اتخشبت مكاني بحاول استوعب اللي قالته. وهي قاعدة عالأرض بتعيط. شفت عزيز قرب منها وسندها يقوم. "اهدي وفهميني إيه اللي حصل." فضلت مركزة في اللي بتقوله وكملت: "جه سامر وحماتي طلبوا ياخدوا الولاد يباتوا عندهم، لأنه هو مسافر وهيطول بره. لما قلت لهم ما أقدرش، لازم أستأذن آية. هو فجأة عصب وقال لي مش هستأذن حد عشان آخد ولادي، وخدّهم غصب." لف لي عزيز ووقف قصادي. حسيت بصداع جامد في دماغي. قعدت على أقرب كرسي وهو قال:
"خلينا نروح لبيت، جايز هيكون حابب يودع ولاده، بس انتي عارفة إنه بقاله فترة مش عارف يقعد معاهم ساعتين ورا بعض." وقفت بالراحة بعد ما الصداع خف، وخرجنا وأنا بدعي يكونوا هناك وإنه ما غدرش بيا. حسيت الطريق طويل جدا. أول ما وقف العربية نزلت جري بخبط عالباب. "افتحوا الباب، ولادي فين؟ بقولك افتح." فضلت أخبط وبعدت عن الباب أول ما حماتي فتحت. دخلت أدور عليهم، وكان قاعد هو ووحدة ما عرفتهاش، والولاد في حضنهم. وقف أول ما شافني.
"أهلاً أهلاً، نورتي البيت." رحت أطمنت على ولادي ولقيته واقف قدامي. "هيفضلوا معايا فترة، أنا مسافر وهغيب مدة طويلة وهيوحشوني، فعايز يقعدوا عندي كام يوم." حاولت أصفّي ذهني شوية وقعدت مع ولادي. "انت هتسافر إمتى؟ سكت شوية وبعدها قال: "يومين كده وهسافر." وحماتي فوق دماغي، ما كنتش راضية تسكت. "انتي ناوية تباتي هنا ولا إيه؟ قبل ما أطلع من البيت لفيت لها وقلتلها: "حسبي الله ونعم الوكيل فيكم."
مردتش عليا. قلبي كان مقبوض جدا. حتى البيت كان مترتب وكان فيه حاجات كتير ناقصة على غير العادة. خرجت. "تقدري تفضلي مع إلهام لغاية ما الولاد يرجعوا وتبدأي نظامك الجديد." ابتسمت له بامتنان وأنا حاسة إني مش مرتاحة. فضلت أبص لورا كل مرة وهو بيطمني. ابتسمت بحزن وقلت من غير مقدمات: "أولادي أمانة عندك، لو حصلي حاجة يا عزيز." لف ليا بقلق ووقف العربية وعدّل من قعدته عالكرسي. "لازمته إيه الكلام ده؟
خليكي قوية عشان ولادك على الأقل." مسحت على وشي بضيق. دماغي كانت مشوشة جدا. ما كنتش مرتاحة أبدا. "ارجوك ممكن نرجع؟ أنا مش مطمنة أبدا." وفي خضم ما أنا بتكلم معاه، وصلني مسدج من حماتي: (ولادك دلوقتي سافروا مع باباهم) حسيت الدنيا لفت بيا جامد ولساني بيقول: "خدهم مني، حرمني منهم، سافر بيهم وسابني." كان عزيز بيسوق بسرعة كبيرة جدا وأنا في دنيا تانية.
وصلنا المطار بس انصدمت من اللي شفته. كانت العربية متفحمة حرفيا. حسيت إني انفصلت عن العالم ده. كل حاجة تمت بسرعة وأنا شايفة عربية الإسعاف والدم مغطي المكان وملايات بيضا مغطية جثث تحتها. قربت بخوف ورفعت الملايات وصرخت بصوت عالي كأنها هتكون آخر مرة. وغبت عن الوعي. حجزت في المشفى وأنا ما عنديش طاقة للحياة نهائي. دخل عليا عزيز وهو الدموع في عينيه، ما كانش عارف يبص لي. "أترجيته بنظراتي يطمني."
"تعيشي انتي، الولاد عند اللي أحسن مني ومنك دلوقتي، بس بنتك لسه في الإنعاش، ادعيلها. وسامر لسه في العمليات." أول ما كمل كلامه من هنا فضلت مبلّمة فيه من غير ولا كلمة. ما كنتش قادرة أدي أي رد فعل عن الموضوع. ما كنتش حاسة بجسمي. قرب مني بقلق وحاول يكلمني وفضل يهز فيا عشان أتكلم. أنا حاسة بيه بس مش قادرة أجاوب. فضلت أبص لنفس النقطة بسرحان وكل حاجة عشتها بتمر قصاد عيني. ونمت على طول. وشخصوا حالتي بأنها صدمة عصبية.
عدى شهر كانت حالتي بتسوق. دخل عزيز وبنتي سارة بين إيديه. قرب مني وقال بصوت منخفض: "آية، بنتك محتاجالك، شدي حيلك، كفاية كده." مردتش عليه وعيني فضلت ثابتة على بنتي. سكت وبعدها قال: "سامر برة." وتيرة تنفسي زادت. دخل وهو عالكرسي المتحرك لأنه لسه بيتعالج وعينيه في الأرض. كان باين عليه الهم والحزن. كل اللي عملته لفيت وشي. عزيز خرج أول ما شاف دموعي اللي بدأت تنزل ووشي اللي بقى أحمر من العصبية.
كملت علاجي وأنا مستسلمة بعمل اللي بيقولولي عليه من غير ما أنطق حرف. التحاليل بتاع اللوكيميا كانت إيجابية وبدأت أخف. عدى شهر تاني وبعدها خرجت وملامحي جامدة. كنت بقعد في الأوضة اللي كانت أوضتي أنا وعزيز وبراعي بنتي وبس من غير ولا كلمة. لإن عزيز جاب حماتي وسامر للبيت. "آية." غمضت عيني بعصبية وأنا بضغط على إيدي. "الندم هيموتني، سامحيني أرجوكي، اعملي اللي عايزاه بس ما تفضليش كده. بصيلي كلميني."
مردتش عليه ومشطت شعر بنوتي والدموع في عيني وأنا بفتكر ولادي الاتنين. أول ما قرب بالكرسي، حضنت بنتي بخوف وأنا بتخيل هياخدها ويسافر. فضلت مخبياها فحضني وبرجع لورا. جه عزيز جري ومسك كرسي أخوه. رجعوا لورا بيزعق: "مش قلتلك الدكاترة منبهينك ما تدخلش ليها؟ انت اتجننت؟ مش شايف حالتها؟ مش كفاية دمرت حياتك وحياة ولادك وحياتها؟ عايز منها إيه تاني؟ مش شايف خوفها منك؟ سيبها يا سامر، كفاية لحد كده، اطلع برا يا سامر."
كان بيعيط وهو بيقاوم أخوه. "ارجوك خليها تسامحني، أنا مش قادر أنام أبدا. ارجوك لازم تسامحني. أيوه مجبورة تسامحني، هتسامحني أكيد." هز عزيز دماغه وهو بيتمتم: "لاحول ولا قوة إلا بالله." فضلت مثبتة فسارة وأنا برجع لورا وبترعش ودموعي عمال تنزل. "هتروح مني هي كمان؟ هتروح؟ مكنتش مركزة مع عزيز. جه يقرب مني صرخت وأنا برجع لورا وبخبي بنتي. رفع إيديه قصاده: "اهدي، محدش هياخد بنتك منك. ممكن تهدي؟ لو فضلتِ حاضناها كده هتخنيقيها."
خففت إيدي من على سارة وقعدت عالسرير وهي فحضني. "طب وبالنسبة لموضوع ماما؟ مكنتش طايقة سيرتها وهو أول ما فهم كده خرج مهموم، وقابلته إلهام. "دي لازم تتعالج يا عزيز، مش بتنام أبدا وهي بتحرس بنتها. ولو نامت دقيقتين بتتنفض من أقل صوت." مسح على وشه بضيق.
"هي مش حاسة بأمان هنا. اللي حصل برضه مش قليل. عارف إنه بقائها مع سامر في نفس البيت مزود عليها تعبها، بس مهما كان ده أخويا. وحتى ماما تعبانة في المشفى وهضطر أجيبها هنا. أنا من واجبي أرعاهم. حاولت أقنعها تتابع مع دكتورة نفسية، ما كانتش موافقة، مش بتستوعب الكلام أصلاً. أهم حاجة دلوقتي ما تسيبيهاش لوحدها." "أنا خايفة بجد، هي مش في وعيها أبدا." وهما بيتكلموا خرجت وطلبت من عزيز ياخدني لقبر ولادي.
"طب سيبي سارة مع إلهام ونروح." قلت بخوف وأنا بتلفت حواليا: "لأ لأ مستحيل، هو هنا. لو خرجت هيهرب بيها وهخسر آخر حاجة أنا عايشة عشانها. لأ." دخلت المقابر وسبت سارة مع عزيز في العربية. أول ما وصلت حسيت قلبي اتقبض كأنه في حد بيضغط عليها. وصورتهم وهما تحت الملاية البيضا المليانة دم مش راضي يفارقني. ومحستش غير وأنا بعيط بصوت عالي وإيدي بتمسح على شاهدة قبرهم اللي مكتوب عليها أساميهم وبتكلم في أي حاجة. حسيت إني ارتحت جدا.
خرجت وأنا هادية وخدت بنتي في حضني ورحنا. وفي نص الطريق: "عايزة أشوفها." فرح جدا ولف بالعربية وراح ناحية المشفى. وأنا بسرح في اللي حصل. بعد موت ولادي حماتي مرضت جدا وبعد فحوص جالها كانسر في المخ. كل يوم بتجيلي المشفى بتترجاني أسامحها وأنا مش بوافق أقابلها. دخلت وشفتها قد إيه كانت ضعيفة وخست أوي. دخلت وأنا بفتكر شماتتها فيا وفي مرضي. أول ما شافتي قالت بلهفة: "سامحتيني صح؟ انتي قلبك طيب، أنا عارفة."
فضلت ببصلها إزاي بتتوجع والدوا ما كانش بيفيدها أبدا. كنت ببص لدموعها ولدم اللي كانت بترجعه. قربت منها مسحت دموعها وهي فرحت جدا. نزلت لمستواها وهمست في أدانها: "شمتي في مرضي وما كنتيش حاسة بالوجع اللي كنت حاسة بيه وبتهينيني وزودتي على وجعي. بس هكون أحسن منك." خرجت وسبتها بتناديلي. وجابها عزيز. كنت مهتمة بيها وبأكلها وكل حاجة وبشوف الندم جوا عينيها. "عزيز، خليها تسامحني، أنا بموت." قام من غير ما يبصلها وعدّل السرير.
"محدش هيضغط عليها يا ماما." كنت كل ما آكلها بتترجاني أسامحها. كل ما أقعد قصادها ببصلها بالساعات عشان أشفي ناري منها. كانت بتتعذب حرفيا. أنا مش شمتانة بس مرتاحة كده. كل ما تشوفني تطلب أسامحها. كنت بشوف لهفتها كل ما تشوفني عشان أقولها أسامح. "آية، خلي قلبك أبيض. وحتى لو ماسامحتهاش، قولي لها وجامليها، جايز ترتاح." "وأنا مين فكر فيا وفي راحتي؟ ابتسمت بتريقة على كلام إلهام. وسمعنا عزيز بيزعق: "حاولي تاخدي نفسك، اهدي."
دخلت ببرود لأني عرفت إنها النهاية. وقربت منها وهمست في ودانها: "أنا مش مسامحاكي، مش مسامحاكي أبدا. وعند الله تجتمع الخصوم." شفت دموعها نزلت وتوفت بعدها مباشرة. لميت حاجاتي بعد العزا وسافرت. ما قدرتش أتحمل نظرات العتاب اللي في عينين عزيز وإلهام. وجالي خبر إنه سامر حاول ينتحر واتحجز في المصحة يتعالج. وما عادش لبقائي لازمة. بصيت للمزرعة اللي وصلتلها بعد ما ظبط لي عزيز كل حاجة هناك. واهتميت ببنتي وكنت بزورهم كل فين وفين.
خفيت والتزمت بالدوا وبتابع مع دكتورة نفسية. وحياتي بقت هادية. حاول أهلي يتواصلوا معايا بس قطعت كل سبل التواصل معاهم. خدت نفس طويل وأنا بخرجه بالراحة حاسة بالحرية والاستقرار. وبدأت أتأقلم. بس ثقتي في الناس انعدمت. تمت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!