بعد مرور يومين.. زيارة إلى شريف.. حاول هلال الحصول على تصريح من أجل رؤيته لأنه لم تكن لديه الفرصة للاتيان في اليوم التي أتت له عائلته بسبب ظروف العمل. -الحمدلله بخير في أحسن حال. كانت تلك إجابة شريف. لولا أن هلال يعرفه حق المعرفة ويعلم متى يكون جيد ومتى يكون في وضع لا يعجبه، لظن بأنه يدعي. لكن الأمر واضح وضوح الشمس. تحدث شريف بنبرة متعالية:
-طبعًا زمانك بتقول صحته جاية على السجن ودي الحقيقة فعلاً. أنا بقيت آكل أكتر من الأول بكتير والله حاسس إني هخرج من السجن عامل فورمة الشيف الشربيني. ابتسم هلال على حديثه ليسترسل شريف حديثه بخفة: -مش أنا مسكت المطبخ بقالي أسبوع ومن ساعتها وأنا بدأت آكل بدل التلبك المعوي اللي كان بيحصل. رفع هلال حاجبيه متحدثًا بدهشة: -لحقت تعمل كده؟ ضحك شريف وهو يغمغم بمهارة:
-دراسة الحقوق وبعدها اشتغلت سمسار ومقاول تخليني أسلك في الحديد. أنت عارفني مكان ما اتحط ليا بصمة. وبعدين إيه الوش النكدي ده؟ ده وش واحد هيتجوز الأسبوع ده! عقب هلال بنبرة صادقة ومشاعر لا يشوبها شائبة: -مكنتش متخيل إن ممكن يوم فرحي متكونش موجود فيه. ابتسم شريف بصدق. هلال لا يختلف عن كمال في شيء بالنسبة له. هو شقيق لم تنجبه أمه بحق. هذا المثل ينطبق عليه. لن يستطيع أن يجد صديق كهلال مرة أخرى.
رزقه الله به مرة واحدة في العمر. حاول شريف أن يتحدث بمرح كعادته: -طبعًا هتفتقد نصايحي، بس يلا معلش اعتمد على نفسك. وبعدين أنا لو مكانك كنت هتجوز عادي بنفس راضية، كانت زماني متجوز الرابعة ولا هيهمني. أنا واطي في الحاجات دي، علشان كده خليك في ليلتك متشغلش بالك بيا. ثم استرسل حديثه بجدية: -بس لو ربنا رزقكم بولد سموه شريف أو ثائر، أي حاجة من ريحتِـم يعني. وبعدين اقعد كده ضيع الكام دقيقة في كلام ملهوش لازمة. طمني عليها.
تحدث هلال بخبث: -على مين؟ -أمك. "سبّة" خرجت من فم هلال واتسعت عيناه وهو يعقب بسخرية: -يعني جوازي ملهوش لازمة والست شمس أهم؟ -مدخلناش في تفاصيل وجاوب قبل ما حد يدخل يقول الزيارة انتهت. تمتم هلال باختصار: -هي دلوقتي. أبوها أجر ليها بيت وقعدت هي وأمها في بني سويف بقالها كتير وعلاقتها مع بشرى بتتحسن عمومًا وحضرت كتب كتابنا، والدنيا معاها كويسة جدًا واستلمت البطاقة وكل حاجة في حياتها تمام.
ابتسم شريف ابتسامة رسمت في قلبه قبل شفتيه، ليتحدث بنبرة خافتة: -بجد؟ -أيوه، واللي سمعته إنه أبوها بيحاول يعوضها وهيخليها تكمل دراستها. حسنًا.. مشاعره هنا لم يستطع شريف تحديدها. كأنه أصبح والدها في تلك اللحظة. كأن ابنته قد رسبت في أحد المواد وسيعطيها أحدهم فرصة للنجاح مرة أخرى. هو سعيد جدًا. تمتم شريف بنبرة هامسة كمن يحدث نفسه: -كويس جدًا. ثم استوعب نفسه وتحدث بنبرة عالية وطبيعية:
-أهم حاجة يا عريس أنت تفرح وتسيبك مني خالص. خليك في نفسك وفرحتك وبس وأنا فرحان من مكاني هنا مش لازم أكون معاك المهم إن مشاعري مش هتختلف كتير أنا فرحان بيك يا هلال إن أخيرًا لقيت نصك التاني. هتف هلال ساخرًا: -بفضل حضرتك طبعًا. ضحك شريف ثم غمغم متصنعًا الجدية: -أعمل إيه؟ كان لازم أدفعك الدفعة الأولى. _شراء الفستان هو الأمر الذي يقع على عاتقها الأيام الماضية. في النهاية اختارت فستان حرير لونه (نحاسي)
تقريبًا، من أجل الذهاب إلى حفل زفاف هلال وبشرى. على الأغلب لن يذهب أحد معهما سوى توفيق الذي قام بتغيير رأيه لأنه وجد بأنه لا يصح عدم الذهاب من أجل هذا الرجل الذي ساعد حفيده هو ووالده، وقدم له العديد من الخدمات التي لم يكن ليحصل عليها من غيره. تجلس فردوس في شقة دعاء والقطة تجلس على فخذيها تمرر يدها على جسدها برفق وتحاول مسكها جيدًا من أجل دعاء التي تجلس قلقة من القطة.
-أنا هسيب مشمشة معاكوا لغاية ما أرجع الكام ساعة دول لأني مش متعودة عمومًا إني أسيبها لوحدها. جاءت ريم التي كانت تجلس على الأريكة بجانب فهد يشاهدان أحد الأفلام الكرتونية المفضلة، وعلى ما يبدو أنها كانت تسترق السمع. -سبيها أيوه يا فردوسة سبيها معايا علشان خاطري. قالت كلماتها وأخذت القطة من بين يدي فردوس في ثواني وأخذت تقبلها مما جعل دعاء تعقب بسخرية:
-حرام عليكي يا فردوس كده هتشبطيها إنها تقولي عايزة واحدة وأنا أصلًا مستحملاكي بالعافية علشان ماسكاها وأنتِ قاعدة. أنا بخاف منهم أصلًا. هتفت فردوس بهدوء وهي تراقب ريم التي أخذت القطة وذهبت لتجلس بجانب فهد الذي أخذ يمرر أصابعه على القطة هو الآخر بانبهار حقيقي. -هاتيلها واحدة يا دعاء مدام هي حباها. ولا أقولك لما أرجع من السفر أجيب ليها واحدة ولفهد واحدة وممكن نعمل ليهم مكان تحت مثلًا لو مش عايزاها تبقى في الشقة معاكي.
تمتمت دعاء بنبرة جادة: -شكلي هعمل كده لأنها من ساعة ما أنتِ جبتي قطة وهي كلت دماغي. قاطعتها فردوس وعيناها مُسلطة على فهد. -أنا لما أرجع إن شاء الله هجيب قطة ليها وقط لفهد. قالت دعاء باستسلام على الأقل هي بدأت في الاعتياد على الأمر ولم يكن مخيفًا لدرجة قوية كما كانت تظن، تحديدًا لأن قطة فردوس قطة لطيفة جدًا، ليست شرسة كما اعتادت على القطط التي تراهم. -طيب، أهم حاجة تروحي وترجعي بالسلامة، وتنبسطي كده ويكون يوم حلو.
_في اليوم التالي. يحاول هلال إنهاء كل المهام التي تقع على عاتقه. هو يستحق إجازة بعد هذا العناء الذي دام لمدة طويلة.
طلب من بشرى بعد عقد قرانهم مباشرة بأن تذهب لاستخراج جواز سفر مستعجل، وحينما تم تسليمه لها أرسلت له صورته. حقًا هو لم يرتب في أمر السفر بل قرر تأجيلها إلى أشهر في الصيف، لكن عرض توفيق عليه الأمر هدية لهم وأنه سينهي له كل الإجراءات بأسرع وقت من شركته الخاصة بالسياحة وألح عليه بشكل كبير فلم يجد هلال سوى بأن يقبل وبعد ثلاثة أيام تقريبًا من حفل الزفاف سيذهب إلى (كيب تاون) جنوب أفريقيا.
اليوم ستأتي بشرى بسيارتها الجديدة، من ضمن الأشياء التي طرأت على حياتها هو تعلمها القيادة وشراء والدها سيارة لها. وعرض الفكرة على شمس -أراد أن يعدل بينهما قدر الإمكان لكنها لا تحبذها الآن ربما فيما بعد. هي فقط تحاول التأقلم على ما هي فيه حاليًا لا ينقصها شيء جديد. كان يجلس هلال في قلق. يخشى عليها طرق السفر وفي الوقت نفسه لا يحب الاتصال بها كثيرًا حتى لا يصيبها بالتوتر أو الذعر أو يجعلها تفقد تركيزها في القيادة.
أخيرًا بعد صلاة العصر تقريبًا سمع أصوات عالية في الخارج أثناء بحثه عن أحد الملفات في الحاسوب وقبل أن ينهض من مكانه لمعرفة ما الذي يحدث في الخارج وجعل أصواتهم ترتفع، كان هناك دقات خافتة على الباب. هتف هلال بنبرة عالية لتصل إلى من في الخارج: -ادخل. فتحت بشرى الباب بابتسامة عريضة وصادقة من قلبها، متمتمة بهدوء وهي تغلق الباب خلفها: -لو مشغول أنا ممكن أمشي. نهض من مكانه وهو يقترب منها متحدثًا بجدية: -لو مشغول هفضالك.
أنهى حديثه وكان أقرب منها للحد الذي جعله يسحبها إلى أحضانه. لثوانٍ كان في عقلها رد الفعل المناسب هو أن تصفعه على وجهه لكن تريثت حينما تذكرت بأنه ليس رب عملها فقط هو زوجها. أصبح زوجها منذ أيام. مرت دقيقة تقريبًا وهي لم تتحرك من بين أحضانه رأسها عند كتفه، ترغب في سؤاله متى سينتهي الأمر لتركض إلى منزلها بسبب خجلها. ابتعد هلال عنها أخيرًا وهو يناظرها ليجدها تتحدث بنبرة غير مفهومة بالنسبة له ولكنها كانت خافتة جدًا:
-سلم عليّ بالإيد إحنا مكنناش بنسلم بالإيد إيه رأيك؟ تذكر هلال جملة قالها والده على الرغم من أنه لا يتذكر الموقف نفسه هل يخص العمل أم شجار بين والده ووالدته لا يتذكر لكنه يتذكر حكمته الشهيرة. بأنه لا يجب أن يتخذ الرجل كل حديث المرأة التي أمامه على أنها تقصده أو تفهم معناه. هتف هلال بنبرة جادة:
-وماله حاضر. تعالى اقعدي بس يا بشرى كويس إنك جيتي كويسة أصلًا معرفش إزاي وأنتِ لسة في الأول كده تسوقي المسافة دي كلها وأنتِ لسة جديدة في الموضوع. غمغمت بشرى بتوضيح وهي تنظر له: -أعمل إيه طيب؟ وبعدين يعني عادي مش شيء صعب ثق فيي يا هلال أنا بقدر أعتمد على نفسي و... قاطعه هلال بنبرة ساخرة: -آه هلال. صدقي أنا كرهت اسمي من يوم كتب الكتاب. ارجعي قوليلي يا متر أحسن. قاطعته هي تلك المرة بجدية وهي تشرح له وجهة نظرها:
-إحنا خلاص كتبنا الكتاب مش منطقي أفضل أقولك يا متر. -لكن المفروض أسلم بالإيد بعد كده عادي. هتفت بشرى بضيق وهي تعقد ساعديها: -لو سمحت بلاش ندخل تفاصيل في تفاصيل تانية وبعدين خلاص اعتبرني مقولتش حاجة. بعد دقائق كانت تجلس معه على الأريكة بعدما صنع لها وله القهوة، سألها هلال باستغراب: -غريبة يعني إنك جيتي النهاردة قولتي إنك هتيجي قبل الفرح بيوم بالظبط. تمتمت بشرى بتوضيح:
-يعني في حاجات ناقصة هجيبها مع ملك، وعلى الأقل أكون أخدت وقتي وارتحت قبل الفرح بكذا يوم من السفر، والعيلة هتيجي قبل الفرح بيوم، بابا حجز في نفس الفندق اللي هنعمل فيه الفرح، علشان كمان هما مش هيروحوا في نفس اليوم. صمت هلال ثم سألها بعفوية: -أخوكي هيجي؟ قالت بشرى بعدما ظهر الارتباك على وجهها: -يعني تقريبًا جاي حسب ما سمعت من ماما. تحدث هلال بنبرة هادئة: -وإيه اللي مزعلك؟
بالعكس يعني المفروض تنبسطي لأن الموضوع كان فارق معاكي أوي أنه يكون حاضر. قالت بشرى بصراحة مطلقة وجدية هي باتت تخبره ما يتواجد في وجدانها دون خوف أو حذر: -في حاجات لما بتقعد تستناها من اللي حواليك كتير أوي وتطلبها أكتر من مرة لما بيعملوها بتحس أنها ملهاش لازمة. فهم هلال مقصدها ليتحدث بنبرة هادئة وهو يأخذ كفها يضعها بين كفيه بحنان:
-خلاص مش مشكلة مضايقيش نفسك أنا عمومًا بسأل عادي، وده يومك أنتِ معايا، أهم حاجة تكوني مرتاحة ومبسوطة ومتخليش أي حاجة مهما كانت تعكنن عليكي أو تزعلك في يوم زي ده. غمغمت بشرى باستسلام: -معاك حق. ثم أسترسلت حديثها برفق، وهي تخبره بالتطورات:
-قولت لشمس تيجي معايا من دلوقتي لكنها محبتش تسيب والدتها الأيام دي كلها، كنت عايزاها معايا ومعرفش ليه بحس بالترابط ده معاها بالشكل ده. وفي نفس الوقت كنت عايزة أمنع حدوث مشكلة يعني لو جت في نفس الوقت اللي ماما جاية فيه، بس يمكن ماما هتكون في عربيتها وهي هتكون مع بابا. هتف هلال بجدية وهو ينحني ليقبل يدها:
-أنا معجب جدًا بعلاقتك بشمس وكل حاجة، وحقيقي أنا مقدر محاولاتك معاها على الرغم من زعل والدتك وأنك بتحاولي تراضي كل الأطراف، بس أنتِ في الفترة اللي لازم تفصلي فيها عقلك ولو لمدة كام يوم وتسيبهم هما اللي يفكروا إزاي يرضوكي. *** في المساء.. -كل الميكب ارتست بينصحوا إن بلاش تنظيف بشرة قبل الفرح بكام يوم، بس محدش ماشي بالنصيحة دي، أنا لازم أعمل ماسك يوم أي مناسبة الصبح وعمر ما حصل حاجة.
قالت بشرى تلك الكلمات وهي تمرح مع صديقتها بعدما ذهبت إلى صالون التجميل برفقة ملك في الصباح والآن القناع الأسود موضوع على وجهها كحال وجه الأخرى لم يختلف الأمر كثيرًا. هتفت ملك بنبرة عادية: -والله الحياة طول عمرها ماشية وزي الفل ولا عمرنا ما كنا بنشوف مشاكل في وشوش أمهاتنا ولا أجدادنا، من ساعة ما كل واحد عمل صفحة وبدأ يفتي وحطوا مسمى لكل حاجة بالانجليزي والحال مش نافع. -مش هنرتاح إلا لما في مرة وشنا يبوظ.
ضحكت بشرى بعدما قالت كلماتها ثم غمغمت بنبرة ذات معنى: -مدام دخلنا في موضوع الصفحات، مراد كلمني قبل كتب الكتاب بيوم ومعرفتش أقولك علشان الدوشة اللي كنت فيها لما جيتي. تحدثت ملك وهي تعقد ساعديها وتنظر لها بعدم رضا: -وليه السيرة دي بقا وعايز إيه الأستاذ؟ غمغمت بشرى بسخرية: -والله اللي يشوفك وأنتِ بتتكلمي كده عنه يصدق إنك مش هتموتي عليه. شهقت ملك وهي تضع يدها على صدرها قائلة في دفاع قوي عن نفسها:
-مين دي اللي هتموت عليه يا ماما؟ نظرت لها بشرى بتهكم لتستمر ملك في الدفاع عن نفسها: -عمومًا حتى لو كان كده، الموضوع انتهى وكانت مشاعر قديمة، وخلاص شفيت منها. غمغمت بشرى بنبرة رسمية: -مدام خلاص مش هامك وبقت مجرد مشاعر قديمة اعتبريني مقولتش حاجة وخلينا نغير الموضوع. تحدثت ملك بحماقة ورفض شديد: -يعني إيه يعني؟ ما تقولي قالك إيه؟ -مش أنتِ قولتي مش هامك؟ أنتِ مالك هيقولي إيه بقا؟ قالت ملك بلهجة متشنجة ومنفعلة
جعلتها تبدو كطفلة متمردة: -الكلام ده كان قبل ما تثيري فضولي وتروحي ساكتة كده، مينفعش. ضحكت بشرى وهي تريح فضولها العميق والكبير: -قالي إنك مبلكاه وهو مضايق وعايزك تفكي البلوك. شهقت ملك ونهضت بفرحة حقيقية ووقفت مرة واحدة أثارت فزع بشرى: -أنتِ بتتكلمي بجد؟ يعني هو خد باله إني مبلكاه؟ أنا افتكرته مش هيأخد باله أصلًا، ده معناه إنه مهتم واضحة يعني. هتفت بشرى بارتياب من حالة الفتاة التي تجلس أمامها:
-هو واضح إنه مهتم وده ظاهر من قبل ما تسيبي المكتب، بس أكيد هيبطل يهتم لما لقاكي مبلكاه. تنهدت ملك ثم جلست مكانها مرة أخرى ووضعت الخصلة التي فرت من خصلاتها خلف أذنيها متحدثة برزانة لم تكن تملكها منذ ثواني: -عمومًا كل ده ميمهمنيش أنا أصلًا هتجوز ابن خالتي وههاجر وهروح كندا. تحدثت بشرى ساخطة: -ابن خالتك ده لو كان اتجوز صغير كان خلفك والله، ومعرفش أصلًا أنتِ دخلتي في الحوار ده ليه مش شيء منطقي أصلًا. غمغمت ملك بتوضيح:
-بطلي أفورة هو كبير آه بس مش للدرجاتي. هتفت بشرى بتفسير لوجهة نظرها: -مينفعش تروحي تعرفي حد والموضوع ممكن يكون رسمي خلاص وأنتِ زي الهبلة بتحبي واحد تاني. قالت ملك ببراءة: -هو صالونات وطبيعي أفكر لما يجيلي حد، مش منطقي أقعد أضيع عمري وأنا منتظرة واحد أصلًا مش حاسس وغبي، ثم يعني أنا مكنتش منافقة أنا بلكت مراد من كل حتة حاولت أنساه. سألتها بشرى بنبرة جادة: -ونسيتيه؟ هزت ملك رأسها نافية ثم أردفت:
-لا طبعًا فروحت نهيت الحوار مع حمزة امبارح، بس ده مش معناه إني هفك البلوك لمراد خليه يولع في نفسه. تمتمت بشرى بنبرة فاترة: -والله يا ملك ما حد هيولع في نفسه منكم غيري وأنا اللي هبلكك أنتِ وهو، أنا هقوم أغسل الهباب اللي على وشي ده وأنام. نهضت وسارت بضعة خطوات لتقول ملك بفضول وجنون: -تنامي إيه؟ أنا مش هسيبك غير لما تقولي كل كلمة اتقالت في المكالمة دي. أنهت حديثها لتركض بشرى وهي تركض خلفها بخفة. ***
مرت الأيام القليلة الباقية سريعًا. حتى يوم الزفاف. دموع رافقت زينب ونرمين. كان الغريب بأن شمس هي الأخرى ذرفت دموعًا من أجل سعادتها برؤية أختها عروس. كان الأمر جميلًا جدًا. حسنًا هي لم تجد الترحيب الكامل من بين العائلة كلها والأقارب هي بالنسبة للجميع دخيلة وغريبة عنهم لكن بشرى هي الوحيدة التي أعطتها الشرعية التي ترغب في الحصول عليها. كانت ترى ابتسامة رائعة على وجه بشرى وهلال يجعلها تتمايل على الأنغام معه وبين يديه.
لوحة رائعة جدًا. التقطت لهم شمس العديد من الصور الفوتوغرافية بواسطة هاتفها. دعت لهما بالحياة الهادئة والذرية الصالحة. لتمزح مع نفسها إلى أي مدى تغيرت! باتت تدعو دعوات للناس لم تكن في خاطرها يومًا. من الأشخاص الرائعة التي تعرفت عليها عن طريق بشرى هي صديقتها ملك. هي رائعة بشكل كبير تجذبها في بعض الأحيان لتقف معهم أثناء رقصهم مع بشرى لكنها تبتعد عن الأجواء بمجرد أن تجد والدة بشرى أقتربت هي تراعي شعورها.
رغم معرفتها بأنها لم ترتكب سيئًا في حقها لكنها تقدر أنها أم وتشعر بالسعادة ولا تود أن تجعلها تشعر أي شعور يجعل سعادتها تتناقص. وقت البوفيه كانت ملك تجلس بجانب شمس لم تتركها بمفردها (حسب وصية ورجاء بشرى) . رمقت شمس الجانب الآخر لتجد أمامها على إحدى الطاولات. رأت رجلًا كبيرًا في العمر تجاوز السبعين منذ زمن يرتدي عباءة ورجلًا آخر في الثلاثينات من عمره وهي. هي تلك المرأة التي رأتها في المستشفى مع شريف. زوجة شقيقه.
إذن تلك عائلته! لم تكن تظن بأن هلال سيدعو عائلة صديقه. هتفت شمس دون وعي لتسمعها ملك: -أنا عايزة ألبس حاجة أو أختفي حالًا. تمتمت ملك وهي تتناول الكفتة والأرز بشهية مفتوحة كعادتها: -ليه بس؟ بقولك إيه أنتِ طبقك زي ما هو، لو الكفتة مش فارقة معاكي ممكن آخدها؟ ثم رفعت رأسها وتركت الطعام لتنظر إلى حيث تنظر شمس. متمتمة: -أنتِ باصة على إيه كده؟ تمتمت شمس بارتباك وفي الوقت نفسه نهضت من المكان أثارت انتباه من تنظر إليهم:
-أنا هقوم أروح أي حتة. تمتمت ملك باستغراب: -طب فهميني في إيه طيب. -مفيش هروح أعدل الطرحة وأجي. سألتها ملك بنبرة جادة لا تليق بطلبها: -آخد الكفتة طيب؟ قالت شمس بنفاذ صبر وهي تغادر: -ياستي خدي الطبق كله بس حلي عني دلوقتي. رحلت شمس لتقرب ملك طبق شمس منها بملامح مبهمة. وشعرت بالفراغ برحيلها ولم يدم طويلًا. مرت ثواني فقط قبل أن تجد مراد يجلس مكان شمس وهو يحمل طبقه متمتمًا:
-الكفتة بتاعتي زي ما هي حتى الشيش لو حابة أنا أكلت الفراخ بس. توقف الطعام في حلقها. *** "في نفس الوقت" تحدثت فردوس بنبرة غير مفهومة وهي تجلس بجانب كمال: -أنا مش عارفة مالي حاسة إني مخنوقة أو تعبانة. هتف كمال بنبرة هادئة: -إحنا لسه جايين يا فردوس ربع ساعة على الأقل ونمشي. إيه اللي تاعبك طيب؟ تمتمت فردوس: -مش عارفة خلاص هو يمكن أكون اتخنقت مرة واحدة والاكل ريحته مش حلوة بجد.
لا يدري لما ظن كمال بأنها من الممكن أن تكون تذكرت ليلة زفافهم! وما حدث بها. لأنها تلك المرة الأولى تقريبًا التي تذهب فردوس بها إلى حفل زفاف بعد ما حدث. وفي الوقت ذاته رفعت رأسها لتقابل نظراتها نظرات شمس التي وجدتها انهمكت في الحديث مع من تجلس بجانبها ثم وجدتها تغادر القاعة تقريبًا. تمتمت فردوس هنا بنبرة غير مفهومة: -أنا هقوم أروح الحمام أظبط حاجة وأجي. ثم غادرت ولم تنتظر تعقيب كمال الذي لا يفهم. ما الذي يصيبها حقًا.
*** عودة مرة أخرى عند مراد وملك. أخذت ملك تسعل بقوة وتوقف الطعام في حلقها. أعطاها مراد زجاجة المياه لتتناول منها وبعد دقائق هدأت قليلًا. تمتمت ملك بنبرة جادة ومتشنجة: -أنا عمومًا مش عايزة كفتة وشبعت ولو كنت عايزة كنت روحت أخدت. وبعدين أنتِ ليه قعدت مكان اخت بشرى؟ هي راحت ودقيقة وهترجع. هتف مراد بلهجة تشبهها وبطريقة مباشرة: -أنتِ بلكتيني ليه؟ تبخرت شجاعتها وحاولت إيجاد رد مناسب!
ليس من الطبيعي أن تقوم بحظر شخص ليس بينهما حديث على مواقع التواصل الاجتماعي ومن دون أن يفعل شيء. ومثلاً لو كانت لا تريده في قائمة الأصدقاء لكانت حذفته لكن لما الحظر؟ -مش عارفة. ضيق عيناه بعدم فهم أو استيعاب! توقع كثير من الإجابات لكن تلك لم يتوقعها. هتف مراد بنبرة جادة وهو يسألها: -طب أنا عملت حاجة تزعلك من غير ما أقصد؟ أردفت ملك بحماقة: -حبيت أقطع علاقتي مع المكتب كله. غمغم مراد بعدم فهم:
-يعني إيه تقطعي علاقتك مع المكتب كله؟ هو أنتِ ماشية من المكتب بخناقة ولا فضيحة ولا مطرودة؟ وبعدين هو المكتب عندك كله يتلخص في الأكونت بتاعي أنا لوحدي؟ بشرى والمتر وابوه دول ايه من مكتب تاني؟ تحدثت ملك بملل: -أنت عايز ايه؟ ما خلاص بلكتك والموضوع خلص اعتبرني واحدة مجنونة بعمل بلوك للناس من غير سبب يا سيدي ارتحت! -انا خلاص هخلص جيش الشهر الجاي. غمغمت ملك بلا مبالاة:
-ألف مبروك يا سيدي اهو هم وانزاح علشان تركز في شغلك وحياتك ومستقبلك. كيف يخبرها؟ كيف يخبرها؟ أخذ السؤال يتردد في عقله ألف مرة تقريبًا أنه لأول مرة يشعر بتلك المشاعر أو حتى يخطو تلك الخطوات. العلاقات لم يكن شيء يفكر به تمامًا... لكن ماذا يفعل مع الهوى؟ سألها مراد دون مقدمات: -عملتي ايه مع ابن خالتك؟ إذا كانت تسعى في الأمر ذاته أو أنه حقيقي ليس عليه أن يحاول حتى! وقتها سيكون فقد الحق. هتفت ملك بعدما تناولت قطعة من
الكفتة مع ملعقة من الأرز: -الموضوع خلاص يعني خلص مفيش نصيب. شعرت بفرحة غريبة وهو يرد عليها بكل هدوء: -انا برضو شايف أن تفكري كويس يمكن ربنا يرزقك بعريس فلاح كويس. -لا يمكن... غمغم مراد بتساؤل عفوي خرج منه وهو يضحك: -حتى لو كنت أنا الفلاح ده؟ هتفت ملك بنبرة جادة وهي تنهض من مكانها تخفي ارتباكها: -انا قايمة اشوف بشرى كلت ولا لسه. وجدها تحمل الصحن معها بشكل فكاهي وغريب جدًا مما يجعله يتحدث بمرح:
-حنينة والله رايحة تديها طبقك الفاضي! رمقت ملك الصحن: -اومال انا كنت بأكل منين؟ انا لسه واكلة حتة كفتة دلوقتي. -دخلتي في طبقي بس مش مشكلة في النهاية هخلص جيش ونشوف. تمتمت ملك بحماقة: -انا مالي أنا بجيشك خلصه مع نفسك. -لا أنا هكون البلاء بتاعك، لما تتجوزيني وتكوني اتجوزتي فلاح هيكون عقابك في الدنيا أنك متتريقيش على حد تاني وتقفلي بوقك. أردفت ملك بارتباك ووجها ازداد إحمرار من كثرة الخجل: -لا انت زودتها مش ممكن.
جاءهم صوت مريم الجالسة على الطاولة المجاورة تقريبًا هي وبعض العاملين في المكتب: -مش معقول خناقات برا وجوا. "في الحمام الخاص بالفندق" كانت شمس تقف في الداخل أمام المرأة لا تدري كيف ستذهب إلى القاعة أو حتى كيف تبرر! هل عليها أن تبرر؟ لا تعلم ماذا تفعل!
في حين ظنها بأنها وجدت مكان مناسب للاختفاء عن أعين الجميع كانت فردوس تفتح الباب الخاص بالحمام والتي اندهشت من وجود شمس أمامها. هنا علمت شمس بأنه يجب عليها ألا تفكر مرة أخرى للأبد. فردوس أتت بعفوية إلى الحمام بعدما ظنت بأنها لن تعثر عليها. ولا تعلم لما تريد رؤيتها. هي تتذكرها جيدًا جدًا رغم مرور عدة أشهر على الأمر.
هتفت شمس وكانت هي التي تبادر. هي ملكة على عرش التهور والتسرع. صدقًا لا تظن أن هناك من هو أحق منها بهذا اللقب. ليس شيء جيد أن تكون ملكة في أمر هكذا لكنها استطاعت أن تتربع على أي عرش ليس من المهم المسمى. المهم أنها تفوقت في شيء: -ازيك! أستطاعت فردوس استيعاب الأمر سريعًا: -الحمدلله. أرادت شمس أن تعرفها باسمها لسبب ما اقتربت منها رغم وجود الكثير من النساء ومدت يدها: -أنا شمس. صافحتها فردوس وتحدثت بنبرة رزينة:
-وأنا فردوس. قالت شمس بعفوية: -انا عارفاك على فكرة. تمتمت فردوس رغمًا عنها: -باين انك تعرفيني كويس. -أكيد أنت عملتي أكبر خدمة ممكن يكون حد عملها ليا في حياتي من بعد شريف. نظرت لها فردوس في ارتياب! هي لا تعرفها رأتها مرة واحدة. ولأول مرة تتحدث معها كيف لها أن تكون قد قضت لها معروفًا؟ -عملت أيه مش فاهمة! -أن اتنازلتي عن القضية وعملتي تصالح. المعروف اللي عملتيه مع شريف كأنك عملتيه معايا أنا وأكتر.
المميز في الأمر بأنها وجدت أنسانه تعجز أمامها من صدقها في الحديث. مشاعرها الفياضة التي يشعر بها أي شخص من خلال فقط الحديث معها. اما الشيء العجيب جدًا بأن صدقها وعفويتها في الحديث. مشاعرها الواضحة التي تكاد تجزم بأنها تشعر بكل شيء بداخلها وكأنها مرآة لمشاعرها التي تظهر على قسماتها بوضوح. هي تشبه في تلك النقطة كمال. بدأت فردوس أن تشعر بالخجل. يبدو أن شمس تعرف كل شيء تقريبًا.
هذا ليس حديث أمراة قد تعرف من الأمر قشرته الخارجية فقط. هذا الشيء جعلها تشعر بالاستنكار. كيف يفضي شريف لأمر هكذا إلى أمرأة لا تعرف صفتها الحقيقية بالنسبة له. بينما هو يخشى أن يعرف أي شخص ما حدث. إذن تلك المرأة لها مكانة مميزة بالنسبة له. تنهدت فردوس ثم قالت باختصار: -ده حقه. ثم سألتها بنبرة جادة وذكية وهي تحاول ربط الأمور ببعضها ومحاولة معرفة لما تتواجد هنا: -هو أنت من معارف هلال؟ أردفت شمس بنبرة عادية:
-أنا أخت العروسة. لا تعتقد فردوس بأن شريف يمتلك تلك الخصال! هل هو على علاقة مهما كانت أبعادها مع اخت عروس هلال! ولما قد تسافر أمرأة تلك المسافة مع شخص حتى ولو كان بينهما علاقة عاطفية مثلا. تمتمت شمس وهي ترغب في الإنسحاب أخيرًا: -عن اذنك. -اتفضلي. غادرت شمس تاركة فردوس في حيرة. بعد منتصف الليل.
بسبب الأمطار لم يرغب توفيق بأن يذهبا في طريق السفر في ذلك الوضع على الأقل ينتظرا للصباح. لا يحبذ القيادة أو طرق السفر في تلك الأوضاع وتحديدًا في الليل. لذلك قرر بأن يقطنا في فندق حتى صباح اليوم التالي. ولم يكن أي شخص معه ملابس أو أي شيء. فذهب كمال لشراء ملابس له ولزوجته وجده -الأغراض الأساسية التي تكفي ليلة واحدة -ثم عاد لهما في الفندق وأعطى الملابس لجده في غرفته وأعطاه العشاء الذي قام بشراءه.
ثم أتى إلى غرفته مع زوجته ووضع الأغراض والطعام على الطاولة قائلا: -انا حاولت اجيب الحاجات الضرورية. تحدثت فردوس بعدما نهضت من الفراش وهي مازالت بفستانها: -مش مشكلة. غريبة بجد المطرة مش عايزة تقف. هتف كمال بهدوء: -ان شاء الله على بكرا الصبح تكون الدنيا هديت ونروح علطول. -ان شاء الله. تحدث كمال بنبرة عادية وهو يشير على الحقيبة: -خشي خدي دش وغيري هدومك بقا ويلا علشان نأكل انا جعان جدًا معرفتش أكل في الفرح بسببك. -ماشي.
بعد مرور نصف ساعة تقريبًا بدلت فردوس ملابسها وأخذت حمامها وأخيرًا شعرت بالحرية وكذلك كمال بدل ملابسه ثم جلس الاثنان على الطاولة ليتناولا الطعام. بدأ كمال في تناول الطعام بشهية واضحة لم يتناول شيء منذ الصباح تقريبًا ولكنه توقف عن ذلك حينما وجدها لا تتناول أبدًا أو توقفت منذ مدة. سألها كمال باستفسار: -مبتأكليش ليه! تمتمت فردوس باشمئزاز واضح: -ريحة الفراخ زفرة جدًا. انت كلتها ازاي أصلا!
أنا حاسة إني هرجع من ساعة ما شميتها بجد. قال كمال بهدوء لكن نظراته كانت غريبة بالنسبة لها: -الفراخ مافيهاش حاجة يا فردوس، متتهيألك أنت. اللي معدتك قالبة لأن برضو ساعة الفرح خلتيني أقرف من الأكل رغم إنه مكنش فيه حاجة. -المشكلة فيا أنا في الآخر صح! هتف كمال يسألها بهدوء: -أيوه، لأن الأكل كويس وبرضو الأكل في الفندق كان كويس، وأنت بقالك كام يوم على كده. نروح نعمل سونار على معدتك لو فيها حاجة. انتهى الحديث بينهما إلى هنا.
تناولت فردوس الأرز فقط والسلطة وامتنعت عن تناول اللحم أو الدجاج المشوي. سألها كمال إذا كانت تحب تناول شيء آخر يمكنه طلب أي شيء لها ولكنها أخبرته بأنها لا تريد شيء وألا يشغل باله. كان اليوم مرهقًا على كمال خصوصًا القيادة، لذلك خلد إلى النوم مبكرًا. وهي حاولت أن تفعل مثله لكنها فشلت كالعادة بسبب تغيير المكان، الأمر كان صعبًا جدًا. هناك دفء في أن ينصت إليك أحدهم فتشعر أن حديثك يُصان في قلبه. في نهاية اليوم.
كانت هناك أمطار غزيرة جدًا رغم أن فصل الشتاء يعتبر قد انتهى منذ مدة. وصلت بشرى إلى المنزل برفقته ورفقة عائلتها وصعدت معها والدتها وتركت العشاء لهم في المطبخ وأتت فترة توديعها. بكت بشرى بشكل هستيري تقريبًا، وهو ما جعل والدتها وجدتها يجلسان معها في الغرفة لأكثر من ساعة تقريبًا حتى أن الساعة تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل.
ولا تدري هل هدأت بشرى ورغبت في النوم من الإرهاق التي مرت به، أم أنها أرهقت من كثرة البكاء، لكن النتيجة بأنها هدأت. وهنا تحدثت زينب في عقلانية بأنه يجب عليهما أن يذهبا، زوجها في الخارج منذ وقت طويل. هذا لا يصح أبدًا.
وطمأنتها أمها بأنها ستأتي في الغد أو بعد الغد قبل سفرها هي وزوجها. خرجت زينب ونرمين ألقوا التحية على هلال، ووصلهما هلال إلى الأسفل حتى ركبت زينب ونرمين مع منير في السيارة الذي كان ينتظرها منذ وقت طويل جدًا في الأسفل ورفض الصعود. قام بتوصيل شمس إلى الفندق ثم عاد مرة أخرى لهما.
صعد هلال مرة أخرى إلى المنزل وأغلق الباب خلفه، ثم سار بضعة خطوات وتوجه صوب غرفة النوم. صدقًا هو توقع أنها مازالت تبكي. أسوأ الحلول أنها قد خلدت إلى النوم. لكن ما الذي يراه؟ كانت قد خلعت حجابها منذ مدة بمساعدة والدتها. لم يكن عليها تحمله أكثر من هذا، ومسحت مساحيق التجميل. بقيت بالجزء الخاص بالفستان بعدما خلعت طبقته العلوية التي تجعله ضخمًا. كان الآن مظهرها أقرب أنها ترتدي فستان سهرة رُبما.
وجدها تضع الملابس في حقيبة سفر. خلع هلال سترة بدلته السوداء، ثم جلس على طرف الفراش ووجدها تتجنب النظر له وكأنه لم يلج إلى الغرفة من الأساس. حسنًا، ليتحدث لتعلم بأن هناك إنسانًا معها في المنزل. كان يداعبها بحديثه حتى يخفف من التوتر البادي عليها: -للدرجاتي العيشة معايا متطاقش وأنك ناوية تغضبي وبتلمي هدومك بعد كام ساعة؟ الحاجات دي مش بتحصل من دلوقتي. رفعت بشرى وجهها له متحدثة بنبرة جادة وتلقائية:
-لا طبعًا، أنا بحضر شنطة السفر، مش هنسافر بعد يومين تقريبًا. أردف هلال وهو يرفع حاجبيه: -بتحضري شنطة السفر دلوقتي؟ هتفت بشرى بنبرة جادة لكنها أقرب إلى مزحة بالنسبة له: -أيوه، أنا بحب أخد راحتي في تحضير شنطتي. تمتم هلال مدعيًا التصديق: -مش لدرجة ثلاث أيام هتحضري شنطة. هتفت بشرى بنبرة مكتومة: -أهو ده اللي حصل. غمغم هلال وهو يعقد ساعديه يراقب يدها التي تضع الملابس بحذر وارتباك واضح للأعمى:
-طيب براحتك. طب مش هتغيري أو تأكلي على الأقل؟ -لا، أنا مرتاحة كده. أردف هلال بجدية: -مش منطق إن في إنسان بعد المجهود ده كله يرتاح وهو قاعد ولابس فستان زي ده بقاله أكتر من عشر ساعات. ثم تحدث مسترسلًا حديثه بنبرة حنونة بعض الشيء: -مش أول مرة يعني متباتيش في بيتكم أو تبعدي عن أهلك. أنتِ في الجامعة كنتِ بعيدة عنهم وفي الشغل كنتِ بعيدة عنهم، يعني إيه الجديد و... قاطعته بشرى متحدثة باستنكار أنه يسألها حقًا؟ كأنه قد أجرم.
-كنت بكون بايته مع صاحبتي مش مع راجل غريب. أحيانًا هو يرغب في أن يضع يديه على أذنيه حتى لا يسمع بعض كلماتها. حاول هلال أن يجاريها: -فعلًا معاكي حق، أنا اقتنعت بكلامك. كملي يا حبيبتي وحضري الشنطة. ضيقت بشرى عيناها وهي تنظر له، لتسمعه يتحدث كمن يحدث نفسه وكأنه صوت مسموع: -لثاني مرة أنا بسمع محادثات وبرسم توقعات غير الواقع. أردفت بشرى بعدما تركت الملابس التي في يدها في الحقيبة: -خلاص، أنا هغير ونأكل، حلو كده؟
-ليه في نون الجمع في النقطة التانية مش الأولى. كانت نبرته خافتة لم تسمعها، ولكنه وجدها تتحدث بحماس غريب انطلق من عينيها فجأة: -استنى، استنى. سألها هلال بعدم فهم: -في إيه؟ قالت بشرى بجدية: -في صورة كنت حابة أتصورها، ده أنا طلبت المرايا اللي برا دي علشانها هي بس. ألبس جاكت البدلة وأنا هلف الطرحة أي حاجة وخلاص. نهض هلال من مكانه قائلًا بهدوء بعدما التقط سترته: -أيوه، أنا من بدري مستني الحتة دي.
بعد دقائق كانت تقف أمام المرأة بعدما ارتدت حجابها وضعت بعض مساحيق التجميل البسيطة جدًا جدًا، وغمغمت محاولة إيجاد وضعية مناسبة: -اقف جنبي. -لا، مش جنبك. أنا هاخد الوضع اللي يعجبني والصح بالنسبالي. وقف خلفها تقريبًا، حاوط خصرها واستند على كتفها برأسه بعدما طبع قبلة عليه: -يلا اضحكي وصوري. ابتسمت والتقطت أكثر من صورة وهو حاول أن يغير وضعيته أكثر من مرة بناءً على طلبها.
أراد أن يسعدها، يفعل ما تريده، يجاريها في أي شيء تريده، حتى تتخلص من توترها تدريجيًا. ووقتها أصبحت له برابطة قوية ومشاعر جياشة لم يظن أي شخص فيهما بأنه يمتلكها حقًا. كانت أمسية رائعة لن تُنسى أبدًا. في الفندق. بعد محاولات عديدة منها أخيرًا شعرت بالنعاس الذي نتج عنه نوم ساعة واحدة واستيقظت في الثالثة فجرًا.
حينما نظرت ناحية الشرفة علمت بأن الشمس لم تشرق بعد. ألتقطت هاتفها لتجد بأن الساعة لم تتجاوز الثالثة والنصف فجرًا. نهضت من الفراش وسارت ناحية الشرفة تفتحها بحذر حتى لا يستيقظ كمال الذي نام نومًا عميقًا. لاحظت أن الأمطار قد توقفت. الجو هادئ وجميل جدًا في هذا الوقت لكنه بارد قليلًا. دخلت إلى الغرفة مرة أخرى وجلست على الأريكة. أخذت تتصفح هاتفها وجدت العديد من الرسائل المرحة من دعاء. "ايوه يا عم الله يسهله"
"شهر عسل جديد ده ولا إيه؟ "ما ترد ياعم اللي عطاك يعطينا" "كمان مش بتردي؟ روحي الله يسامحك يا فردوس" والعديد والعديد. اكتفت فردوس فقط بترك رسالة بسيطة. "اتلمي يا دعاء" لم تمر ثلاث دقائق وتلقت رسالة من دعاء. الغريب بأن دعاء مستيقظة في هذا الوقت. نهضت فردوس وتوجهت صوب الشرفة مرة أخرى وأرسلت لها رسالة بأنها سوف تتصل بها إذا تستطيع الحديث. وكان رد دعاء عليها.
"اتصلي، أنا لسه كنت بنيم ريم علشان جالها برد وكنت بديها العلاج بطلوع الروح ويدوبك لسه نايمة وأنا كنت بنشر الغسيل" اتصلت دعاء بها، وأخذت تتسامر فردوس معها حتى صمتت تمامًا أثناء الحديث مما جعل دعاء تعقب بعدم فهم: -إيه يا حاجة سكتي ليه؟ تمتمت فردوس محاولة إدراك شيئًا: -استني كده.
بعد انتقالهم إلى البناية الجديدة وأصبح لكل شخص شقة منفصلة تحدثت فردوس مع دعاء بسبب أمر الإنجاب. كان وقتها رد دعاء واضح وصريح، إما أن تأخذ زوجها وتذهب إلى الطبيب تأخذ استشارته إذا كان هناك علة بها، لكن فردوس لم يعجبها هذا الاقتراح وشعرت بالقلق منه. وكان الاقتراح الثاني أن تتوقف عن التفكير في الأمر وتنساه تمامًا، ووقتها قد يحدث.
أخبرتها دعاء بألا تفكر أبدًا وتلك نصيحتها عن تجربة شخصية، التوتر والقلق يضعف الفرصة وقد يجعلك تشعر بأعراض ليست حقيقية بسبب الوهم.
الحق يقال، أنها المرة الأولى التي تسمع بها فردوس نصيحة لأي شخص دون تفكير، لأنها اقتنعت بالأمر ووجدت أن ما سمعته منها أمر منطقي جدًا، لذلك وافقت. أصبحت لا تفكر في الأمر مطلقًا. اهتمت بنفسها، شقتها الجديدة، زوجها وقطتها التي باتت تشغلها قليلًا حتى العرض الواضح الذي حدث منذ عشرين يومًا حينما تأخرت دورتها الشهرية ظنت بأن الأمر راجع إلى نفسيتها. لم تظن بأن هناك شيئًا، وليست من عادة فردوس عمومًا اللجوء إلى الطبيب أو طبيبة حينما تشعر بأي شيء يخص صحتها بسرعة، بل على العكس تتريث ولا تذهب إلا عند الضرورة جدًا.
طال صمت فردوس مما جعل دعاء تهتف بقلق: -بت يا فردوس روحي فين؟ كان رد فردوس عليها هو إخبارها بما يحدث معها منذ عشرين يومًا. وهنا صرخت بها دعاء بجدية: -وساكتة؟ أنتِ متخلفة. غمغمت فردوس بانفعال طفيف: -مش أنتِ اللي من كام شهر قولتي ليا ابطل أركز. تمتمت دعاء بسخرية واضحة: -لا وأنتِ بتسمعي الكلام أوي. وبعدين قولتلك بطلي تركزي مقولتش تتغابي. أنتِ تقومي تصحي جوزك وتروحي عند أقرب معمل تحاليل. أردفت فردوس بارتباك:
-أصحيه دلوقتي إزاي؟ هقلقة الساعة داخلة على أربعة الفجر، وبعدين أنهي معمل تحاليل ده اللي هيكون فاتح لينا في الوقت ده، أنت مجنونة! هتفت دعاء بعد تفكير: -خلاص أول ما يصحي الصبح وقبل ما تسافروا تاخديه وتروحي يا معمل تحاليل يا تروحي لأقرب دكتور أو دكتورة منكم، بس أنا بقولك اهو أنت حامل يا فردوس يا متخلفة… لم أطلب أن تأتيني معجزات الدنيا السبع، كل ما أردته هو وجودك بجانبي.. أقول كما قال أحدهم يوماً:
أحبك في هذه اللحظة، وغداً، وبعد ثلاثين عاماً من الآن، ولا يهمني مقدار المشقة والطرق الطويلة بيننا، بل كان يكفيني أنك هنا في ذاكرتي، وفي كل مكان أذهب إليه. بحلول الثامنة صباحاً… فتح كمال عيناه وكاد يصرخ وهو يجد أعين قريبة جداً من عيناه تنظر إليه بشكل مخيف في البداية.. لكن بدأ يستوعب أنها فردوس.. ابتعدت قليلًا عنه حينما وجدته قد استيقظ، هي منذ ساعتين تقريبًا تراقبه بعد مكالمة دعاء لم تستطع النوم طويلًا.. فرك كمال عيناه
ببطء ثم سألها باستغراب: -هي الساعة كام؟ -ثمانية.. تحدث كمال بعدم فهم وهو يعتدل قليلًا: -أيه اللي مصحيكي بدري ومقعدك كده؟ دون أي مقدمات سمع فردوس تغمغم: -كمال أنا عايزة أروح لدكتور… اعتدل أكثر وهو يسألها بقلق: -ليه مالك يا فردوس؟ أجابته فردوس بعفوية: -أنا كويسة… رفع كمال حاجبيه يسألها باستغراب تلك المرة هو حقًا لا يفهمها: -مدام أنت كويسة عايزة تروحي لدكتور ليه؟
فجرت فردوس الأمر قائلة بتردد فهي تخشى أن يكن كل هذا سببه شيئًا آخر وأن تحطم آماله وآمالها لكن ليس بوسعها الصمت: -أنا شاكة إني حامل… اتسعت عيناه أكثر وهي تخبره بكل عفوية وكأنها طفلة صغيرة، نبرة لا تناسب امرأة جامحة مثلها: -أو دعاء اللي شاكة… ضحك كمال رغمًا عنه لم يستطع أن يكتم ضحكاته أبدًا بعد كلماتها الأخيرة ليتحدث بكل جدية: -أنا حاسس أو بقيت شبه متأكد أن دعاء طرف ثالث في العلاقة دي… بعد مرور ساعة ونص..
بعد أن غادرا الفندق، أخبر كمال جده بأنه ذاهب برفقة فردوس لشراء شيئًا ما، لم يخبره بحقيقة الأمر لأنه ليس هناك طرف منهما متأكدًا من الأمر، لذلك قرر ألا يعطيه أمل كاذب بل على العكس يتمنى أن يعطيه الخبر اليقين عند عودتهما.. بعد البحث الطويل.. الطويل جدًا عن طبيب يكن متواجدًا في هذا الصباح، ذهب إلى إحدى المستشفيات، عليهما الانتظار نصف ساعة أخرى وهنا الحماس والقلق والارتباك كله تزايد لأضعاف مضاعفة…
تم النداء على اسم فردوس أخيرًا لتدخل برفقة زوجها، كان الطبيب في حالة ولادة، كانت من تتواجد هي طبيبة صغيرة في السن عنه وتعتبر مساعدته ومن الفريق الذي يعمل معه ويحل محله في كثير من الأحيان.. سألتها الطبيبة بضعة أسئلة تقليدية في البداية ثم استأذنتها لأن تذهب مع الممرضة من أجل تحضيرها للفحص….
فعلت فردوس المطلوب منها وظل كمال في انتظارهما على المقعد بينما فردوس تسطحت على الفراش وبدأت الطبيبة أن تستخدم السونار لتتضح لها الرؤية بأن هناك جنين عمره أكثر من شهر، ربما شهر ونصف…. -ألف مبروك يا مدام فردوس شكوكك في محلها حضرتك حامل… لم تخترق تلك الكلمات أذن فردوس فقط.. بل حتى كمال الجالس في النصف الآخر من الغرفة… بينما فردوس كانت تنظر للطبيبة بشرود أو شيء غريب يحدث، أن تتخيل الأمر شيء وأن يتم تأكيده شيئًا آخر…
هتفت الطبيبة بابتسامة واسعة كانت بشوشة بشكل كبير: -تحبي ننادي زوج حضرتك؟ هنا هزت فردوس بإيجاب رأسها لتذهب الممرضة إلى كمال لتخبره بأن يأتي، واستجاب كمال وها هو يقترب منها طابعًا قبلة على جبهتها متحدثًا بنبرة هادئة بكلمات جعلت الجميع يعرف بأنه سمع الخبر: -الحمد لله يا حبيبي.. كانت تحب تلك الكلمة من كمال.. لا تظن بأنه قد حدث أي شيء جيد أو سيء في حياة كمال إلا وشكر ربه أول شيء عليه..
هبطت دموع من عين فردوس ليمسحها كمال بخفة مما جعل الطبيبة تتأثر بالمشهد ولا تعلم لما رسم عقلها قصة تشبه قصص الكثير العديد من الأزواج ترى منهم فرحة أو ردود أفعال مختلفة بعد سنوات من الصبر، وهي ترى أمامها رجل وامرأة تخطى كلاهما الثلاثين…. -قولتلها بقالكم قد إيه متجوزين؟ لم يكن السؤال مهني تلك المرة، بل كان عفوي من الطبيبة ليجيب كمال وفردوس كلاهما بإجابة مختلفة عن الآخر لكن في نفس الوقت..
إجابة فردوس كانت "داخلين في التسع سنين" وكانت تلك إجابة تجعلها تخمن مدى انتظارهما.. إجابة كمال كانت "سبع شهور" هنا نظرت الطبيبة لهما بعدم فهم.. لكنها في النهاية تخلصت من حالتها العاطفية وبدأت في الحديث بطريقة عملية ومهنية وبدأت تعطيهما بعض التعليمات، وأخبارهما بأن عليهما المتابعة ورشحت لهما طبيبة تتواجد في محافظتهما حينما علمت بأنهما هنا زيارة فقط..
هناك مشاعر تولدت مختلفة بداخلهما وكان كلاهما في حالة رهيبة وسعادة عارمة تكفي الكون كله في تلك اللحظة، وكيف ألا يحدث وهو الحلم الذي طال انتظاره طويلًا جدًا.. مر ما يقارب ثلاثة شهور ونصف.. أخيرًا أتى اليوم الذي سيخرج منه شريف من سجنه الذي دام لأشهر طويلة.. منذ ثلاثة أيام كان توفيق يأمر بكر وكمال بذبح الأضحية لتوزيعها على البلد بأسرها أخيرًا انتهى كل شيء، انتهى عصر الديجور.. انتهى بأكمله…
والشكر لربه بأنه جعل له نصيبًا لرؤية هذه الأيام تحديدًا بعد ولادة حفيدته (نور) ابنته بكر منذ شهرين تقريبًا وحمل فردوس الذي تجاوز أربعة أشهر.. كل تلك أخبار سعيدة جدًا… يقف الجميع أمام الباب رفقة هلال، الجميع منتظر تقريبًا إلا دعاء وفردوس.. أفنان تقف في ترقب كبير وحماس يكاد يقتلها اليوم حرية شقيقها الحقيقية… حتى والدتها كانت موجودة…
تم فتح الباب الحديدي خرج شريف بهيئة أنيقة جدًا لا تناسب المكان الذي خرج منه يحمل حقيبة بها متعلقاته الشخصية، كانت أول من ركضت له هي أفنان ركضت ليترك الحقيبة ويفتح ذراعيه ليحتضنها بحب كبير وإشراقة حقيقية… بعدما مرت دقائق ابتعدت عنه ليقترب شريف من والدته يحتضنها ويقبل يديها تحت ابتسامة الجميع….
كان هناك من يشاهد المشهد من بعيد، بشرى وشمس التي تجلس على الأريكة الخلفية في السيارة من مسافة بعيدة جدًا لا يستطع أحد أن يلاحظها… منذ مدة طويلة جدًا أخذت تطلب من هلال وبشرى الذهاب معه في هذا اليوم… تريد رؤيته، في البداية رفض هلال الأمر لكن كان لبشرى رجاء بأن يجعلها تذهب وتراه كما تريد وأنها لن تتحرك من مكانها ستراه من مسافة بعيدة وقد اقسمت على هذا…
وكانت بشرى تحمل جنينها في شهرها الثاني، وأخبرته مهددة إياه بدلال بأنها ستحزن إذا لم يجعل شمس تذهب، وكان هو يرغب في أن تستمر العلاقة بينها وبين أختها جيدة، وفي الوقت ذاته بأن تفعل شمس ما تريده… لذلك أخبرت شمس والدها بأنها سوف تمكث لثلاثة أيام مع بشرى في القاهرة لسفر هلال وحتى لا تكن بمفردها… اخترعت شمس أكذوبة في ثواني كالعادة… -شــريــف..
تنهدت شمس بعدما نطقت اسمه بحب حقيقي تحاول ألا تفعل أي شيء متهور، مرت أشهر ولم تراه، هي حقًا ترغب في احتضانه التأكد من أن كل شيء على ما يرام رؤيته من تلك المسافة ليس عدلًا أبدًا ولكن ماذا تفعل؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!