كانت عربية الترحيلات متجهة للمحكمة وفيها عدد من المسجونات اللى مش عارفين مصيرهم. كانت كل واحدة شاغلة نفسها بالكلام إلا هي، كانت ساكتة وسرحانة في دنيا غير الدنيا. كانت حاسة بالفراغ وكأن الناس اختفت وهي لوحدها. حالة من انعدام الوزن وكأنها ريشة طايرة في الهوا. الظاهر إن المسجونة اللي جنبها زهقت من سكوتها، فالتفتت لواحدة تانية وشاورت عليها وقالت: "مالها دي ساكتة ومش بتتكلم مع حد ليه؟ "انتي ما تعرفيهاش؟ "لأ."
"دي صفية بتاعت الديب." "بتاعت الديب يعني إيه؟ "هو انتي ما تعرفيش حكاية صفية والديب دي قلبت مصر كلها! "ده انتي مش عايشة في الدنيا." "ليه ياختي إيه اللي فيها؟ "تعالى كده قربي وأنا أحكيلك." بعد شوية خبطت المسجونة على صدرها وقالت بدهشة: "يالهوي! عملت كل ده؟ دي جبروت! ده أكيد جوزها طلقها. لأ وساكتة ولا كأنها عملت حاجة." بصت لهم صفية وبعدها غمضت عيونها ورجعت راسها تسندها على سور العربية من غير ما تفكر ترد عليهم.
وقفت العربية عند المحكمة بصعوبة وده بسبب تجمهر الناس قدام المحكمة رافعين شعارات: "خرجوا صفية"، "افرجوا عن صفية"، "صفية بريئة". والكل بيهتف بصوت عالي: "خرجوا صفية، خرجوا صفية." فتح العسكري الباب وبدأت المسجونات في النزول، ومجرد ما نزلت صفية، ارتفعت أصوات فلاش الكاميرات والموبايل والتف حولها المراسلين ومذيعي القنوات الفضائية والتوك شو. والكل بيحاول ياخد منها كلمتين. أسئلة كتيرة وأصوات أكتر، لكنها كانت صامتة.
رفضت ترد على أي واحد منهم ومحاولتش حتى تخبي وشها من الكاميرات. بدأ راجل يبعد الصحفيين والمذيعين عنها وهو بيقول: "مش هسمح لحد منكم يقرب منها." "انت مين عشان تمنعنا؟ "أنا دكتور مهاب وصفية تبقى مراتي." انتفض الصحفيين يسألوه: "إيه رأيك في اللي بيقول عن علاقة... "اخرس، قطع لسانك! (وبغضب شديد)
"شوفوا أي حد هيجيب سيرة صفية مراتي بكلمة واحدة فأنا هرفع عليه قضية قذف، وأنا مستعد أرفع ألف قضية ضد أي كلب هيجيب سيرتها بكلمة واحدة. صفية مراتي وأنا أكتر واحد عارفها وعارف الحكاية كلها، وبقولها وبأعلنها إني مع مراتي وبادعمها في كل اللي عملته." وأخد صفية في حضنه يخبيها من الكاميرات لحد ما دخلوا المحكمة. في حين منع الأمن المركزي دخول أي حد غيرهم وبعض المراسلين اللي معاهم تصريح بتغطية المحاكمة.
وفي الطريق للقاعة مرت على وفد أجنبي كان بيرافقهم محامي. وقف رئيس الوفد وبص لها بغيظ وغضب وقال لها بلغته الأجنبية: "أنتي عار على العلم والعلماء." بصت له صفية وردت عليه بنفس الهدوء: "نعم، أنا كذلك." وسابته وكملت طريقها لقاعة المحكمة. دخلت القفص في حين جلس دكتور مهاب مقابل لها، وكل نظراته بيدعمها ويقويها ويطمنها. في نفس الوقت دخل القاعة رجل كبير في السن بيسنده شاب فيه كتير من ملامح صفية.
قعد الراجل وهو بيبص حواليه وكأنه في دنيا لوحده. أعلن الحاجب محكمة ووقف الكل احتراماً للقضاة. وبعدها بدأت المحكمة والكل مركز مع وكيل النيابة، وبعدها محاورات وصراعات المحامين، في حين كانت صفية في عالمها الخاص. وفي الآخر سأل القاضي صفية: "إيه أقوالك في التهم المنسوبة لك؟ رفعت صفية عيونها وقالت بصوت ميت: "أنا معترفة بكل التهم دي." "مادامت المتهمة معترفة يبقى حكمت المحكمة على المتهم بـ... في نفس الوقت
صرخ واحد من بين الحضور: "استنى يا حضرة القاضي، استنى ما تحكمش! "مين اللي اتكلم؟ "أنا دكتور مهاب، زوج المتهمة، وأنا شاهد في القضية دي." "واحنا سمعنا شهادتكم." "مش كلها، فيه لسه أمور عايزة تتوضح في القضية دي." "زوج المتهمة عايز يتوهنا عشان يتأجل الحكم في القضية." "أنا مش عايز أتوه حد، بس أنا عايز أوضح للمحكمة الدوافع اللي وصلت المتهمة للحالة دي." "قول يا دكتور مهاب، إحنا سامعينك."
"مش أنا اللي هتكلم، المتهمة هي اللي هتتكلم وتحكيلكم بنفسها." "ما هي المتهمة رفضت الكلام سواء كان في النيابة أو في المحكمة." "بس لازم تتكلم." (وبص لها) وقال: "اتكلمي يا صفية، قولي، اتكلمي، دافعي عن نفسك." تحمس بعض الموجودين وقالوا معاه: "اتكلمي يا صفية، اتكلمي يا صفية، دافعي عن نفسك." القاضي بصوت عالي: "هدوووووء." فجأة قام الرجل الكبير ومشى لحد قفص المتهمين وبص لصفية وقال لها بصوته المهزوز الضعيف:
"اتكلمي يا صفية، قولي يا بنتي، قولي." وكانت كلمته لها هي اللي فوقتها من حالة الضياع اللي كانت فيها. لأنها ابتسمت ابتسامة ضعيفة لأول مرة من شهور وقالت للقاضي بصوتها الهادئ: "سيادة القاضي، تشرب شاي؟ انفجرت المحكمة بالضحك. بس سكتهم القاضي وبعدها قال لها بغضب: "انتي جاية تهيني المحكمة؟ هزت راسها لأ وقالت: "أنا مقصدش أهين المحكمة، أنا بسألك تشرب شاي لأن حكايتي بتبدأ بكوباية شاي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!