مرت عدة أيام، أكثر من أسبوع، بعد أن أجرت عمليتها. عادت إلى المنزل برفقة عائلتها. كانت تشعر بالألم في جسدها أثر العملية. كان الجلوس والنوم وأي حركة وكل شيء صعب عليها. والدتها كانت بعونها تساعدها في كل خطوة، لكنها كانت صامتة أغلب الوقت، تؤدي دورها وكأنها أقرب إلى مساعدة وليست والدتها. وكأنها منزعجة من شيء. لكن كلما تسألها إيمان إذا كان هناك شيء يزعجها أو يقلقها لتخبرها به كما اعتادت، كانت تمتنع عن الإجابة.
اليوم، ما أن انتهت من تناول الطعام، كادت والدتها أن تأخذ الصحون الفارغة. استوقفتها إيمان متمتمة: -ماما، ممكن أفهم في إيه؟ مالك متغيرة ليه معايا من يوم العملية؟ وكل ما أسألك تقوليلي مفيش حاجة. تحدثت والدتها بانزعاج جلي وانفجار شديد كان لا بد منه بعدما حاولت كتمه الأيام الماضية: -أنا مستغربة من بجاحتك أنك بتسألي؟!!! أنتِ مش واخدة بالك من اللي حصل في المستشفى؟!! مش واخدة بالك من اللي قولتي، واللي عرفناه عن ******.
هتفت إيمان بنبرة باردة: -أنا كنت بحافظ على الشخص اللي معايا واتجوز. قللت من نفسي وعملت كل حاجة علشان اتجوز وتفرحي بدل ما كانت الناس بتعايرك بيا إني وصلت للسن ده ولسه متجوزتش. وبعد ما عرفت اللي كان بيعمله، كنت ساكتة. ساكتة علشان بحبه ومش عايزة أضيع سنين ووقت تاني من عمري، والرجالة كلهم زي بعض. هوت والدتها بصفعة على وجنتيها، رن صداها في أرجاء المنزل. قالت والدتها بجنون:
-اخرسي، اخرسي أحسن لك. احمدي ربنا إني عاملة حساب للعملية واللي مريتي بيه، وإلا والله كنت كسرتك وكسرت عضمك. أوعي تفتكري أنك كبرتي عليا. ومتجيبيش العيب علينا. أنتِ اللي ضيعتي سنين من عمرك جنبه، وحتى بعده ضيعتي سنين وأنتِ بتبخي السم في ودن أخته وساكتة عن شهادة الحق. تمتمت والدتها بنبرة حاولت جعلها خافتة قدر المستطاع:
-احمدي ربنا إني مش عايزة أخوكي أو أبوكي يعرفوا عن قرفك حاجة. ادعي تقومي بالسلامة وإن ربنا يسامحك يا بنتي، وأنا هدعي يسامحني لو كنت قصرت في تربيتك. ابتلعت ريقها وهي تقول بنبرة جادة: -واعملي حسابك، أول عريس هيجي ليكي، إحنا هنقبل بيه مهما كانت حالته. وابقى لو جدعة اعترضي. غادرت الغرفة، تاركة إيمان تستشيط غضبًا وهي تضع يدها على بطنها عند موضع الجرح، تمنع صرخة كانت على وشك الخروج منها.
ما أن خرجت والدتها، وجدت ابنها يتحدث في الهاتف. وفهمت من الحديث بأنه يتحدث مع صديقه ياسين. وظلت واقفة حتى انتهى من المكالمة. ليتحدث ابنها بنبرة هادئة: -في حاجة يا أمي؟ صوتكم كان عالي ليه كده؟ تمتمت والدته بنبرة هادئة: -مفيش حاجة يا ابني، الطبيعي بتاعك. أنا وأختك ناقر ونقير. أنتَ كنت بتكلم ياسين صح؟ هز رأسه بإيجاب. لتسأله والدته وهي مستمرة في هدوئها ونبرتها: -هو لسه بيدور على عروسة؟
تمتم ابنها بنبرة عادية ولا مبالاة، لا يفهم ما وراء حديث والدته: -يعني هو من ساعة ما مراته اتوفت، وأهله بيلحوا عليه بالجواز علشان عياله. بس يعني هو ساعات بحسه مايل للفكرة وشوية لا. بحسها مش في دماغه، وأنه مندمج ومهتم بـ عياله. بس بتسألي ليه يا أمي؟ قالت والدته بهدوء: -ما تلمح على أختك وتلفت نظره ليها. صرخ ابنه بعدم استيعاب: -أنتِ بتقولي إيه يا أمي؟ على آخر الزمن هدلل على أختي؟!! تمتمت والدته بنبرة مرتبكة
ولكنها جادة وتعي ما تقصده: -إيه المشكلة يعني؟ ياسين يعتبر متربي في بيتنا، وعارفين أخلاقه. وكمان ظروفه دلوقتي مناسبة لأختك بعد موضوع عمليتها. ده حتى المثل بيقول: اخطب لبنتك ومتخطبش لابنك. هتف بنبرة متشنجة وغاضبة خرجت منه ساخرة إلى أبعد حد: -مقالش لأختك. ابتلع ريقه. ثم قال بنبرة ثائرة إلى أقصى درجة:
-أنا هعتبر نفسي مسمعتش حاجة يا أمي. أنا مش هدلل لأختي. والجواز قسمة ونصيب، وهي اللي عملت في نفسها كده قبل أي حد. بلاش نفتح في القديم أحسن. آخر مرة يا أمي أسمعك تقولي كده وتصغرينا بعد ما رفضت كل اللي دخلوا البيت من بابه. هنمشي ندلل عليها. أنهى حديثه ورحل بخطوات غاضبة ومنفعلة بعد الكلمات التي قالتها والدته، التي لا يتقبلها أي شاب. *** القاهرة
تجلس أفنان على الأريكة شاردة تمامًا منذ أن أتت من الخارج. طفلها يجلس في الخارج مع المُعلمة التي أتت بها من أجل الصغير، فهو لا يتخذ والدته على محمل الجد. أما شريف رحل منذ الصباح بعد أن ترك الطفل معها هي وداغر. داغر كان يجلس معها في الغرفة وأمامه الحاسوب الخاص به. أخبرها بأنه يقوم بعمل بعض الأشياء المتعلقة بعمله، ومن وقتها هو مشغول به. أو لا تعلم هي منذ عودتها ولا تعطي تركيز لأي شيء. تحدث داغر بعدما أغلق
الحاسوب المتواجد أمامه: -مالك يا أفنان؟ ساكتة كده ليه؟ لم يجد منها أي رد فعل. مازالت كما هي، عاقدة ساعديها وتنظر في اللاشيء. مما جعله يرفع صوته قليلًا: -أفـنـان. تحدثت أخيرًا وانتبهت له: -أيوه يا داغــر. في إيه؟ -مالك في إيه؟ مسهمة كده ليه؟ أردفت أفنان محاولة جعل الأمر طبيعي: -مفيش حاجة. حاولت الكذب، لكن بالفعل عقلها مشغول جدًا. ….عودة إلى ما قبل ثلاث ساعات….
كانت تقف في الصيدلية التي تتواجد أمام المنزل، والتي تعرف الفتاة التي تعمل بها أو الطبيبة كما تحب أن يناديها الناس. تقوم بشراء بعض المنظفات ومتعلقاتها الشخصية وبعض الأدوية التي تضعهما دومًا معها لأي ظرف طارئ من أجل صحة طفلها. وجدت الفتاة وألقت عليها التحية، ولم تصدق حينما تحدث: -أنتِ قلعتي النقاب يا أفنان ولا إيه؟ وقتها تحدثت بعدم فهم: -نقاب إيه؟ -في إيه يا أفنان؟ مالك؟
ده أنا كنت بشوفك من فترة كل يوم وقولتيلي إنك اتنقبتي وبعدها اختفيتي ودلوقتي قلعتيه. وقتها حاولت إيجاد أي رد مناسب قد تتحدث به عن تلك الكارثة تحديدًا. حينما وضحت المرأة بأنها رأتها أكثر من مرة تخرج من المنزل، فأخبرتها أفنان على مضض بأنها قامت بخلعه لأسباب صحية أو أي حجة استطاعت قولها. هي لا تفهم شيء ولا تتذكر ما قالته، لكنها بالتأكيد كانت حمقاء أمام المرأة.
يبدو أن كمال كان محقًا بأنه سمع صوت امرأة معه. وبحديث الفتاة كانت تؤكد أن لمدة فترة طويلة كانت تتواجد امرأة في منزل شقيقها. هل هي شمس أم امرأة أخرى؟ ….عودة إلى الوقت الحاضر…. تحدث داغر بنبرة ساخرة: -واضح فعلاً إن مفيش حاجة. أنتِ سرحانة من ساعة ما جيتي أنتِ وفهد لما كنتوا بتجيبوا حاجات ومن ساعتها وأنتِ على الحال ده. لم يكن أمرًا سهلًا حتى تخبره به. لذلك حاولت القول أي شيء قد يبدو منطقي:
-مفيش يا داغر حاجة والله. أنا بس قلقانة شوية على شريف. أحواله مش عجباني ومش عارفة بيفكر في إيه وكده. يمكن علشان بعدت عنه ورجعت، حاسة إن في حاجات معرفهاش عنه. سألها داغر بنبرة ذات معنى: -متأكدة إن دي المشكلة بس؟ هتفت أفنان بتأكيد وثقة زائفة: -أيوه. مفيش حاجة تانية. تمتم داغر بهدوء وهو يغير الموضوع. هو بالفعل يعيش مرحلة جميلة، كأنه يؤسس بيتًا لهما. كأنه يتزوجها بالفعل:
-في موقع حلو فيه حاجات كده رفايع للبيت. إيه رأيك لو طلبنا على هنا أو ننزل بنفسنا في ****** أو أي مكان تحبيه ونشوف الحاجة بعنينا. يعني بس أنا خايف على رجلك. تمتمت أفنان بنبرة هادئة وواضحة: -الدكتور قالي أدوس عادي يا داغر، واتعامل عادي. لو فضلت كده مش همشي بقية حياتي. -بعد الشر عليكي. ابتسمت له، ثم غمغمت: -أنا هقوم أروح أحط عصير أو حاجة ليها. هز رأسه بتفهم وتركها تفعل ما يحلو لها، بينما هو عقله كان مزدحمًا بشكل كبير.
…بعد وقت…
انتهى الدرس الخاص بفهد. كان شريف قد جاء وأخذ يصنع الطعام التي لم تصنعه أفنان متحججة بقدمها أمام داغر، ولكنها في الواقع كانت تخفي عدم إتقانها الطهي. هذا الشيء الوحيد الذي لم تتعلمه. حسنًا، هي ليست سيئة إلى الدرجة، لكنها ليست ماهرة. ولا تشعر بأنها مهما حاولت طهي الطعام جيدًا وتجربة العديد من الوصفات المختلفة، أو حتى تخترع هي أن تفعل شيئًا شهيًا، يكون مقبولًا رُبما، لكنه ليس شهيًا. عكس الطعام الذي يصنعه شريف. هو ماهر جدًا في أي شيء يفعله. وكانت تلك الصفة تشعر بدهشتها. أي امرأة تتزوجه.
انتهى الجميع من تناول الطعام، ثم أخذ شريف وأفنان يتشاجرا أثناء غسل الصحون. هو يريد فعلها، وهي تريد أن تفعل شيئًا. وكان الحل هو المناصفة بينهما. بعد أن انتهى من غسل الصحون، أخذ شريف (فهد) واخذا يتحدثا بعيدًا. وبعدها وجدت شريف يغمغم بهدوء: -أنا هاخد فهد نروح مشوار كده مع بعض. تحدثت أفنان ساخرة: -النهاردة لسه المُدرسة كانت هنا. بدل ما يذاكر هتاخده؟ غمغم شريف ساخرًا:
-ياستي ده أولى ابتدائي. محسساني إنه بيمتحن ثانوية عامة. لما يرجع هيذاكر. هو واحشني وبقالي كتير مخرجتش معاه. تمتم فهد بحماس شديد: -أيوه يا ماما، سبيني أروح معاه. واوعدك لما أرجع هذاكر. هتفت أفنان بنبرة متهكمة وهي تجلس على الأريكة بجانب داغر الصامت تمامًا، يشرب كوب الشاي الخاص به مراقبًا الجميع: -لما بتصدق تهرب. تمتم داغر بنبرة هادئة أخجلتها: -طالع لأمه. سبيه مدام عايز يروح وخلاص. *** دبي
أحبك أمس، وأحبك اليوم، وأحبك إلى الأبد. #مقتبسة ما ضر هذي الأرض لو أنك هنا بالجوار، أقرب من كل الوجوه! #مقتبسة تدور كل الكواكب والنجوم حول نفسها، وتدور أنت حول قلبي. -مقتبسة عاصفة من المشاعر كانت هوجاء. أشد عاصفة قد مرت عليهما رُبما، لأنها تمتلك مشاعر جديدة مختلفة تمامًا دون قيود أو شروط. لكنها الأولى فحسب، ليست الأخيرة بكل تأكيد.
لم يكن العناق كافيًا ليتأكد من أنها هنا حقًا. كان شيئًا يتوقعه أبدًا. لا شيء يكفيه أبدًا، ولا يظن أنه سيكتفي منها يومًا.
أنه اليوم الأول الذي تم فيه السماح للمشاعر حقًا وبصدق دون الخوف أو الترقب من كونها التجربة الأولى. تلك المرة أطلق الاثنان العنان دون حذر أو قلق. لا تتذكر أنها بعد أن سحبها إلى أحضانه قد تفوهت بحرف أو سمعت شيئًا منه هو الآخر. لا تتذكر سوى طيار المشاعر الجارف الذي عصف بهما، ولم يوقفه في بدايته إلا طرقات خافتة تعلن عن وصول حقائب فردو. استلمها كمال بسرعة ثم أغلق الباب، مسترسلًا بثها أشواقه. لم يترك لها فرصة للابتعاد، وهي كانت تريده وبشدة. اشتاقت له وتريده أن ينقذ ما تبقى منها بين ذراعيه، لعل النجاة بينهما. بين لمساته الحنونة.
حتى أنه لم يسألها عن وجودها أو كيف أتت؟!! ولماذا؟!!! لم يكن هناك أي مجال للأسئلة من هذا النوع، فقط اشتياق لا أحد قادر على أن يتحكم به.
ها هي تجلس بين أحضانه في الفراش. في خصلاتها متوسطة النعومة، ذات الموجة القوية. خصلاتها كثيفة بشكل عام وصحية. في جانب رأسها فوق أذنيها هناك وردة موضوعة. وبين يديها تحمل باقة الزهور التي ما عادت تستطيع أن تنصف باقة بعد وجودها بينهما. وبعدها سقطت أرضًا. وبعد انتهاء تلك المعركة أخبرته بأن الباقة قد أفسدت، وهي أتت بها من أجله. وهو لم يراها حتى. أتى بها ووضع الوردة وقتها في خصلاتها، مخبرًا إياها بأنه هكذا سيراها بشكل أفضل.
سألته فردوس بنبرة خجولة ولكنها عفوية: -إيه رأيك فيها؟ نظر إليها متفحصًا، نظرات أربكتها كليًا، وكأنها لم تكن تلك المرأة التي تبادله عاطفته بعاطفة أكبر منذ وقت ليس طويلًا. -ملهاش حل، عجباني جدًا. تمتمت فردوس بثقة بعض الشيء: -بجد عجبك؟ أنا بصراحة مكنتش عارفة أختار أوي. دي أول مرة أجيبلك ورد و… أجابها كمال بنبرة جادة وبريئة وهو يقاطع حديثها: -بس أنا بتكلم عليكي أنتِ.
تصنعت أنها انشغلت في الباقة حتى تخفي خجلها التي قد تجد أنه غير منطقي بعض الشيء. سألها كمال بنبرة هادئة وهو يترك قبلة على رأسها: -جيتي إزاي؟ عقبت فردوس على حديثه ساخرة بعض الشيء: -فيك الخير والله على السؤال ده. أنا قربت أروح وأنتَ لسه فاكر تسألني جيت إزاي. ضحك من قلبه حقًا بسبب تعقيبها. يبدو أنها محقة. لكنه كان يريدها. يريد الشعور بها أولًا لتصدق بأنها هنا. وأن يطلق لمشاعره وجنونه بها العنان. -بكلمك بجد، جيتي إزاي؟
تمتمت فردوس بنبرة هادئة: -جدك هو اللي عمل كل حاجة. وعرض عليا اليوم اللي سافرت أنتَ فيه. وإنه كان مجهز ورقي من قبل كده على أساس إننا كنا هنسافر مع بعض قبل اللي حصل. وبس قالي لو حابة أسافرلك هيسفرني ليك. وأنا قولتله إنني عايزة أجيلك وبس. سألها باهتمام وهو يحاول أن يقوم بتخمين الباقي في عقله، ولم يكن صعبًا: -وجيتي من المطار إزاي؟ أراحته وهي تخبره بهدوء ونبرة هادئة تشعر بالسكينة بين أحضانه:
-كنت محولة الخط وأنا في مصر. ولما جيت شغلته واتصلت بـ يوسف. وكان مستنيني هو ومراته. هو قالي إنك تعرفه. وجدك قالي إنه هيكون مستنيني. نظر لها كمال بعدم تصديق. بالرغم من جراءة فردوس المعتادة في الحديث أو أي شجار جمعهما وفظاظتها، لكنها ليست الإنسانة التي قد تقدم على المغامرة أو السفر بمفردها. سألتها بنبرة هامسة: -وجيتي ليه؟ هتفت فردوس بعنجهية: -جايه أعمل shopping وأجيب حاجات لدعاء. وأنا ماشية هاجي إيه يعني؟!!!!
نظر له بضيقٍ ورغبة في الحديث. حسنًا، يبدو أنها مجبرة أن تخبره بالسبب الحقيقي. هو يستحق سماع تلك الكلمات منها كما يخبرها هو دائمًا، لتصبح هي المتكلم بدلاً من المستمع كما اعتادت:
-علشان وحشتني، وعلشان مش عارفة أقعد وأنتَ مش موجود. وعلشان حسيت إن أي حاجة في الدنيا ممكن أتحملها غير إني أخسرك. وأنا محسبتهاش. لأول مرة محسبتهاش وأعمل اللي أنا حاساه. من غير ما أفكر في أي حاجة. أنا عمري ما هقدر أبعد عنك ومش هستحمل تضيع مني حتى لو في وقت غضبي. صمتت لثوانٍ وهي ترفع رأسها وتنظر إليه قائلة بجدية:
-بس بصراحة كنت خايفة. حسيت إنك ممكن تكون عايز تفصل بجد ووجودي هيضايقك أو هيحرجك. وأن وجودي هيكون غير مرغوب فيه. ترك قبلة على وجنتيها متمتمًا برقة تذيبها حقًا: -ودلوقتي؟ أجابته بصدق وهي تضع رأسها على صدره: -حسيت إني أخدت القرار الصح. هتف كمال بنبرة تجعلها تشعر بالأمان رغم صعوبة الأمر: -كل حاجة هتكون كويسة. قالت فردوس بتمني حقيقي ونبرة مرتجفة بعد أن هبطت دمعة من عينيها: -يــارب. تمتم كمال بهدوء:
-تحبي ننزل نأكل ولا نطلب الأكل؟ ابتعدت عن أحضانه ورفعت رأسها متمتمة: -ننزل ونتمشى ونأكل في أي حتة. أنا عايزة أتفرج على البلد وتخليني ألفها. دي أول مرة أسافر معاك. ترك قبلة على جبهتها متحدثًا برفق: -ومش هتكون الأخيرة إن شاء الله. ثم استرسل حديثه بنبرة ذات معنى قد يهلكها، لكنه هلاك أصبح محبب لها: -ممكن نخلي النزول ده بكرة. النهاردة أنتِ ليا ومفيش حاجة هتاخدك مني ولا حتى دماغك، لأنها خدت وقت أكتر من اللازم. *** الشرقية
في منزل عائلة داليا… جاءت داليا من الداخل وهي تحمل أصغر أبناء شقيقها الذي يبلغ من العمر عام ونصف، حتى تخفف الحمل عن جهاد الواقفة في المطبخ والتي أعلمتها للتو بأن صديقتها نورا أتت لزيارتها. صافحتها نورا ببشاشة وانزعجت من ملابس داليا السوداء، فهي مازالت تقيم على نفسها الحداد. تمتمت داليا وهي تحاول إخفاء دهشتها من إتيان نورا للمرة الأولى دون ميعاد، على غير العادة: -اتفضلي يا نورا اقعدي. تشربي إيه؟ هتفت نورا بجدية وحرج:
-مش جايه أشرب حاجة. ملهوش لزوم تتعبي نفسك. هتفت داليا بإصرار: -لا، لازم طبعًا. قالت نورا بـ ودٍ مقاطعة إياها: -اقعدي بس نتكلم. وشوية كده وهقولك أشرب إيه. أنا لسه جايه من البيت، وأكلة وشربت وعاملة كل حاجة. جلست داليا وبين أحضانها ابن شقيقها النائم. وحينما وجدت أنظار نورا تتوجه نحوه تحدثت داليا برفقٍ: -ده أسر ابن أخويا الصغير. -ربنا يحفظه يارب. تمتمت داليا بهدوء: -يارب. هتفت نورا باهتمام حقيقي:
-أنتِ إيه أخبارك وإيه أخبار دنيتك؟ عقبت داليا بـ رضا تام: -الحمدلله على كل شيء. الأمور كلها تمام. يعني ربنا يصبرنا. تمتمت نورا بنبرة خافتة ولكنها جادة: -يارب يا حبيبتي. مش ناوية تغيري الأسود يا داليا؟ ملهوش لزوم الحزن. مش في اللبس تحديدًا في البيت يا حبيبتي. متناميش باللبس الأسود ولا تقعدي بيه. قالت داليا بعاطفة قوية: -بحاول والله، بس قلبي مش جايبني. كأن الدنيا في عيني أسودت.
-كله هيعدي بأمر الله. وإن شاء الله لسه الفرح والسعد هيحل على حياتك. الميت خصوصًا الأب والأم مش بيتنسوا. ولا الحزن ده هيريح قلبها عليكي في تربيتها. هي بتبقى حاسة بيكي. هزت داليا رأسها بإيجاب. ومسحت دمعة فرت من عينيها. لتحاول نورا تغيير الموضوع، ولكنها كانت سخيفة إلى حد كبير في فعلتها: -وبعدين إزاي يعني تطلقي بالسرعة دي؟ طليقك معندوش دم يسيبك في ظرف زي ده. قالت داليا بنبرة جادة:
-بلاش تجيبي سيرته يا نورا. كمال راجل محترم. ربنا يوفقه في حياته. ومش هو اللي كان عايز يطلق. أنا اللي فضلت مُصرة على موقفي. وهو كان رافض. بس إصراري كان الأقوى لأسباب شخصية. صمتت نورا لتقول بحرج: -ربنا يعمل اللي فيه الخير. -يارب. هتفت نورا بنبرة واضحة: -داليا بصراحة أنا جيت أتكلم بخصوص الشغل. ضيقت داليا عينيها وهي تسألها بعدم فهم: -شغل إيه؟ قالت نورا بتفسير وتوضيح أكبر:
-شغلك معانا في المعمل يا داليا. هو هيكون شغلك في الغيط؟!!! ارجعي اشتغلي معانا زي زمان واشغلي وقتك. القعدة في الحزن طول الوقت بتتعب القلب. الشغل بيلهي شوية. استرسلت حديثها بنبرة جادة: -داليا أنا خالد اللي بعتني أتكلم معاكي وأقولك ترجعي. والمرة دي بنفسه قالهالي صريحة إنه مش عارف يوصل ليكي. كل الأرقام اللي معاه ليكي القديمة. هي قامت بتغيير أرقامها بعد أن تمت سرقة هاتفها، وتركت العمل. هتفت داليا بنبرة مستنكرة:
-خليني أفكر لمدة خمس ثواني بس علشان أفهم إنك قولتي قدامه إن طُلقت صح؟ فهو راح قدم عرضه الثمين اللي مش هيتكرر. قالت نورا بحرج وهي تحاول الدفاع عن نفسها: -والله كانت بالصدفة. مكنش قصدي. خرجت مني غصب عني. قاطعتها داليا بسخرية: -متحمليش نفسك ذنب مش ذنبك. الذنب على اللي قالتلك. كان المفروض أفهم إن حياتي مش عندكم في المعمل تتكلمي فيها. وأنا كنت بتكلم معاكي عادي كأني صاحبتك. تمتمت نورا بانزعاج جلي ونبرة صادقة:
-والله العظيم ما كان قصدي. وبعدين أقسم بالله هو قالي إنه عايزك ترجعي من قبل ما يعرف حوار طلاقك ده. تنهدت داليا ثم غمغمت بنبرة هادئة ومُرهقة: -خلاص. حقك عليا. أنا أعصابي تعبانة شوية يا نورا. هو في النهاية مش سر. مصير الناس كلها تعرف. أردفت نورا بهدوء: -داليا خالد لسه بيحبك. هتفت داليا بسخرية: -أنتِ مُصرة تستفزيني صح؟ قالت نورا بنبرة جادة وصادقة:
-لا بتكلم بجد. أنا شايفة إنك من الأول كنتي ظالماه. وأحنا مشوفناش منه حاجة وحشة. يمكن طباعه كانت مختلفة عننا شوية علشان تربيته اللي كانت برا ورجوعه يشتغل في معامل أبوه. بس هو بيتغير واتغير أكتر السنين اللي فاتت. ليه من الأول مش عايزة تديله حتى الفرصة؟ ابتلعت ريقها ثم استرسلت حديثها بوضوح: -مع إنك شايفة إنك بتدي فرصة لأي حد غيره. والدليل جوازتك الأولى والتانية. ومن غير ما تتعصبي. أحنا بنتكلم في العقل.
ردت عليها داليا ببساطة: -علشان هو شخص غير مناسب في تصرفاته بالنسبالي. أنا كنت بحاول أختار اللي شبهي وشبه عيلتي وظروفه مناسبة ليا. ومعتقدش هو مناسب لأي حاجة من دول. وكمان المفروض يصرف نظر. ولا عنده طموحات يكون الزوج الثالث؟ أنهت حديثها بنبرة ساخرة، مما جعل نورا تتحدث برفقٍ:
-هو مجابش سيرة حاجة. بس ده شيء واضح للأعمى. اهتمامه بيكي وتربيته وتكفيره اللي مش عاجبك. مش هيخليه يتراجع لو هو زوج عاشر. يمكن تكوني كل ده كنتي بتحسبيها غلط. وسايبة الشخص اللي بيحبك بجد وعايزك. حتى فكرة السفر مشوفنهوش سافر إلا مرة كل سنة بيقعد أسبوعين تلاتة أو شهر بالكتير لأمه وبيرجع. يعني استقر هنا. عايزة إيه تاني؟!! تنهدت داليا ثم سألتها بهدوء: -تشربي إيه يا نورا؟
بدل ما نتكلم في كلام مش هيغير وجهة نظري عنه. وسامحيني. أنا أمي اتوفت ولسه في فترة العدة. معنديش مرارة للكلام عن أستاذ خالد. -والشغل؟ قالت داليا بنبرة جادة: -والشغل كمان. معنديش مرارة أتكلم فيه. لاني حاسة إني نسيته ونسيت كل حاجة. أنا سيبت الشغل من سنين. ورجوعي هيبقى صعب. كأني لسه بتدرب من الأول. ولو فعلاً يهمك مصلحتي إني اشتغل علشان أضيع وقتي، فأنا لو اشتغلت هشتغل في أي حتة غير معاكوا. -غبية.
تمتمت داليا بنبرة عادية ولا مبالاة، متجاهلة تعقيبها المنفعل: -تسلميلي. أنا هدخل أعملك عصير. وفي كيك جهاد عملته. وهسيب أسر جوا في السرير وأجيلك. رحلت داليا من أمامها، ورغبت نورا في أن تكسر عنقها ورأسها الصلب. التقطت هاتفها لتجد أكثر من عشرين رسالة من خالد. أغلبها علامات استفهام. هو مترقب الرد بشكل كبير. حمدت ربها بأن هاتفها على الوضع الصمت، وإلا كانت لاحظت داليا الأمر وأقامت عليها الحد. أرسلت له رسالة قصيرة خيبت أمله:
-رافضة ترجع خالص. -بس أنا مش هسيبها. لو مش المرة دي هتبقى مرة تانية. في مثل عندنا بيقول: الزن على الودان أمر من السحر. يا دكتور لا تقلق. رأى الرسائل في لحظتها. الهاتف بين يديه ينتظر الرد منها. فأرسل لها بإيجاز: -ابعتيلي رقمها. أكلمها كمان كام يوم كده يمكن أعرف أقنعها ترجع الشغل. كان ردها عليه: -لو عملت كده والله ممكن تقاطعني فيها. ثق فيا. أنا هحاول معاها تاني. وخلي مكالمتك ليها آخر حل.
تركت الهاتف. وبعد دقائق كانت تأتي داليا وهي تحمل العصير وقطعة من كعك الشيكولاتة الشهي. *** بسبب قول الجميع عن المشاكل التي قد يواجهها المحبين، إلا أن بعضهم يقولون أنها تدل على قوة الحب بينهما. والآخرون يقولون أن كثرتها تدل على عدم التفاهم بينهما. ويكم السؤال في من هم يقول الحقيقة. #مقتبسة القاهرة
لم يحاول شراء أي هدية لأي امرأة تزوجها. كان يكتفي بمعرفة ما تريد ويأتي به بعد سؤالها. لم يحاول أن يفعل هذا من نفسه قط وبدون مناسبة قد تستدعي هذا. يبدو أنه فاشل في هذا الأمر، لا يستطيع شراء هدية للمرأة التي يحبها. ولأنه ببساطة شديدة لا يعلم اهتمامات شمس. لا يعلم عنها شيء تقريبًا. فكيف يعتذر عما صدر منه؟
لا يستطيع سؤال أفنان بسبب كبريائه وخجله في تلك النقطة، رغم أن الجميع يشهد بوقاحته. أفنان فهي امرأة بالتأكيد تعرف أي شيء قد تهتم به الفتيات والنساء عامة. لكن لا يستطيع فعل هذا بعد تلميحها الأخير. يحمل الصندوق الخاص بالهدايا بين يديه. يحمله ويضع يديه أسفله بسبب ثقل وزنه. وبجانبه يقف فهد.
فتحت شمس الباب فقد تم قرع الجرس منذ دقائق. كانت ترتدي إسدالها المنزلي الذي يسعفها تحديدًا بسبب وجود والدتها في المرحاض تأخذ حمامها. ولأنها لا تعلم هاوية الطارق قررت أن تفتح بهيئة مناسبة.
وجدته أمامها مبتسمًا يحمل صندوق الهدايا وابتسامة واسعة مرتسمة على ثغره. الأمر لا يحتاج أن تمتلك ذكاء خارق على ما يبدو. هو أتى للاعتذار منها وأتى بهدية من أجلها. على وشك أن تفقد وعيها حقًا من شدة السعادة التي احتلتها الآن. لتذهب كل خططها ما قبل النوم لتصبح أمرأة ثقيلة غير مبالية ولا تعترف له بحبها إلى الجحيم. حسنًا، هي تعلم بأنها لا تقوم بتنفيذها مطلقًا في المرات السابقة، لكنها كانت تقسم بأنها ستفعل تلك المرة. لكنه الوغد لم يعطها الفرصة.
هبطت إلى مستوى الصغير بأعين لامعة وهي تقبل وجنتيه الممتلئة واللذيذة. ثم صعدت ودون وعي منها أخذت الهدية متمتمة بحفاوة رغم اندهاشها من الثقل. ما الذي وضعه ياترى ليصبح بهذا الحجم، فهي تزيد عن خمسة كيلو. -اتفضلوا. ولج فهد وخلفه شريف. وجلس الاثنان على الأريكة. وهي وضعت الصندوق على الطاولة وقالت بسعادة: -تشربوا إيه؟ أجيبلكم عصير؟ قال شريف بنبرة عادية: -يعني مش عايزين نتعبك. -لا تعبك راحة، أقصد تعبكم.
أنهت حديثها وولجت إلى الداخل. اختفت لمدة دقائق بعد أن أخبرت والدتها التي تقوم بتمشيط خصلاتها بأن ثائر وابن شقيقته في الخارج. لتنتهي وتخرج لهما وأخبرتها بأنه أتى بصندوق هدايا. لا تعلم ما يتواجد بداخله، لكن الحماس يقتلها. خرجت وهي تحمل العصير وتضعه على الطاولة. أعطت الصغير الكوب الخاص به وهي على وشك أن ترقص من فرط سعادتها بأنه أتى بهدية من أجلها. جاءت سوسن من الداخل متمتمة بنبرة وقورة: -ازيك يا ابني؟ وازيك يا صغير؟
قالت جملتها الأخيرة مداعبة الصغير. ليجيب شريف: -الحمدلله يا حجة سوسن بخير. عقب الصغير هو الآخر: -الحمدلله يا طنط. أعطت شمس كوب العصير إلى ثائر الذي على ما يبدو قد نسته من فرط الحماس الذي يتملكها. كانت شمس واقفة. نظراتها على وشك أن تخترق الصندوق الكرتوني من شدة فضولها. وكأن والدتها قد قرأت نظراتها لتقول برفق جديد عليها: -افتحي يا بنتي شوفي ثائر جابلك إيه. بثقة كان ثائر يتحدث هو الآخر: -افتحي يا شمس.
فتحت شمس الغطاء بحماس رهيب لم تستطع أن تخفيه، ولم تحاول من الأساس. ولكن فجأة شعرت بالصدمة. أخرجت كيس السكر، أخرجت كيس آخر، كيس آخر، وبعدها كيس من اللحم. تمتمت شمس بصدمة: -إيه ده؟ قال شريف بهدوء شديد وهو يفسر الأمر: -كنت محتار أجيب إيه ليكي علشان أنتِ مقموصة مني. فلقيت السكر شاحح اليومين دول. قولت أجيبلك. وجايبلك عرق لحمة فلتو ملهوش حل. هبعتلك الطريقة علشان تعمليه حاجة كده خيال. صاحت شمس باستنكار: -قوم اقف.
تمتم شريف بعدم فهم: -إيه؟!! صاحت شمس بجنون لينهض مجبرًا بعد نبرتها تلك: -اقــف. وضعت كل شيء في الصندوق لترفعه وتقذفه عليه رغم ثقله، ويلتقطه هاتفًا بانزعاج: -الصندوق كده هيتقطع. الحق عليا إني عملتهم بشكل شيك. تمتمت شمس بعصبية مُفرطة: -اطلع برا يا ثائر، برا. هتف ثائر بعدم فهم وبغضب هو الآخر: -في إيه لده كله؟ صاحت شمس باستنكار شديد وهي تنظر له بذهول: -ده كمان بيسأل في إيه؟!!! تمتم ثائر بنبرة غاضبة:
-أنا اللي غلطان والله إني عبرتك وحاولت أصالحك وأجيبلك حاجة وأنا جاي. استمرت في الصياح وهي تغمغم بسخرية لاذعة: -بتصالحني ولا معزوم عند الشيف الشربيني؟ ولا دي شنطة رمضان؟ حتى لسه بدري عليه. برا بقولك. تمتم ثائر وهو يكز على أسنانه: -يلا يا فهد، الحق عليا. جذبت الطفل إليها متمتمة بنبرة ساخرة: -لا أنتَ اللي مطرود مش هو. نظر لها بسخط شديد وغيظ كبير. فأسترسلت هي حديثها بنبرة جنونية:
-استناه تحت، يقعد معايا شوية وبعدين هنزله ليك لأنه واحشني. بعد ربع ساعة تقريبًا كان يجلس على المقعد الخشبي الخاص بحارس البناية. وفي الوقت نفسه كان (ظــافـر) يصطف بسيارته أمام معرضه ليلمح هذا المشهد وهو يجلس على المقعد ويضع الصندوق على فخذيه، ينظر نظرات قاتلة بسبب طرده وبسبب غبائه في الوقت نفسه. أين كان عقله؟ جاء ظافر بخطوات واثقة ثم أردف بنبرة هادئة: -مساء الخير يا ثائر. إيه اللي مقعدك كده؟ طالع ولا نازل؟
أجابه شريف بنبرة ساخرة: -ولا دي ولا دي. ببساطة أنا مطرود. لم يفهم ظافر ما يقوله جيدًا، أو بمعنى أصح سببه. ولكنه تحدث بودٍ: -مدام مطرود، تعالى عندي المعرض نشرب قهوة أو شاي مع بعض. الانتظار في المعرض كان ألطف ويحفظ به كبرياءه بدلًا من الجلوس بالأسفل في انتظار السيد فهد الذي جلس معها بدلًا من أن يشعر بالضيق من أجل خاله الذي تم طرده. لم يتوقف ظافر عن ضحكاته وهو يسمع منه سبب طرده واستقبال فهد بدلًا منه،
ليتحدث ظافر بنبرة ساخرة: -يعني في حد بيصالح واحدة يروح جايبالها لحمة وسكر؟ ماشي. دي هدية تجيبها لما تكون مراتك مثلا بعد خمس سنين جواز ويكون كرشك قدامك مترين وأنتَ جايب اتنين كيلو برتقال معاهم علشان فيتامين سي. -أنا غلطان والله إني فكرت أجيب حاجة أصلاً. هي الستات كده مبيعجبهاش العجب. تمتم ظافر مستنكرًا:
-أنتَ بجح. مش غلطان. بس يعني أنا أعرف الواحد يجيب تليفون، حاجة دهب، شنطة، طرحة، بلوزة، أي حاجة في الدنيا غير إنك تشرحلها إزاي تعمل عرق فلتو. أومال لو مكنتش متجوز قبل كده كذا مرة منتظر حد يديلك نصايح عن الستات؟ ده المفروض أنتَ اللي تعملنا كتاب. شعر شريف بأنه بالفعل أحمق. والجميع محق. أبلة ويستحق أن تقوم بـ طرده. أما ظافر كان عقله في مكان أخر. لا يصدق بأنه يومًا كان يمتلك تلك العقلية. لا يصدق بأنه أتى بـ سمك مملح
(فسيخ) من أجل زوجته الأولى حنان. وحينما بدأ الاهتمام بـ يقين زوجته الثانية كانت أول هدية قام بشرائها من أجلها زجاجة بلاستيكية. وفي المرة الأخرى أصابع الورق عنب الذي قام بحشوها بنفسه. لكنه لم يعترف بأنه كان أحمق مثله. أو على الأقل هناك فارق في السن والتجارب بالنسبة لهما. لكن رُبما الحب يصيب الإنسان بالقدر الكافي من البلاهة تحديدًا حينما تستشعره لأول مرة. هتف ظافر بنبرة هادئة:
-اشتري ليها هدية حلوة وصالحها. بس أهم حاجة خف رجلك عن العمارة. فهم تلميحه الأخير ولكنه تجاهله وتحدث بنبرة مهتمة: -أجيب ليها إيه يعني؟ قال ظافر ببساطة شديدة: -اقترحت أكتر من اقتراح. شوف إيه اللي يناسبك. تحدث شريف بنبرة جادة: -مش كان عندك محلات دهب باين؟!!! قبل كده قولت قدامي. أروح أشتري ليها سلسلة أو خاتم أو أي حاجة. تمتم ظافر بنبرة يشوبها الحزن:
-أيوه، بس هما بتوع مراتي الأولانية الله يرحمها. وأنا مبروحش هناك. عثمان المسؤول عن كل حاجة. حتى بعد ما شبه ساب الشغل بيروح كل فترة كده. وأنا نادرًا ما أروح إلا لو في شيء مهم يستدعي ده. عقب شريف بجراءة: -ده خوف من مراتك. أجابه ظافر بنبرة عادية ولم ينزعج من تعقيبه كأي رجل أخر:
-أولًا مبحبش أروح هناك لأنه ذكريات حنان وذكريات محمد أخوها. ثاني سبب اه بخاف من زعل مراتي. الجواز مشاركة وتنازلات ومراعاة لمشاعر اللي معاك. زي ما هي بتراعي مشاعري في حاجات كتير واتنازلت عن حاجات كتير أوي علشاني، وغيرت من نفسها. ميقللش مني إني أعمل زي ما هي بتعمل. لازم الكفة تفضل طول الوقت متوازنة. لو جت في يوم اختلت شوية مش مشكلة. لكن لو طبت هتبقى مشكلة كبيرة ساعتها. ابتلع ظافر ريقه ثم غمغم بهدوء:
-لازم الإنسان يقدر اللي معاه وميعملش اللي يزعله بحجة إنه مكنش يقصد. في حاجة اسمها حب ومودة ورحمة. أعجب شريف بحديثه إلى حد كبير. حديث لمسه ولم يسمعه من قبل. حتى في زيجاته لم يكن يضحي بشيء. كان فقط يضع شروطه. وما أن لم يتم تفيذها ينتهي كل شيء. لم يهتم لمراعاة من معه. ويبدو أنه يحاول تحسين ما يحدث مع شمس. لكنه يفشل. هتف ظافر بهدوء مغيرًا الحديث:
-صحيح بقا. أنا مفهمتش ليه مدام البنت دي مهمة بالنسبالك متجوزتهاش لغايه دلوقتي. مع إنه مش طبعك يعني. أنتَ كل ما واحدة بتقع في طريقك وتعجبك بتتجوزها. مش أنتَ اللي بتحط نفسك في مواضع شبهة حسب ما أعرف. بتدخل البيت من بابه. حاول شريف قول أي شيء مناسبًا وأي كلمات قد تبدو مناسبة: -أحنا شبه مخطوبين ومامتها موافقة. بس باقي موافقة أهل أبوها. وفي بينهم مشاكل. وأنا بحاول أحلها.
-ربنا يعمل اللي فيه الخير. هبعتلك اللوكيشن بتاع المحل لو حابب تروح في أي وقت روح وكلمني. صدع صوت الهاتف يعلن عن اتصال من شمس. ليودع ظافر ثم يذهب إليها ليجدها ترتدي نقابها. تركت الولد بعد أن ودعته وصعدت في المصعد. وتركته دون قول كلمة واحدة. *** ”أريد كل ضحكة معك، كل إبتسامة، كل حُجة، كل يوم عظيم، كل يوم سيء، وكل اللحظات التي لم تأتِ بعد أريدها معك أنت” #مقتبسة كل ورد الحب في قلبي نبت.. #مقتبسة بني سويف
بعد اتصال جاءه من منير منذ عدة أيام يخبره بأن هناك موافقة مبدئية منهما. فليأتي مع والده من أجل اتفاقات الرجال. وحددا الموعد بأن يأتي يوم الأحد. ها هو ووالده يجلسا في حجرة الاستقبال والضيافة في بيت منير. وضعت بشرى فناجين القهوة أمامه. كان والدها في الداخل بعد أن استأذن منهما أجل مكالمة هامة تخص عمله. ووالده ذهب إلى المرحاض. لا تعلم كيف تشجعت وخرجت بالفناجين تلك المرة بثقة دون أن تخشى تكرار ما حدث في المرة السابقة.
تمتم هلال بخفوت وتشجيع: -التحسن واضح. مفيش صوت تكسير النهاردة. القعدة في البيت خلت بعض الأمور تتحسن. صدقًا، هي ترغب في قتله. ولكن ليست في مزاج رائق لفعل هذا. مما جعلها تعقب ببراءة زائفة وهي تحمل الصينية مرة أخرى: -إحنا لسه فيها. ممكن يقعوا عليك مثلا وتروح من هنا للقاهرة. وأنتَ بدلتك الحلوة دي كلها قهوة. إيه رأيك؟
نظر لها هلال بنظرات مُبهمة. فهي فتاة عجيبة تثير عقله وأفكاره بتصرفاتها الخجولة تارة، المتهورة تارة أخرى، غير المجنونة. لكنه عقب بهدوء شديد وهو يأخذ الصينية ويضعها مكانها: -هي حلوة؟ ضيقت عينيها وهي تستقيم وتعقد ساعديها متمتمة بحماقة: -هي إيه؟ قال هلال ببساطة شديدة وهو يتأملها: -البدلة. مش لسه كنتي بتقولي إنها حلوة؟ فده دليل إنها عجبتك وثناء على اختياري. أول مرة ألبسها النهاردة.
تأمل فستانها الوردي الذي ينساب على جسدها بنعومة، والتي ترتدي معه حجاب يجمع لون الفستان واللون الأبيض سويًا: -بالمناسبة فستانك حلو ولايق عليكي. ما تلك المهارة اللعينة الذي يتمتع بها؟!!
هي تقوم بإهانته أو قول ما لا يصح بكل غباء. وهو يقوم بتحويل الأمر إلى شيء أخر. حسنًا، لتعترف بأنه وسيم. ليس وسيم فحسب، بل مُهلك من هيئته الرجولية الطاغية واختيارته الرائعة. ولم تكن المرة الأولى التي تعجب بملابسه هي أو ملك. لكنها لم تقصد في وقتها أن تتغزل به. -أنا مبحبش كده على فكرة. ضيّق هلال عينيه وهو يسألها باستغراب وبراءة: -مبتحبيش إيه بالظبط؟ قالت بنبرة مرتبكة ومنزعجة إلى أقصى حد:
-أنتَ بتعاكسني وبتقولي فستانك حلو. قال هلال مداعبًا إياها: -معتقدش دي حاجة تعملي عليها حوار. ومش معاكسة ده إطراء. وبعدين أنتِ عاكستيني وقولتي بدلتي حلوة. مروحتش اتهمتك بالتحرش اللفظي. من هذا الرجل؟ وماذا يفعل في صالون منزلهم؟!! ولما تضع القهوة أمامه وتتحدث معه بهذا الشكل؟!!! ما الذي يحدث ويصيبها بالسعادة في أعماقها؟!! كانت تنظر له ببلاهة. ليحاول تغيير الموضوع: -عملتي إيه في القضية؟
-أنا خلصتها خلاص. بغض النظر إنك باعتلي قضية خليتني أراجع كتب الجامعة كلها وأحمل كتب قد كده pdf. إلا إني عرفت الحل اللي يخلي المتهم مياخدش أكتر من ست شهور. نظر لها هلال مصدومًا وهو يعقب: -إزاي؟ قالت بشرى بثقة وهي تعقد ساعديها: -عادي. أنتَ حبيت تعقدني. بس أنا كنت الأشطر. لتسمع صوت عادل من خلفهم: -أحب أسمع القضية وأسمع حلك.
بعد مرور عدة دقائق وهي تجلس على المقعد المتواجد أمام الأريكة الذي يجلس عليها عادل وابنه الذي يشعر بالغيظ الشديد مما توصلت إليه. هو كان يرغب في تعجيزها أو رُبما الشرح، أن تطلب منه المساعدة، أن يكون هناك أي سبب للحديث بينهما. لكن أن تحل القضية؟ كيف تفعلها فتاة في سنها ليس لديها خبرة في المجال؟!!!!! يبدو أنها كانت مُصرة على النجاح أمامه. عقب عادل بـ ثناء كبير بعد أن انتهت من شرحها وتفسيرها لوجهة نظرها واثباتاتها:
-برافو عليكي يا بشرى. بجد ما شاء الله عليكي. عقلك سابق سنك وخبرتك. مش أي حد يقدر يوصل للحل والثغرات دي إلا لو كان حد متمكن. قالت بشرى بسعادة حقيقية: -أنا بجد مش مصدقة إن حضرتك بتقولي أنا الكلام ده. تمتم عادل بحنان: -تستحقيه يا بنتي. علشان كده أنا متمسك إنك ترجعي المكتب. ولا إيه يا هلال؟ عقب هلال بغيظ واضح: -أيوه طبعًا. جاء منير من الداخل متمتمًا وهو يعتذر على مضض: -اسف. كانت مكالمة مهمة. خليتكم تستنوا كتير.
قال عادل بهدوء: -ولا يهمك. نظر عادل إلى بشرى نظرة فهمتها جيدًا. فهتفت على مضض: -عن إذنكم. ابتسم لها عادل بحنان. بينما هلال امتنع عن الإجابة وغادرت بشرى لتذهب إلى المطبخ حيث تجلس والدتها وجدتها. عودة مرة أخرى إلى الخارج. -أهم حاجة بشرى ترجع المكتب. لأن ده مستقبلها. إحنا مش بنعلم عيالنا علشان في أول خلاف يقعدوا في البيت. إحنا بنعلمهم علشان يعتمدوا على نفسهم ويشوفوا مستقبلهم. كانت تلك كلمات عادل ليرد عليها منير ببرود:
-إن شاء الله. هعلمها السواقة وأجيب ليها العربية. وبعدين أرجعها. كده أكون مطمئن عليها أكتر في الطريق وفي الرجوع. وغيره دلوقتي الأفضل تكون في بيت أبوها لغايه ما كل ده يحصل. تمتم عادل وهو يحاول تمالك أعصابه: -بما إننا جايين نتفق. إيه طلبات حضرتك؟ قال منير بإيجاز: -مليش طلبات معينة. زينا زي الناس وزي ما الأصول بتقول. أهم حاجة إحنا معندناش خطوبة بطول شغل سنتين والكلام ده. غمغم عادل ببساطة ودعابة:
-ولا إحنا. وعموماً هلال جاهز. لو عايز الجواز الشهر الجاي. إحنا معندناش مشكلة في حاجة. ابتسم منير على مضض. وقبل أن يتحدث كان هلال هو من يتحدث: -ست شهور كويس؟ قال منير بنبرة باردة: -أنا كنت هقول سنة مناسب. على الأقل علشان تفهموا بعض. خصوصًا إن بشرى مش مستعجلة. هي لسه صغيرة وبتشوف مستقبلها. تحدث هلال بنبرة تماثله: -أنا كمان خايف على مستقبلها. وعلاقتنا مش هتشكل خطر على مستقبلها. بالعكس أنا هكون الداعم ليها.
تمتم منير بإصرار وإيجاز: -سنة فترة مناسبة. دخل عادل في الحوار مرة أخرى بعد أن تنحى جانبًا وصمت: -نخليها سنة. ولو بعد كام شهر الولاد كانوا متفقين. وبشرى حاسة إنها مش محتاجة وقت تاني. يبقى خير البر عاجله. لو حاسة إنها لسه متلخبطة نخليها سنة أو زي ما تحب. يرغب منير في سبب أن يرفض الأمر لأجله. لكن ليس هناك سبب حقيقي قد يجعله يفعل. وبسبب ضغط والدته عليه.
كان يرغب لابنته زيجة من شخص يعرفه وبطريقة يعرفها. عوضًا عن شخص لا يعرفه جيدًا. وتقضي ابنته وقت معه بحجة العمل. هو لا يشعر بالراحة تجاه هذا الشاب ولا لصديقه. وعلى ذكر صديقه هو لم يأت. تمتم منير باستفهام: -غريبة. يعني صاحبك اللي كان بيجي كل مرة معاك ده مجاش المرة دي. أجاب هلال بنبرة عادية: -حضرتك قولت عايز قعدة للاتفاق. حتى والدتي مجتش. وكمان هو مشغول شوية الأيام دي. وهو زي أخويا مش صاحبي بس. قال منير على مضض:
-ربنا يخليكم لبعض. عقب هلال بثبات: -يارب. -نتفق على الشبكة. ولو حابين تيجوا تشوفوا الشقة. قال عادل تلك الكلمات بهدوء. *** القاهرة الغيرة عبارة عن التقاء بين صوت العاطفة وصوت العاصفة. #مقتبسة “لم يكن لدي نقطة ضعف، من أين خرجتِ أنتِ؟! #مقتبسة بعد رحيل فهد برفقة شريف، ظلت أفنان تجلس على الأريكة بذهن شارد. وبجانبها هو مستمر على عمل بعض الأشياء التي لا تعرفها على الحاسوب الخاص به. تعلم بأنه شيء يخص عمله.
برغم انشغاله الكلي، إلا أنه بين الحين والآخر يلقي نظرة عليها ليجدها شاردة تمامًا على غير العادة. لم يلمح في عينيها مثلا خوف أو خجل من جلوسهما بمفردهما. لكن بالفعل هو يشعر بأن هناك شيء يشغلها. ترك الحاسوب مفتوحًا على الطاولة التي تتواجد أمامهم. ثم غمغم داغر بنبرة منزعجة قد نفذ صبره على الأغلب: -ممكن أفهم في إيه بقا؟ ومتقنعنيش إني مفيش حاجة علشان مش هصدق. -أنتَ مصمم إن في حاجة ليه؟
-يمكن لأني مش أعمى. وباين على وشك إن في حاجة شغلاكي أكبر من اللي قولتي الصبح. تنهدت أفنان ثم هتفت بنبرة جادة حتى يصمت ويكف عن أسئلته تلك: -والله يا داغر ما في حاجة تخصني. أنا بفكر في شريف. في موضوع يخصه. أنا مش هينفع أقوله قصادك. وفي نفس الوقت أنا مش عارفة أكلمه فيه لأني محرجة. بس هي حاجة تخصه هو وحياته هو. متخصنيش أنا. فـ مش هقدر أقولك إيه هي. صمت لدقيقة تقريبًا وهو يستشعر صدقها تلك المرة. ليعقب بعدها بإيجاز:
-شريف مش عيل صغير علشان تعدلي عليه. وهو طول عمره دماغ لوحده من أيام ما كان عيل صغير. مفيش حد مش عارف الصح من الغلط. سبيه يعيش حياته زي ما هو عايز. ومدام موضوع يخص حياته الشخصية بلاش تدخلي فيه. وهل حياته الشخصية يسمح بها؟ هي مازالت تتذكر حماقتها وهي تقف أمام المرآة. صمتت أفنان قائلة بعد تنهيدة خرجت منها: -معاك حق. صدع صوت هاتفه يعلن عن اتصال من صديق له. فقال داغر بنبرة هادئة:
-في واحد صاحبي جالي عند ******. هروح أقابله وهاجي. مش هتأخر. -طيب. غادر داغر تاركًا حاسوبه مفتوحًا. فحاولت أفنان أن تقوم بإغلاقه. ولكنها وجدت أنه قد قام بفتح أكثر من موقع. لا تعلم لو قامت بإغلاقه وهو يفعل شيئًا سينتهي لو فعلت. وستقوم بتخريب عمله. فقرت أن تتركه كما هو. لكن لفت انتباهها أن حسابه الخاص بـ (الفيس بوك) مفتوحًا. ما شأنها؟!!
كانت تسأل نفسها هذا السؤال. لكن فضول الأنثى بداخلها جعلها ترغب في رؤية حسابه. تحديدًا لأنه ليس صديقًا عندها ولا هي صديقه عنده. بعد ما حدث وسفره حدث شيئًا ما وتم غلق حسابه. فقام بفتح حساب آخر. ووقتها لم يضف أي شخص منهما الآخر. أخذت تقوم برؤية حسابه الشخصي وترى المنشورات التي يقوم بتنزيلها. وجدت آخر منشور قام بمشاركته كان منذ شهر تقريبًا. ما هذا الرجل؟!! ألا يوجد شيء يثير انتباهه أو تفكيره؟!! أو يعجبه؟
يذكرها بشقيقها شريف. حتى المنشورات الأخرى التي تسبقه كانت على فترات متباعدة جدًا. وجدت أكثر من عشرين إشعار في الأعلى لم يفتحهم. شيئًا ما أخبرها أن تفعل. وفعلت. فوجدت حساب باسم منال يعقوب. قد سجلت إعجابها بـ منشورات عديدة لديه وصور خاصة به منذ يوم تقريبًا. من منال؟!! من تلك؟!!!
في ثوانٍ كانت ولجت إلى حسابها. كانت صديقة عنده. فتحت المحادثة بينهما دون وعي. لتجد آخر محادثة بينهما قد مر عليها أكثر من ستة أشهر. كانت محتواها بعض الطلبات الخاصة بالمنزل ليأتي بها عند عودته من العمل. إذن هي طليقته. ولما قد تكون طليقته في قائمة الأصدقاء بينما هي زوجته ولديها صلة قرابة به وليست متواجدة؟!!! ما هذا الحريق؟!!
يبدو أنه قد اندلع في قلبها وعقلها الآن. هي على وشك أن تلقي بالحاسوب أرضًا. ولكنها تماسكت قدر المُستطاع. أما عن نيرانها التي تشعر بها لا تستطيع إطفائها. طليقته مهتمة. تتواجد في قائمة الأصدقاء. تقوم بتسجيل إعجابها على منشوراته. فماذا بعد؟!!!!! ليردها إلى عصمته حتى ينتهي الأمر. ظلت الأسئلة تدور في عقلها. والغضب يتفاقم بها.
حتى عاد بعد ساعة تقريبًا. استقبلته بوجه لا يعبر عن شيء. ثم جلست في مكانها الذي تركها به. تضع قدم فوق الأخرى. عاقدة ساعديها وتنظر له بنظرات غريبة. تلك المرة هي ليست شاردة بل متحفزة وتتخذ وضعية الهجوم. تمتم داغر بنبرة هادئة: -خير يا أفنان؟ مالك؟ مش كنتي كويسة قبل ما أمشي؟ هتفت أفنان بنبرة ساخرة: -كُنت. جلس بجانبها متحدثًا باهتمام: -في إيه يا أفنان؟ -مفيش.
قالتها وعيناها على وشك ارتكاب جناية. مما جعله يلوي فمه بتهكم وهو يتحدث بضيقٍ. فهو يكره المماطلة: -لا باين أوي إن مفيش حاجة فعلاً. أفنان اخلصي. أنا صبري بدأ يخلص منك. -معلش اتحملني. ولا متتحملنيش. ما أنا مليش أي حق عندك. نهضت من مكانها وهي تحاول كبح دموعها. وكانت على وشك الرحيل. ولكنه كان الأسرع حينما التقط كفها وجذبها لتجلس مرة أخرى متمتمًا بجدية تحديدًا وهو يرى دموعها: -أفنان إيه اللي حصل؟ وايه اللي بتقوليه ده؟
وبتعيطي ليه؟ أنا مش فاهم. هتفت أفنان بعجز وقهر: -علشان مليش حق أتكلم تقريبًا. كانت هذا ما تشعر به لمدة ثوانٍ. هي مازالت خجلة من ذنبها أثناء مراهقتها عند محادثتها لحسن. وبالرغم من حبها الذي بات واضحًا ومشاعر داغر المُعلنة لها، إلا أنها تشعر بالقلق حيال ذنبها!! أو رُبما الجرح من كونها السبب في كل ما يحدث. وكأنه ليس من حقها معاتبة زوجها عن اقترافه شيء أغضبها. لأنه تستر عليها. عقب داغر بعدم فهم. ولكن نبرته كانت
مختنقة وغاضبة إلى أقصى حد: -أفنان إيه اللي مليكيش حق؟ أنا مبحبش الكلام بالألغاز. قولي في إيه علطول. وبعدين يعني إيه مليكيش حق؟ حق إيه اللي بتتكلمي فيه؟ أجابته بنبرة جامدة بعد أن مسحت دموعها بيدها اليسرى. لأن كف يدها اليمنى قد احتجزه: -حقي فيك. ضيق عينيه وهو يحاول أن يفهم مغزي كلماتها. ولكنه فشل. وعقب تعقيب بسيط رغم عدم فهمه ما تقصده كليًا: -زي ما ليا حق فيكي أنتِ كمان ليكي فيا يا أفنان. وممكن تفهميني في إيه؟
هتفت أفنان بنبرة ثائرة: -في إن طليقك لسه عندك على الفيس بوك. تقدر تقولي ليه لو فعلاً ليا حق؟ صمت لثوانٍ لا يصدق أن تلك الدموع وحالتها تلك بسبب منال. الذي كان على وشك أن ينساها لولا أمر سفرها هي وفهد معه. تمتم داغر بنبرة هادئة محاولًا أن يرضيها: -نسيت أمسحها أفنان. أنا بجد مش بهتم بأي حاجة ليها علاقة بالسوشيال ميديا. ولا بركز في حاجة. حتى لو حد باعتلي رسالة فين وفين عقبال ما أرد.
كان محقًا. فهي وجدت العديد من الرسائل من أصدقائه لم يتم قرأتها أو فتحها، وكذلك الإشعارات. ولكنها لا ترى بأن هذا مُبررًا قويًا لذلك. غمغمت بانزعاج: -مش مبرر. سألها داغر بعدم فهم وهو يحاول أن يخمن: -أنتِ عرفتي منين أصلًا؟ هو أنتِ عندي على الفيس بوك؟ صاحت بنبرة جنونية رغمًا عنها: -لا! كفايا ست منال عندك. وجودي أنا ملهوش لازمة. خليها هي عندك وتعملك لايكات ولايك على صورك. وعايشة الحياة. هكون عندك أنا ليه؟ عاد يكرر
سؤاله مرة أخرى بنبرة جادة: -أفنان عرفتي منين؟ تمتمت أفنان على مضض وهي تحاول أن تحفظ ماء وجهها: -لما مشيت كنت هقفل اللاب توب بدل ما هو مفتوح على الفاضي. كان الفيس بوك بتاعك مفتوح. وغصب عني شوفت. يعني مكنش قصدي. هتف داغر مستنكرًا: -غصب عنك إيه يعني؟ اللاب توب كتفك علشان تفتشي فيه بالعافية؟ نظرت له أفنان بضيقٍ وهي تتحدث بانفعال: -يعني هتسيب أساس المشكلة وتمسك في إني ليه قلبت في الفيس؟ بدل ما تعترف إنك غلطان. عقب داغر
على حديثها ببساطة شديدة: -حقك عليا. أنا غلطت فعلاً. بس والله ما اهتميت ولا أخدت بالي. همسحها دلوقتي أهو. بالفعل فتح الحاسوب. وبعد دقيقتين تقريبًا كان قد قام بحذفها من قائمة الأصدقاء. لتسارع أفنان تطالبه بالمزيد: -وتضيفني أنا. وتشيل سنجل اللي أنتَ حاطتها دي وتحطني أنا، إنك متجوزني. رفع داغر حاجبيه وهو يتحدث باستنكار: -واضح أوي إنك شوفتني كل ده بالصدفة.
أخذت الحاسوب منه وأخذت تبحث عن نفسها. ثم أرسلت لحسابها طلب صداقة. والتقطت هاتفها لتقوم بقبوله. وكان حسابها مُغلق. لا يظهر منه شيء. وكانت تضع صورة كرتونية فقط. هي من تظهر لمن هو غير صديق لها. فهي لم تكن مهووسة بتصوير نفسها ووضع صورها الشخصية على حسابات التواصل الإجتماعي الخاصة بها. نفذ داغر ما تريده. ليتحدث بنبرة هادئة: -كويس كده؟ نفسيتك أحسن؟ تمتمت أفنان على مضض وكبرياء:
-يعني مش أوي. أنتَ عملت الصح واللي المفروض كنت تعمله. مش علشاني يعني. سألها داغر بنبرة غامضة بعد أن ترك الحاسوب ووضع يديه خلف ظهرها ليحتضنها: -أفنان أنتِ غيرانة؟ هتفت أفنان بعناد: -أنتَ كنت غلطان. -خلاص والله عرفنا إني كنت غلطان واعترفت. المفروض أنتِ اللي تعترفي إنك غيرتي. تمتمت أفنان بارتباك طفيف: -أبدًا. أنا بس…
صمتت. فوجدته ينظر لها بسخرية ينتظر أن تزيد من حماقتها أمامه. لتتفوه باختناق بسبب الشعور العجيب الذي احتلها ولم تكن تشعر به من قبل حقًا. وكأن أحدهم قد انتهك أحد حقوقها بل أهمها: -أيوة غيرت. ارتحت. ترك قبلة على وجنتيها وبعدها ثغرها الشهي متحدثًا بمشاعر تحرقها من شدتها وصدقها في الوقت ذاته: -أنا بـحـبـك. ممكن تفهمي ده كويس.
تسارعت دقات قلبها وصمتت لثوانٍ. وحاوطت عنقه واحتضنها هو بحب بلمسات هادئة تطمئنها. وكان هذا هو مقصده. أن تعلم بأنه يرغب في قُربها. ليس شهوة، بل حُبًا، اكتمالًا، حق مشروع. ليس لمسات تخيفها أو تصيبها بالذعر. بل لمسات ترغب بها وما ورائها من عاطفة.
كانت ترغب في الاعتراف بأنها بالفعل باتت تعشقه. بات شيء لا يتجزأ من حياتها. ولكنها صمتت. أو رُبما خجلت. أو مازالت متحفظة في شأن تركه طليقته طوال هذا الوقت على حسابه. لا تعلم السبب الأساسي الذي منعها من قولها الآن. لكنها احتضنته لأول مرة بنفسها بامتلاك. وكأنها تؤكد لها في المقام الأول وله بأنه حـقيقها الذي لن تفرط به. *** يــوم الاثـنـيـن يحاول تصليح ما اقترفه مساء أمس. ذهب منذ الصباح وقام بشراء سلسلة على هيئة (شمس)
. رآها مناسبة وتشبهها إلى حد كبير. تذكر شقيقه كمال الذي دومًا يحسن اختيار الهدايا. يتذكر أنه دائمًا كان يراه حاملًا هدايا مختلفة إلى فردوس تحديدًا. باقات الزهور المختلفة والانيقة. حاول أن يشتري واحدة. لكن قبل أن يدخل إلى المتجر عاد بإدراجه. لا يراه شيئًا مناسبًا لشخصيته. ليس إلى هذا الحد!!! ها هو يقف أمام شقتها. قرع الجرس. فتحت له سوسن قائلة بترحاب: -ازيك يا ثائر؟ عامل إيه؟ أجاب ثائر عليها بهدوء:
-الحمدلله يا حجة. أنتِ إيه أخبارك وإيه أخبار صحتك إيه؟ متنسنيش من دعواتك في كل صلاة بقا. نظرت له سوسن في غيظ ثم أشارت له بالدخول. فولج وجلس على أقرب أريكة متمتمًا بهدوء: -شمس فين؟ -في أوضتها. أشار لها شريف ببراءة زائفة: -كوباية القهوة التمام وناديها. هتفت سوسن ببرود: -بس هي مش عايزة تشوفك من امبارح. وهي في حالة غريبة. قال شريف بنبرة حاول فيها ألا يغضب وأن يكن متماسكًا:
-ناديها. ولو عايزة تطردني النهاردة كمان مش مشكلة. الانسان بيضايق من المرة الأولى. بس بعد كده مش بيتحرج زي الأول. جاءت شمس من الداخل بعد أن سمعت صوته المميز جدًا. هتفت بفظاظة غير المعتاد: -إيه اللي جابك؟ تمتم شريف بنبرة جادة موجهًا حديثه إلى سوسن: -القهوة يا حجة. ومطوليش أوي. خليها نار متوسطة بلاش هادية المرة دي. ذهبت سوسن وهي لا تكف عن شتمه بداخلها بأفظع الشتائم. بينما شمس واقفة تعقد ساعديها. مازالت عند موضعها.
ليقول شريف بنبرة جادة: -تعالي. أنا جايبلك هدية. قاطعته شمس ساخرة: -إيه لحمة العيد؟ ولا بتاع الفراخ فتح المرة دي؟ تمتم شريف بصوت هادئ: -لا موصلتش النهاردة للمرحلة دي من الإبداع. جايبلك هدية تدوم معاكي. مش أكله وخلاص. جاءت وجلست على المقعد المتواجد بجانب مقعده متمتمة بهدوء: -إيه هي؟ أخرج علبة قطيفة من جيبه وفتحها تحت أنظارها. سلسال ذهبي به دلاية على هيئة شمس. كانت جميلة بشكل يجعلها تنسى ما اقترفه ليلة أمس. -إيه رأيك؟
أجابته بصدق وعفوية وهي تأخذها منه: -حلوة أوي. يكفي أنها منه. وضعتها على عنقها الطويل الغض والناضر في ثانية واحدة. ثم أغلقت القفل الخاص بها لتزين عنقها بشكل جعلها لا تناسب امرأة غيرها في عينه. رأى لهفتها الحقيقة وعيناها التي تحولت لتعبر عن سعادة كبيرة. وهذا يكفيه ويكفي قلبه. مشاعر تحتله جديدة كليًا. معها هي وحدها. تمتمت شمس شاكرة إياه: -شكرًا ليك بجد. حلوة أوي. أنا مش هقلعها أبدًا. -العفو. دي حاجة بسيطة.
هتفت شمس بتلقائية: -على فكرة أنا كنت هكلمك النهاردة أصلاً. لماذا تنوي الحديث معه بعد ما حدث ليلة أمس؟!!! تمتم شريف بهدوء: -ليه؟ -أنا عايزة أشوف بـشـرى. يتبع…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!