بعد مرور عدة أيام وأسابيع وهي في بني سويف، محافظة لم تذهب لها يومًا، لا هي ولا والدتها. لا يعرفا أي شيء هنا، حتى أن والدتها لا تهبط من المنزل مطلقًا. جميع طلبات المنزل ترسلهم لهم "الحجة زينب" مع إحدى العاملات عندها.
استلمت شمس بطاقتها الشخصية، حلم لم تظن بأنها ستصل له يومًا. أصبح معها بطاقة ائتمانية وضع لها منير بها مبلغ مالي من أجلها. أخبرها بأنه مع بداية كل شهر سيقوم بتحويل مصروف شخصي لها، وأنه مع بداية العام الدراسي الجديد حينما يكون استعاد صحته، سيجعلها تستكمل دراستها. معاملته لها فاجأتها، وفاجأت الجميع على أية حال. هو في تلك الفترة مسالم بشكل رهيب مع الكل، حتى مع بشرى، مع نرمين التي تأتي لزيارته بين الحين والآخر، كأنه أصبح
شخصية أخرى تحديدًا بعد خضوعه لتلك العملية. حدث لها أكثر مما تتمنى، لكنها لم تكن تعلم بأنه عند وقت حدوثه سيكون أكبر همها هو الاطمئنان عليه. الرجل الوحيد التي عشقته، الذي وقف بجوارها عند غياب الجميع. شعرت معه كيف تكون امرأة تحترم ذاتها.
أرسل لها هلال منذ عدة أيام يخبرها بأنه بعد بضعة أشهر سيكون شريف حرًا. لأول مرة تذوقت معنى أن تذرف دمعًا لأنك سعيدًا. في البداية شعرت بالضيق، كانت تريده حرًا وطليقًا دون أي حساب، لكنه النصيب، وهذا أفضل بكثير من السنوات الذي كان يخبرها هلال بها في البداية.
قضت فرض صلاة الظهر ثم ظلت جالسة في الغرفة. هي تحاول الانتظام في الصلاة، الأمر صعب جدًا في بدايته، لكنها تجاهد نفسها. تجاهد نفسها في كل خطوة، تحاول التغلب على شيطانها. أحيانًا تلحق بها الهزيمة، وأحيانًا يكتب لها النصر، لكنها لا تتوقف عن المحاولة في كل الأحوال. يوميًا تذهب لزيارة والدها ثم تعود. لا تدري هل الأمر روتينيًا، أم تولدت بداخلها مشاعر حقيقية تجاه والدها؟
أو أنها تجبر نفسها على الاعتياد، أو بمعنى أصح الانتماء تجاه شخص وعائلة. ولا تطيل البقاء هناك لأنها لا تشعر بأنها مرغوبة بالدرجة الكافية بينهما، هي مجرد واجب وترضية لضمائرهم رُبما.
الشيء الوحيد الجيد في الأمر هي رؤيتها لبشرى. أحبتها، بالرغم من قلة الحديث بينهما، إلا أن تبادل النظرات بينهما قوي جدًا. قامت بشرى بإضافتها على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما قامت بعمل حسابات شخصية لها على المنصات المختلفة، حسابات جديدة كليًا بناءً على رغبة شمس. ليس بينهما ود واضح كأي أختين، لكن هذا كان يرضي شمس جدًا. جاءت سوسن من الخارج وكان الباب مفتوحًا فتحدثت مرة واحدة: "اعمل ايه على الغداء النهاردة؟
تحدثت شمس بلا مبالاة: "اعملي أي حاجة." جلست سوسن على طرف الفراش متحدثة بعتاب واضح: "يا بنتي بلاش كلمة أي حاجة دي بتعصبني. وبعدين أنتِ خلاص نشفتي، ولا أكل بتأكلي كويس ولا نوم بتنامي كويس، وكده غلط عليكي." العجيب أن والدتها تحاول ممارسة دور الأم المهتمة بصحة ابنتها وبحياتها وتفاصيلها، لكنها للأسف اهتمت في وقت متأخر جدًا. رُبما فات الأوان حتى.
هتفت شمس بنبرة عادية، ولم ترغب في قول تعليقها ومشاعرها لأنها لا ترغب في شجار ببساطة. ما حدث قد حدث وليس هناك شيء من الممكن فعله: "مليش نفس لأي حاجة." تحدثت والدتها بفظاظة: "أنا مش فاهمة يعني، كل اللي أنتِ عاملاه في نفسك ده ليه؟ هو كده يعني هيخرج من السجن؟ سيبك منه بقا وبصي لحياتك ومستقبلك. إحنا سيبنا كل حاجة وجينا نبدا من جديد، وأبوكي وأهلك معاكي. هتفضلي تموتي نفسك عليه؟ غمغمت شمس ببساطة:
"الدنيا كلها بالنسبالي متسواش حاجة من غيره، ولأني بحبه. بحبه أكتر ما حبيت أي حد أو حبيت أي حاجة في حياتي. لأني حسيت اني بني أدمة فعلاً معاه." قاطعتها والدتها بتعجب وسخرية واضحة: "حسيتي أنك بني آدمة معاه إزاي؟ ده كان كل شوية بيهزق أمك ويهزقك." قالت شمس بنبرة عفوية: "هو مش بيبقى قاصد. وبعدين بقا أنا مش عارفة أنتِ ليه مصممة تتكلمي عنه كده؟
ومش سايباني براحتي في حياتي ومشاعري. أنا حرة، ليه معلقة على الموضوع ده بالرغم من إنه كان بالنسبالك عادي في الأول؟ أردفت سوسن بتوضيح بسيط: "لأن إحنا اتغيرنا، كل حاجة في حياتنا اتغيرت وبنحاول نتأقلم عليها. مينفعش تفضلي معلقة نفسك بواحد رد سجون في الأول والآخر. وبعدين أنتِ بقيتي بنت منير رسمي. أنتِ عارفة هيحصل إيه لو حد عرف بعلاقتك بالواد ده؟ تحديدًا أبوكي؟
إحنا لما صدقنا أنه موضوع الرقص ده عداه، معتقدش أنه هيقبل تعلقي نفسك بواحد رد سجون." نظرت لها شمس تحاول استيعاب كلمات والدتها… بل هي حتى تحاول استيعاب عن أي والد تتحدث؟! وماذا يعني عدم قبوله؟ قالت شمس بنبرة عفوية: "شريف من عيلة كبيرة جدًا متقلش عن العيلة اللي بقيت من ضمنها في حاجة، بل يمكن أعلى منها. وكمان…" قاطعتها سوسن بنبرة عقلانية:
"ده ميغيرش في أنه رد سجون، مهما كان مستوى عيلته. انضفي يا شمس وانسي الماضي بكل حاجة فيه. نضفي نفسك وعيشي واستمتعي بحياتك الجديدة وبلاش وجع قلب بقا." نظرت لها شمس بشزر… تحاول التفكير في حديث والدتها.. هل من الممكن أن ترفض عائلتها ارتباطها به؟ ثم سخرت من نفسها.. عن أي ارتباط أو علاقة قد تجمعها به؟! على أساس هو من سيقبل بأن يكن بينهما خطوة رسمية؟ هل هو من سيقوم بنسيان ماضيها؟ لا تعتقد هذا أبدًا. قالت شمس باختناق:
"ممكن تسبيني لوحدي وتقفلي النور؟ أريح ليا ساعة قبل ما أنزل أروح أطمن عليه." غمغمت سوسن بتلقائية: "مقولتيش أعمل إيه طيب في الأكل؟ تحدثت شمس بنفاذ صبر: "أي حاجة، سبيني أنام بقا." "الشرقية" "عايزة إيه يا دعاء؟ عمالة ترغي ليه؟ ما قولتلك خلاص هقول لكمال وهنزل معاكي، إيه المشكلة دلوقتي؟ مسحت دعاء دموعها وهي تقف بجانب فردوس في المطبخ، التي تقوم بصنع الشاي لنفسها لأن دعاء أخبرتها بأنها لا تريد… هتفت دعاء بتردد واضح:
"أصلي اتخانقت مع أختي وطولت لساني عليها مع إنها مشغولة مع عيالها وأنا عارفة." تحدثت فردوس بنبرة هادئة وهي تستدير وتنظر لها: "معلش، أنتِ هرموناتك قالبة عليكي شوية فترة وهتعدي. وابقي اطلعي كلميها عادي، أنتِ بتتخانقي مع أختك كل يومين أصلًا زي ناقر ونقير." تمتمت دعاء بعفوية: "معرفش بقا أنا مش متعودة على الحمل." غمغمت فردوس بعدما استدارت وضعت يدها على الغلاية الكهربائية لتضع الماء الساخن في الكوب:
"أومال ريم اللي بتلعب برا دي إيه جرافيك؟ قالت دعاء بتلقائية بعدما خرجت منها ضحكات عفوية بسبب تعقيب فردوس: "قصدي مش متعودة دماغي تكون فاضية وهرموناتي تشتغل وأنا حامل أو ميكنش ورايا غيرها. لما كنت حامل في ريم مكنش عندي وقت أصلًا أفكر أو أهتم أو أعمل أي حاجة، كنت في مشاكل مع طليقي وأهله. يلا الله يجحمه هو وأهله، أصلي مبحبش أجيب سيرة حد." تحدثت فردوس بتهكم طفيف: "باين عليكي إنك مش بتحبي تجيبي سيرة حد." هتفت دعاء بجدية:
"خلاص سيبك مني، ومن مشاكلي. قوليلي أنتِ عاملة إيه في حياتك وإيه دنيتك مع كمال؟ أردفت فردوس بهدوء: "عادي، كله تمام. الأمور زي ما هي، ليه بتسألي؟ تحدثت دعاء بعنجهيتها المعهودة: "حساكي بالك مشغول أو في كلام عمومًا محشور جواكي. أصل خدي بالك أنتِ لو في أي حاجة مش هتلاقي غيري يحلها ليكي. أنا متخصصة في العلاقات الزوجية والحياتية وكل حاجة." تمتمت فردوس وهي تكز على أسنانها: "يـا بنتي هو أنتِ دماغك فين دايما؟
وبعدين إيه المشاكل اللي هتكون عندي؟ هو بس أنا متوترة من اللي بيحصل والأيام اللي فاتت كانت صعبة على كمال ومش حاجة هينة أبدًا." هتفت دعاء بتأييد لما تسمع: "معاكي حق." ثم استرسلت حديثها وهي تغمز لها: "بس ده ميمنعش إني مستعدة في أي وقت لأي استشارة." تحدثت فردوس ساخرة وهي تأخذ كوب الشاي: "روحي اتلمي بقا وشوفي هتصالحي أختك ولا هتعملي إيه."
ثم غادرت تحت ضحكات دعاء اللطيفة. العجيب أن فردوس كانت تنوي سؤالها عن شيء ولا تعلم لما خطر على بالها دعاء، رُبما لأنها لم ترغب في تضخيم الأمر والذهاب إلى الطبيب ولا تعلم هل هي تأخرت في الأمر، هل لديها أي موانع من أجل الحمل؟
لا تعلم، لكن الهاجس كان مخيف. رغم ثقتها العالية بنفسها وبكمال وحبه لها إلا أنها تخشى أن يأتي الهاجس في عقله أو تراوده نفسه. داليا حملت منذ شهرها الأول تقريبًا، تخشى أن يخضع عقله إلى مقارنة. لا تعلم حقًا. مر ما يقارب الثلاث أشهر، رُبما الأمر يرجع إلى التوتر والضيق والحالة النفسية التي تمر بها كما سمعت ذات يوم، تلك الأمور تؤثر وفي النهاية الأمر قد يخضع إلى النصيب، ليس دومًا مشكلة صحية. حاولت طرد تلك الأفكار السلبية من عقلها وتصعد إلى غرفتها.
"وجوده يجعلني أطمئن" "لم يشقيني في صحبته أتى إلى عمري ضمادًا لأيامي الجارحة"
الأسابيع الماضية كانت كلها تقضيها بشرى في بني سويف بعد خضوع والدها إلى عملية قلب مفتوح. كانت الأيام كلها ضغط نفسي، بسبب والدها الذي مر بمراحل صعبة جدًا. على أي شخص بعدما يخضع إلى تلك العملية. مرت ثلاثة أسابيع تقريبًا على العملية وكانت هي بجواره في كل لحظة. غير والدها كان هناك والدتها الغاضبة والخائفة، خائفة على صحة منير رغم كل شيء، السنوات تجبرك على الاهتمام بشريكك حتى في وقت الخلاف. أما الغضب كان من إتيان شمس ووالدتها ومكوثها في منزل بالقرب من منزل العائلة، على الرغم من عدم إتيان سوسن أبدًا لزيارة منير، فقط شمس هي من تأتي، إلا أن والدتها كانت غاضبة ولم يخفف هذا من غضبها شيء.
هناك شيء آخر، محاولاتها للاعتياد على وجود شمس وهذا شيء صعب جدًا، والأصعب بأن هلال يعرف عن شقيقتها كل شيء تقريبًا وهذا شيء محرج جدًا بالنسبة لها.
بعد غياب طويل عن القاهرة جاءت ليلة أمس، قضت الليلة مع ملك وفي اليوم التالي جاءت إلى المكتب تزامنًا مع عودة هلال من الشرقية منذ أيام. فهو ذهب خلال الأسبوع الماضي مع عائلته لزيارة منير وبعدها عاد مرة أخرى إلى الشرقية وحينما تم الحكم وكل شيء كان يسير في موضعه الطبيعي عاد منذ ثلاثة أيام تقريبًا.
يجلس في كافية متواجد بالقرب من المكتب، بعدما انتهى اليوم، وأخبرته بشرى في بداية اليوم عند رؤيته في الصباح بأنها ترغب في الحديث معه ولكنه أخبرها أن تؤجل حديثها إلى نهاية اليوم. هو مجهد جدًا الفترة الماضية لم تكن سهلة عليه هو أيضًا سواء جسديًا أو نفسيًا، لكنه يختلف عنها ويتحمل ولا يظهر ما يزعجه أبدًا بل يظل يتعامل بصورة عادية. يشرب قهوته بينما هي تشرب عصير البرتقال الطازج واللذيذ في تلك الأجواء. هتفت بشرى بنبرة عادية:
"ها قولت إيه؟ رد هلال عليها بعدما أخذ رشفة من قهوته بملامح مرتخية رغم إرهاقها: "قولت إيه في إيه؟ ضيقت بشرى عيناها وتحدثت بنبرة ساخرة: "هو أنا عمالة أكلم نفسي بقالي أكتر من نص ساعة؟ تحدث هلال بإدراك: "أصلك متكلمتيش غير في إنك عايزة تسيبي الشغل وده مش شيء أرد أو أتناقش فيه من الأساس." قالت بشرى باعتراض واضح ولم تفهم معنى حديثه: "ليه إن شاء الله؟ قصدك إيه؟ ومتردش عليا ليه؟ أنا بقولك بكرة مسافرة ومش هاجي تاني."
غمغم هلال بهدوء: "علشان أنا مش فاهم غير إن دماغك تعبانة، لأن مفيش سبب واضح قولتي يخليني أقولك ماشي." لم تعجبها طريقته، لكنها حاولت التوضيح بشكل أوسع لعلها لم تنجح في المرة السابقة:
"علشان أنا بغيب كتير أوي، ومبقتش مركزة في الشغل وحاسة إن في ناس أحق مني في إنها تكون موجودة والفترة دي أنا مليش لازمة في المكتب يعتبر وحاسة إن الكل واخد باله إني باجي وبروح براحتي ويمكن فاكرين إني بعمل كده عشان خطيبتك وده شيء مضايقني لأني مش كده." حاول هلال أن يستوعب ما يسمعه منها… ويتريث قبل أن يجيب. تلك عادته في العموم: "محدش جه عايز يتدرب في المكتب وقولنا ليه لا؟
معلش حقك علينا، عشان والله بشرى واخدة المكان بتاعك. الواسطة بتعمل أكتر من كده." تحدثت بشرى باستنكار: "أنتَ بتتريق عليا؟ هز رأسه قائلاً بصراحة فجة: "أيوه بتريق عليكي عشان أنتِ بتستفزيني ومش عايزاني أرد. وبعدين متقلقيش، كل اللي جم من الدفعة بتاعتك أنا متحملهم بالعافية والله، كفايا ملك اللي رايحة جاية بتاكل بس أكتر ما بتشتغل واهي قعدت، مراد نص الوقت في الجيش، غير أحمد فأنا مقدر الكل."
ابتلع ريقه ثم تحدث بنبرة قد تبدو منفعلة عليه لكنها عادية حينما يتحدث بها أي شيء آخر؛ رُبما لأنها اعتادت على هدوئه طوال الوقت: "وبعدين إيه يعني لما استحملك؟ ده إحنا كلها شهر ولا اتنين وهنكتب كتب الكتاب وجاي عندكوا يوم الجمعة عشان نتكلم في التفاصيل. لو معملتش ليكي استثناء هعمل لمين؟ وإيه المشكلة لما يقولوا إنك بتعملي كده عشان خطيبتي؟ ما اللي يقول يقول، ملكيش دعوة بحد. ثم أصلًا مين اللي قال كده؟ قالت بشرى بنبرة مكتومة:
"محدش قال بس يمكن بيقولوا كده من جواهم." غمغم هلال بنبرة عادية: "أنا عمر ما همني مين بيقول إيه ومين مبيقولش، مدام أنا شايف إني صح. في داهية أي بني آدم يقول عليا أي حاجة. لو مشيتي بالمبدأ ده هترتاحي. سافري واقعدي مع والدك ولما تحبي ترجعي ارجعي براحتك." أبتلع ريقه ثم حاول أن يهدأ من حدة الحديث الدائر بينهما: "ده طبعًا لو مش حابة تونسى ملك بعد ما قعدت خلاص، يدوبك تقعدوا تناولوا الأكل لبعض."
ابتسمت رغمًا عنها ليتحدث هلال بنبرة واضحة وجادة إلى أقصى حد: "أنا عارف إن كل واحد فينا مر بأزمات في حياته سواء تخصه أو تحص اللي حواليه. مجرد ما اتخطبنا وعرفنا حاجات عن بعض وصدف غريبة ويمكن ده مضايقك وموترك، بس على العكس دي حاجة المفروض تفرحك إننا عرفنا بعض كويس، حتى لو كان في شوية صدمات في أول فترة في حياتنا."
الهدوء… هو الشيء الذي يحل عليها بعد حديثه. مهما كانت تراه مخطئًا في أمر صديقه.. مهما كانت تحمل أعباءًا أكبر منها… تجد الراحة في حديثه والاقتناع الغريب!! هذا شيء يجلب لها السعادة والسلام النفسي ولا تدري مدى صحتها، لكنها أصبحت سعيدة ومتعلقة به. غمغم هلال حينما وجدها صامتة: "هتسافري امته؟ هزت بشرى كتفها بلا مبالاة متحدثة والخيرة تتملكها: "ممكن بكرة أو بعده بالكتير." أردف هلال مقترحًا:
"ما تخليكي تسافري معايا يوم الجمعة." قالت بشرى برفض: "لا شكرًا، أنا بحب أسافر بالقطار." رفع حاجبيه متحدثًا باستنكار: "ما يمكن أنا كمان أحب أسافر بالقطار." تمتمت بشرى بعفوية: "بس أنا مش حاسة إني ينفع أستنى ليوم الجمعة، أنا احتمال أتحرك بكرة وبعدين متقلقش ملك جاية معايا." أردف هلال مداعبًا إياها: "ده أكتر شيء يقلق. المهم شوفتي الحاجات اللي بعتهالك على الواتس امبارح؟ الألوان وكل حاجة تمام؟ تحدثت بشرى بتردد:
"آه هي كل حاجة تمام بس أنا حاسة إننا ماشيين في كل حاجة بسرعة، خصوصًا إن صحة بابا لسه قدامه شهر على الأقل عقبال ما يكون كويس ويكون اتعافى بشكل كامل." قال هلال موضحًا: "على فكرة والدك نفسه مستعجل، هو عايز يفرح بيكي، وحتى طريقته وأسلوبه اتغيروا عن الأول ومتقلقيش لسه شهرين على الأقل." غمغمت بشرى بشرود دون أن تدري تسبب في ابتسامة رسمت على شفتيه: "أنا مبقتش قلقانة." "ليه الاستعجال ده؟
كان هذا تعقيب كمال الذي يجلس على المكتب أمام جده. تحدث توفيق بنبرة هادئة ورزينة: "أنا من بدري بتكلم في الموضوع ده بقالي شهور، وبكرة تقريبًا خلاص شقته اتفرشت وشقتي أنا كمان ناقص شقتك وشقة أفنان وشقة أمك." غمغم كمال بتوضيح وهو ينظر له بريبة من وسط هذا كله، حتى سمعة شركتهم التي تأثرت للمرة الثانية، كل ما يهمه هو الانتقال؟ "حضرتك مش ملاحظ إن ده مش وقت مناسب لموضوع العزال ده." أردف توفيق بإصرار:
"بالعكس ده أنسب وقت، إن بإذن الله شريف لما يخرج نكون كلنا مستقرين في العمارة هناك وتكون شقته جاهزة. ده أنسب وقت، عايز في خلال أسبوع نكون كلنا هناك واللي ناقصه حاجة يكملها وهو هناك، هاتوا بس الأساسيات دلوقتي." لم يفهم كمال رغبته في ترك المنزل.. هو أكثر من يعرف تعلقه به… لكنه الآن هو من يشجع على تركه… تمتم كمال باستسلام: "حاضر، اللي حضرتك شايفه." غمغم توفيق بعفوية: "المهم أنتَ عامل إيه مع فردوس؟
للمرة الثانية لم يفهم كمال مغزى السؤال لكنه تحدث بإجابة مختصرة لكنها صادقة: "عادي الأمور تمام." يعلم توفيق بأن كمال مضغوطًا تلك الفترة لذلك توقف عما كان يرغب قوله. كان يرغب منهما السعي في أمر الإنجاب، يذهبا إلى الطبيب رُبما، هو يعلم بأنه لم يمر الكثير -حسب استنتاجه دون أن يخبره أي شخص
-لكنه يرغب في رؤية أطفال كمال أكثر من أي شيء. فقرر بأن يؤجل الحديث في الأمر الآن حينما يشعر بأن كمال في مزاج جيد ورائق ليخبره وقتها ويقدم له النصيحة. "أن تقع عيناك على من تحب لدقيقتين فقط، أفضل من محادثة خلف الشاشات لسنة كاملة" "في زحام يوميات" "ذكر أنك معيفاطمئنويهنئ قلبيكأنني لم أذق المر يومًا"
مواساتها الوحيدة تلك الفترة… رسائل داغر التي تستيقظ من النوم تجدها… وفي وسط اليوم مكالمة تجمعها به هي وصغيرها الذي ينتظر مكالمات والده بفارغ الصبر… في نهاية اليوم هي المكالمة الأخيرة التي تتلقاها منه قبل نومها، أما يشاركها بها فهد أما يلعب كحالته اليوم… "فيديو كول"
اعتادت على الأمر مُجبرة وخجلة في البداية.. راغبة في النهاية لأنها تشتاق لرؤيته، رؤية ملامحه الصلبة التي بدأت تعرف اللين مؤخرًا… رغم مكالماته ورسائله طوال اليوم إلا أن مكالمة نهاية اليوم هي الأفضل. يخبرها كل شيء حدث منذ أن استيقظ من النوم حتى الآن وهو على وشك النوم… يخبرها تفاصيل يومه كلها، وهي تسمعها باهتمام بالغ وحقيقي جدًا، يشاركها في كل شيء. ذلك يدل على المكانة التي وصلت لها، الرجل لا يقص تفاصيل حياته إلا لفتاة أو
امرأة يحبها؛ تحديدًا لو رجل يمتلك شخصية كشخصية داغر، اعتاد الغموض والاعتماد على النفس وعدم إطلاع أي شخص على خطواته المستقبلية. كان فقط من يكسر القاعدة هو كمال الذي كان يخبره داغر تفاصيل حياته كلها. أما هي فتخبره عن صحة والدتها، كيف تقضي يومها.. كل شيء قد يبدو تافهًا بالنسبة للآخرين كان موضع اهتمامه، مثلا عن الشعيرات التي تساقطت بشكل متزايد من خصلاتها بسبب حزنها تلك الفترة، ماذا عن كوب الشاي التي صنعته ونسته من
الأساس.. موعد أدوية والدتها التي تتذمر في بعض الأوقات عند أخذها.. الشيء الذي تناولته اليوم.. تصور له محاولاتها في تعلم الطبخ وبعض الحيل من النساء في منزلهما في رغبة صادقة بتعلم بعض الأسرار التي تجعل الأكل شهي.. تخبره عن الصداع الذي قد يأتي لها في وسط اليوم… تخبره عن ألم المعدة التي رُبما تمر به.. تخبره عن فهد.. ماذا يفعل؟!
مع من يلعب؟! في الواقع هي تخبره كل شيء بشغف رهيب.. كأنها خطيبته ليست زوجته… وأتى في وسط حديثها أمر هام: "بفكر أنقل فهد السنة الجاية مدرسة هنا، لأن كده مش هينفع أبدًا أنا بتعب أوي معاه عشان يذاكر. المدرسة كانت لماه شوية. كمال قالي إنه هيوصلنا فترة امتحانات الترم التاني ولازم بعدها نشوف حوار التحويل ده." تمتم داغر بنبرة ذات معنى لكنها عفوية من الدرجة الأولى:
"استنى شوية بلاش تتسرعي في التحويل لسه بدري أصلًا عقبال ما الترم التاني يخلص، لأن احتمال نقعد في القاهرة." قالت أفنان بغباء: "مش فاهمة." هتف داغر موضحًا:
"مكنتش حابب أقولك تفاصيل عن الموضوع ده غير لما أتأكد والموضوع يمشي. في شركة تانية عندي انترفيو معاهم خلال الأسبوع الجاي، لو الموضوع نفع هكون طول السنة معاكم لأن ليها فرع في ******** بس مقرها الرئيسي هنا. هاجي بس لمدة شهر أو شهرين بالكتير هنا في السنة بس بقيتها هكون معاكم." غمغمت أفنان بفرحة أستطاع رؤيتها عبر تلك الشاشة الإلكترونية التي جعلته يرغب في أن تكون أمامه وبجانبه حقًا في تلك اللحظة لعله ضمها إلى أحضانه:
"أنتَ بتتكلم بجد؟ هز رأسه بإيجاب… ثم أردف بتردد واضح وهو ينظر لها قلقًا من أن تذهب تلك السعادة عبثًا: "أنا بس مكنتش حابب أقولك دلوقتي لأن مفيش حاجة أكيدة ومش عايزك تتعشمي على الفاضي. كل اللي عايزك تكوني متأكدة منه إن بعمل كل اللي عليا عشان أكون معاكي وجنبك في أقرب فرصة." غمغمت أفنان بنبرة عفوية: "وأنا متأكدة من ده، وعلى العموم ربنا يعملك اللي فيه الخير، ويحطك في المكان المناسب." ابتسم لها وهو يغمغم بهدوء:
"بإذن الله يا حبيبتي، أنا هقفل دلوقتي عشان خلاص فصلت وكلها خمس ساعات وأصحى هبعتلك أول ما أصحى." "ماشي تصبح على خير." "وأنتِ من أهل الخير." "دافئة فكرة أن نتشارك أحداث يومنا في ختام كل ليلة." "أحبك كروحي التي لا أستطيع لمسها أو وصفها ورغم ذلك أنت موجود فيني وبشدة، أنت تسكنني كغيمة تسكن عنان السماء" "عَلىٰ يَدِكِ، وَجَدت الفَراشاتُ مَلجَأها الوَحِيد."
"أن تُعاملني كأنني كل شيء بحثتَ عنه طوال حياتك، هذا هو نوع الحب الذي أريد أن أحتفظ به إلى الأبد." "غرفة فردوس"
كانت تضع كوب الشاي على سور الشرفة وتميل عليه قليلًا وتقلب في هاتفها عن شيء تستطيع شراءه هدية إلى دعاء، بسبب ما حدث لم تأتي لها بأي شيء من دبي. هي تحبها وتود أن تهاديها هدية مناسبة لها وللطفلة عند ولادتها. ترغب في شراء شيء مميز لها ولكن لا يأتي في خاطرها شيء، كلها أشياء تقليدية جدًا… هي ليست شخص يحسن اختيار الهدايا في العموم… خلاف كمال الذي يحسنها بشكل جيد ويفكر بأشياء مختلفة ومميزة؛ لكنها لا ترغب في إخباره حتى لا يشعر بأنها تفكر في أشياء ليس لها قيمة رُبما في نظره بسبب تلك الفترة الحرجة التي يمر بها.
تترك الهاتف بين الحين والآخر تأخذ رشفة من الشاي ثم تنظر على ريم، فهد، أبناء أم شيماء الذين يلعبون سويًا، تراقبهم بهدوء. رغم كل شكوكها تجاه فهد عمومًا، رغم كل ما يتواجد في عقلها من أشياء تحاول أن تتخطاها تحب رؤية الأطفال ولعبهم، مرحهم.. لأنهم لا يعرفون عن الحياة وصعوبتها أي شيء.. لا يعرفون الحزن.. قلوبهم صافية وهادئة، رائعة.. حتى الحزن الذي يصيبهم يكون من أجل شيء بسيط جدًا وحينما يتم حله يذهب حزنهم في مهب الريح ولا يتذكروا أن هناك دقائق مرت في حياتهم في الحزن…
شهقت وكاد الكوب أن يسقط منها.. حينما شعرت بيد تلتف حول خصرها؛ شعرت بالفزع اللحظي لأنها كانت شاردة بشكل كبير وعميق جدًا… سمعت صوت ضحكة رجولية هادئة خرجت منه وهو يأخذ الكوب ويضعه على السور في الموضع التي كانت تتركه به سابقًا. تحدث كمال بهدوء: "سرحانة في إيه للدرجة دي؟ غمغمت فردوس بنبرة مختصرة وهي تسترخي قليلًا بين أحضانه: "أبدًا."
رفع رأسه قليلًا بعدما كان يستند بها على كتفها ووجه بصره إلى حيث كانت تنظر، ليجد الأطفال يلعبون بالكرة في أحدى الجوانب حتى الفتيات تشاركهم الأمر، كان المشهد حنونًا وجميلًا؛ يبعث في نفس المتأمل الدفء والسكينة. ترك قُبلة على عنقها وقبلات متفرقة على ذقنها ووجهها ثم غمغم بنبرة هادئة وهو يستند برأسه مرة أخرى على كتفها:
"بكرة اعملي حسابك إننا نازلين نختار أوض النوم وكل حاجة في الشقة عشان في خلال أسبوع هننقل. هخلص شغل وأجي آخدك، وأفنان هتكون معانا عشان تختار حاجة شقتها." صمتت قليلًا.. هي ظنت بأن الأمر قد أغلق بسبب الظروف المحيطة.. لا تعلم ما يحدث لكنها هتفت بهدوء وتلقائية دون أي اعتراض: "حاضر."
أستدارت له ونظرت في عينه محاولة رؤية أي شيء قد يظهر بأنه سعيد، أو حتى مرتاح… لكن قبل أن تقرأ عيناه تحدث كمال بنبرة خافتة وهامسة وهو يضمها من خصرها وكانت قد ابتعدت عن السور قليلًا بفعل يداه القابضة عليها… "شكرًا يا فردوس، شكرًا إنك عملتي كده مش بس عشان اتنازلتي، ولا عشان حاولتي تريحي ضميرك ولا كل ده." سألته وهي ترفع يداها وتضعها على صدره: "أومال عشان إيه؟ قال بنبرة هامسة بعدما ترك قُبلة على أنفها:
"شكرًا إنك أكدتيلي إني كنت صح من أول يوم شوفتك فيه وأنا بحبك لغاية دلوقتي، شكرًا إنك أكدتيلي إن مشاعري ليكي مكنتش مجرد وهم أو مشاعر عادية لا أنتِ الإنسانة اللي تستحق إني أحبها بالشكل ده." هبطت دمعة من عيناها صدقًا هي أصبحت عاطفية بشكل كبير جدًا أم تراها نست كيف كانت في الماضي؟
حاوطت وجهه بكف يدها وكانت تمرر أصابعها بنعومة على ملامحه، تخطى الأمر التواصل البصري بينهما بل كان عميق بشكل كبير جدًا كلاهما يستشف مشاعر بالآخر جديدة لم يستطع الزمان أن يمحيها أبدًا. شعرت بيداه تتجرأ رُبما لا تعلم.. لكنها حينما أبعدت عيناها عن عيناه ونظرت وجدت بأنها مجرد خطوة واحدة وستكون بداخل الغرفة، لا تعلم متى تحركت؟ تحدثت فردوس بنبرة عفوية: "الشاي." رفعت حاجبيه وأخرجته من دوامة المشاعر التي كانت تحيط بهما:
"شاي إيه يا فردوس؟ ده ناقصه تلجتين يا حبيبي، فصلتيني عايزة أعملك شهادة تقدير في الموضوع ده." حاوطت عنقه بحب متحدثة باعتذار جعله يضحك رغمًا عنه: "خلاص أنا آسفة حاول ترجع تاني اعتبرني متكلمتش بص أنا خارسة أصلًا، لا أسمع لا أرى لا أتكلم." تحدث مداعبًا إياها قبل أن تنتهي الكلمات ويبدأ بالحديث بلغة أخرى تجيد نفعًا معها: "مش للدرجاتي أنا مش عايز تمثال معايا." "بعد مرور شهرين تقريبًا"
بعد العشاء… كانت والدتها ذهبت لتنام قليلًا فهي تشعر بالارهاق النفسي أكثر من كونه جسدي، هي أرهقت في محاولاتها على الاعتياد على تلك المحافظة التي تحمل جوًا وحياة مختلفة والأهم أنها تقوم بتنفيذ أوامر منير بألا يغادر أحدهما المنزل فقط إلا عند الإتيان إليه.
سمعت شمس صوت الجرس.. هذا شيء عجيب جدًا.. لا يعرفهم أحد ليأتي لهم زائر هنا.. حتى حينما ترسل جدتها طلبات للمنزل ترسلهم في الصباح الباكر جدًا. وضعت خمارها المنزلي بسرعة شديدة ثم توجهت صوب الباب وقامت بفتحه، وجدت أمامها بشرى… شعرت بالارتباك والقلق مما جعلها تسألها بعفوية: "في حاجة؟ كلكم كويسين؟ تمتمت بشرى بملامح لم تستطع شمس قراءتها: "إحنا الحمدلله بخير مفيش حاجة أنا بس اللي حبيت أجي أتكلم معاكي لو ينفع؟
لا تدري لما شعرت بالبلاهة لمدة ثواني وهي تناظرها إلى أن تحدثت بشرى في حرج وهي مازالت تقف على باب المنزل: "لو مش فاضية أنا…" استوعبت شمس فعلتها لتقاطعها متحدثة بجدية: "لا طبعًا اتفضلي أنا بس مش مستوعبة بقالنا كتير هنا ومحدش جه يشوفني فأنا مخضوضة شوية، اتفضلي." ولجت بشرى وسارت بضعة خطوات إلى أن اقتربت من الأريكة وجلست فوقها، أخذت شمس مكانها على الأريكة الأخرى التي تتواجد قبالتها بعدما خلعت الخمار. قالت بشرى بعفوية:
"نسيت أسألك تشربي إيه؟ غمغمت بشرى باختصار: "أنا مش عايزة حاجة شكرًا متتعبيش نفسك. والدتك فين؟ ردت عليها شمس وهي مازالت لا تفهم سر تلك الزيارة: "هي نايمة شوية، هو في حاجة؟ "كويس، أنا بس حبيت أقولك إن كتب كتابي بكرا في بيت أهلي مش البيت اللي كنتي بتيجي فيه تشوفي بابا بعد العملية."
سمعت شمس الأمر من والدها في الصباح لكنه لم يقم بدعوتها وتفهمت شمس الأمر بأنها بالرغم من حصولها على بعض الحقوق القانونية ما زالت بعيدة كل البعد عن الحقوق الإنسانية والعاطفية بينهم. تمتمت شمس بعدما رسمت ابتسامة هادئة على شفتيها: "عرفت، ربنا يتمم ليكي على خير يارب." سألتها بشرى بحرج: "هو بابا عزمك؟ هي ليست واحدة من العائلة.. حتى حضورها إلى مناسبة يتطلب دعوة… الأمر مهين جدًا. هتفت شمس بسلام نفسي لا تدري من أين
حصلت عليه في تلك اللحظة: "لا هو قالي بس معزمنيش، بس أكيد يعني إنه معاه حق، مينفعش أكون موجودة في يوم زي ده ولا أنكد عليكي ولا على مامتك." تحدثت بشرى بتردد: "ولو قولتلك إني حابة تكوني موجودة؟
أنا عايزكي تكوني موجودة يا شمس معايا بكرا من أول اليوم، عارفة إن كلامي ممكن يكون ملخبط بس إحنا محدش فينا اختار حياته بس على الأقل في إيدنا نصلحها. أنا طول عمري نفسي يكون ليا أخت بنت أو أخ يشاركوني تفاصيل حياتي، بكرا كتب كتابي وللمرة التانية أخويا مش هينزل ويا عالم هينزل يوم فرحي ولا لا." هتفت شمس بعدما حاولت أن تستوعب كل كلمة سمعتها منها: "أنا فاهمة كل اللي بتقوليه بس والدتك عارفة إنك جاية تعزميني؟
عقبت بشرى بنبرة واضحة: "أنا ماخدتش رأيها بس بلغتها. ماما مدركة إنكِ ملكيش ذنب في حاجة، تخيلي ولا والدتك ليها ذنب أساسي هي من ضمن الحاجات اللي بابا أذى بيها أمي لكنها مكنتش سبب المشكلة الأساسية. المشكلة الأساسية بدأت من يوم جوازهم، وبعدين ده كتب كتابي وأنتِ أختي ولازم تكوني موجودة." شعرت شمس بالسعادة… دون أن تدري بشرى جعلتها تشعر بأنها مقبولة… بعدما كانت منبوذة وياله من شعور صعب جدًا أن يتحمله أي شخص.
غمغمت شمس بالرغم من الامتنان الشديد التي شعرت به حتى ولو كانت مجرد كلمات كاذبة هي راضية: "راجعي نفسك يا بشرى حتى ولو في احتمال ولو واحد في المئة إن وجودي ينكد عليكي أو على فرحة والدتك بيكي صدقيني كفاية عندي إنك جيتي لغاية هنا تقولي ليا الكلام ده لوحده كفايا، كفايا أوي عليا." هتفت بشرى مضيفة الشرعية الحقيقية التي لا تنسب عن طريق أوراق بل مشاعر ومواقف حقيقية هي فقط من تثبتها:
"لا وجودك مش هيتسبب في أي حاجة، أنتِ أختي مهما حصل ووجودك جنبي في يوم زي ده مهم بالنسبالي." نهضت شمس من مكانها وذهبت لتجلس بجانب بشرى، ترقرقت الدموع في عيناها قائلة بصوت خافت: "شكرًا بجد على كل حاجة." هتفت بشرى متصنعة الجدية: "الشكر ده أنا هقبله لو جيتي بكرة بدري لاني مبحبش الناس اللي بتيجي متأخر وبحب المواعيد المظبوطة عايزاكي تكوني معايا من أول اليوم مش هيكون في حد في البيت معايا غير بنت خالي وملك صاحبتي."
تمتمت شمس بتردد وحرج: "يمكن ميحبوش وجودي هما كمان." "ده يومي أنا، وأنا اللي أختار مين يكون موجود ومين لا، ومحدش له رأي غيري وأنتِ أختي مكانك قبل أي حد وهما هيتقبلوا ده، تعالي ومتشغليش بالك بحد." بعدما قالت تلك الكلمات امتشفت بأنها تغيرت كثيرًا منذ خطبتها إلى هلال نضجت تمامًا على ما يبدو.
عادت إلى المنزل بعد محادثة طويلة جدًا مع شمس.. وقبل أن تبدل ملابسها لتستعد للنوم فهي سوف تستيقظ باكرًا جدًا، بسبب قطار ملك.. وجدت هاتفها يعلن عن اتصال تسمع صوته بشكل منخفض بسبب تواجده في الحقيبة، التقطته لتجد اتصال من مراد!! هذا شيء عجيب…. رُبما هناك شيئًا هام.. أجابت بشرى بنبرة عادية: "الو." سمعت صوت مراد يتحدث بانزعاج ويبدو أنه يحاول أن يسيطر عليه:
"إزيك يا بشرى، معلش لو بتصل في وقت متأخر بس ده الوقت اللي بكون فاضي فيه في الوحدة." تحدثت بشرى بعدم فهم: "هو في حاجة طيب؟ تمتم مراد بانزعاج جلي: "هي ملك سابت الشغل بقالها فترة ليه؟ هل يتصل في هذا الوقت ليسألها هذا السؤال؟! "زي ما أنتَ عارف هو شغفها مكنش في الشغل من الأول، وقعدت تقريبًا الفترة دي مسكت الدعايا لشركة من الشركات على السوشيال ميديا من البيت ده شغلها الفترة دي." سألها مراد بنبرة مكتومة: "اتخطبت؟
تحدثت بشرى بعفوية: "لا، بس في موضوع ابن خالتها ده احتمال يتم عشان هي حابة فكرة السفر." سمعته يتحدث بنبرة غاضبة بعض الشيء: "هو عشان حابة تسافر تروح تتجوز؟ وبعدين هو ابن خالتها ده الحوار اللي بترغي فيه بقالها كذا شهر؟ هتفت بشرى ببساطة: "لا ده كان واحد تاني، بس راح لحاله هي مرتحتش ليه، وبعدين أنتَ متصل تسألني أنا ليه ما تكلمها هي." أردف مراد بسخرية: "على أساس إن حضرتك متعرفيش." ضيقت بشرى حاجبيها متحدثة: "معرفش إيه؟
قال مراد بانفعال طفيف: "ملك عملالي بلوك من كل حتة يا بشرى، من الفيس والواتس وأي ابلكيشن ممكن يخطر على بالك لسه مكتشف الموضوع ده من قريب ومعرفش ليه عملت كده أصلًا." تحدثت بشرى هامسة لذاتها: "الله يفضحك يا ملك." غمغمت بشرى محاولة أن تخرج من هذا الأمر: "معرفش والله يا مراد أنا أول مرة أعرف منك، مش يمكن بلكتك بالغلط." سمعت ضحكة ساخرة منه وهو يغمغم: "بلكتني من كل حتة بالغلط؟
أنا أصلًا مش عارف أنا عملتلها إيه يقلبها بالشكل ده؟ إحنا أصلًا مكنتش بنتكلم غير أما بشوفها في الشغل، تقريبًا عمري ما اتصلت بيها ولا بعتلها رسالة عشان أعمل حاجة تضايقها، ليه تبلكني؟ قالت بشرى بارتباك هي ترغب في أن تنهي تلك المكالمة قبل أن تعترف حقًا:
"والله معرفش أنا هكلمها بس مفيش حاجة حصلت يعني أنتَ عارف ملك عمومًا مجنونة ممكن تقطع مع الناس بلا سبب ساعات لو قولت كلمة تضايقها أصحى ألاقيها مبلكاني وبعدين نتصالح تروح فاكة البلوك هي دماغها صغيرة شوية، مش أنا كتب كتابي بكرة؟ تمتم مراد بنبرة جادة بعد حماقته بالرغم من معرفته هو نسى الموعد الأيام تشبه بعضها لي الوحدة:
"ألف مبروك ربنا يتمم ليكي على خير، أنا عرفت من المتر بس للأسف مش هعرف أجي تتعوض في الفرح إن شاء الله، ومعلش آسف بجد إني دوشتك بس كنت هطق لو متصلتش بيكي." استرسل حديثه بنبرة واضحة: "أكيد ملك جاية ليكي بكرة قوليلها تفك البلوكات." "كان المقصد من الحب ألا تراه شخصًا عاديًا كغيره، وإلا ما فائدة أن تختاره، هو وحده، بين تلك الجموع من الناس، ثم تعامله كواحدٍ منهم؟ "أن تعرف مكانك في قلب من تحب، مثلما تعرف الطريق للمنزل."
أسابيع مرت على انتقالهما في المنزل الجديد.. وكل شخص منهما له شقة منفصلة تقريبًا… حتى أفنان تم تجهيز شقتها بالرغم من أنها تجلس مع والدتها في الشقة الخاصة بها… تم تجهيز كل شيء بعناية مع مرور الأيام.. كل من كان ينقصه شيء كان يستكمله بعد جلوسه في الشقة… الأيام رغم صعوبتها على الجميع وتذكرهم كل لحظة بشريف، إلا أنها كانت هادئة بشكل كبير، لم يكن هناك عواقب أو مشاكل جديدة.. كان الذهن صافي أو على الأقل يعرف أين تتواجد المشكلة ليس ذهن مشغول دون أسباب واضحة.. أصبحت العلة معروفة.. وسوف تنتهي عند خروج شريف من السجن.
أيام كمال وفردوس كانت رائعة إلى حد كبير… كل يوم تقريبًا تدهشه فردوس بالكثير من الأشياء إن كانت ملابسها عند عودته؛ أو حتى الطعام التي عادت لصنعه بعدما توقفت لسنوات… بالفعل جعلته يشعر بأن تلك أيام زواجهما الأولى… كان ينسى كل شيء يحزنه حينما يعود إلى المنزل ويرى ماذا صنعت؟! ماذا فعلت هي وقطتها؟!
فهو اشترى لها قطة عند إتيانهما إلى الشقة كما طلبت منه ولم يتأخر. لم تكن فردوس الوحيدة التي تتلقى منه سلام عند إتيانها ويحتضنها بل هناك كائن آخر قطتها التي تدور حول قدمه تنتظر أن يحملها ويقبلها هي الأخرى… وكان هذا هو الحال اليوم….
احتضنها ثم ترك قُبلة على وجنتيها وثغرها، واحتضن القطة.. بعدها بدل ملابسه، جلس على الطاولة ليتناول الطعام، هو يحرص على تناول طعامها حتى ولو وجبة للعشاء إذا تناول الغداء معهم بالأسفل…. تناول الطعام وأثنى عليه أخبرها بأنه ذاهب ليجلس مع والدته وأفنان وهزت وقتها رأسها في إيجاب… وأخبرته أنه إذا أنهت ما يقع على عاتقها مبكرًا ستهبط خلفه… أخذت تقوم بغسيل الصحون وتنظيف المطبخ، وضعت الملابس في الغسالة، وتقوم بتلك المهام اليومية، ثم قامت ببسط الملابس على الحبال وبعدها رتبت المنزل وأخذت حمام دافئ وجلست على الفراش؛ في أحضانها القطة، شعرت بالكسل أن تهبط لذلك ظلت تنتظره تشاهد بعض المقاطع على الهاتف…
وبحلول الحادية عشر قبل منتصف الليل كان كمال يدخل إلى المنزل باحثًا عنها ليجدها في نهاية المطاف في غرفة النوم، الغريب أنها لم تكن ترغب في أن تساعدها أي امرأة في شقتها إلا عند الضرورة القصوى ترغب في القيام بكل المهام بمفردها لأنها ترغب في الشعور بالاستقلالية الكاملة. تحدث كمال بتساؤل طبيعي: "منزلتش ليه؟ هتفت فردوس بنبرة هادئة: "عقبال ما خلصت وقعدت حسيت إني مش قادرة." أردف كمال بتفهم: "ماشي." ثم أسترسل حديثه:
"الأسبوع الجاي أحنا هنسافر." سألته فردوس بدهشة: "هنسافر فين واحنا مين؟ تمتم كمال بتوضيح: "فرح هلال في القاهرة مش فاكر امته بالظبط هو بعتلي اليوم والمكان إن شاء الله الأسبوع الجاي يعني، إحنا مين جدي مش هيروح ولا ماما هيكون في الغالب بكرة ودعاء أو أفنان لسه هسألهم بكرة المهم إني رايح أكيد، هلال عمل حاجات كتير معانا وأقل واجب إننا نكون موجودين يوم فرحه." تحدثت فردوس بهدوء: "خلاص ماشي مفيش مشكلة معاك حق لازم تروح."
سألها كمال بنبرة مبهمة: "وأنتِ مش هتيجي؟ "لا هاجي أكيد؛ إيه اللي هيخليني مروحش يعني؟ كانت جادة في تعبيرها ليس هناك سبب منطقي يجعلها لا ترغب في الذهاب… ولأنها ترغب في حضور تلك المناسبات معه، منذ زواجهما ولم يحضرا أي مناسبة سويًا… ضحكت رغمًا عنها، لينظر لها بعدم فهم.. لا يعلم أنها تداعب نفسها هي بالفعل تتعامل مع كل شيء وكأنها تزوجته منذ عدة أشهر… سألها كمال باستغراب: "بتضحكي على إيه؟
أجابته فردوس بجدية وهي ترفع بصرها وتنظر له وأثناء حديثهما كان قد جلس بجانبها على الفراش: "أصل دي هتكون أول مرة نحضر فرح مع بعض، هو إحنا حضرنا أفراح واحنا مخطوبين؟ أنا مش فاكرة." أخذ كمال يحاول أن يتذكر ليقول بنبرة هادئة بعد دقيقتين تقريبًا: "متهيألي حضرنا فرح أخو مراد الكبير أول ما اتخطبنا." تذكرت هي الأخرى متحدثة بجدية: "أيوة صح." نظر كمال على القطة التي غفيت بين أحضان زوجته ليغمغم: "فردوس نامت."
تحدثت فردوس باستغراب: "فردوس مين اللي نامت؟ أومال خيالي اللي بيكلمك." غمغم كمال بنبرة مرحة: "القطة." أردفت فردوس متذمرة: "قولتلك مسميهاش فردوس، اسمها مشمشمة هي بس بتفرهد كتير." هتف كمال ببراءة: "كل ما بلاقيها نايمة بفتكرك أعمل إيه طيب؟ تحدثت فردوس بانفعال: "أنا مبنامش كتير كده يا كمال." "أنتِ حياتك كلها معايا إنك نايمة يا حبيبتي." كزت فردوس على أسنانها وتغيرت ملامحها الهادئة إلى أخرى تمامًا:
"لو وحشك الخناق والخصام قولي." "لا موحشنيش لا يعودها أيام أنا متهايقلي بعد السنين اللي فاتت دي كلها أنا مش عايز خناق تاني في اللي جاي مهما كان السبب إحنا خدنا الجرعات كلها وشبعنا." ثم غير الموضوع متحدثًا: "أنا هقوم أعمل قهوة بكرة الجمعة أجازة، شوفيلنا حاجة نتفرج عليها مش عايز أنام دلوقتي." تحدثت فردوس بنبرة منزعجة: "اعملي قهوة معاك." قال كمال رافضًا:
"بلاش أنتِ القهوة بتصحيكي يومين معرفش ليه بتأثر فيكي أوي كده أنا ساعات بشربها وبنام بعدها بثواني، هعملك شاي، وبعدين بلاش لَوية وش." أقترب منها وترك قُبلة على جبينها ووجنتيها وواحدة على ثغرها: "يلا قومي بلاش البوز ده." "حاضر." "رقيقة للحد الذي يجعل الورد يتمنى ملامستها." "قرأت قبل قليل بأن : الحبّ رزق ليس مشقّة."
في اليوم التالي… كانت شمس بالفعل متواجدة منذ بداية اليوم وعلى العكس وجدت شخصية ملك مرحة جدًا وحتى ابنة خال بشرى تقبلت وجودها على الرغم من قلة الحديث بينهما إلا أن التعامل كان لين والجميع حاول إسعاد بشرى والجلوس معها أثناء تجهيزاتها اليومية.. حتى والدتها كانت فرحتها بها تطغى على تواجد ابنة منير الأخرى.. فرحتها بابنتها جعلتها لا تهتم بأي شيء آخر…
ارتدت بشرى فستان من اللون الأبيض بسيط جدًا، كانت إطلالتها ناعمة تضع بعض اللمسات التجميلية من مساحيق التجميل التي تكاد لا تظهر، الفستان كان ينساب على جسدها بنعومة.. مهما تخيلت في الماضي أثناء مراهقتها أو طفولتها أو أي فترة من فترات حياتها لم تكن تتخيل مقدار السعادة التي تشعر بها الآن… منذ أيام تعطيه وعد بأن له هدية منها يوم عقد القرآن أخبرها بأنه يرغب في أي إشارة أو تلميح، لتخبره بأنها ليست هدية مادية أو ملموسة من الممكن أن تكون سماعية، أستطاعت دون أن تدري بأن تجعله يشعر بالحماس الشديد… لينتظر هديته بعد إتمام عقد القرآن بفارغ الصبر.
"بارك الله لهما وبارك عليهما وجمع بينهما في خير" انتهت مراسم عقد القرآن لحقتها زغاريط النسوة من قلوبهم معبرة عن السعادة، لينهض هلال مقتربًا من بشرى التي نظرت له بفرحة ترافقها سعادة وخجل كبير، ترك قُبلة على جبهتها وعانقها تحت تهليلات الجميع وكان هذا أول عناق بينهما بل أول تلامس جسدي وعاطفي من الأساس رغم سرعته وعدم منحه الوقت اللازم إلا أنه كان أكثر من كافٍ. كانت تراقب شمس المشهد بسعادة.. ومن لا يسعد برؤية مشهد كهذا؟
تحديدًا لو كان شخص عاطفي مثلها… ولا تدري لما حضرت صورته في ذهنها. تلقائيًا لتتسع ابتسامتها وهي تتخيل صورة تعلم بأنها لن تحدث… بعد مرور نصف ساعة انتهى هلال وبشرى من تلقي التهنئة من الأقارب والمعارف والأصدقاء، أكثرهم كانوا من جهة بشرى بسبب المسافة لم يأتي كل معارف هلال بالطبع، لكن الأمر سيختلف عند حفل الزفاف الذي سيكون في القاهرة.
كان يقف بجانبها في أحد الأركان البعيدة قليلًا عن الجميع وتمنح خصوصية ليست بالقدر الكافي لكنها جيدة نوعًا ما.. اقتحمت هي الحديث متمتمة بصدق: "لو كان جه حد قالي من سنة إني ممكن أتجوز وأثق في حد بالسرعة دي كنت قولت عليه مجنون." ابتسم لها هلال ليغمغم بصوت هامس يخصها هي وحدها: "أنتِ أهم قضية كسبتها." ابتسمت رغمًا عنها وقبل أن تعقب سمعته يتحدث بحماس حقيقي: "ها فين الهدية؟ أنا معرفتش أنام من امبارح."
نطقت بشرى اسمه بسعادة وهي تنظر له بحماس متوقعة ردة فعل مختلفة تمامًا: "هلال." تحدث هلال بعفوية: "نعم؟ كررت اسمه مرة أخرى لكن نبرتها كانت عالية نوعًا ما: "هلال." أردف هلال بعدم فهم: "نعم، ما أنا قدامك أهو بتنادي ليه؟ وبعدين بلاش جو الهروب ده أنا عايز الهدية ومش هسيبك." تمتمت بشرى بارتباك وهي تعقد ساعديها: "ما أنتَ أخدتها أهو." هتف هلال وهو يعقد حاجبيه: "أخدت إيه؟
أنا ولا أخدت حاجة ولا سمعت أي حاجة من اللي في خيالي ومستنيها." أردفت بشرى بتوضيح وانزعاج بعدما وجدت أنه لم يفرح بهديتها بشكل الكافي: "ما أنا قولتلك أهو هلال، أنا مكنتش بنطق اسمك وبكلمك بالألقاب." قاطعه هلال بعدم استيعاب: "بشرى أنتِ بتهزري؟ هو ده اللي كان قصدك عليه؟ هزت رأسها ببراءة.. مما جعله يرفع يديه ليكن وجهها بين كفيه متحدثًا وهو يكز على أسنانه: "حظك يا بشرى إن مش من أنصار مد اليد خصوصًا مع الستات." أنزلت بشرى
يديه متحدثة بانزعاج واضح: "أنا كنت فاكرة إنك هتفرح." أردف هلال مستنكرًا: "معاكي حق إزاي مفرحش إن يوم كتب كتابي بعد ما عشمتيني بقالك أيام تروحي قايلة اسمي، ده والله ربنا يسامحني على الجحود اللي أنا فيه." سألته بشرى بجدية وحماقة وهي تنظر له: "أومال يعني أنتَ متوقع إني هقول إيه؟ بالعكس أنا كنت متخيلة إنك ذكي وهتعرف لوحدك إيه هي الهدية." تمتم هلال بنبرة ساخرة: "معلش أنا غبي." أين كلمات الحب الذي توقعها؟
ابتلع هلال ريقه ثم تحدث بجدية وهو يضع يده على رأسها: "على العموم إحنا معانا وقت نعمل كورس تأهيل كامل للكلام اللي أحب أسمعه الفترة الجاية لغاية الفرح ومفيش مانع الكلام والأفعال اللي أحبها، مش مشكلة الدماغ دي أنا هعملها سيستم من أول وجديد." "أنا دماغي زي الفل." ضحك هلال رغمًا عنه وهو يعقب: "هي فلة فعلًا." ضحكت هي الأخرى… لتسمعه يقول بعد تنهيدة حارة:
"ألف مبروك علينا يا بشرى؛ النهاردة من أجمل أيام حياتي وإن شاء الله الأيام اللي جاية تكون في حياتنا كلها حلوة." أنهى حديثه وهبط ليأخذ كفها طابعًا عليه قُبلة راقية… لتهتف هي بصوت خافت جدًا وناعم: "الله يبارك فيك يارب، أنا مبسوطة أوي لأول مرة في حياتي أصلًا." "دي مهمتي الفترة الجاية إنك متكونيش غير مبسوطة وبس."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!