارك النهائي وهنستني ردها هي كمان. أشار بيده للنادل أن يأتي لكي يدفع له حساب المشروبات التي طلبوها منذ قليل. وعندما أخبره بالثمن أخرج النقود وتوجه للكاشير ثم دفع وأشار لأمه بأن تلحق به. واستقروا بسيارته وانطلقوا عائدين للمنزل. ***
على الجانب الآخر كان سيف يجلس مع كرم داخل مكتبه في الشركة ويتحدثون بطبيعية وحديثهم لا يخلوا من المرح والمزاح. ووسط المزاح قال كرم باستغراب: _مقولتش إيه سبب زيارتك؟ أول مرة تاجيلي الشركة! صمت لثوان وهو يتنهد بعمق ووجه مرير ويبدو عليه القلق. مما جعل ابتسامة كرم تختفي فورًا ويحل محلها القلق المماثل له. وازداد الأمر سوءًا عند قوله: _أصل أنا طالع مأمورية بليل فقولت آجي اسلم عليك. قطب حاجبيه بتعجب وهتف بعدم فهم:
_طاب وإيه الجديد يعني ما أنت علطول بتطلع مأموريات؟ مسح على وجهه وغمغم بمرارة وخوف كان واضحًا في نبرة صوته: _المأمورية دي خطيرة ياكرم وأنا مش ضامن ممكن ارجع منها ولا لا. عشان كدا جيتلك لو حصلي حاجة وأكيد أنا مش محتاج أوصيك على أمي وأختي هما ملهمش غيري وأنا معنديش حد أثق فيه ولا اسلمهم ليه وأنا مغمض غيرك. أثارت كلماته في نفسه وهيجت مشاعر الخوف أيضًا بداخله من أن يخسر صديق عمره ودربه. ولكنه لم يعيره اهتمام وهتف مشاكسًا:
_توصيني إيه!! إنت عبيط ياد من امتى وإنت بتروح مأمورية وشايل كفنك على إيدك؟ ده هما بيختارولك المأموريات دي مخصوص عشان عارفين كفاءتك. بطل هبل بقى. غمغم بيأس ونظرة منطفئة: _المرة دي أنا حاسس إنها غير ياصاحبي! وأنا لو مكنتش بعتبرك اخويا عمري ما كنت هقولك خلي بالك من أمي وأختي لو حصلي حاجة.
أطال النظر في عيناه فتمكن منه شعور الرعب والقلق. ولكنه للمرة الثانية لم يدعه يسيطر على مظهره الخارجي. حيث رفع سماعة الهاتف وتحدث للسكريترة طالبًا منها قهوة لكيلهما. ثم هتف محدثًا إياه بضيق واضح: _إنت عيل نكدي أصلًا. تشرب قهوتك ويإما تتكلم في موضوع عدل ياتتكل على الله. ضحك بقوة عندما فهم السبب وراء ضيقه هذا. ففضل أن لا يزعجه أكثر فربما تكون هذه مقابلتهم الأخيرة حقًا!
بعد رحيل سيف ووداع شديد من أخته وأمه ممتزج بدموع الخوف والقلق، كانت تجلس شفق في غرفتها مع صديقتها التي أتت لها بعد رحيل أخيها بنصف ساعة. هتفت مروة بحماسة تضمر خلفها المكائد واللؤم: _خلاص بقى ياشفق إن شاء الله هيرجعلكم سالم وبخير. _أمين. _أنا النهاردة اشتريت هدوم بيتي فظيعة وحابة اخليكي تجربيها قبلي وأشوفها عليكي. _أجرب إيه بس يامروة أنا مليش مزاج للكلام ده. قالتها بفتور حقيقي وخنق، فتكمل صديقتها برجاء:
_عشان خاطري ياشفق والله هيبقوا فظاع عليكي. استسلمت لأمرها وأخرجت الملابس من الأكياس، فدهشت بها حيث كانت كلها غير محتشمة بالنسبة لفتاة تعيش مع أشقائها وأبيها. فصاحت بها بغضب: _نهارك أسود، إنتي بتلبسي كدا قدام أخواتك وأبوكي؟ _أكيد طبعاً، بعدين إنتي ناسية إن اخواتي متجوزين وبابا مسافر في السعودية، يعني مفيش غيري أنا وماما في البيت، فبلبس براحتي.. يلا بقى ياشفق البسيهم.
تنهدت بنفاذ صبر، ثم طلبت منها أن توليها ظهرها حتى تستطيع تبديل ملابسها وارتدائهم. ففعلت على الفور وهي لا تطيق الانتظار اللحظة التي سترتديهن فيها وتلتقط لها الصور. وبعد دقائق سمحت لها بأن تنظر لها، وكانت فاتنة بالفعل في هذه الملابس، رغم أنها ملابس منزلية، ولكن بإمكانها أن تذهب بعقل أي رجل يراها بهذه الملابس. رفعت هاتفها وهي تقول مبتسمة: _إيه يابت الحلاوة دي، لا أنا لازم اخدلك صورة. جذبت الهاتف
من يدها بعنف وهتفت بصرامة: _تاخدي صورة إيه يامروة، إنتي مجنونة.. عايزة تصوري بالمنظر ده؟ أكيد طبعاً لا. أجابتها الأخرى مبررة ومخترعة كذبة لتقنع بها هذه المسكينة والساذجة: _يابنتي هوريها لماما، هي ماما غريبة عنك ياشفق؟ هعمل بيها إيه الصور يعني، بطلي هبل.. هوريهم لماما أول ما أروح وهمسحهم علطول أكيد. رفعت إصبعها السبابة في وجهها وهي تقول محذرة إياها بحدة بعد أن استطاعت أن تخدعها بسهولة بكذبتها:
_تمسحيهم علطول يامروة، وإلا والله هزعل منك بجد. أومأت لها بالموافقة في ابتسامة خبيثة، ثم أشارت لها بأن تقف بزاوية معينة حتى تلتقط الصورة جيدة. ثم بدأت في ارتداء باقي الملابس، وبالطبع لم تنسَ أن تلتقط لها الصور في كل شكل ترتديه من الملابس، وهي تجهل حقيقة هذه الأفعى المتجسدة في صورة صديقة لها. وبعد انتهائهم، ذهبت شفق لتجلب لها الماء كما طلبت. فاسرعت هي بإرسال الصور إليه عبر رسائل الواتس آب، ومدونة
أسفلهم بلهجة وضيعة ووقحة: _أهي صور المزة بتاعتك، اعمل بقى اللي إنت عايزاه فيها وفي صورها، ومتنساش تكتبلي رسالة شكر بعدين، لأحسن بعد الصور دي أنا خدمتك خدمة عمرك في بنت جامدة زي دي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!