"لا القلب مطمئن ولا الرمش غافي" أبتلع كلمات عتبي أخشى أن تؤلم قلبك والألم كله في قلبي. وأموت من فرط اشتياقي تارة وأعيش لكن لست أعلم ما بيا هل أنت مشتاق إلي تحبني أم لست مشتاقا ولست باليا. لم ينتبه أحد لغرقي، أنا الذي ظهرت بمظهر الناجي دوما. مكالمة أخرى منه غير الأولى جعلتها تهبط من منزل نجوى، حينما أخبرها أنه وصل ويتواجد أسفل البناية.
وبالفعل حينما هبطت وجدته يجلس في السيارة منتظرها، لولا نبرته العجيبة والكتومة في الهاتف لظنت أنه أتى رغبة في رؤيتها أو الحديث معها، ربما الاعتذار عن سخافته ليلة أمس حينما لم يصعد لها بالرغم من أنها أرسلت له رسالة، من الممكن أن يكون مشتاق. الاحتمالات كثيرة جدا. لكن نبرته خالفتها. وما أن رآها تقترب منه ووصلت إلى ناحية باب السيارة، هتف كمال بكلمة واحدة: -أركبي.
توجهت فردوس للناحية الأخرى صوب المقعد المتواجد بجانب مقعده وصعدت ثم أغلقت الباب خلفها قائلة بنبرة عادية: -خير يا كمال! إيه اللي جابك مكنش له لزوم تتعب نفسك. عقب كمال بنبرة ساخرة: -تعبك راحة يا أستاذة فردوس. بعد تلك الكلمات انطلق في طريقه تحت دهشتها، هناك شيء عجيب به لا تفهمه أبدا. "هو في حاجة يا كمال! "أنت ساكت ليه! "في حاجة حصلت!
أسئلة كثيرة طرحتها فردوس، وكانت الإجابة هي الصمت، وحينما حاول أن يتحدث بأي شيء بسبب إصرارها المميت أردف وقتها بنبرة مكتومة: -خلينا نتكلم لما نروح. هنا بدأت فردوس تشعر بأن هناك شيء كبير، ولأول مرة لديها ثقة بنفسها، فهي لم تفعل أي شيء من خلفه من مدة طويلة، تلك المرة لم تقترف شيء. ولم تفعل شيء. فلما هو غاضب! بالتأكيد ما يزعجه هو أمر لا يخصها. لكن ماذا!
قررت أن توقف عن التساؤل لأنه لا يجيب من الأساس، لن تظل تتحدث مع نفسها. بعد وقت. اصطف كمال بسيارته عند بوابة المنزل لتهبط فردوس من السيارة وتدخل البيت ثم صعدت إلى غرفتها، ولم تمر ثلاث دقائق وكان كمال يفتح باب الغرفة وأغلقه صافعاً إياه متحدثاً بنبرة لم تفهم ماهيتها: -أنت كنتي لوحدك عندهم! عقبت فردوس في عفوية: -آه ما أنت شوفتني نازلة لوحدي يعني، إيمان اعتذرت في آخر دقيقة علشان بتعمل مشاوير لأبوها.
سألها كمال بغضب كبير لا تدري سببه حقاً: -ومقولتيش ليا ليه! قالت فردوس في نبرة عادية ومازالت محتفظة بهدوئها لأنها لا تعرف ما الذي يتواجد برأسه للمرة الأولى تقريباً: -عادي يعني محستش إنها حاجة تهمك، وبعدين أنا مش دايما أصلا بروح معاها وفي الغالب بروح لوحدي وأنت مكنتش بتعترض، فايه مشكلتك دلوقتي! ردد كلمتها مستنكراً: -مشكلتي! ثم عقب بسخرية: -آه صحيح إيه مشكلتي! أنا غريب فعلاً.
تحدثت فردوس بهجوم وهي تتذكر ليلة أمس حينما رفض الصعود إلى غرفتها، ولا شك أنها شعرت بجرح كبير في أنوثتها، شعور الرفض أغضبها وكأنها لم تكن تفعل هذا به. وهو لا يرد لها ما فعلته، ولكن حديث توفيق كان كفيل بأن يقلب رأسه: -أيوه مشكلتك، مفيش حاجة بعملها بتعجبك، مهما حاولت أتغير مش بيعجبك ودلوقتي بتتلكك ليا، وبعدين أنت أصلاً إيه اللي كان جايبك لانك مكنتش قايلي أنك هتيجي! عقب كمال ساخراً على الجزء الثاني من حديثها:
-اللي جابني إني عرفت إن إيمان هانم مجتش مع الأستاذة اللي مكلفتش خاطرها تعرفني. قاطعته فردوس بدهشة: -وأنت عرفت منين يعني! تمتم كمال بغضب جامح وهو ينظر لها ويقترب منها بضعة خطوات: -هو ده كل اللي فارق معاكي! هزت رأسها بإيجاب مما جعله يريح فضولها في تهكم صريح: -عرفت من إيمان نفسها، هي اللي اتصلت بيا علشان كانت في البنك وفكراني هناك وقالتلي إنها مشفتكيش من يوم الخميس. نظرت لها فردوس بدهشة.
ولم تفهم لماذا لم تخبره إيمان بالأمر! أسترسل كمال حديثه وهو يراقب نظراتها المبهمة: -وكويس إنك اتكلمتي في موضوع إن مش عاجبني تغييرك، وأنا مقولتش كده. عقبت فردوس بجنون تلك المرة حينما وصل الموضوع إلى هنا: -تصرفاتك اللي قالت. صاح هو الآخر بنبرة غاضبة جداً: -يمكن علشان مبقتش فاهمك!
ولا فاهم أنت عايز إيه، مبقتش مستوعبك، وطول الوقت حاسس إنك بتعملي حاجة من ورايا أو تصرفاتك وراها حاجة، مبقتش أحس بيكي يا فردوس، أنا ثقتي فيكي اتهزت ألف مرة وأنت اللي هزتيها باللي عملتيه، مراتي اللي كانت رايحة جاية تقابل طوب الأرض وتتفق معاهم عليا. أسترسل كمال حديثه بجفاء:
-إحنا مش مراهقين يا فردوس ولا أنا عيل صغير علشان تضحكي عليا بتصرفاتك، أو إن مجرد ما تحني عليا أو تفكري حتى تديني ولو واحد في المية من حقوقي إني المفروض كده أحمد ربنا، مش معني إني بحبك، إني عبيط ومغفل يا فردوس بالعكس إحنا أكتر اتنين فاهمين بعض كويس. اتسعت أعين فردوس لا تصدق قسوته أو وقاحته لا تدري أيهما الوصف الأدق له، لكن ما تعرفه أن صراحته لم تتحملها. تمتمت فردوس بنبرة ساخرة:
-ماشي يا كمال أنا اللي كنت الشيطان في الحكاية! أنا اللي أخوكي قتل أخوها في خناقة وهربان وأنتم كلكم عارفين مكانه والمفروض أنا أتأقلم وأسكت؟ أتأقلم من أول يوم وأكون كويسة؟ وتكون علاقتنا طبيعية؟ وأنت كمان مشكور روحت اتجوزت عليا يا كمال؟ عارف يعني إيه اتجوزت عليا؟ ابتلعت ريقها وتحدثت بصعوبة وكانت ترتجف بالفعل: -المطلوب مني أتأقلم على كل حاجة تعملها أنت وعيلتك؟
وعلشان تبقى عارف يا كمال أي حاجة عملتها وضايقتك وجرحت رجولتك أوي كده مكنتش غير رد فعل. رد فعل على اللي عملتوه معايا. متقلقش مش أنت لوحدك الضحية. بالعكس كلكم عايشين حياتكم أنا بس اللي حياتي واقفة وأنت مخسرتش أي حاجة بالعكس لقيت اللي تديلك كل حاجة. لم تجد منه رد سوى نظرات لم تستطع تفسيرها. ربما نظراته مجروحة. قالت فردوس حتى تنهي هذا الحوار: -طلقني. أنا عايزة أطلق. أنت كان عندك حق زمان العلاقة دي مش نافعة مهما حاولنا...
قاطعها كمال بنبرة جامدة قبل أن يهتز هاتفه المتواجد في جيب بنطاله: -مش هطلقك يا فردوس لو إيه اللي حصل بقى. ولسه الموضوع مخلصش لهنا. أخرج الهاتف ليجد داليا تتصل به. فغادر الغرفة تحت صدمتها وتجاهله حديثها كله. أجاب كمال على داليا أثناء سيره في الرواق. -ألو. "أيوه يا كمال عامل إيه؟ عقب كمال بنبرة مكتومة وحاول جعلها عادية: -أنا تمام يا داليا. أنا حجزت عند الدكتورة بكرة هبقى أعدي عليكي ونروح. قالت داليا برجاء حقيقي:
"كمال صدقني خلاص اعتبرني مقولتش حاجة بلاش تخلي الموضوع مشكلة." عقب كمال بنبرة ساخرة: -الكلام خلصان يا داليا سلام دلوقتي علشان مشغول دلوقتي. *** في منزل عائلة داليا. وضعت داليا الهاتف بجانبها على الفراش بعد أن انتهت بينهما المكالمة القصيرة جدًا التي لا تدري سببها فحتى الأيام التي كان يحدثها ليسألها عن حالها برغم الخصام لم تكن بهذا الشكل والقصر.
حتى لم يعطيها المجال لتسأله ما به. فقط أخبرها بأمر الطبيب وأغلق لأنه مشغول. كان هذا هو مختصر المكالمة. دخلت جهاد إلى الغرفة ينام طفلها على إحدى كتفيها وتحاوطه بإحدى ذراعيها، بينما يدها الأخرى تمسك بها كوب من الأعشاب المغلية التي صنعتها من أجل داليا التي شعرت بتعب في معدتها اليوم. وضعته جهاد على الكوميدينو قائلة بعفوية: -ابقي اشربيه وهو سخن كده متستنيش لما يبرد مش هيبقى له لازمة. ثم سألتها باستغراب:
-وبعدين مالك أنت مسهمة كده ليه؟ عقبت داليا بتلقائية شديدة: -كمال لسه قافل معايا. تمتمت جهاد بنزق وعدم فهم: -وإيه المشكلة ما أنتم متخانقين وبيتصل عادي إيه الجديد يعني؟ قالت داليا محاولة توضيح حيرتها لها:
-أنا اللي اتصلت بيه بنفسي علشان أحاول أراضيه خصوصًا إني المفروض أروح البيت بكرة وأقوله إني تعبانة شوية. بس أنا ملحقتش أقول أي حاجة كان بيختصر وبيقفّل في الكلام كل اللي قاله إنه حجز عند دكتورة وهنروح بكرة بس لا أكتر ولا أقل. صمتت جهاد لثواني ثم أخذت تفكر في الحديث محاولة قول أي شيء يبث داليا بالطمأنينة. -يمكن مشغول في حاجة. أو في حاجة عنده في الشغل وشوية وهيكلمك وكده كده هتشوفيه بكرة قلقانة ليه بقى؟ تمتمت داليا بشرود:
-يمكن معاكي حق. لما نشوف بكرة مخبي إيه. *** تقف فردوس في الغرفة بعد رحيله وهي في أشد حالاتها غضبًا حتى أن دموعها لم تتوقف. لا تدري لما باتت تبكي بهذا الضعف طوال الوقت تقريبًا. تغيرت منذ مدة لم تعد فردوس التي تعرفها. هي باتت تجهل نفسها. ضاعت. ضاعت. يا ليتها لم تستمع إلى حديث دعاء وتحاول الاقتراب منه. ربما لأنها شعرت بالجرح في كبريائها وهي لم تعتد على هذا. التقطت هاتفها وأتت برقم إيمان لتتصل بها.
ولم تمر ثواني وكانت إيمان تجيب عليها قائلة بلهفة: "كويس إنك اتصلتي يا فردوس كنت لسه هكلمك أول ما خرجت من البنك علشان كلمت كمال." سألتها فردوس بنبرة مقتضبة وهي تقاطع حديثها: -أنت ليه مقولتيش لكمال إنك على آخر لحظة غيرتي رأيك وإنك كنتي هتيجي معايا؟ عقبت إيمان بتلقائية على حديثها: "ما أنا خوفت ميكنش عارف أنت فين؟
ويسألني أكتر وأخرب الدنيا. لأن ساعات أنت كنتي بتروحي أماكن كتير من وراه فعلشان كده أنا مكنتش عارفة أقوله إيه وأنت موضحتيش ليا هو عارف إنك هناك ولا لا." قالت فردوس بنبرة مختنقة: -بس أنا بقالي كتير معملتش كده. وإني عمومًا مش بخبي عليه لما بروح عند طنط نجوى لأنه معندوش مشكلة معاها. جاءها صوت إيمان مقاطعًا إياها بندم:
"أنا آسفة والله شكلي اتصرفت غلط وخربت الدنيا بس أنا مكنتش عاملة حساب كل ده ولما سألني مكنتش عارفة أقوله إيه." عقبت فردوس بسخرية: -هي كده كده خربانة مفرقتش كتير. ثم نظرت على شاشة الهاتف وجدت رقم غريب يلح بالاتصال وهي ليست معتادة على الإجابة على الأرقام الغريبة. وليست في مزاج لفعل هذا الآن. هي فقط تود إغلاق المكالمة وأخذ حمام بارد يطفئ البراكين المتواجدة بداخلها. قالت إيمان بندم كبير:
"أنا آسفة بجد يا فردوس والله ما كان قصدي." -حصل خير يا إيمان متقعديش تضايقي نفسك خلاص اللي حصل حصل. المهم أنت خلصتي اللي وراكي؟ -بالأسفل -فتح كمال بوابة المنزل الخارجية حينما شاهد من هاتفه من التطبيق الخاص بالكاميرات سيارة غريبة تقف بالقرب من بوابة المنزل. فخرج وتوجه صوبها ناحية مقعد السائق قائلاً: -خير؟ حضرتك واقف هنا ليه؟ عقب الرجل بنبرة عملية:
-معايا أوردر المفروض أسلمه بس مش متأكد إني واقف صح ولا لا وبتصل بصاحبته مش بترد. ده بيت مدام فردوس علي؟ هز كمال رأسه متمتمًا وهو يشعر بالشك يتفحص الرجل الأربعيني من أسفله لأعلاه بنظرات مبهمة لم يفهمها. -لا أنت في العنوان المظبوط أنا اللي هستلمه أنا جوزها. *** في المطبخ.
كانت تقف دعاء مع أم شيماء تساعدهم في تحضير الطعام. فبدأ الطبيب بالسماح لها بالحركة ضمن حدود المنزل ولكن دون أن تبذل أي مجهود غير طبيعي أو إضافي تتحرك وتمارس حياتها في المنزل دون أن تلزم غرفتها. سمعت دعاء صوت رجولي يتنحنح بخشونة فخرجت من المطبخ لتجد كمال واقفًا. فهو سأل عنها وأخبروه أنها في المطبخ. عقبت دعاء بعفوية فور رؤيته: -محتاج حاجة يا كمال؟ اخليهم يعملوا القهوة بتاعتك؟ هز كمال رأسه نافيًا وتحدث بنبرة عادية:
-لا مش عايز حاجة تسلمي. أنا بس جاي أسألك سؤال وعايز إجابة عليه. أردفت دعاء باستغراب فملامحه ونبرته لا تبشر بأي خير: -اتفضل. -هو أنت طالبة حاجات عن طريق فردوس؟ أو طالبة حاجات معاها أونلاين؟ تحدثت دعاء في سرعة من أمرها فهي كانت تظن بأنه قد رأى ما قامت بشرائه وقالت هي تلك الحجة الغبية التي قالتها فردوس أمامه فظنت أنها هكذا تساعدها ولكنها لم تكن تعرف بأنه مازال لم يرى شيء هو فقط يشك بها. -لا.
كانت على وشك أن تخبره بأن تلك الأشياء تخص فردوس وحدها لعلها تصلح الأمور ولكنه رحل كالثور الهائج. رحل في لمح البصر. فهو تأكد من أنها كاذبة. كاذبة. الله وحده يعلم ما الذي تقوم بتدبيره. *** "في الأعلى" "بغرفة فردوس". كانت انتهت لتوهًا من حمامها البارد لعله يهدأ النيران التي تتواجد بداخلها. هو من يتجاهلها. من يتركها في منتصف الحديث. من لا يفهمها. يريدها أن تطيعه. أن تكون سريعة التأقلم على كل شيء وأي شيء.
وكأنها ليست إنسانة. هي من أخطأت حينما سمحت لنفسها بأن تتخيل نفسها زوجته. حينما سمحت لدعاء بأن تلعب في عقلها. يجب أن تعود فردوس التي كانت عليها. كان هذا حديثها مع نفسها وهي ترتدي روب الحمام تفتح خزانتها لتخرج منها منامة ما ترتديها وبعدها تتناول منومها ولتنام حتى الغد ولا تستيقظ حتى لا تفكر به وبحديثه. أو حتى إلى أينما ذهب.
ربما ذهب إلى تلك المرأة. زوجته. زوجته الحقيقية أما هي حكاية قديمة فقط في دفتر حكاياته على ما يبدو. وبالرغم من أنها مليئة بالغضب من داخلها إلا أن الهدوء كان يعم أرجاء الغرفة سوى صوت ارتطام الباب بالحائط وولجِه إلى الغرفة وهو يحمل صندوقًا كرتونيًا كبير الحجم. فلم تنسى دعاء أي شيء وقتها طلبت كل شيء رأته جميلًا وأنثويًا ويليق بها. وبأي عروس.
رغم رفض فردوس الصريح لكل هذا حتى أنها أتمت الطلب أثناء وجود فردوس في المرحاض حتى لا ترفض. أغلق كمال الباب خلفه وأقترب واضعًا الصندوق على الفراش فسألته هي بنبرة خالية من التعبير: -إيه ده؟ عقب كمال بسخرية: -إيه فقدتي الذاكرة؟ الاوردر اللي طلبتيه واللي عماله تتكلمي عليه من يومين تلاتة جه. الراجل كان بيتصل بيكي علشان يتاكد هو في العنوان الصح ولا لا بس مكنتيش بتردي عليه. يالها من حمقاء!!!
وهي التي كانت تشعر بالاستغراب من الرقم الغريب الذي يتصل بها!! لقد نسيت الأمر تمامًا. أردفت فردوس بنبرة مختنقة وخجولة، ولكنه فسرها بأنها متوترة وأنها تخفي شيئًا ما عليه، هكذا جال في خاطره: "تمام، شكرًا أنك استلمته." قالتها وهي تقترب وتضع يدها على الصندوق وعلى وشك أن تحمله وتبعده عن الانذار، ولكنه وضع يده فوق يدها قائلاً بنبرة غاضبة: "بتعملي إيه." "هحطه في أي حتة…" قاطعها متحدثًا بغضب:
"كده من غير ما تفرجيني جايبة إيه؟! تحدثت فردوس بخجل صارخ وغضب جامح: "قلت مش حاجتي لوحدي علشان تتفرج، وبعدين من امتى أنا بفرجك على لبسي وعلى حاجتي، ويا ريت تخرج لو سمحت…" لم يجيب على حديثها بل تركها تقول ما تقوله، وأخذ يزيح اللاصق من فوق الصندوق حتى يفتحه تحت رفضها الشديد الذي أخبره بأن هناك كارثة تخفيها: "كمال لو سمحت اتفضل اخرج وسيبه." عقب كمال ذابحًا إياها بكلماته:
"وأنا مش هسيبه غير لما أعرف فيه إيه، يمكن ميطلعش لا لبس ولا غيره، أنا مبقتش بثق فيكي." صرخت فردوس وهي تجده بالفعل قد قام بفتح الصندوق، وبدأ في العبث فيه: "مش بتثق فيا يبقى طلقني…" لم يعقب على حديثها بل أخذ يعبث في الصندوق ليجدها ملابس بالفعل، لم تكذب ولكنها ليست كأي ملابس، أو ملابس تخص فردوس التي يعرفها. الكثير من الغلالات الحريرية والمنامات الأنثوية والكثير والكثير.
لم تترك دعاء شيء حقًا، حتى أن فردوس كادت أن تفقد وعيها من شدة الخجل وهي ترى الأكياس وعبثه بها، لاعنة دعاء ألف مرة. حقًا هذا ما كان ينقصها. فكانت تحاول إيجاد أي حجة، تحاول خلق أي حديث يحفظ ماء وجهها، بعد كلمات رجل لا يقبل بقربها، ويخبرها بأنه لا يثق بها.
"دي حاجات طلبتها، هوديهم جمعية خيرية بتساعد في تجهيز البنات اللي لسه متجوزتش، حتى بعد ما أخلص حوار البيت هجيب لبنت عرفتها غسالة وبوتجاز، بس محبتش أعرفك من الأول وقولتلك حاجات ليا علشان مضيعش على نفسي الثواب." حديثها لم يبدو منطقيًا بالنسبة له. ولكنه على الأقل شعر بالطمأنينة. حاولت فردوس أن تتخلص من أمر الملابس وتدخل في أمر آخر على الفور، فهي لا تتحمل النقاش فيه:
"البيت يعتبر خلاص خلص، وأنا كنت بوضبه علشان أنا عايزة يكون ليا مكان لما أطلق منك أقعد فيه، فياريت تطلقني ونخلص…" قال كمال قبل أن يتوجه ناحية النافذة ويغلقها حتى لا تبرد، فهي مازالت ترتدي روب الاستحمام: "مش هطلقك يا فردوس، كيفي كده، زي ما كان زمان كيفك برضه." وبعد أن أنهى حديثه غادر الغرفة تحت غضبها الشديد وخجلها المميت، بينما كبريائها دعسه بقدمه. ***
تقوم بشرى بوضع المرهم على ساقيها بعد أن رفعت بنطالها، فهي تشعر بالألم الشديد الذي أصابها بعد ذهابها إلى الكثير من الأماكن من أجل العمل الذي كلفها به هلال والذي يكلف به زملائها. تجلس على الأريكة، بينما جاءت ملك من الداخل لتضع الأكواب على الطاولة، فهي صنعت لهما إحدى المشروبات الساخنة التي تناسب هذا الطقس. وما أن جلست ملك على المقعد، أردفت بنبرة عادية وكأنها بدأت تنتبه أن إجازة نهاية الأسبوع انتهت
ولم تسافر بشرى إلى بلدتها: "صحيح يا بشرى، أنتِ ليه مسافرتيش الأسبوع ده؟! وضعت بشرى المرهم على الطاولة وقالت بنبرة حانقة: "يعني اتحججت أنك تعبانة وأن باباكِ مش هيجي الأسبوع ده واني هقعد معاكي." ضيقت ملك عينيها وتحدثت بعدم فهم: "طب ليه عملتي كده؟! هزت بشرى كتفيها بلا مبالاة، مغمغمة بضيق:
"يعني محستش اني عايزة أرجع الأسبوع ده خصوصًا إن بابا هيكون موجود وماما في التليفون كل يوم خناق وحاسة إني لو كنت سافرت كانوا هيعكننوا عليا وهتبقى إجازة منيلة على دماغي، فاعمل إيه بقا؟! أردفت ملك بنبرة جادة: "بشرى هروبك مش حل، دول أهلك! هتفضلي تهربي لغاية امتى!
أنا مش عاجبني بصراحة اللي بتعمليه وحاسة إنك بتتشغلي هنا وقاعدة مش عشان أنتِ من جواكي عايزة تشتغلي للدرجة دي قد ما أنتِ عايزة تبعدي، وللأسف مش هينفع تبعدي عن أهلك مهما حاولتِ…" أبتلعت بشرى ريقها بمرارة ثم أردفت: "يمكن معاكي حق في كل كلمة قولتيها…" تحدثت ملك بنبرة مترددة:
"وحاسة بصراحة إنك أنتِ مكبرة الموضوع شوية، كل اتنين متجوزين طبيعي يكون في بينهم مشاكل وخصوصًا لما بيكبروا بيكون خلقهم ضيق، ف عادي جدًا كل اللي بتقوليه…" قاطعتها بشرى قائلة في تهكم:
"فعلاً معاكي حق، بس الكلام ده لو لسه جديد أو بقاله كذا سنة. حال بابا وماما ده من ساعة ما اتولدت يا ملك، يمكن صحيح بابا بيعملي اللي أنا عايزاه علشان ستو، والصراحة معنديش مشكلة معاه أوي واصلاً هو علطول مسافر، يمكن المشكلة الحقيقية في ماما، عمري ما فهمتها ولا فهمت مالها حتى لو عندها مشاكل مع بابا." ابلعت ريقها ثم استرسلت حديثها بحيرة: "ليه مطلقوش؟ بلاش ليه مطلقوش، أنا وأخويا ذنبنا إيه؟
أي أم مهما كان في بينها خلافات بينها وبين جوزها المفروض عيالها برا الدايرة، عيالها أهم حاجة في حياتها…" تحدثت ملك محاولة قول أي شيء يجدي نفعًا، فلا شك أن عائلة بشرى بالنسبة لها ما هي إلا لغز لا تفهم تصرفاتهم وبالأخص والدتها: "مش عارفة يا بشرى، يمكن في حاجة جواها هي اللي مخلياها كده، لكن أكيد أنتم نمرة واحد في حياتها، مفيش أم مبتحبش عيالها."
ابتسامة ساخرة رسمت عنوة على شفتي بشرى، وهي لا تقتنع بهذا الحديث أبدًا، فوالدتها هي خير مثال. حاولت ملك تغيير الحديث، متمتمة وهي تشير إلى ساق بشرى: "ها بقيتي أحسن دلوقتي ولا ننزل الصيدلية وتاخدي حقنة مسكنة؟! هتفت بشرى بنبرة مرهقة: "لا ملهوش لزوم يا ملك، أكيد شوية وهرتاح، فحتني مشاوير النهاردة اكمني كنت مرتاحة لما كنتي معاه في المحكمة، أنا تعبت." ضحكت ملك وهي تقول مداعبة إياها:
"علشان لما أقولك أنك من الأيدي الناعمة متزعليش، ومش واخدة على الشقى ولا على المشاوير…" تمتمت بشرى بنبرة هادئة محاولة مواساة نفسها، فحديث ملك حقيقي بعض الشيء، هي لم تعتاد على أن ترهق بهذا القدر، حتى أنه لم يسعفها سوى سيارات الأجرة في تلك المشاوير التي تعرف جيدًا بأنه ليس أي فتاة مثلها لديها الإمكانية لركوبهم واستعمالهم بهذا الشكل تحديدًا، أن الراتب الخاص بها ضعيف جدًا، يبدو أنه منعدم لأنهم مازالوا في فترة التدريب.
"يمكن لما أجيب العربية تكون الأمور أحسن شوية وادينا بنكتسب خبرة مش كده؟! *** تقف شمس في المطبخ. تلك معجزة حقًا، ليست لأنها فاشلة ولا تفلح في تلك الأمور، لكنها لا تحب فعلها إلا إذا كانت مجبورة. لو تموت جوعًا لم تكن لتفعلها. ولكن الآن تقوم بوضع الخليط من الأرز ومعجون الطماطم والخضروات بداخل الباذنجان والكوسة بعد أن انتهت من طنجرة ورق العنب.
تحت مراقبة والدتها لها، بعد رفض شمس الصريح بأن تساعدها والدتها في أي شيء، بل أخبرتها بأن تستريح اليوم وهي سوف تفعل، وبالرغم من دهشة سوسن إلا أنها تركتها تفعل ما تريده. وكانت تذهب وتأتي بين الحين والآخر تراقبها. فصنعت شمس سفرة شهية، أخذ يتناول عبدة وسوسن منها، بينما صنعت لنفسها هي بضعة شطائر لأنها تشعر بتعب في معدتها، كان هذا السبب الذي قالته لهما. وبعد الطعام، أخذت تقوم بغسل الصحون وصنعت الشاي لهما. وبعد ذلك.
تركتهما لساعة واحدة تقريبًا، وحينما خرجت من الغرفة تجر حقيبة سفر متوسطة الحجم خلفها، رافعة النقاب فوق رأسها. وجدت عبدة نائم على الأريكة في سبات عميق، بينما والدتها نائمة وهي تجلس على المقعد، قد أدى الدواء مفعوله. اقتربت شمس منهما بحذر، ولكنها وجدت صوت شخير عبدة عالي جدًا ووالدته نائمة. جذبت حقيبتها وأنزلت نقابها وغادرت الشقة. مقررة ألا تعود أبدًا. ستغادر وسوف تترك عائلتها والجميع. وحتى تلك البلد سوف تتركها. لن تبقى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!