ولجت فردوس إلى البيت مع توفيق. بعد محادثة طويلة جدًا كان مختصرها بأن تعد إلى منزلها وتفكر في حديثه، مع تعهده بأن لها الخصوصية الكاملة التي تحتاجها في وضع هكذا دون أن يتدخل بها أحد، ولتفكر بمفردها عوضًا عن الجلوس في فندق أو في منزل الغرباء، وهي امرأة متزوجة من حفيده. لم يقبل توفيق بهذا، وكان الأمر منه مختلفًا، صاحب البيت نفسه يطلب منها هذا.
وهو ليس معتادًا على الجدال الطويل أو الإلحاح على أي شخص، فلم تجد الرفض هو الإجابة عليه تقديرًا لمكانته، ولشعور طفيف بالاشتياق إلى غرفتها كان يراودها. غرفتها التي شهدت الكثير من التفكير في الانتقام، الغضب، البكاء، القسوة، والجفاء، حتى لحظات الحب شاهدتها. شاهدت تلك الغرفة العديد من تغييراتها، عاصرت الكثير من عواصفها، كانت كل يوم تكن فردوس جديدة بداخلها، تعددت شخصياتها حتى وصلت إلى الدرجة التي ما عادت تفهم نفسها بها.
صعدت إلى الغرفة وأغلقت بابها، وولجت إلى الفراش بعد أن غيرت ملابسها وقررت النوم، النوم دون رغبة في أي شيء آخر. العجيب أن الفراش مازال يحتفظ بعطره المميز، وهذا شيء كان مزعجًا الآن بالنسبة لامرأة تشتاق له وبشدة، ولكنها قررت النوم تحت أي ظرف. مرت ساعتان تقريبًا حتى استيقظت على صوت طرقات ليست مدللة ولكنها غاضبة إلى حد كبير عكس المعتاد.
جلست فردوس في نصف جلوس تحاول تعديل وضعيتها، وقبل حتى أن تأذن للطارق، كانت دعاء تقتحم الغرفة بوجه غاضب، حتى أنها أشعلت المصباح، مما جعل فردوس تهتف بنبرة شبه مرحة وبها بقية نوم: "تعرفي يا دعاء أنا حرفيًا مش عارفة أنتِ عملالي عمل فين علشان تدخلي وتعملي اللي أنتِ عايزاه من غير ما أضايق، عليكي اقتحام لأوضتي كمال نفسه ما عملهوش." أغلقت دعاء الباب خلفها، متحدثة بضيق شديد لا يحمل أي روح من دعابتها المعهودة:
"لو كان بيعمل زيي ما كانش ده بقى حاله." ابتلعت ريقها ثم تحدثت بعتاب شديد: "على العموم دي آخر مرة هضايقك وهقتحم خصوصيتك أو هدخل أوضتك من أساسه." نهضت فردوس من الفراش بعد أن فركت عينيها، تتوقع أن المشكلة فيما تراه من عبوس عينيها، ولكن ماذا عن ما سمعته؟ أردفت فردوس بعدم فهم بعد أن أصبحت واقفة أمامها تقريبًا: "في إيه يا دعاء مالك ليه قالبة وشك؟ هنخش على تخصصات بعض." تمتمت دعاء بنبرة منزعجة:
"لأن أنا بقالي أسبوع مضايقة من غيابك وزعلانة أنك مش موجودة وبجد كنت مفتقداكي أوي، وكنت بتصل بيكي يوميًا ومبترديش عليا، وكمان لما رجعتي كنت هطلعلك على طول من كتر ما أنتِ وحشاني، ألاقي الحاج توفيق بيقول نسيبك ومحدش يضايقك ونسيبك براحتك ومنفتحش خصوصيتك."
نظرت لها فردوس بأسف شديد وخجل. بالفعل اتصلت بها دعاء العديد من المرات خلال هذا الأسبوع، ولكنها لم تكن لديها طاقة للشرح، وليس لديها حديث قد تقوله إلى دعاء، هي في حالة يرثى بها ومازالت. أسترسلت دعاء حديثها بحزن: "وطبعًا الكلام عليا، لو كلامي بيضايقك وتدخلي بيضايقك يا ستي أنا مليش دعوة بيكي من النهاردة، أنا بس جيت أقول الكلمتين اللي محشورين جوايا وماشية."
لتعترف فردوس اعترافًا حقيقيًا، تدخل دعاء في كل شيء ليست شيء تقلبه، ولكنها علمت بأن هذا من طباعها، ولكنها ليست سيئة النوايا، وهذا ما يشفع لها. هي امرأة عفوية حتى ولو بشكل لم تكن فردوس تتقبله في البداية بشكل كبير، لكنها أحبتها، أحبت تلقائيتها وبساطتها، لذلك لم تعبأ كثيرًا بتدخلها، ولأنها كانت تحتاج لشخص مثلها، وأصبحت دعاء تشكل أهمية في حياتها لا تنكر، ربما هي من الشخصيات القليلة جدًا الصادقة مع نفسها ومع من حولها.
تمتمت فردوس بنبرة هادئة ومُرهقة نفسيًا إلى أقصى حد: "صدقيني يا دعاء أنا مبزعلش منك، وبجد أنتِ بقيتي قريبة مني جدًا وحقك عليا لو مكنتش برد عليكي الأسبوع اللي فات ده، بس أنا كنت نفسيًا مدمرة، أنا وكمال كنا متخانقين، وجيت لما اتكلمت مع الحاج توفيق وهو اتعهد أن محدش هيضايقني لغاية ما أفكر أنا عايزة إيه." ابتلعت ريقها وهي تسترسل حديثها مؤكدة:
"والموضوع والله ما له علاقة بيكي ولا قصدنا عليكي ولا على أي حد، أنتِ عارفة إني بميل للعزلة لما بكون مخنوقة شوية وده كان شرطي أني أرجع البيت، لكن أنتِ فوق أي شرط." عقبت دعاء رغمًا عنها: "أنا فوق القانون يعني؟! ضحكت فردوس رغمًا عنها: "يعني حاجة زي كده متزعليش بقى." وما لم تتوقعه فردوس أن يحدث بتلك السرعة، أن العبوس تحول إلى ملامح فضولية وعفوية بشكل كبير:
"خلاص مش زعلانة، احكيلي بقى إيه المشكلة علشان أحلها ليكي، وبعدين إزاي كمال يسافر من غيرك؟ أنا كنت فاكرة أنكم هتسافروا مع بعض؟! هتفت فردوس بعدم فهم: "وإنتِ مين اللي قالك على حوار السفر ده؟! قالت دعاء بعفوية كبيرة: "الحاج توفيق هو اللي قالي، لما قولتلك وريني الباسبور بتاعك أنا صورته علشان يخلص ورقك، وكنت فاكرة أنها هتكون مفاجأة ليكي ولكمال، ما كنتش متخيلة بعد الورد مترجعيش البيت في يومها."
تداركت الأمر لتقول بنبرة جادة إلى حد كبير جعلت فردوس تضحك رغمًا عنها عقب كلماتها: "أحسن أكون أنا اللي نشتكم عين؟ ما العين دي محدش بيقدر يتحكم فيها، ممكن أكون حسدتكم وأنا مش واخدة بالي؟! *** دبــيك كان يجلس في الغرفة الخاصة به في الفندق بعد أن قام بحضور مؤتمر خاص بالسياحة وتناول الطعام بالخارج. عاد إلى الفندق باختناق. كان يتوقع بأنه يحتاج إلى الوحدة ورُبما إلى العزلة عن الجميع حتى يهدأ من أعصابه، فمر الكثير عليه.
حياته مع فردوس المليئة بالمصاعب، ذهابه إلى شريف وشجارهم، تجربة زواجه الثاني وإجهاض زوجته ثم الطلاق في وقت قصير جدًا. تلك التجارب كانت صعبة وسريعة بشكل لم يعطيه أي فرصة للتجاوز. يحاسب نفسه على كل ما مضى، أو على الأقل يحاول غلق بعض الحسابات في عقله. على الأقل انتهى قسم مهم. انتهى ترقب شيء هام وهو رد فعل فردوس. مهما اتخذت قرار سيكون بشأنه لا يخص أفنان، وهذا هو المهم الآن.
أخذ يعبث في هاتفه فوجد رسالة من بكر تنص على أن فردوس عادت مع توفيق إلى المنزل. ولم يستوعب كمال في البداية بأن ما قاله توفيق قام بتنفيذه، فظن أن فردوس لن تقبل مهما فعل، ولكنها خيبت ظنه في هذا الأمر. لكنه تنهد تنهيدة مطولة. على الأقل هو يشعر بالراحة وذهب خوفه بعض الشيء. وجودها في المنزل شيء جيد، تحديدًا بعد سفر أفنان وداغر إلى القاهرة. *** "بــنــي ســويــف"
"يا ملك محسساني إني سايباكي بمزاجي أو بلعب، ما أنا محبوسة في البيت لا بروح ولا باجي، قاعدة طول النهار في الأوضة مش بمزاجي والله، إنتِ زعلانة ومضايقة ليه بقى؟ وبعدين أنا معاكي طول اليوم تقريبًا شات وكول." كانت تلك كلمات بشرى الجالسة أمام الحاسوب الخاص بها منكبة على القضية الصعبة بالنسبة لها التي أرسلها لها هلال. لا تدري حقًا هل هو يقوم بتعجيزها أم ماذا يفعل؟ لم تخضع إلى تلك الاختبارات الشاقة في الكلية نفسها.
يبدو أنه يتمتع بتعذيبها أو قضاء وقت طويل في التفكير، لكن لا شك بأن القضية أثارت انتباهها. كان على أذنيها يتواجد هاتفها تتحدث مع صديقتها الحزينة ملك والبائسة. حاولت بشرى المرح معها وهي تقول: "ما تأكلي يا ملك يمكن تكوني جعانة علشان كده زعلانة؟! أتاها صوت ملك من الهاتف في قنوط رهيب: "بطلي هزار يا بشرى أنا مخنوقة، وبعدين يعني هو مفيش أمل ترجعي الشغل؟!
هتفت بشرى باختناق هي الأخرى، فهي من تستمد الطاقة الإيجابية من ملك، ولو كانت ملك نفسها غاضبة فهذا يعني أنه ستكون بائسة: "يارب يعني ماما وستو بيقنعوا بابا، المفروض وبعدين أصلًا أنا مش عايزة أرجع، هحط وشي في وشه إزاي يعني، أنا مش عارفة إيه اللي دخلني في الحوارات دي كلها؟! "ده لو ماسك عليكي فيديوهات في وضع مخل مش هتفضلي تقولي الجملة دي كل شوية، بطلي بواخة بقى." تجاهلت بشرى سخريتها وقالت بذهول وهي تخبر
صديقتها المقربة بما حدث: "تخيلي أن والد جمال اتصل بـ بابا وقاله أنه جمال رفض نظرة عن الموضوع." قالت ملك بدهشة لا تقل عن دهشة بشرى: "مش مصدقة بجد، معقول لفت نظره بالظبط كده، كان باين أنه متمسك بيكي، منك لله كسرتي قلب الراجل." "أنا ولا كسرت ولا نيلت، معرفش ليه أصلًا بيتقدموا لواحدة معقدة زيي؟! تمتمت ملك بسخرية: "أمهم دعت عليهم في ليلة مفترجة أو ذنوب وبيكفروها." تمتمت بشرى بانزعاج جلي: "احترمي نفسك يا ملك."
"إنتِ مش عاجبك لما أقول رأي مخالف لرأيك ومش عاجبك برضه لما بحاول أقول زي ما بتقولي، أما إنتِ عجيبة صحيح، أهم حاجة تيجي وترجعي عندي أنا زهقت لوحدي، وشوية وهقتل مراد." ضحكت بشرى ثم غمغمت بنبرة جادة: "أنا معرفش إنتِ مالك الفترة دي، مش طايقة حد ولا طايقة الواد مع أنه ما عملكيش حاجة يعني." "كده معصبني وخلاص، بيأكل من أكلي كأني خلفته ونسيته." هتفت بشرى بجدية ورزانة:
"رغم أنك مفجوعة بس مش ده السبب الوحيد يعني اللي مخليكي مش طايقة له كلمة." ثم أسترسلت حديثها بخبث: "مع أنك كنتي هتموتي ويرجع من الجيش." ارتبكت ملك ولم تجد إجابة تستطيع قولها قد تحفظ ماء وجهها وتبرر موقفها بها، لكن على أية حال أنقذها القدر على نداء من والدها سمعته بشرى فغمغمت بهدوء: "هقفل دلوقتي علشان بينادوا عليا، وهبقى أكلمك كمان شوية." "تمام." "سلام." "سلام."
انتهت المكالمة بينهما لتنهض بشرى وتغلق الحاسوب مؤقتًا إلى حين عودتها، ثم خرجت من الغرفة وتوجهت إلى حيث تجلس العائلة لتجد والدتها جالسة على أحد المقاعد وعلى الأريكة تجلس جدتها زينب ويجاورها منير. وكان أول من تطوع للحديث بينهما كانت والدتها نرمين وهي تقول بنبرة هادئة: "أبوكي عايز يسمع ردك، عدى تقريبًا أسبوع على زيارة هلال وعيلته." تمتم منير بنبرة جادة وهو يعقب على حديث زوجته: "شكلها رافضة، عمومًا بشرى لسه صغيرة."
قالت والدتها بحدة: "بشرى مش صغيرة وإحنا جايبينها نسمع رأيها مش علشان نقرر من دماغنا." وقبل أن يتفاقم الوضع تحدثت زينب بنبرة صارمة: "ده مش وقت خناقاتكم اللي ملهاش داعي." ثم أسترسلت حديثها برفق وهي تنظر إلى حفيدتها الغالية التي تقف أمامها: "قوليلنا يا بشرى إنتِ موافقة نكلم هلال ونقوله ييجي نتكلم في الخطوبة وبقية التفاصيل، ولا رافضة الموضوع؟ واعملي اللي يريحك ولا تفكري في كلام أمك ولا كلام أبوكي، دي حياتك إنتِ."
تزايدت وتسارعت نبضات قلبها بشكل مخيف في تلك اللحظة تحديدًا والجميع يسلط بصره عليها، والثلاثة ينتظرون رأيها، وهذا الشيء يوترها بشكل رهيب. رغم أنها قامت بصلاة الاستخارة أكثر من مرة، ولكن شعورها بأنها سوف تنطق بقرار مصيري كهذا بالنسبة لها أنه شيء مخيف جدًا. أغلقت بشرى عينيها لمدة دقيقة ثم عادت تقول بنبرة عفوية وصادقة فيما ترغب فيه تلك المرة رغم خوفها الكبير بالمجازفة: "أنا موافقة." نهض منير من مكانه يقول بانزعاج جلي
وأعين غاضبة إلى أقصى حد: "موافقة على إيه؟! تمتمت بشرى بنبرة خافتة وقلقة وهي تتراجع عدة خطوات إلى الخلف: "موافقة على الخطوبة، أنتم مش قولتم أقول أنا عايزة إيه؟ أديني بقول أهو." صاح منير بنبرة جنونية وهو يتوجه صوب غرفته تاركًا الجميع: "ما أنتم طبختوها خلاص ومبقاش ليا لازمة." هتفت زينب وهي ترى بشرى واقفة مكانها كالتمثال: "عادي يا بنتي دي عصبية أبوكي العادية، ادخلي أوضتك وبكرة نتكلم." *** "القــاهـــرة"
تناول شريف طعامه بدون شهية. منذ ذهاب أفنان وفهد أصبح يصنع الطعام بدون رغبة وكأنه شيء روتيني بعد أن كان يتفنن في صنعه. انشغل أيضًا في المشاكل الخاصة بشمس يريد أن ينتهي أمرها بسرعة ويطمئن عليها. هو لا يضمن حياته بصفة عامة. ها هو ذاهب إليها ليقوم برؤيتها وشراء بعض الأشياء التي قد يحتاجها المنزل. هو لا يستطيع، لن يمنع نفسه من الشعور بالمسؤولية تجاهها.
حسنًا، هو يحاول إثبات تعلقه بها بكل الأسباب التي لا تتعلق بالحب، لكنه في قرارة نفسه يعترف بأنه يحب. يحب المرة الأولى وهو بكامل نضجه. يغلق ساعة يده وقد انتهى من ارتداء ملابسه، لكنه سمع صوت الجرس. يبدو أن أحدهم قد قام بقرعه. خرج من الغرفة وبعدها من الشقة ليذهب ناحية البوابة وما أن فتحها، وقت أفنان تقف أمامه تستند على عكاز وبجانبها من الناحية الأخرى يقف فهد الذي تسلق على جسد شريف في ثوانٍ ليحمله شريف باشتياق رهيب.
هو يحب فهد، يحبه ولا يظن بأنه حتى ولو أنجب يومًا سيحب طفله كما أحب فهد. كان هو أول من حمله بين ذراعيه، وقتها جعله ينسى كل شيء، ينسى من والده الحقيقي وتعهد بأنه سيفعل كل ما يقع على عاتقه حتى لا يدفع ذنب ليس بذنبه وسيعطيه الشرعية التي يستحقها طفل بريء مثله، حتى ولو اقترف خطأ تجاه داغر لم يفكر وقتها سوى في فهد أولاً وثانيًا في أفنان. كان هو أسرع من تقبله أكثر من أفنان نفسها. خلفهما كان يقف داغر بملامح لا تظهر شيئًا.
احتضنه شريف بحب واشتياق كان يكتمه بصعوبة، يشم رائحته ويقبل رأسه بلهفة كبيرة. براءته التي يعشقها ويأمل ألا تذهب مهما بلغ من العمر. سمع الصغير يهتف بحب حقيقي: "وحشتني أوي يا ثائر، أوي." "وأنت أكتر يا حبيبي." وعلى ذكر ثائر كان نطقها من الصغير تحديدًا يؤلمه، كان يتمنى أن يعرفه بشخصيته واسمه الحقيقي، ولكن الأهم ربما أن المشاعر بينهما حقيقية.
وأخيرًا استوعب وجود هذا العكاز وقدم أفنان التي أحدهما ترتدي أحد الأربطة الطبية الذي جعل شكل الحذاء فوقه غير ملائمًا. فجعل الصغير يهبط من بين أحضانه ثم سأل شقيقته بريبة: "إيه يا أفنان إيه اللي حصلك؟ مال رجلك؟! تحدثت أفنان برقة وبنبرة هادئة: "مفيش حاجة يا حبيبي أنا بس وقعت وكنت متجبسة وفكيت الجبس، يعني كلها أيام والوضع هيكون أحسن كتير إن شاء الله." تمتم شريف بنبرة مقتضبة: "ومقولتليش ليه؟ ما أنا بكلمك كل يوم."
أردفت أفنان بتردد: "يعني محبتش أقلقك وأنت بعيد والموضوع مش مستاهل يعني." ثم أسترسلت حديثها بنبرة مشاغبة: "مش هتاخدني في حضنك أنا كمان ولا هو الحضن لفهد بس؟! جذبها شريف إلى أحضانه لتستكين بينهما، فهو الأمان، الشخص الأول الذي لم يقم بمحاسبتها بل سعى لحل المشكلة والدفاع عنها أولاً. شريف لن يعوض أبدًا. كشقيق لها وكـرجل في حياة أي امرأة يتواجد بها. كان داغر يقف يشاهدهما بملامح غريبة.
هو لديه جانب منزعج قليلاً، وجودها بين أحضان شريف بهذا الشكل وكأنها بالفعل كانت تفتقده بشكل رهيب جعله يشعر بالغيرة الطفيفة التي يعلم بأنها مبالغة، ولكنه شعر ودفي نفس الوقت بالسعادة لأجلها، فهي كانت تشتاق له ولم تكن تتحدث في هذا الأمر، كانت تكتمه. تمتم فهد بنبرة طفولية وإرهاق وهو يقاطع هذا العناق الأخوي: "مش هندخل بقى؟ أنا رجلي وجعتني."
ابتعد شريف عن أفنان ووجه حديثه إلى داغر بملامح شاكرة، على الأقل بأن حال الاثنين يبدو جيدًا: "أهلاً يا داغر، عامل إيه؟ تمتم داغر بهدوء: "الحمد لله، ادخلوا أنتم وأنا لازم أروح البنك وورايا كذا مشوار." تحدث فهد بحماس وهو يقترب من داغر: "خدني معاك." قال داغر بنبرة عفوية: "مش خالك واحشك؟ روح اقعد معاه وأنا مش هتأخر، مش كنت لسه بتقول رجلك وجعاك وعايز تدخل؟! بإصرار كان فهد يجيب عليه: "لا، خدني معاك." قالت أفنان
تحت مراقبة شريف للأجواء: "خلاص يا فهد سيبه يروح وهو هيرجع مش هيتأخر." عقد فهد ذراعيه ونظر إلى عين داغر بعتاب، ضيق، وعبوس طفولي يجعلك مجبرًا على تنفيذ ما يريد، وتحدث بنبرة على وشك البكاء: "هاجي معاك ولما أرجع أقعد مع خالو براحتي." هتف داغر بنبرة لينة رغمًا عنه: "خلاص تعالى." حمل شريف وداغر الحقائب إلى الداخل ثم غادر داغر برفقة فهد، وجلست أفنان على الأريكة برفقة شقيقها. تمتم شريف غير مصدقًا:
"أنا مش مصدق أن فهد يسيبني ويروح مع داغر، أو مش مصدق العلاقة اللي ما بينهم، لما كنتي بتحكي كنت بفتكر أن بتأفوري، بس اللي شوفته قدامي غريب." هتفت أفنان بانبهار رغمًا عنها: "أنا نفسي مكنتش متخيلة، ولسه مش مستوعبة، فهد اتعلق بيه جدا وكان التعلق ده في بدايته بيقلقني، أنا أصلًا لغاية دلوقتي مش مستوعبة أنه قال قدامهم أنه ابنه، أنا كانت إيدي على قلبي وقتها."
احتفظت أفنان بالنقطة الخاصة بعدم إنجاب داغر، لا تدري، حاولت الحفاظ على خصوصيته، ربما هو لا يرغب بمعرفة شريف الأمر. أما شريف كان يتأملها. داغر يعشق أفنان، عشقه لها جعله يقبل فهد، هذا هو المبرر الذي أتى في عقل شريف. حسنًا، هو كان يشعر بأن داغر في السابق يكن شيء مميز لأفنان، كان يشعر به كرجل، ولكنه لم يصل عقله إلى الحب وتلك المسميات الشاعرية التي لا يعترف بها أبدًا في الواقع.
لكن ليس هناك رجل يقبل هذا كله إلا وهو واقع تحت سحر الحب، فهو تخطى مفهوم الحب. تمتم شريف بنبرة جادة: "واضح أن في حاجات كتير أوي محتاجين نقعد ونتكلم فيها، بس أول حاجة هعمل كام مكالمة وتاني حاجة أحطبك تأكلي أو نأكل سوا، أنا أصلًا يعتبر ما أكلتش كويس، أنا عامل طاجن بامية باللحمة خرافة." هتفت أفنان بحماقة وسرعة: "ماشي، ويا ريت تحكيلي عن أخبارك مع شمس." تجمد ثم حاول استيعاب الأمر متحدثًا بنبرة منزعجة:
"وإيه اللي جاب سيرة شمس دلوقتي؟! لا تعتقد أفنان بأن شريف بعد هذا الوقت كله لم ير أي مقطع من المقاطع الخاصة بشمس التي انتشرت بشكل مفجع وأصبحت متداولة بشكل رهيب، تظهر لمن حتى لا يهتم بالأمر، ولكنها لا تستطيع جرح رجولته أكثر من هذا أو ذكر تلك النقطة لأنه بالتأكيد قد علم بالأمر. "لسه بتكلمها؟! تمتم شريف بانزعاج جلي: "بكلمها يا أفنان، هتحاسبيني يعني؟! قالت أفنان بتردد:
"أنا مش بحاسبك يا شريف على حاجة، أنا بس بسأل، أنتَ متعصب عليا ليه؟! تنهد شريف ثم تحدث بنبرة متوترة: "معلش أنا مضغوط شوية، وعموما علاقتي بشمس دلوقتي علاقة مصالح، مفيش حاجة بينا، أنا بس بقضي ليها كام مصلحة لا أكتر ولا أقل." نظرت له أفنان بعدم فهم عن أي مصالح قد تجمعهما؟ لكنها لم ترغب في إطالة الأمر الذي على ما يبدو لا يرغب في الحديث فيه. *** تجلس على الأريكة في تلك الشقة الجديدة عليها.
تشعر بالفراغ الكبير، عدم الانتماء لأي مكان. كل مرحلة من عمرها تقريبًا كانت تقوم بقضائها في منزل مختلف، وتحديدًا في الآونة الأخيرة انتقلت من شقة عبدة التي قام بتأجيرها إلى منزل مريم وبعدها إلى الشقة التي اختارها ثائر من أجلها، وللمرة الثانية على التوالي في شقة أخرى من اختيار ثائر، أو في رواية أخرى شريف الذي لم تعتد على نطق اسمه بعد. شعور عدم الانتماء إلى عائلة وإلى منزل أو أي شيء مؤلم إلى حد كبير.
حتى بالرغم من حديث ثائر عن عائلة والدها الكريمة والثرية، لم يسعدها الأمر أو بمعنى أوضح جعلها تشعر بالخوف من عدم التقبل والنفور. لا تظن بأن رجل في مكانته قد يقبل بفتاة. تراجعت عن تلك الكلمة، فهي لم تعد فتاة صغيرة، إنها تقترب من عامها الثلاثين، وراقصة. عدم تقبله لها هو الشيء الوحيد التي تصدقه وتشعر به من أعماق قلبها. تنتظر إتيان ثائر، بطبيعة الحال هو أخبرها بأنه سيأتي اليوم، ولكن لم يصدر منه أي شيء حتى الآن.
جاءت سوسن من الداخل بتعب وإرهاق وهي تقول: "أخيرًا فضيت الشنط كلها، بقالها كذا يوم مكانها ووضبت الدنيا." تمتمت شمس بضيق وهي تعقد ذراعيها: "كويس." سألتها سوسن بنبرة عادية غير مبالية: "مالك يا بنتي مسهمة كده ليه؟! أردفت شمس بسخرية: "والمفروض أعمل إيه يعني؟ أديني قاعدة أهو." حاولت سوسن تغيير الموضوع قائلة بحماقة: "نشوح شوية كبدة من اللي جبتها الصبح؟ ولا تحبي تأكلي إيه؟ قالت شمس بنبرة جامدة وخالية من التعبير:
"أي حاجة مش فارقة، أنا ممكن آكل سندوتش جبنة وخلاص، مليش نفس لحاجة، كله زي بعض وكلها محصلة بعضها." أردفت سوسن بنبرة مختنقة وهي تعقد ساعديها: "أنا مش فاهمة إيه سبب قالبة الوش دي؟! ده أنا عملت كل ده عشانك، طلاق واتطلقت وسيبت بيتي وعملت كل اللي يريح الفيلسوف بتاعك علشان أنتِ بتقولي أنه عارف مصلحتك، وادي آخرتها أهو قالبة وشك ومش عاجبك العجب برضه." خرجت ضحكة ساخرة من شمس تقول بعدها بانفعال واضح وغضب مكبوت رغمًا عنها:
"المشكلة أنك مقتنعة أنك مضحية وجاية على نفسك، وأنك اتطلقتي من سيد الرجال علشاني، مش واخده بالك أنه ضربك وأنا عملت كده عشانك، مش واخده بالك أن ثائر خلصك من القرف ده بأعجوبة لأن عبدة عمره ما كان هيسيبنا بالساهل غير لو مص دمّنا واستفاد مننا لأكتر وقت ممكن." ابتلعت ريقها لتسترسل حديثها بلوم:
"مش واخده بالك تقريبًا أن العك اللي في حياتي أنتِ سببه، واحدة في سني معهاش أي إثبات شخصية ويا عالم لما الراجل اللي المفروض أبويا يعرف هيعترف بيا ولا لا، أصل دي مش سنة ولا اتنين ولا خمسة، دي حاجة داخلة في تلاتين سنة." شحب وجه سوسن من حديث ابنتها وعتابها الذي أفجعها، لكنها حاولت الدفاع عن نفسها مغمغمة بجنون: "طول ما أنتِ ما عيشتيش اللي أنا عيشته، ولا شوفتي اللي أنا شوفته مش من حقك لا تحاسبيني ولا تلوميني أبدًا."
نظرت لها شمس نظرات غاضبة وعقبت على حديثها بخفوت: "أنا ممكن أبطل ألومك على أي حاجة في الدنيا إلا أنك سبتيني العمر ده كله من غير نسب وسيبتي جوزك يستغلني." نهضت سوسن بغضب وتوجهت صوب المطبخ فقد انتهت طاقتها ولا تستطيع الرد على ابنتها التي ببساطة جدًا محقة فيما تقوله وليس لديها وسيلة للدفاع عن نفسها قوية. أما عند شمس صدع صوت هاتفها يعلن عن اتصال من ثائر (شريف) ، أجابت عليه. "ألو." "ألو يا شمس عاملة إيه؟
تمتمت شمس بنبرة مقتضبة: "الحمد لله، وإنتَ؟ "بخير، أنا مش جاي النهاردة، اشتريت شوية حاجات وزمان المندوب جايلك، أنا دفعت بالفيزا متدفعيش حاجة يعني." قالت شمس بنبرة غاضبة وشزر: "مش كنت جاي؟! "حصلت ظروف." تمتمت شمس بانفعال طفيف لأنه يتعمد عدم قول السبب الحقيقي: "براحتك، سلام." "سلام." ولكن قبل أن يغلق المكالمة تحدثت بنبرة شبه صارخة:
"ومتجيبش أي حاجة بعد كده، أنا مش شحاتة والله معايا فلوس، لما أعوز حاجة هجيبها، أنا مش على الحديدة، خليك في حياتك وفي ظروفك ومن غير سلام." أنهت المكالمة بكل غضب وضيق وقلب غاضب. *** مكالمة من جده تركت له عدة أخبار أو نقاط. الخبر الأول أو النقطة الأولى بأن فردوس علمت بالحقيقة وتخلصت من الدليل، وعلى ما يبدو بأنها لا تنوي فعل شيء قد يخص أفنان، ولم تعلم عن فهد شيئًا.
النقطة الثانية بأن يصعد إلى شقته ويترك شقيقته برفقة زوجها وابنها في الشقة السفلية عند النوم ويمنحهما الخصوصية التي قد تحتاجها أي عائلة، فقد قررا استئناف حياتهما وهذا أفضل شيء. النقطة الثالثة أنه أخبره بأنهما يرغبان في تسريع من أمره، فلم يعد هناك شيء يستحق الانتظار، شقيقته مع زوجها في أمان ولم يعد خطر حقيقي يقوم بتهديدها. وهنا كانت تلك المشكلة الحقيقية، هو أنه يجب عليه تسريع أمر شمس حتى يطمئن قلبه.
قلبه الأبلة الذي يعشق في الوقت الغير مناسب، ولم يعد هو الشخص المناسب ولسوء الحظ كانت هي الشريك الغير مناسب أيضًا. يقوم بسحب نفس من سيجارته وهو يقف في المطبخ ويقوم بصنع القهوة له. أتت أفنان من الخارج متمتمة بنبرة متوترة: "داغر وفهد جم." أردف شريف بعدم فهم وهو يستدير لها: "وإيه المشكلة؟! تمتمت أفنان بارتباك طفيف: "داغر عايز يمشي وبيقول هيبات عند واحد صاحبه ومش عايز يبات هنا." تحدث شريف بنبرة باردة وكان غرضه بأن
يقوم باختبار ردة فعلها: "إيه المشكلة يبات في المكان اللي يريحه؟! شعرت أفنان بالخجل عند تلك الإجابة ولا تعلم كيف تسترسل حديثها. هي تريد وجوده، اعتادت عليه وكأنها لا تستطيع المكوث في أي مكان إلا وهو معها. هي ترغب في أن يكون بجانبها وفي الوقت نفسه هكذا تكون تشعر بالاطمئنان عليه، لكن مكوثه في أي مكان آخر شيء يجعلها لا تشعر بالراحة أبدًا.
وكانت حيرتها ونظراتها، ارتباكها كان خير دليل بأن يجعل شريف يفهم ما ينتابها مما جعله يخرج من المطبخ تاركًا إياها، ويتوجه إلى حيث يقف فهد عابسًا أمام داغر الذي قد هبط إلى مستواه يحاول أن يراضيه بأنه سيذهب وسيأتي له في الصباح الباكر بمجرد استيقاظه سيجده أمامه. تمتم شريف بنبرة عملية: "ما تخليك يا داغر بايت هنا، إيه اللي يمشيك يعني؟ يعني بيت قريبك وأخو مراتك مش أحسن من بيت صاحبك؟ استرسل شريف حديثه
بنبرة فهم داغر ما ورائها: "اللي حصل قبل كده عدى وده باين يعني من اللي أنا شايفه، فمتزعلش أفنان وفهد وخليك هنا معاهم، أنا أصلًا بنام فوق في شقتي." وهل هو يستطيع أن يحزن أفنان وفهد؟ هل يتحمل؟ أبدًا. *** ... بعد مرور ساعة تقريبًا... كان فهد يجلس مع شريف (ثائر) في شقته العلوية بعد أن حاول شريف بأن يقوم بتنظيفها، فهو لم يفتحها منذ مدة ورفض مساعدة أفنان من أجل ساقها. كان معه فهد.
أخيرًا بعدما استطاع أن يقنع ضميره بأن كل شيء جيد، جلس على الفراش ويجاوره فهد مما جعل شريف يهتف مغتاظًا من صعوده، فهو كان يرغب على الأقل بأن يكون فهد بالأسفل، هذا أفضل.
أفضل لأنه هو الآخر يشعر بالغيرة كالاحمق على شقيقته تحديدًا بعد أن أصبحت علاقتهما متينة وشاهد الاثنان الكثير من السنوات الصعبة مع بعضهما والمواقف التي ظن كلاهما بأن لا أحد سوف يتخطاها منهما، ووجودها بالأسفل تحديدًا في هذا المنزل مع زوجها أنه لشيء غريب وجديد. "ما تنزل تقعد تحت، أنتَ قاعد هنا ليه؟ عقب فهد بعفوية شديدة: "علشان أنتَ وحشتني." هتف شريف ساخرًا:
"واضح فعلاً أني وحشتك علشان كده قبل ما تدخل البيت روحت ماشي مع أبوك." انتبه شريف لكلمته الأخيرة، هل حقًا بدأ يشعر بأن داغر هو والد فهد حقًا؟ يبدو أن ما رآه وما سمعه من أفنان جعله يتفوه بتلك الكلمة. تحدث فهد ببراءة: "ما كنتش قصدي، وبعدين أنا معاك أهو وهبات معاك هنا." ردد شريف مستنكرًا: "تبات معايا؟ لا أنتَ تنزل وتبات مع أبوك وأمك، هما أولى بيك." "لا مش هسيبك، علشان أنتَ زعلت مني لما مشيت فمش هسيبك دلوقتي."
ثم سأله ببراءة: "وبعدين شموسة عاملة إيه؟ أنا عايز أكلمها." على ذكر شمس تذكر مكالمتها السيئة جدًا في الصباح فتحدث بنبرة هادئة وحماس، فهو يريد الاعتذار منها وهو شخص لم يعتد الاعتذار تحديدًا للنساء: "يلا نكلمها." ألتقط شريف هاتفه وضغط على رقمها وقام بالاتصال بها ولم تجب في المرة الأولى. اتصل بها للمرة الثانية وهو يرضي غرورها، على ما يبدو هي تتبع مقولة "الثقل صنعة" لكنها لا تعلم أنها لا تفلح فيه، فأجابت عليه بنبرة ساخرة.
"خير عندك أوامر أو حاجة عايز ترميها في وشي؟ تمتم شريف ببراءة شديدة: "ابدأ، فهد معايا وعايز يكلمك." أعطى الهاتف إلى فهد الذي غمغم بابتسامة واسعة قبل حتى أن تستوعب ما يحدث: "إزيك يا شموسة عاملة إيه؟ جاءه صوتها الهادئ اللطيف: "تمام يا قلب شموسة، أنتَ وحشتني أوي." "وأنتِ أكتر، أنا لسه جاي مع بابا وماما النهاردة." "خلاص هستنى أشوفك بقى." "ماشي." أخذ شريف الهاتف من فهد ثم غمغم بنبرة هادئة موجهًا الحديث له:
"خليك مكانك، هدخل أعملنا حاجة نشربها وأجي." "تمام." خرج من الغرفة ليتحدث بنبرة هادئة: "ألو يا شمس أنتِ معايا؟ "معاك بس هقفل علشان فهد خلاص خلص كلامه." تمتم وهو يدخل إلى المطبخ ويغلق الباب خلفه قائلاً بنبرة مشاغبة لم تسمعها منه أو تستشعرها منذ وقت: "وخال فهد ملهوش لازمة؟ جاءه صوتها غاضبًا: "يسكت أحسن، ليه؟ تمتم شريف بنبرة صادقة وواقعية: "شمس اسمعيني كويس." هتفت شمس باختناق:
"اسمعني أنتَ، أنا بحبك وحبيتك من أول يوم شوفتك فيه، حبيتك وأنا بعترف ليك بحقيقتي وعارفة أنك مش هتكون ليا، حبيتك لما عرفت اللي عملته، حبيتك في كل حالة وفي كل وقت أنا عرفتك فيه، حتى لو أنا مش هكون ليك ولا أنتَ هتكون ليا هفضل أحبك لغاية آخر يوم في عمري." تنهدت ثم أردفت بنبرة عاطفية وصادقة إلى أبعد حد: "ومش هحب راجل غيرك، كنت الأول وهتفضل الأخير، وأنا أصلًا مش هطالبك بحاجة، يا ريت بس تسرع موضوع أهلي، سلام."
أغلقت المكالمة كما فعلت في الصباح دون أن تنتظر منه رد. *** في الطابق السفلي.. كانت أفنان تقف في المطبخ لا تدري كم مرة قامت بغسل الصحن المتواجد في يدها حتى كاد يصرخ ويخبرها بأنه غير متسخ ونظيف تمامًا. لكنها كانت متوترة الآن. شعرت بالندم، يا ليتها سمحت برحيله. حسنًا، هي أخبرت شقيقها بأن يجعله يبيت الليلة معهم، ولكنها لم تخبره بأن يصعد إلى شقته تاركًا إياهم بمفردهما ومعه فهد.
تلك المرة الأولى تقريبًا التي تجد نفسها في شقة بمفردها معه من دون فهد. ومن بين أفكارها شعرت بأن هناك شخص قد حجب الهواء من خلفها ومد يده ليتلقط الصحن وكأن داغر استجاب لرغبة الصحن. ووضعه على الرخامة قائلاً بنبرة منزعجة: "على فكرة أخوكي غسل الأطباق كلها بقالك نص ساعة بتعملي إيه ووقفتك على رجلك دي غلط." هتفت أفنان بتردد وهي تستدير وكان قد ابتعد عنها معطيًا إياها الحرية.
صدقًا، هو يموت شوقًا للاقتراب منها، ولكنه يراعي ما اقترفه هذا الوغد بها، فهو يحاول تهذيب مشاعره ووجدانه قدر المستطاع. -مفيش كان باقي الطبق ده من فهد وقولت أغسله أنا، قاعدة مش بعمل حاجة." رمقها بنظرة متفحصة: "نص ساعة بتغسلي طبق واحد؟! هزت رأسها بإيجاب وهي تسأله برقة: "أعملك شاي؟! -روحي اقعدي برا يا أفنان، وقفتك كتير كده غلط وأنا هعمل الشاي لنفسي، اخرجي أنتِ واقعدي." هتفت أفنان بنبرة خافتة:
"بس أنتَ متعرفش أماكن الحاجة، اخرج أنتَ وأنا هعمله." -أنا هتعامل يا أفنان، أنا مش كفيف." استجابت له، ثم التقطت عكازها وغادرت المطبخ، وبعد عدة دقائق كان يجلس بجانبها على الأريكة، وكانت هي تشاهد التلفاز أو بمعنى أصح تتصنع ذلك بعد أن أتت بشال من الصوف ودثرت نفسها به. الأجواء باردة جدًا. كان هو يستحي كوب الشاي الخاص به ولم يقم بصنع كوب لها لأن أفنان لا تفضل الشاي ونادرًا ما تشربه. نهضت أفنان ليسألها داغر باستغراب:
"رايحة فين؟! -هطلع أشوف فهد وأخليه ينزل هو مش متعود." قاطعها داغر وهو يمسكها من كف يدها جابرًا إياها على الجلوس متمتمًا بسخرية بعض الشيء: "صدقيني فهد بيعرف يعمل كل حاجة، ما تاخديهوش حجة في أغلب الأوقات، وبعدين لو هو مضايق من وجوده فوق مع شريف كان نزل هو، مبقاش عيل صغير، هو واعي وعارف كل حاجة، ممكن تحاولي تشوفي حجة جديدة." جلست مرة أخرى مكانها وهي تعقد ساعديها وقالت بعفوية رغمًا عنها: "ماشي هشوف."
ضحك داغر رغمًا عنه، فهي تخبره بالفعل بأنها سوف تجد حجة أخرى. ليتحدث بنبرة هادئة وهو يتأملها: "أنا مش هأكلك يا أفنان، متخافيش، مبأكلش البنات الحلوة اللي زيك." توردت وجنتيها وفضلت الصمت لعدة دقائق. بعد أن تأملت ضحكته الجميلة التي نادرًا ما تراها. ثم باغته بسؤال هادئ يعبر عن دهشتها: "هو أنتَ ليه سفرتنا بسرعة كده؟ مش كنا المفروض هنستنى كام يوم؟ تعجل من أجل ألا يحدث بينهما وبين فردوس لقاء.
حتى تهدأ ورُبما عند عودتهما تكون فردوس قد سافرت إلى كمال. -علشان شوفتك أنتِ وفهد عايزين تغيروا جو وتشوفوا شريف." هزت رأسها بإيجاب ثم صمتت رغم عدم اقتناعها الكلي بالإجابة، وأخذت تتأمل كل ركن من أركان المنزل التي تجلس به بعينيها، وكان هو يراقبها، لا يستطيع ترك فرصة يستطيع تأملها بها. حاول داغر جذب أطراف الحديث معها متمتمًا: "دي طريقة جديدة للهروب؟ هزت رأسها نافية بعفوية شديدة وهي تخبره:
"مفيش، سرحت شوية، كل جزء في الشقة دي مهم بالنسبالي." سألها بفضول كبير: "إزاي؟ تمتمت أفنان بجدية: "لو عايز الحق أنا يمكن بحب الشقة دي والبيت ده رغم بساطتهم عن بيتنا هناك، هنا كانت أفنان جديدة اتولدت، في حاجات كتير اتغيرت فيا واتزرعت فيا هنا." ترك الكوب من بين يديه يسألها برغبة في استكشافها أكثر: "زي إيه؟ لا تدري لماذا رغبت في الشرح باستفاضة فوجدت نفسها تقول:
"اتحملت المسؤولية هنا، مسؤولية فهد في وقت دراستي، أه، مكنتش كدابة، كان شريف بيجيب ناس تساعدني في البيت وحتى لما اتجوز برضه مراته الأولى بالذات كانت بتساعدني جدا وكانت بتهتم بفهد معايا، كان اسمها ياسمين، برغم المساعدة إلا أني في النهاية مسؤولة عن بيت وعن ابن، وأنا في السن ده." ابتسمت لتسرسل حديثها:
"أنا كنت بربي فهد وبتربى معاه من جديد، البيت ده شهد ولادة أفنان جديدة مع ولادة فهد، بحب الأيام اللي قضتها هنا رغم صعوبتها الكبيرة بعد ما كنت واحدة مش بتشيل حاجة لو وقعت منها في الأرض ولا بتحمل هم حاجة، ذكرياتي هنا مع فهد أول ست سنين من حياته عمرها ما تتمحي." عقب على حديثها بابتسامة هادئة وهو يأخذ كف يدها الباردة واضعًا إياه بين كفي يده الدافئتين قائلاً بنبرة عذبة وهادئة جدًا:
"وفي بيتنا هيكون لينا ذكريات أحسن وأجمل وأطول إن شاء الله." "إن شاء الله." تمتم داغر بنبرة هادئة: "إنتِ عارفة أننا لما نرجع إن شاء الله هنرجع على بيتنا على طول؟ كل حاجة تعتبر خلصت." قالت أفنان بنبرة خافتة: "طب كويس." -عارفة إيه أكتر حاجة أنا شايل همها؟ هتفت أفنان سائلة إياه: "إيه هي؟! -لما أسافر وأسيبكم أنا أخدت على وجودكم في حياتي أوي وهيكون صعب عليا." ابتلع ريقه ثم أسترسل حديثه بنبرة هادئة:
"على العموم أنا مش هطول هناك إن شاء الله وهظبط الدنيا بحيث أني أسيب الشغل هناك وأبيع شقتي وأنزل." تمتمت أفنان بتردد كبير: "داغر فكر كويس إنك تسيب فرصة الشغل اللي فضلت تسعى ليها كتير وكانت حلمك يعتبر وتسيبها عشاننا، ده شيء محتاج تفكر فيه كويس، أنتَ قولت قبل كده أنك ممكن تنزل إجازات أكتر من مرة في السنة." صمت داغر لدقيقة ثم عقب على حديثها بنبرة لطيفة وهو يضغط على كف يدها بين كفيه:
"أنا مش باخد قرار يا أفنان غير لما أكون فكرت فيه كويس، عارف أنها فرصة واني ممكن أندم في المستقبل تحديدًا لما أرجع وأحاول ألاقي شغل وأبدأ من أول وجديد، بس الأكيد أن أي ندم ممكن أندمه مش هيعادل ندمي لو أنا بعيد عنك بالشهور، وإنك متكونيش كل يوم نايمة في حضني ومطمن إنك جنبي إنتِ وفهد."
هبطت دمعة من عينيها رغمًا عنها، رغم أنه لا يتحدث بطريقة عاطفية طوال الوقت ولا يظهر مشاعره، لكنه حينما يفعل يصيبها بشكل كبير، شكل لا تستوعبه. مسح دموعها بأنامله وهو يمرر أصابعه على بشرتها الناعمة جاذبًا إياها لتصبح بين أحضانه، وتقريبًا بقيا الاثنان على هذا الوضع حتى الصباح، وشاهدت تلك الأريكة على نومها بين أحضانه الدافئة، بعد أن جلب داغر من الداخل غطاء سميك ليضعه فوقهما. كانت أمسية رائعة. *** اليــوم التــالــي
في المكتب الخاص بتوفيق والذي نادرًا ما يجلس به في أغلب الأوقات يكون من يجلس به هو كمال. منذ أسبوعين تقريبًا جعل توفيق بكر يقوم بتكثيف جهوده من أجل إنهاء البناية التي ستجمع العائلة كلها. تمتم بكر بنبرة هادئة: "صدقني كل حاجة تمام وشغالين وفي ظرف شهر هيكون الشقق كلها جاهزة، الناس كل يوم شغالين مفيش يوم وبيريحوا فيه." ثم سأله بعدم فهم: "بس أنا مش عارف يا بابا ليه حضرتك مستعجل على الموضوع ده؛ بقالك شهرين مخليني شغال فيه."
هتف توفيق بنبرة دبلوماسية: "كده محدش ضامن عمره، مبقاش فيه قد اللي فات وأنا عايز أطمن عليكم كل واحد فيكم عيلته بتكبر ما شاء الله ولازم يكون لكل واحد فيكم شقة منفصلة وفي نفس الوقت تكونوا مع بعض." تحدث بكر بخفوت وضيق: "ربنا يديك طولة العمر يا بابا." تحدث توفيق بهدوء: "محدش مخلل فيها يا ابني وبعدين أنتَ اللي هتكون الكبير بعدي تخلي بالك من مراتك وابنك أو بنتك إن شاء الله وتحافظ على بيتك وعيال أخوك في مسؤوليتك."
-ليه الكلام ده يا بابا بس؟! عقب توفيق ببساطة: "الإنسان طول ما هو عايش بيوصي اللي حواليه، ومفيش أولى منك أوصيه على نفسه وعلى عيال أخوه." ابتسم بكر ببطء وحاول تغيير الموضوع فهو لا يحب الحديث في تلك النقطة، فمهما بلغ من العمر. لا يحب حتى ولو مجرد التفكير بفقدانه والده. -هو استعجالك على موضوع العمارة ده ليه علاقة بخناقة كمال وفردوس؟ بابا أنا مش صغير وعارف أن في حاجات أنتم مخبينها عني من أول موضوع شريف وحسن." تنهد
توفيق ثم قال بنبرة جادة: "صدقني يا بكر مفيش حاجة مستاهلة أنك تعرفها وإحنا مخبينها عليك، ولو في حاجة مخبينها ده عشان متدخلش في الدوامة اللي إحنا فيها، وبعدين أنا عايز أطمن أن كلكم مع بعض لا أكتر ولا أقل ولكل واحد يكون له خصوصية شوية." والده مصمم على عدم قول شيء له كما اعتاد منه، لذلك لم يصر، فقال بكر بهدوء وهو ينهض من مكانه:
"ماشي يا بابا أنا هقوم ورايا مشوار أعمله وهعدي عليهم بليل أشوفهم وصلوا لفين وزي ما أنتَ عايز أول شقة هخليهم يخلصوها شقة كمال في أسرع وقت." -تسلم يا ابني ربنا يعينك." غادر بكر بعد بضعة دقائق. بعدها سمع صوت طرقات هادئة على الباب فأذن لها، ولجت فردوس بخطوات ثابتة وهادئة ليبتسم لها توفيق متمتما بنبرة هادئة: "ادخلي يا بنتي." ولجت فردوس ثم جلست أمامه، غمغم توفيق بنبرة جادة: "إنتِ عاملة إيه يا بنتي دلوقتي؟!
-الحمد لله بخير." صمت توفيق معطيًا إياها المساحة التي تريدها، بالتأكيد هي لم تأتِ من أجل التحية مثلاً. قالت فردوس بعد صمت دام لثلاث دقائق تقريبًا: "أنا عايزة أسافر لكمال." اندهش توفيق من رغبتها السريعة، فظن أنها ستفكر يومان أو ثلاثة. أسترسلت فردوس حديثها بنبرة هادئة: "عايزة أسافر له في أقرب فرصة لو زي ما حضرتك قولت أوراقي جاهزة." -متأكدة؟ الموضوع واقف على حجز التذكرة." -متأكدة." *** يوم الأحد كان موعد طائرتها.
سيقوم بكر بتوصيلها إلى مطار القاهرة. انتهت من تحضير حقيبة سفرها، حاولت وضع ملابس خريفية بالإضافة إلى ملابسها الشتوية، فأخبرها الجميع بأن درجة الحرارة مرتفعة قليلاً فلا تأخذ الملابس كلها ثقيلة. حاولت وضع متعلقاتها وكل ما تحتاجه. في الواقع هي متوترة وخائفة جدًا، تلك تجربتها الأولى في السفر خارج مصر وركوب الطائرة بمفردها.
منذ موافقتها الذي أعجب بها توفيق، أخبرها بأنها لا تقلق أبدًا، هناك شاب وزوجته يعرفهما سيأتي برفقة زوجته ليأخذها من المطار إلى حيث يتواجد الفندق. وذلك بعد رغبتها بأن تكون مفاجأة لكمال ولا يخبره أحد بذهابها إليه. جعلها بكر تقوم بتحويل خط هاتفها إلى خط دولي حتى تستطيع التواصل مع الشاب بسهولة عند وصولها.
كانت تأخذ حمامها في المرحاض وتستعد للذهاب، وما أن خرجت وهي ترتدي روب الاستحمام الخاص بها حتى وجدت جسدًا يدس نفسه في خزانتها وحقيبة سفر أخرى ولكنها أصغر حجمًا، لا تعلم ملك من؟ تتواجد بجانب حقيبتها الكبيرة. شهقت فردوس حقًا فهي تعلم بأنها بمفردها في الغرفة. خرجت دعاء من الخزانة متمتمة بهدوء: "متتخضيش." تمتمت فردوس بعدم فهم: "إنتِ بتعملي إيه هنا؟! غمغمت دعاء ببساطة شديدة:
"بجهز شنطة شهر العسل بعيدًا عن شنطة ست الحجة اللي أنتِ حضرتيها، والله لو الحاجة منى مسافرة هتاخد حاجات أحسن من كده، الشنطة دي بتاعتي بس متغلاش عليكي، بكر قالي عادي أنك تاخدي شنطتين ودي صغيرة والحاجات اللي هنحطها فيها خف الريشة، الحاجات اللي الراجل دفع ثمنها هباءًا." صدقًا، حل دعاء الوحيد حتى تتوقف عن إحراجها وعن تدخلها بأنها تقوم بالعودة إلى فردوس التي تتشاجر معها. -أنا مش رايحة شهر عسل يا دعاء، ومش هاخد حاجة."
تمتمت دعاء ببساطة شديدة قبل أن تغادر: "لو رايحة تتفقي على الطلاق مش مشكلة، خذيهم معاكي وارميهم في الزبالة هناك، وارجعيلي بالشنطة مليانة هدايا من دبي بقى، مش هوصيكي، وبعدين يلا خلصي بكر مستني تحت." بعد وقت كانت فردوس تهبط على الدرج وهي تحمل حقيبة سفرها الكبيرة، وتخرج من المنزل. أخذ بكر منها الحقيبة ووضعها في الحقيبة الخاصة بسيارته لتخرج زوجته من المنزل وهي تحمل الحقيبة الأخرى قائلة ببهجة: "الشنطة نسيتيها يا فردوس."
"تبًا لكِ يا دعاء." كانت تلك العبارة التي تود فردوس نطقها ولكنها صمتت تحديدًا حينما وجدت بكر يأخذ الحقيبة من زوجته ويضعها في السيارة بهدوء لا يهتم أو لا يفهم ما يحدث من الأساس. احتضنتها دعاء بحب وبادلتها فردوس، وتمنت لها الخير، لتغادر فردوس في النهاية برفقة بكر إلى مطار القاهرة. وكان الحديث بينهما منقطع تقريبًا إلا حديثه الذي يتفوه به كل بضعة دقائق يعيد عليها التعليمات السابقة.
قام بتوصيلها إلى مطار القاهرة وأعطاها أوراقها وكل ما تحتاجه وأخبرها بأنه سيجلس في الخارج لمدة نصف ساعة، وتلك المدة تقريبًا التي تنتهي بها الإجراءات وتظل في انتظار وقت دخول الطائرة. أخبرها بأنه إذا حدث أي شيء لتتصل به. لكن مر الأمر بسهولة رغم أنه جديد عليها كليًا، لم يكن صعبًا كما توقعت، لكنه كالعادة هو الخوف الذي يلازم الإنسان عند تجربة أي شيء لأول مرة.
ركبت الطائرة وحاولت التقاط بضعة صور لها وللنافذة، حاولت تخليد بضعة لحظات رغم أنها توقفت عن تلك العادة منذ سنوات، فهي كانت تحب التصوير بل كانت مهووسة به حقًا. أخيرًا انتهت الرحلة وهبط المسافرين وأستلمت الحقائب ثم وصلت إلى ساحة الانتظار. أخذت تقوم ببضعة خطوات في هاتفها ثم اتصلت بالرقم ليجيب عليها الشاب وهو يحاول الوصول لها.
وأخيرًا رآها وصافحها هو وزوجته وشعرت بأنهما قد رأتهما من قبل، ليخبرها الشاب وزوجته بأنهما من البلدة وكان الحاج توفيق هو السبب في عمله هنا. ركبت معهما في السيارة وكانت زوجة الرجل ثرثارة، ودودة إلى حد كبير تشبه دعاء وحاولت الإجابة عليها وتجاذب أطراف الحديث معها حتى لا تكن فظة رغم أن هذا ليس أسلوبها، لكن في النهاية هي تتواجد هنا هي وزوجها من أجل إسناد معروف لها، فهي في بلد غريبة لا تعرف بها أي شيء.
طلبت فردوس منهما أن تشتري باقة من الزهور من أجل زوجها، لم تفعلها من قبل، هو المعتاد على شراء تلك الباقات لها، ولكنها تريد فعلها له تظن بأنها قد تكون حركة جيدة وملائمة لوجودها.
استجاب الشاب لطلبها وجعلها تذهب إلى متجر خاص بباقات الزهور، اختارت باقة بيضاء فقط، لتجمع بين الأبيض واللون الأخضر الظاهر من عروقها وأوراقها، كان شكلها جيد وجميل، كانت فخورة باختيارها، على الأقل هي تناسب تجربتها الأولى، فهي لأول مرة تقع تحت هذا الاختبار، كان الأمر كله فكرة وليدة اللحظة.
أثنت المرأة وزوجها على اختيارها، أنه بالتأكيد سينال إعجاب كمال، وكانت تتمنى هذا حقًا، فهي ليست مثله رائعة في اختيار الهدايا وباقات الزهور، سيظل هو المتقدم في تلك النقطة تقريبًا. أخيرًا بعد طريق طويل وصلت إلى الفندق وقام (يوسف) بمساعدتها في إجراء بسيط وأخبرها رقم الغرفة والطابق الخاص بكمال وأنه سيرسل أحد بالحقائب إلى الغرفة. شكرتهما فردوس طويلًا هو وزوجته وأن اللقاء بينهما لن ينقطع هنا أو حتى عند زيارتهم للبلدة.
استقلت فردوس المصعد صعدت إلى الطابق وكانت تتوجه صوب غرفة وهي تلقي نظرة للأرقام حتى وصلت إلى الرقم المنشود وأخذت نفس طويل جدًا وننهدت تنهيدة متعبة، لا تدري هل ستكون مفاجأة سارة أم لا؟ هناك جزء بداخلها يثق بأن حبيبها يرغب بوجودها بالتأكيد ويستمد الثقة من حديث الجميع بأن بالتأكيد زوجها سيسعد برؤيتها، الجميع يعلم حبه لها. لكن هناك جزء بداخلها يخبرها بأنه لربما يرغب في أن يفصل ويبتعد عن الجميع حتى عنها.
طرقت عدة طرقات خافتة على الباب. ليأتي كمال بعد دقيقتين ظنًا منه أن هذا يخص أمور النظافة الخاصة بالغرف، على الرغم أنه رفض هذا منذ ساعة. فتح الباب ولم يصدق عينيه. فردوس تقف أمامه، ليس هذا فحسب بل بيديها باقة من الزهور. لثانية شعر بأن هذا من وحي خياله العاطفي بشكل مخيف. لا يصدق ما يراه. هل يغلق الباب في وجهها لعله حينما يفتحه سيجد المكان فارغًا، لكنها كانت فكرة حمقاء. ردد اسمها بعدم استيعاب للمفاجأة: "فـردوس!!!!
وكانت هي تجيب ببلاهة أكبر مؤكدة وجودها: "أيوة أنا." صمت دام لدقيقة لتشعر فردوس بالتردد وهي تتحدث: "هتفضل موقفني برا؟! مد كمال يده ليجذبها إلى الداخل محتضنًا إياها بعمق، أزهقها، اعتصرها بين ذراعيه حتى يشعر به، حتى يصدق أنه أمامه ليس خيالًا أو وهمًا. وهل العناق كافٍ ليتأكد من أنها معه؟ فردوس هنا. يتبع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!