استمعنا إلى دقات القلب، استمعنا لنبضاته ربما. لكن لم يعتد الجميع على أن يسمع صوت تكسير وتهشيم قلبه. صديقتها.. صديقتها.. نعم، إنها صديقتها! تلك المرأة التي لم تتركها يومًا، أرادت لها الخير، أرادت لها أن تبني حياة جديدة لنفسها، ألا تعلق حياتها على سراب وعلى علاقة انتهت بموت شقيقها. على الرغم من أنها هي تفعل ذلك، كان قلبها يتهشم حينما تنصحها بتلك النصيحة، ولكنها لم تكن تريد لها سوى الخير.
كانت أكثر شخص مقرب لها. منذ أن سمعت تلك الكلمات منها، وهي دخلت في حالة هستيرية، كانت تصرخ فقط وتكذبها، تصرخ ولا تصدق! حتى فقدت الوعي. لم تشعر بنفسها إلا وهي في غرفة أخرى، نائمة على الفراش وبجانبها والدة إيمان. وبعد محاولات كثيرة لأن تستيقظ، استجابت أخيرًا ونهضت وهي تحاول أن تأخذ أنفاسها بصعوبة بالغة. هتفت والدة إيمان بقلق، فهي استمعت لبعض الكلمات ولكنها لم تكن تستوعب، ولا تعلم حقًا كيف فعلت ابنتها شيئًا كهذا؟
هل أنجبت شيطانة؟ كيف تصمت عن تلك الحقيقة؟ رغم أنها لم تستمع إلى التفاصيل كلها، هي أتت فقط بعدما احتلت صرخات فردوس المستشفى. "بقيتي أحسن يا بنتي؟ "هي ستكون في حال أفضل؟ هل هناك من يظن ذلك؟ انتهت. فردوس انتهت. نهضت فردوس من فوق الفراش وهي تحاول أن تتأكد من حجابها، ولكنه لم يكن محكمًا جيدًا. لم تكن تعلم من حملها؟ وكيف أتت إلى هنا؟
هي لا تتذكر شيئًا، سوى الكلمات التي تردد في عقلها، تقتلها ألف مرة. لم تتوقف إيمان عما قالته، بل استمرت. "ويمكن يكون فهد ابنه كمان." لفت فردوس حجابها بطريقة عشوائية وتبحث بعينيها عن حقيبتها لتجدها على المقعد البلاستيكي، فذهبت لتأخذها. وهنا هتفت والدة إيمان بقلق: "استني يا بنتي بس." تمتمت فردوس بقهر: "استنى إيه؟ قالت والدة إيمان أي شيء قد يحفظ ماء وجهها ويهدأ المرأة التي تقف أمامها:
"إيمان نفسيتها تعبانة، ممكن تكون بتقول أي كلام وخلاص. أنتِ أكتر واحدة عارفاها وهي اتجننت خالص، أكتر وأكتر من ساعة ما عرفت بموضوع الورم ده. أنا أصلًا مش مصدقة إنها والله دخلت العمليات أخيرًا." تجاهلت فردوس كلماتها وهي تسألها بضيق ونبرة غير مفهومة: "هي لسه في العمليات؟ تمتمت والدة إيمان بقلق على ابنتها: "أيوه، هي لسه داخلة من ربع ساعة كده." قالت فردوس بجفاء:
"قوليلها لما تخرج، فردوس بتقولك حمدلله على السلامة ومش عايزة تعرفك تاني بقية حياتها، ولا حتى تسمع خبر عنك ولو بالصدفة. متورينيش وشها."
أنهت فردوس حديثها وغادرت المكان وهي لا تعلم ولا تشعر سوى بوجع شديد في قلبها ورأسها. لا تصدق ما تفوهت به إيمان، فهي حتى بعدما رأت صورة أفنان وحسن ظنت بأن إيمان هي الطرف المخدوع. هي من قام بمعرفة فتاة أخرى غيرها وهي في علاقة معه. لم ترَ يومًا إيمان سوى ضحية بأي حال من الأحوال، كانت تشفق عليها. والحال أنها هي نفسها الوحيدة التي تثير الشفقة. عقلها لا يستوعب تلك الكلمة! اغتصاب! كيف؟ لا يفعلها شقيقها، لا يفعلها.
صرخت ألف مرة في عقلها. وركبت في أول سيارة أجرة رأتها بمجرد أن خرجت من بوابة المستشفى وذهبت إلى منزل عائلتها، ثم أخذت الحاسوب الخاص بشقيقها، وكان السائق ينتظرها كما أخبرته، ثم أخذها إلى حيث يتواجد المتجر. ذهبت وأخذت تخبرهم بأنها تريد فتحه الآن وبأي ثمن، وليس بوسعها الانتظار، حتى الدقائق صعبة عليها جدًا.
"ميزة أخوكي مبيمسحش حاجة، وكان معاه سكرينات كتير ليها ولغيرها، واعترف في الشات كمان إنه عمل كده وهددها، وكان مستغل صغر سنها." كلماتها ترن في عقلها. هل ستجد شيئًا؟
مرت ثلث ساعة حتى أخبرها الشاب بأنه انتهى وتم فتحه، وأنه أنهى الخاصية التي تدعم كلمة السر. دفعت ما رغب به ثم غادرت وهي دقات قلبها عالية بشكل كبير. أخذت سيارة أجرة أخرى وتوجهت صوب منزل عائلتها. أغلقت البوابة خلفها وجلست أرضًا. لم تنتظر السير إلى أي مقعد، فتحت الحاسوب وقامت بتوصيله في الكهرباء بواسطة الشاحن الخاص به. فأخبرها الشاب بأن البطارية قد فسدت ولن يعمل دون أن يصل بالكهرباء مباشرة. يداها ترتعشان ولكنها مجبرة على الاستمرار. لن تتردد ولن تخشى شيئًا. ماذا سيحدث أكثر مما حدث بها؟
وماذا ستسمع أكثر مما سمعت؟
أخذت تتفحص الملفات المتواجدة به لتجد الكثير من الصور الخاصة به في الملفات الأولى والظاهرة، وهي قد نفذ صبرها حقًا. فتحت أخرى لتبتلع ريقها وهي تقوم بالتقليب بين الصور المختلفة التي تجمعه بإيمان. فتحت ملف آخر يتواجد به صور كثيرة مع أفنان تجمعه بها كما اعتاد هو حقًا. كان يحب التصوير معها أو هكذا كانت تظن أفنان، التي كانت لسبب ما لا تحب التصوير معه في كل مرة تلتقي به لأنها تعلم بأن ما تفعله ليس صحيحًا، لكنه كان يبتزها عاطفيًا، وكان ماهرًا في هذا الأمر.
ملف آخر به صور تجمعه بفتيات لا تعرفهم، ومنهم من تعرفهم معرفة سطحية. لا تصدق هذا! لا تصدق أبدًا أن شقيقها كان لديه تلك العلاقات كلها! كيف؟ هل كانت تعيش مع شخص لا تعرفه؟ شخص لم تتعرف عليه أبدًا؟ استمرت في التنقل بين الملفات بشكل عشوائي حتى وجدت بعض الملفات الذي يتواجد بها بعض (الاسكرينات)
. تسارعت ضربات قلبها، وهي تفتحهما. وجدت الكثير من المحادثات التي تخص الكثير من النساء والفتيات، منهم من كانت منصاعة بل تجاريه في محادثاته (الجنسية) . حقًا، كادت أن تفرغ ما في جوفها، تشعر بأن ضغطها ارتفع إلى السماء، وقلبها على وشك أن يخرج من مكانه. لا تستوعب هذا كله. لا تصدق. لو تستطع تكذيب عينيها لكانت فعلت.
خرجت من هذا الملف وانتقلت إلى آخر. كان هذا الملف يخص أفنان وحدها على ما يبدو. أخذت ترى رسائل الحب والحديث المعسول التي يستطيع رجل مثل هذا جذب مراهقة به. لم تكن أفنان قد تستجيب لأي نوع آخر من أساليبه، حتى أنها وجدت أغلب المحادثات يحاول معها فتح أي حديث من نوع آخر، ولكنها كانت تغضب وتثور ولا تقبل، فيقوم بالاعتذار إليها على مضض ويخبرها في بعض الأحيان بأنه قد يقوم باختبار أخلاقها. حتى جاءت بعض المحادثات التي أخبرتها عنها إيمان، وهو يعترف حقًا بأنه اغتصبها، ولو كانت تستطيع فعل شيء لـ تفعل، وهو سيشاهد.
أغلقت الحاسوب وتوقفت عن القراءة. تجمدت. صوتها مبحوح. حتى الصرخة لم تكن بوسعها أن تخرجها الآن. تحاول الاستيعاب. تتذكر كلمات كمال الذي رددها أكثر من مرة خلال تلك السنوات، بأنها لم يتخذها بذنب غيرها. لم يكن لديها الرغبة في فهم كلماته وقتها ولم تجد لها معنى غير أنه يتهرب من الحديث. هو يعلم. ربما عائلته كلها تعلم. حتى إيمان التي كانت تعتبرها بمنزلة شقيقة لها كانت تعلم كل شيء. لم يكن هناك شخص مغفل غيرها. كانت إيمان تجعلها تبحث عن الحقيقة التي ترغب في أن تجعلها تراها، وفي المقابل لم يكن هناك غيرها من لا يعلم.
مازالت هناك الكثير من الأشياء لا تفهمها، ولكن عقلها سينفجر. تبكي في صمت. شعرت بالحيرة على من تبكي؟ على من تبكي؟ على المرأة التي وثقت بها؟ أم على زوجها الحبيب الذي أخفى عنها الحقيقة تاركًا إياها في عالم آخر؟ أم عن شقيقها؟ التي لم تعرفه يومًا. هل تستطيع تكذيب عينيها؟ حتى لو استطاعت أن تكذب حديث إيمان المختلة التي لا تعلم كيف قبلت بوضع هكذا؟ هي كانت تخبرها بصريح العبارة أنها كانت تعلم علاقاته كلها، ومع ذلك مستمرة معه؟
لا، بل بعد موته سممت عقلها وظلت تلح عليها بالانتقام. إلى أين تذهب الآن؟ فحتى هذا المنزل تشعر بالاختناق به. سوف تذهب إلى نجوى. ربما هي المرأة الصادقة في تلك الحكاية. تحتاج لأم تشعر بأن هناك شخص حقيقي يشاركها المشاعر. لا ترغب في العودة إلى منزل عائلة كمال، ولا ترغب في الجلوس هنا، لكن عليها أن تفعل شيئًا أولًا. "لقد نجى من الغرق، لكن البحر ظلّ دائمًا في عينيه."
"ثمّة أسف كبير، تجاه نفسي، التي أرّقتها بالسعي في الطرقات الخاذلة." "في جوفي جُرح، كُلما ظننت إلتئامه –نَزف "ساعة اختفت بها لم تكن تهتم حتى بصوت هاتفها الذي يعلن عن اتصالات من كمال، ومراد!!
كان هاتفها في الحقيبة على الوضع الصامت كقلبها المفتور تمامًا. أتت بصندوق من صفيح على شكل أسطوانة كبيرة وعميق مع بنزين قامت بشرائه. صعدت إلى غرفة حسن، هبطت بحقائب السفر الذي كان يتواجد بها ملابسه، وبعدها صعدت ثم أخذت بصندوق الهدايا الخاصة بأفنان. لم تترك أي شيء في الغرفة يخصه إلا وهي تنوي إحراقه.
وقفت في حديقة المنزل الصغيرة. فتحت الحقائب ووضعت كل ملابسه وكل شيء يخصه بالصندوق، وبعدها صوره الشخصية، وصوره مع أفنان. كل شيء يخصه تقريبًا. لم تترك أي شيء. بعدها توجهت صوب المنزل وأتت بالحاسوب ومطرقة (شاكوش)
كان يتركها العم إسماعيل. وضعت الحاسوب على السور الخاص بالدرج الذي يؤدي إلى المنزل ورفعت يدها وهبطت على الحاسوب. مرة أخرى.. مرة أخرى.. فعلت حتى تجعد شكله. مرة ثالثة فعلت بكل قوة قد امتلكتها يومًا حتى أنقسم أمامها إلى اثنين، ولكنها لم تكتفِ، بل ظلت مستمرة حتى انقسم إلى أكثر من قطعة وتحطمت شاشته وتحطم تمامًا. ثم أخذت تلك القطع ووضعتها في الصندوق فوق متعلقاته، وأخذت تفرغ كل ما يتواجد في الزجاجة من بنزين. وبعدها فتحت علبة
من الكبريت لتشعل ناره وتلقيه في الصندوق لتشتعل نيران قوية جدًا وملتهبة تحرق كل ما يتواجد بها. نيران من قوتها جعلتها تتذكر ذلك الحريق الذي شب في المنزل وهي تتواجد بداخله بمفردها، ووقتها خرجت بصعوبة منه وانقذها القدر. الآن هي من تشعل النيران، ليست صدفة.
عادت بأدراجها إلى الخلف وهي تراقب النيران بأعين متسعة على آخرها، أعين تعكس لهيب النار. فهل تضاهي تلك النيران أو تقارن بالنيران المشتعلة بداخلها؟ لا تظن أبدًا. جلست على الدرج وهي تراقب. تراقب في صمت. مرت ساعة تقريبًا حتى جاء أحد الحيران على الرائحة واعتذرت له بأنها تقوم بحرق بعض النفايات الموجودة في منزلها. ودب الرجل شجارًا لم تهتم به فردوس ثم رحل.
بعد وقت.. كانت النيران بدأت في الزوال بعد أن أحرقت كل شيء. النيران تهدأ من ثورتها أمامها، ولكن نيران قلبها لم تهدأ أبدًا، بل تتفاقم. تتفاقم بشكل كبير ومخيف. مياه سكبتها فوق النيران حتى تنطفئ كلها. بعدها أغلقت المنزل وهي تسير متوجهة صوب منزل نجوى، الذي لا يبعد عن منزل عائلتها إلا بثلاث شوارع تقريبًا. وقفت أمام منزل نجوى وقامت بقرع الجرس لتمر دقيقتان تقريبًا وتجد بعدها مراد يفتح الباب بابتسامة واسعة وبشرة سمراء اكتسب لونها من الفترة الخاصة بمركز التدريب الخاص بخدمته العسكرية، وملامحه مختلفة بسبب حلاقته المستمرة إلى ذقنه. كان على وشك أن يلقي التحية عليها، فهو اشتاق لها وأتى اليوم في الصباح الباكر تقريبًا.
سرعان ما اختفت ابتسامته وهو يجد بشرة شاحبة، عيون متورمة، عباءة سوداء ولكن يتواجد عليها آثار غريبة وكأنها كانت في معركة. سألها مراد بقلق واضح: "إيه يا فردوس؟ أنتِ كويسة؟ "لا." بعد تلك الإجابة نادى مراد على والدته وهو ينهال عليها بالأسئلة، ولكنها لم تكن تجيب لا عليه ولا على أسئلة نجوى. كلاهما كان يشعر عليها بالقلق الكبير، هي صامتة بشكل مخيف جدًا. وما أن تفوهت.. أخبرتهما بأنها ترغب في النوم.. هروب من الواقع.
"عايزة أنام." نظرا الاثنان لبعضهما ثم أخذتها نجوى إلى غرفتها ونامت فردوس على فراش نجوى وفي غرفتها وذهبت في النوم بسرعة غير مفهومة وغريبة. فأغلقت نجوى الباب عليها ثم خرجت إلى ابنها وقالت بتخمين: "تكون اتخانقت مع كمال؟ طيب! أنا مش فاهمة حاجة يا ابني وقلبي مش مطمن." قال مراد بنبرة منطقية:
"معتقدش إن فردوس ممكن تنهار بالشكل ده وتكون في الحالة دي لمجرد إنها اتخانقت مع كمال، ده الطبيعي بتاعتهم إنهم متخانقين. في حاجة تانية مش مفهومة." هتفت نجوى بنبرة صارمة: "إحنا مش هنقعد نخمن، إحنا نتصل بيه ونفهم منه." تمتم مراد بتردد: "مش نستنى لما تفوق... قالت نجوى بنبرة جادة: "مفيش حاجة اسمها نستنى، إحنا لازم نفهم. هو اللي وصلها للحالة دي ولا لا؟ ده جوزها ولازم نفهم منه مالها." هتف مراد بتفسير لما يراه:
"يمكن ميعرفش حاجة عن اللي بيحصل." "هنتصل بيه يا مراد وهنفهم كل حاجة. فردوس مش طبيعية." "بــنــي ســويــف" طرقات على غرفة زينب. فأعطت الإذن للطارق بالدخول. فولج منير بملامح غريبة، حائر لدرجة غريبة بعد تلك المكالمة التي جاءته من والد جمال. تمتمت زينب بنبرة هادئة، فمهما بلغ ابنها من العمر خمسين عامًا سيظل طفلها: "تعالي يا حبيبي أقعد." جلس منير على طرف الفراش متمتمًا بتوجس وعدم فهم: "أبو جمال لسه قافل معايا."
ضيقت زينب عينيها بتوتر: "خير، في إيه؟ أردف منير بعدم استيعاب: "مش عارف يا أمي، بيعتذر وبيقولي إن جمال صرف نظر عن موضوعه بشرى وإنه حاسس إن مفيش نصيب ما بينهم." شيء واحد كان يخطر على عقل زينب. هل فعلتها نرمين كما أخبرتها بأنها ستنهي الأمر وحدها دون مساعدة أي شخص؟ هتفت زينب بنبرة حانية: "يمكن ده الخير ليهم. بشرى مكنتش ميالة لجمال وجواز القرايب. لو فيه غصب أو مشاكل من أوله يستحسن بلاش لأنه بيكون سواد على الكل."
تمتم منير بنبرة مقتضبة: "أنا بس خايف يكونوا عرفوا حوار هلال ده وزعلوا ولا حاجة، وفي الآخر شكلنا يبقى وحش." حاولت زينب أن تخرج تلك الفكرة من عقله متمتمة بنبرة حانية: "لا، لو كان كده كان عاتبك ومكنش هيسكت. أكيد كمان الواد جمال واخد باله إن بشرى مش حابة فكرة الجواز." صاح منير بنبرة متشنجة: "ومدام الهانم مش عايزة تتجوز، كنا قاعدين القعدة دي النهاردة تخليص حق يعني؟ وقبل أن تعقب زينب على حديثه تحدث منير بنبرة منزعجة:
"والواد صاحبه ده أنا مش مستريح له من ساعة ما جه أول مرة، ومش فاهم يعني إيه واحد يجي يتقدم لواحدة يجيب صاحبه معاه." تمتمت زينب بنبرة عفوية: "اللي فهمته من كلامهم إنه بيعتبره زي أخوه. هو عمل حاجة تضايقك؟ هتف منير باختناق: "معملش حاجة بعينها بس نظراته مش مريحة وتدخله في كل حاجة مش مريحني، حاسة إنه واد مش سهل." أردفت زينب بتعجب شديد: "هو أنتَ لحقت تعرف كل ده من قعدة واحدة؟ متهايقلي أنتَ مكبر الموضوع."
صمت منير وهو يفكر. ربما والدته محقة وهو من يضخم الأمر لأنه لا يتقبل الأمر بأكمله. تحدثت زينب بنبرة هادئة: "عايزين نجيب العربية لبشرى وتخليها ترجع شغلها." تمتم منير بضيق: "ترجع إيه يا أمي؟ مش لما نشوف حوار اللي اسمه هلال ده. افرضي رفضنا شغل إيه اللي ترجعه؟ أنا مش مقتنع أنا بالكلام الماسخ بتاع الشغل. حاجة والعلاقات الشخصية حاجة. لو رفضناه هي مش هترجع." قالت زينب بجدية:
"بشرى مش هترفض، فيه قبول منها واضح أنتَ بس مش عايز تشوفه، وأنا عارفة إنها هتقبل وأنتَ وافق على اللي بنتك عايزاه وريحها. مش هتبقوا سرقتوا منهم اللي فات وهتسرقوا منهم اللي جاي. واعمل زي ما مراتك بتعمل، بتحاول تصلح اللي فات وتعمل عكس ما أهلها عملوا معاها." ردد منير كلماتها بتهكم صريح: "يعني عايزاني أهمل عكس ما عملتوا معايا؟ مغصبش بنتي على جوازة؟ هتفت زينب بسخرية واضحة:
"بلاش تعيش دور الضحية يا منير، نرمين كانت داخلة دماغك زمان، وكنت موافق عليها ونفذت كلام أبوك بمزاجك وكنت موافق ومبسوط. أنتَ اللي حبيت تلعب وتقعد تتنطط في إسكندرية وتشتغل شغل مخالف عن شغل أبوك وتفتح لك مطعم. مجرد ما حسيت إن خلاص شبعت من نرمين وهي خلفت واتلهت بابنها، أنتَ كنت بدور على غيرها. محدش غلط غيرك، وإحنا حافظنا على بيتك." ابتلعت ريقها وهي تراقب ملامح ابنها متمتمة بنبرة منزعجة:
"سواء أنتَ أو إحنا اللي غلطنا، الكلام مش هيرجع ولا هيصلح اللي فات. خلينا في اللي جاي، وريح ولادك يا منير وعوضهم. وحتى لو هلال مش الشخص المناسب بالنسبة ليك أنتَ، أهي تجربة زي أي تجربة. المهم تكون بشرى عايزها وموافقة عليها وإحنا جنبها في كل الأحوال." نهض ثم غمغم بنبرة مكتومة: "تصبحين على خير يا أمي." "وأنتَ من أهله."
رحل منير وغادر الغرفة ليذهب إلى حجرة يتمنى أن يحظى اليوم بنوم مريح. فمنذ مدة وهو ترافقه الأحلام الغريبة والغير مفهومة. تلك الطفلة الصغيرة التي يسمع بكائها وكل ليلة تقريبًا يحلم بها في مكان مختلف، تبكي وتنادي عليه، يبحث عنها ويركض ولكنه يستيقظ كل يوم قبل أن يصل إلى الصوت، الذي لا يعلم عنه غير أنه صوت طفلة صغيرة تصرخ باسمه.
اتصالات عديدة ولكن ليس هناك أي إجابة. وبعد أن اطمأن على ضغط جده الذي ارتفع بشكل كبير وراوده القلق وصاحبه إلى المستشفى مع بكر.. ثم أعاده إلى المنزل بعد فحص روتيني. وكان سبب ارتفاع ضغط توفيق هو إهماله الشديد لعلاج الضغط وعلاجاته كلها. أعاده كمال إلى المنزل ثم ذهب على الفور إلى المستشفى الذي ترك فردوس أمامها. حقًا، هو على وشك أن يرتكب جريمة بها لو رآها أمامه على عدم إجابتها على الهاتف.
لكن قبل أن يهبط من السيارة ويصعد إلى المستشفى للبحث عنها هنا في المكان الأول، جاءه اتصال من رقم غريب فأجاب. "ألو." جاءه صوت نجوى الهادئ والرزين: "الو يا كمال، أنا نجوى." تمتم كمال بنبرة لبقة رغم شعوره بأن اتصالها له علاقة بعدم إجابة فردوس عليه: "أهلا، إزيك حضرتك؟ "أنا تمام الحمد لله." ثم استرسلت نجوى حديثها وهي تلج إلى صلب الموضوع متخلية عن تلك التحية الباردة، فليس بينهما ود حقيقي:
"هو أنتَ اتخانقت مع فردوس أو في حاجة حصلت ما بينكم؟! قال كمال بجدية وصدق: "لا، مفيش حاجة حصلت ومش متخانقين. هو في إيه بالظبط؟! قالت نجوى بتوضيح وهي تشعر بصدق نبرته، فعلى ما يبدو هو لا يعلم شيء: "فردوس هنا عندي، جت شكلها غريب كأنها معيطة، هدومها متبهدلة وكأنها في دنيا تانية ودخلت نامت من غير ما تنطق بكلمة وأنا قلقانة عليها واتوقعت إنكم متخانقين." بكلمتان فقط كانت أجابته عليها: "أنا جاي."
"بــعــد مـــرور نصف سـاعـة تقريـبـا"
كانت نجوى تفتح الباب بعد أن قرع كمال الجرس. وقبل أن تغلق الباب كان مراد يأتي من خلفه قائلاً بنبرة جادة، فهو هوايته التحقيق. رائحة الحريق التي كانت تبعث منها أثارت شكه، تحديدًا حينما ذهب لشراء طلبات لوالدته ومر بجانب الشارع الذي يتواجد به بيت عائلة فردوس واشتم الرائحة ذاتها التي تبعث منها. وكان لديه نسخة من البوابة الخارجية الخاصة بالمنزل فقط، لا يمتلك بوابة للمنزل نفسه. فحينما ولج إليها رأى أسطوانة حديدية أو
(من الصاج) كما يطلق عليها البعض، يتواجد بها آثار أقمشة تم إحراقها وبلاستيك ورائحة حريق قوية تنبعث منهم. "فردوس ولعت في حاجات في الجنينة في بيتهم، وتقريبًا مولعة في لاب توب. أنا شايف آثار منه، ومش فاهم في إيه." ألقى مراد ما حدث في وجههما. وعلى ذكر الحاسوب شيء واحد أتى في عقل كمال! كان كفيل بأن يوضح الصورة أمامه. لتتحدث نجوى بنبرة هادئة لـكمال:
"ادخل ليها بس بلاش تقلقها لو نايمة أوي، وفي النهاية ده بيتها برضه. حالتها كانت صعبة ولازم نفهم في إيه، وأنا ومراد هنقعد فوق علشان تاخدوا راحتكم." هو يحترم نجوى حتى ولو يعلم بأنها لا تحبه ولا تحب عائلته لأنها تحزن على حسن الذي لا تعرف حقيقته، ولكنها على الأقل امرأة تفهم في الأصول. وتشعر به وبما يرغب به بأن يراها في الحال.
صعدت مع مراد إلى الطابق العلوي بعد أن وجهته إلى الغرفة. فتح كمال الباب، ليجدها مستلقية على الفراش تحتضن نفسها. ملابسها كما هي وصدق وصف مراد. ملابسها متسخة بآثار أتربة ورماد. وحينما اقترب استطاع أن يشم رائحة الحريق. حينما شعرت هي أن باب الغرفة يفتح ثم بعد ثوانٍ يغلق، كانت قد فتحت عينيها. جلست في نصف جلسة وهي تضح لها الرؤية بأن كمال يقف أمامها. للوهلة الأولى تمنت بأن يكن كل ما فعلته وسمعته منذ الصباح هو.. كابوس وانتهى!
أو حتى ربما تلك السنوات التي مرت من عمرها بسرعة البرق سارقة بريقها قد انتهت، وأنها أما ستجد نفسها في منزلها عروس مع زوجها وحبيبها كما كانت تخطط قبل سنوات، أو على الأقل ستكون في منزل عائلتها برفقة شقيقها الذي يخبرها بأنه يتقي الله في أي فتاة قد تمر من أمامه من أجلها، من أجل أن يأتي من يتقي الله بها، شقيقها الذي علمها كل شيء جيد، والذي تحمل مسؤوليتها. لكن وجودها في غرفة نجوى التي تكون غريبة بعض الشيء بالنسبة لها، فهي
نادرًا ما كانت تأتي إلى هذا المنزل وتدخل إليها، فهي دومًا تجلس في المكان المخصص للاستقبال. ووجود كمال أمامها بملامح مبهمة ولكنها أبعد ما يكون عن الراحة، هو غاضب ولكنه يحاول كتم غضبه قدر المستطاع، أكد لها كل هذا بأنه ليس حلمًا أو كابوس أو أي شيء تمنته، بل أنها كانت الحقيقة. وهذا هو المفجع في الأمر!
تمتم كمال بنبرة خالية من التعبير: "أنتِ بتعملي إيه هنا يا فردوس؟ وكنتي فين؟ ومش بتردي على موبايلك لــيـــه؟ رغم إدراكه الكلي من أن هناك كارثة قد حدثت! ولكنها لم يكبح نفسه بأن ينهال عليها بأسئلته. هتفت فردوس بنبرة جادة: "جيت علشان مش عايزة أكون في مكان أنتَ فيه ولا عايزة أكون في بيت أهلي، عايزة أكون مع ناس مكنتش مستغفلاني." قبل أن يستوعب كلماتها كانت تقول: "أنا حرقت هدوم حسن، حرقت كل حاجة تخصه."
صمت كمال. الصمت حل عليه. لم يمتلك كلمات يستطيع قولها. وما الذي سيفيد؟ ضحكت فردوس وهي تنهض من فوق الفراش متمتمة بنبرة ساخرة: "مسألتش ليه؟ ابتلعت ريقها وهي تسترسل حديثها بألم: "هقولك أنا أنتَ مسألتش ليه، علشان أنتَ كنت عارف كل حاجة، وكلكم كنتم عارفين ده. حتى اللي المفروض صاحبتي واللي تعتبر كانت مخزن أسراري وموجودة في يومي كنت بهون عليها، كانت عارفة؛ إيمان كانت عارفة أن...
لم تستطع حتى نطقها حتى شهقت ووضعت يدها على فمها تمنع نفسها من النطق والدموع تنهمر من عينيها. "العيون ليست فقط وحدها التي تبكي، فالقلب يبكي شوقًا وحرقًا واشتياقًا." أما كمال كان مصدومًا بمعرفة إيمان، فهتف بنبرة غريبة: "فردوس... أنزلت يدها من على فمها قائلة من وسط بكائها بنبرة شبه صارخة: "متتكلمش، مش من حقك تتكلم ولا تبرر. كان عندك الوقت السنين اللي فاتت إنك تقولي ومقولتش حاجة." تحدث كمال بنبرة جادة:
"مكنتيش هتصدقي يا فردوس ومكنش معايا أي دليل، حتى تليفون أخوكي كان اختفى، ولا عمرك كنتي هتصدقي غير لما تشوفي بعينك دي شخصيتك." أردفت فردوس بنبرة منفعلة وصارخة بشكل جنوني: "ولو مكنتش عرفت لوحدي كنت هتعمل إيه؟ كنت هتسيبني عشر سنين كمان ولا عشرين سنة؟ وأنتَ شايفني بموت قدامك كل دقيقة." قال كمال بنبرة خالية من التعبير: "علشان معرفتك الحقيقة هتموتك أكتر." "مش من حقك تاخد قرار زي ده ولا من حقك تخبي عليا."
قاطعه كمال بنبرة غاضبة: "فردوس أنا مقدر اللي أنتِ فيه، ممكن تهدي شوية علشان نعرف نتكلم." رفعت يديها وهي تلوح بهما في الهواء بنبرة هستيريا: "هنتكلم نقول إيه؟ أنا المفروض أعمل إيه؟ حرقت هدوم أخويا، حرقت كل حاجة تخصه.. يمكن أمحي ذكراه من جوايا. أعمل فيك أنتَ وأهلك فين؟! صرخت بنبرة جنونية أكثر وهي تقول: "المشكلة إن حتى لو عرفت إنه يستاهل أنا مش هقدر أسامح أخوك ولا هتخطى. عمري كله هيعدي من غير ما أتخطى!
سألته بعدها بنبرة شبه جنونية وهي تقترب منه ممسكة بكفه بعد شهقة خرجت منها: "فهد؟!!! فهد ابن مين؟!!!! لم يكن عليها إلا أن تتوقع هذا الجزء، فهي ترى عمر الصبي وتلميح إيمان أكثر من مرة عنه وطرحها الأخير للفكرة أمامها اليوم. وبعد هذا الأمر، كيف عليها ألا تتوقع ذلك؟ قال كمال بنبرة جادة وأداء لا يشوبه شائبة:
"فهد ابن داغر يا فردوس. داغر كان بيحب أفنان واتجوزوا وهو عرف باللي حصل وقبل يتجوزها ويكمل حياته معاها. آه حياتهم مكنتش مستقرة لأن الماضي كان بيلاحقه زيه زي أي راجل، بس فهد ابنه وهو قرر يكمل حياته معاها والاتنين يتخطوا علشان خاطر الطفل اللي جمعهم." طريقة نطقه للعبارة كانت جادة، لم تلمح بها أي تردد، ولا اهتزاز. هي تعلم كمال حينما يكذب!
أو لأنه لم يحاول أن يكذب يومًا أمامها، فهو اعترف لها بأنه يعلم مكان شقيقه بل يخفيه عنها ويحميه ولم يجمل هذا الأمر أو كذب فيه. لكنه لم يخبرها يومًا عن سبب قتل شريف لشقيقها، هو إما يقول الصدق أو يمتنع عن الإجابة. أما كمال كان يجد أن هذا هو الحل الأمثل. ليس عليها أن تعلم أبدًا بأن فهد ابن حسن، لأن هذا سيجعل الأمر أسوأ. ولأول مرة تقريبًا يكذب عليها وهو يقول بنبرة صارمة:
"ولو حابة تعملي تحليل علشان تتأكدي إن فهد ابن داغر مش ابن حسن، محدش هيعارضك." الثقة الذي كان يتحدث بها ألجمتها قليلًا وجعلت هذا الاحتمال يذهب من عقلها وتلك الفكرة بعض الشيء. لم يكن ليعرض عليها بثقة عمل تحليل الحمض النووي (DNA) لو كان ابن حسن! تمتم كمال بنبرة مشحونة:
"فردوس أنا من يوم ما عرفتك لغاية دلوقتي وأنا شايلك فوق رأسي، عملت واتحملت علشانك اللي مفيش راجل يتحمله، تحديدًا يتحمله من واحدة أخوها استغفله. عمري ما عاملتك لا أنا ولا أهلي غير بما يرضي الله، أنا اتحملت ومش بشتكي ولا حاجة وعندي استعداد اتحملك العمر كله ولغاية ما نتخطى اللي إحنا فيه." ابتلع ريقه ثم قال بجدية شديدة:
"أخوكي استغل إن أختي مراهقة يا فردوس، ده داغر مكنش عايز يتقدم ليها علشان صغر سنها، وكلنا كنا شايفينها عيلة. أخوكي وهمها بكل حاجة، ومكتفاش بكده هددها وبعد كده عمل عملته في بيتنا اللي أتمناه يدخله علشان الظروف وأننا بقينا أهل. كل ده مكنش هين عليا." نظر لها بجدية وهو يهتف بما لم يتفوه به لأي شخص حتى لشريف نفسه:
"أنا هقولك اللي مقلتوش لمخلوق يا فردوس؛ أنا لومت شريف ألف مرة إنه قتله وهو بيتخانق معاه، وإن كان ممكن الموضوع نحله بطريقة تانية. ده اللي بقوله علشان خايف عليه وبقنع نفسي بكده، بس الحقيقة إن شريف عمل الصح، ولو أنا كنت مكانه كنت قتلته ومش بالغلط في خناقة." الدموع تنهمر من عينيها بشكل مخيف. شهقات تخرج منها وهي تنظر له وتستمع إلى كلماته وليس لديها حق الرد. لكنه شقيقها. كان يتحدث بلا توقف، فمن حقه أن ينفجر:
"أنا مفيش يوم جبرتك على أي حاجة ولا في يوم فكرت حتى أعمل اللي أخوكي عمله في أختي، رغم إني جوزك وحقي إنك متمنعيش نفسك عني. أنا اتحملت وهتحمل بس اللي مش هتحمله إن يصدر منك أي رد فعل يخص أفنان، لأني مش هغامر بسمعتها، ولا هغامر بحياتها هي وجوزها وابنها المستقرة إنك تيجي وتهديها." سألته فردوس بنبرة مرتجفة: "قصدك إيه؟ قال كمال بكلمات صريحة وواضحة:
"علاقة حسن بأفنان وحتى اللي عمله فيها هتنسيها. سواء هتكملي معايا أو مش هتكملي أنتِ حرة، لكن سيرة أفنان متتجابش، لأني مش هسيبك تكملي اللي أخوكي معرفش يكمله وهو إنه يهد حياتها واحنا حاولنا نرممها تاني بصعوبة." تمتمت فردوس بكلمة واحدة: "امشي يا كمال، أنا ولا عايزة أشوفك ولا عايزة أسمع صوتك حتى." غمغم كمال بنبرة جادة: "أنا في موضوع أفنان بالذات أنا بتكلم بجد يا فردوس." صاحت فردوس وهي تقول بجنون:
"متخافش، العرق مش دساس فيا وفيه، ولا أنا ناوية أكمل اللي هو عمله لو أنتَ شايفني كده." "أنا طول عمري شايفك في أحسن صورة وخوفت عليكي من نفسي ومن نفسك، وخوفت عليها من أي حد." ثم هتف كمال بجدية: "يلا نمشي ونرجع بيتنا وأنا هسيبك براحتك، مش هينفع تقعدي أكتر من كده عند الناس. ولو عايزة تقعدي في أوضتك لوحدك هسيبك ومش هوريكي وشي."
لم تكن تعرف سوى شيء واحد، هي لا تريد منزل يخصه ولا منزل يخص عائلتها ويذكرها بشقيقها. ببساطة هي تريد نفسها. "مش هرجع يا كمال، ولا حتى هرجع لبيت أبويا." صرخ كمال بنبرة غاضبة وجهورية: "فردوس أنا مش هسيبك تباتي هنا." طرقات خافتة على الباب وبعد لحظات مناسبة ولجت نجوى قائلة بنبرة حكيمة: "ممكن يا كمال تيجي، محتاجة أتكلم معاك."
استجاب كمال لرغبة المرأة احترامًا لها. ليترك فردوس في الغرفة وذهب إلى حجرة الاستقبال ليجد مراد بها. تمتم كمال بنبرة مقتضبة واحراج: "أسف، إحنا أزعجناكم." هتفت نجوى بنبرة جادة: "أنا معرفش الخلاف اللي ما بينكم اللي أكيد كبير ويخلي فردوس بالمنظر ده اللي عمرها ما كانت فيه خلال السنين اللي فاتت، بس مدام صوتكم جايب البيت كله من الأفضل تسيبها كام يوم هنا لغاية ما نفسيتها تهدى وتتكلموا. على الأقل أنا في مقام والدتها."
هتف كمال بجدية شديدة ونبرة ذات معنى: "والله حضرتك فوق رأسي بس أنا مراتي مش هتبات غير في بيتها." نهض مراد وتحدث بنبرة دبلوماسية: "ماما بتتكلم صح، وأنا عارف إن رفضك علشان وجودي. أنا هطلع ألم هدومي وتوصلني لموقف الأتوبيس. أركب أي ميكروباص رايح القاهرة. أنا كده كده مسافر الصبح ومش هرجع غير في نهاية الأسبوع وفردوس تكون هدت مع ماما وإن شاء الله الأمور تتحل."
اقتنع بحديث مراد بعض الشيء. رغم حرجه منه ومن والدته، ولكن كان هذا أسلم الحلول على الأقل. ربما ذهابها إلى المنزل وهي بتلك الحالة ليس قرارًا صائبًا، تحديدًا بوجود أفنان. بالفعل جمع مراد أغراضه وقام كمال بتوصيله إلى موقف الأتوبيس وغادر متجهًا إلى القاهرة، بينما كمال توجه إلى منزل عائلته بقلب مجروح وقلق مما هو قادم، فهو يدرك أنها مازالت تحت تأثير الصدمة.
بعد إصرار كبير من نجوى جعلت فردوس تغير ملابسها وتأخذ حمام دافئ، لعله يبعد رائحة الحريق عن جسدها. وأعطتها ملابس قد تناسبها. لكن رغم إصرارها على أن تتناول الطعام لم تنصاع فردوس لها. جلست نجوى بجانبها على الفراش سائلة إياها بقلق: "احكيلي يا بنتي مالك؟ إيه اللي حصل؟ لو مطلعتيش اللي جواكي ليا هطلعيه لمين؟ مش أنا في مقام والدتك؟ قالت فردوس بقهر كبير: "اللي جوايا أصعب من إنه يتقال." "حاولي." قالت فردوس بصوت ميت:
"عرفت ليه شريف قتل حسن." عقدت نجوى حاجبيها متمتمة باستغراب: "وهو كمال افتكر يقولك بعد السنين دي كلها؟ بثبات كانت فردوس تجيب عليها: "كمال مقالش حاجة، أنا اللي عرفت لما دخلت أوضة حسن، وعرفت من اللاب توب بتاعه اللي كنت ماسكاه وبحاول أفتحه وانتِ معايا. أنا عرفت الحقيقة منه ومن إيمان، حتى إيمان كانت عارفة كل حاجة." "وإيه هي؟ قالت فردوس بألم:
"أقولك إيه على أخويا ضهري وسندي اللي كنت بعتبره أبويا وأمي وكل حاجة ليا، اكتشفت إن مكنتش أعرفه. اكتشفت إن أخويا كان له وش تاني أنا معرفهوش. أنا عرفت أبشع حاجات ممكن تعرفها الأخت عن أخوها اللي بتحترمه واللي قضت سبع سنين من حياتها عايشة زي الميتين وبتجري علشان تجيب حقه واكتشفت فجأة إنه ملهوش حق." أنهارت في بكاء شديد لتأخذها نحوى في أحضانها ولم تطلب منها المزيد، ولم ترغب بالمعرفة. هذا يكفي.
في الثانية بعد منتصف الليل. بعد وقت قضاه في سيارته يحاول أن يستوعب ما يحدث في حياته، كان يريد وقت يقضيه مع نفسه ولكنه شعر بأن تلك الساعات لم تكن كافية أبدًا. هو يريد وقت يقضيه مع نفسه وسيفعل. قبل أن ينفجر في وجه الجميع عليه أن يفعل. صعد إلى المنزل، مر أولًا إلى غرفة جده ليطمئن على صحته ولكنه وجده قد خلد إلى النوم منذ مدة طويلة، فذهب بعدها إلى غرفة نومهما.
بدل كمال ملابسه بغضب وكأنه يشن شجارًا مع ملابسه، متأففًا إلى أقصى درجة. وبعدما انتهى استلقى على الفراش وهو يحاول النوم، رغم أنه يجافيه لأنها للمرة الأولى تغادر منزله وتغادر غرفتها، لأول ليلة قد تنفصل عنه. حتى لو مرت ألف ليلة هي بغرفة وهو بغرفة، ولكنه كان يعلم بأنها تحت سقف منزله على الأقل. تلك الغرفة البائسة التي شهدت لحظاتهما الأيام الماضية وشهدت على ليلتهما الأولى ليلة أمس بعد انتظار دام لسنوات. لن يخدع نفسه، كان
يعلم بأن ما سيحدث اليوم ليس جيدًا ولكنه استجاب إليها وقرر بأن يتناسى مثلها، وأن يظفر بها، وألا يضيع تلك اللحظة التي أتت بها راغبة ومتلهفة للمرة الأولى. كان الشعور متبادل بشكل قوي. لم يكن أحمق ليضيع فرصة كهذا. اقتناص اللحظات السعيدة وسرقتها في الحب ليس جريمة يعاقب عليها القانون. الغرفة التي شهدت على الآلاف من الشجارات بينهما كانت لا تطاق من دونها.
نهض وارتدى حذائه المنزلي وأخذ هاتفه ثم أغلق المصابيح وغادر الغرفة وتوجه صوب غرفة والدته ليجدها جالسة على الفراش تقرأ في مصحفها وأغلقته حينما رأته: "تعالي يا ابني." ولج كمال بعد أن كان يطل برأسه في الغرفة من خلف الباب يرى هل هي مستيقظة أم لا أولاً حتى لا يقلق نومها. أغلق كمال الباب خلفه، لتتحدث منى بنبرة هادئة: "جدك عامل إيه دلوقتي؟ أنا شوفته الصبح بس ملقتش حد ينزلني تاني أطمن عليه لما أنتَ مشيت."
هتف كمال بنبرة متعبة: "الحمد لله أحسن يعني ضغطه اتظبط وهو نايم دلوقتي." "الحمد لله." سألته منى باهتمام وحنان: "كنت فين يا ابني؟ أنتَ اللي لسه جاي صح؟ أصل أنا بعرفك من قفلتك للبوابة أسمعها وأنا في أوضتي." ابتسم كمال لها ولم يعقب، ولكنها لمحت به شيئًا غريبًا لتتحدث بنبرة هادئة: "إيه اللي مصحيك لغاية دلوقتي يا حبيبي وإيه اللي آخرك كده؟ عقب كمال تعقيب بسيط: "فردوس بايتة عند نجوى." ضيقت منى عينيها وهي تتحدث بلوم وعفوية:
"وأنتَ إزاي تسيبها تبات برا البيت يا كمال؟ هنا بدأت تستوعب بأن هناك شيء غريب، فغمغمت: "في حاجة حصلت ما بينكم؟ قال كمال ببساطة: "فردوس عرفت كل حاجة." نظرت له منى بصدمة وهي تردد: "كل حــاجــة؟! هز رأسه بإيجاب متمتمًا: "أيوه عرفت كل حاجة وعرفت اللي حسن عمله." تمتمت منى بتردد وذعر: "وهي عرفت منين؟ وأنتَ يا كمال قولتلها ليه بالسرعة دي؟ مش كنا لسه بنفكر يا ابني هنجيبها ليها إزاي؟ عقد كمال ساعديه وهو يقول بنبرة صادقة:
"القدر كان مكتوب لها فيه إنها تعرف ومن غير ما أنا أدخل، وأنا اللي سيبتها تعمل المحاولات اللي تخليها تعرف علشان نخلص." قالت منى بقلق كبير: "أوعى تكون ناوية تعملنا فضيحة. إحنا لما صدقنا أفنان وداغر علاقتهم بتتحسن وهو بيجهز بيت عيلته." تمتم كمال بنبرة جادة: "فردوس مش هتعمل كده، أنا متأكد من اللي بقوله. أنا حافظها أكتر من نفسها، وهي أكدت إنها مش هتعمل كده." تحدثت والدته بخوف حقيقي: "أيوه بس إزاي هتسكت عن موضوع فهد؟!!!
"أنا عرفتها إن فهد ابن داغر، دي الحاجة الوحيدة اللي كدبت فيها لأنها هتخرب الدنيا أكتر. ده أفضل حل، وهي تعتبر صدقتني وياريت أكون أقنعتها." ابتلع ريقه ليقول بكوميديا سوداء: "فردوس حرقت كل حاجة تخص أخوها ولسه بتفكر تعمل إيه معايا، والمرة دي أنا مش هعترض على أي قرار هي هتاخده، لأن معاها الفرصة اللي تفكر فيها كويس." ضيقت منى عينيها بعدم فهم وهي تقول: "فرصة إيه دي؟
"أنا هسافر دبي وهسرع إجراءات كل حاجة. أنا عايز أفصل، عايز أفصل يا أمي." كان يردد كلماته وكأنه طفل صغير يرغب في الابتعاد حقًا. لم تجد منى نفسها إلا وهي تحاول التهوين عليه: "اعمل اللي يريحك يا حبيبي، أنتَ جيت على نفسك كتير، وسيبها هي تفكر وتهدى. مع إن مش عاجبني قعدتها في بيت حد غريب بس يمكن ده أحسن." استرسلت حديثها بحنان: "نام هنا يا كمال جنبي وأنا هرقيّك لغاية ما تنام زي زمان."
خلع حذائه وصعد فوق الفراش ووضع رأسه على فخذ والدته حتى تفعل ما تريده وتقرأ ما يهدأ باله وصدره ونفسه. شيء واحد يتردد في عقله وهو هذا الدعاء: "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين." "من أجواء الرواية"
لو كنت جلادًا على قلوب البشر وأفعالهم تأكد أن الأمر لن يُحتمل. ولو كنت قديسًا بلا أخطاء تأكد أن المكان لن يُناسبك. هنا نحتاج شخص قلبه لين حتى يغفر وكبير جدًا حتى يتحمل هذا الكم من الإفراط في المحبة. ولو كُنت غير ذلك تأكد أنك لن تفهم أبطال ديجور الهوى، فهم مثل الخطوط المستقيمة قد تسير في نفس الاتجاه ولكن لا تستطيع الالتقاء، لكن تذكر أنه ليس مستحيلًا. #ديجور _الهوى جرائم تم إغلاق ملفها ولكنها باقية في قلوب أصحابها.
"في اليــوم التــالـــي" بالمستشفى. كانت يقين نائمة على الفراش. انتهت ولادتها منذ ثلاث ساعات تقريبًا وها هي تحتضن صغيرتها (تسنيم) ، الاسم الذي اتفقا عليه بعد شجار شهور طويلة. يجلس في الغرفة معها والدها راضي، علا زوجة أبيه، وصديقاتها دنيا ونهال. أما والد ظافر (متولي)
في الكافتيريا الخاصة بالمستشفى يتناول القهوة مع صادق شقيق يقين، فقرر الجميع بألا يشعروها بالازدحام وألا تكون الأنفاس حولهما كثيرة. حينما يخرج شخص يدخل الآخر وهكذا، لأن الطبيب اشتكى من العدد. تمتمت يقين بإرهاق بعد أن أخذت منها الممرضة الطفلة ووضعتها في الفراش الصغير: "هو أنا هروح إمتى يا ظافر؟ هتف ظافر بهدوء: "لما الدكتور يعدي عليكي هيقول هيروحك النهاردة ولا بكرة الصبح علشان بس هو عايز يطمن عليكي."
لم يقصد أن يقلقها. لكن حملها الثالث وبعده الرابع لم يمرّا بالشكل السليم، تحديدًا الرابع الذي لم يكن بالحسبان ولم يخطط له شيء. فأخبره الطبيب في إحدى المرات بأن عليها الاهتمام جيدًا بصحتها لأن جسدها ضعيف، لذلك كان يصر عليها في أغلب الأوقات بأن تساعدها امرأة في المنزل رغم رفض يقين بأن تكون هناك امرأة متواجدة معها بشكل يومي. هي لم تكن يومًا معتادة على هذا، ولكنه لم يكن يقبل النقاش، فتغيرت أشياء كثيرة بيقين إلا أنها لم تتخل عن تحملها المسؤولية ومحاولتها في أكثر أوقاتها ضعفًا ومرضًا أن تشعر من حولها بأنها بخير وليس بها شيء.
انحنى ظافر قليلاً أثناء انشغال علا وراضي بالحديث في الكثير من الأمور التي يتحدث بها الأشخاص الكبار كأحوال البلد وغيرها دون الاهتمام أو الاعتناء بالمناسبة التي يجلسون من أجلها. كانت دنيا التي تحمل طفل في أحشائها بعد الكثير من المحاولات الفاشلة ولم يكن يكتمل حملها بها، رغم أن كل شيء كان يسير بطريقة طبيعية في البداية، ولكن تلك المرأة طمأنها الطبيب وهي في أواخر شهرها الثامن. دنيا ونهال مشغولتان في اللعب مع الطفلة الصغيرة.
"الدكتور قالي لو فكرتوا في المرة الخامسة هو مش لاعب معانا ونشوف غيره، فاعملي حسابك أنتِ ورتبي أمورك. كفايا كده." قالت يقين بنبرة شرسة بالرغم من إرهاقها الواضح وهي تدافع عن نفسها: "ما أنا بعمل حسابي بس الدنيا بتبوظ، وبعدين يعني أنا بجيبهم لوحدي؟ ما تتصرف أنتَ." رفع ظافر حاجبيه وهو يتحدث بنبرة جادة: "حاسس إن الكلام اللي في المواضيع اللي زي دي قدام الناس عيب لما نروح نتكلم، علشان أنا بتكسف ووشي أحمر." سألته
يقين بسخرية وصوت خافت: "وأنتَ وش كسوف أوي بصراحة، وبعدين عرفت منين إن وشك أحمر؟ كنت شوفته؟ تمتم ظافر بجدية شديدة: "حسيته، أنتِ أكتر واحدة عارفة إن مراكز الإحساس عندي شغالة بشكل فائق الجودة." ثم تحدث بهدوء: "وبعدين خلاص يعني أكيد مش هنتخانق في يوم زي ده بعد ما خلاص ختمناها بالبنت علشان الحياة في البيت يكون ريحتها فانيلا وكب كيك شوية، خلاص ختامها مسك." لمعت عين ظافر وهو يقول بعفوية: "ما نسميها مسك؟
قالت يقين بنبرة هادئة، كانت نبرتها هنا طبيعية وليست خافتة كبداية حديثهما: "خلاص يا ظافر استقرينا على تسنيم بقا." "مبروك علينا يا يقين." عقبت يقين بنبرة خافتة وخجولة، فما زالت تخجل من التصريح بحبه في وجود والدها أو أحد أشقائها لها، رغم أنها اليوم وضعت طفلتهما الرابعة: "الله يبارك فيك يا حبيبي." أقترب منها ووضع قبلة على جبهتها ثم غمغم:
"هسيبك معاهم أروح أشوف العيال برا مع عثمان ونوح أكيد مغلبينهم، وأكلم البواب علشان الناس اللي جايه النهاردة."
هزت رأسها بعدم ارتياح لاهتمامه التي تراه غريبًا بالجيران مجهولين الهاوية بالنسبة لها. وغادر ظافر تاركًا إياها معهم. وبمجرد أن خرج من الغرفة وجد، ندى البالغة من العمر ستة عشر عامًا تقريبًا تحمل ريان طفله النائم بين أحضانها والذي يتعلق بها بشكل كبير، بينما والدتها كانت في الطريق تأتي من العمل. أما محمد يجلس بجانب رشاد الذي يأخذه في أحضانه، وكان محمد يبكي. ليقترب منهما ظافر ويجلس بجانب محمد متمتمًا بلهفة:
"مالك يا محمد بتعيط ليه؟ ابتعد محمد عن أحضان شقيقه متمتمًا بضيق: "خالو نوح." ضيق ظافر حاجبيه وتحدث بعدم فهم: "ماله؟ ضحك عثمان الذي يجلس أمامهم على المقاعد الأخرى متمتمًا: "أنتَ عارف نوح واللي بيعمله. خد غرام علشان لقاها حاضنة محمد وراح يقعد مع عم متولي وصادق تحت." تمتم ظافر بنبرة ساخرة:
"هو نوح لا رحم الواد ولا أبوه زمان واقف لينا زي اللقمة في الزور. وبعدين دي غرام عندها ثلاث سنين ومحمد عيل صغير مش هيبطل الهطل اللي هو فيه ده." مسح ظافر دموع طفله بأنامله قائلاً بنبرة جادة وهو ينظر له: "ولا يهمك يا حبيبي." عقب محمد ببراءة شديدة: "أنا بحب ألعب بـغرام." تحدث ظافر بنبرة مرحة رغمًا عنه:
"يعني حسن من ملافظك شوية، اسمها العب معاها علشان أبوها بيتجنن من اللي بتقوله. بلاش بيها دي، تعالى نروح الكافتيريا أنا هخليك تلعب معاها." تمتم راشد بنبرة حنونة: "وأنا هدخل لماما أنا وندى." "بالكافيتريـا"
متولي كان ذهب ليغير مكان السيارة بعد أن أخبره الأمن. أما صادق عاد إلى العمل، فهو استأذن لمدة ساعة تقريبًا. كان نوح يجلس طفلته على قدميه وكأنه يحميها، وهي تشعر بالضيق، فهي كانت تجلس معهما بالأعلى ولكنه أجبرها على الابتعاد عن محمد. جاء ظافر وهو ممسك بيد محمد الذي كان يشعر بالغيظ. "إيه يا مفرق الجماعات؟ خليت الواد يعيط ليه؟ تمتم نوح بسخرية وهو ينظر لهما: "كده لم ابنك عن بنتي." أردف ظافر بنبرة جادة:
"هو عمل إيه الواد لكل ده يعني؟ غمغم نوح بتهكم: "كان حاضن بنتي، هو مفيش عيلة غير بنتي؟ ما تخليكم في عيال عثمان أو بنات أي حد، أشمعنا غرام؟ تمتم ظافر بنبرة مسرحية: "القلب وما يريد يا شيخ. وبعدين هو حضنها، بكرة يكبر ويصلح غلطه ويتجوزها." هتف نوح بنبرة ساخرة: "بعينك، مش كفايا أخدت أختي، عايزين تاخدوا بنتي كمان؟!! "زيادة الخير خيرين؛ أنتم اللي بناتكم بيدخلوا قلبنا نعمل إيه؟
ثم أخذ ظافر الطفلة من أحضان نوح عنوة وقبل وجنتيها وهو يحملها لتسعد الطفلة ببراءة أنها تخلصت من حصار والدها. تلك الطفلة يحبها ظافر لأنها شقية، تشبه يقين في صغرها، بل أنه حينما رأى صور خاصة بيقين في طفولتها شبهها بها. ثم جعلها تهبط لتذهب ناحية محمد وتحتضنه وهي تهتف بفرح: "يلا نشوف النونة." مما جعل ظافر يرفع يديه متمتمًا: "أهو مش ذنب الواد؟
نلم بنتنا الأول لأنها واضح إنها هي اللي جايبة ليك الكلام. وبعدين يعني بنات العيلة في الأول والآخر مش هيلاقوا رحالة غير عيالي. فحسن علاقتك بيا علشان هكون نسيبك المستقبلي كمان." "بـعينك." تمتم ظافر بهدوء وهو يخرج هاتفه ليحادث حارس البناية: "بكرة نشوف." ثم وجه حديثه إلى ابنه: "اقعدوا اطلب لكم اتنين ليمون علشان يناسبكم. وأنتَ يا ابني بلاش أحضان علشان أبوها بيتقمص."
رفع سماعة الهاتف ليتحدث مع ثائر أولاً ويخبره بأنه ترك المفتاح مع حارس البناية وليذهب في أي وقت يريده، ولكنه للأسف لن يكن في استقباله بسبب وجوده مع زوجته في المستشفى. انتهـى الكـابــوس وتم الطلاق رسميًا بين عبدة وسوسن بحضور شريف (ثائر)
. ولم يترك لها للمجال أو الخصوصية لتتحدث معه لأنه يعلم بأنها امرأة ضعيفة الشخصية ويستطيع أي شخص السيطرة عليها بسهولة. فهو كان يرغب في لجمها ولا يعطي لعبدة الفرصة لو كان يرغب. رغم أنه كان لم يرى بعبدة أي قدر من التراجع أو التمسك. وهذا شيء عجيب. ليس هناك مبرر لتنازله السريع وتخليه التام إلا أنه يقوم بعبادة (القرش)
صعد مع سوسن إلى المنزل فأخبره ظافر بموافقة سحر على الأمر وبأنه في انتظاره في أي وقت في المعرض الخاص به وأن المفتاح بات بين يديه. وتلقى اتصال منه يخبره بأن المفتاح مع حارس البناية. فتحت سوسن الباب وأشارت له على الأريكة متمتمة: "اقعد يا ابني عقبال ما أقول لشمس تجهز علشان نمشي." كان يجب عليهما الرحيل. عبدة سيعود في الغد. جلس شريف على الأريكة ووضع قدم فوق الأخرى وهو يشعل سيجارته متمتمًا بنبرة هادئة:
"اعمليلي فنجان قهوة وصحيها لو نايمة علشان عايز أتكلم معاها." قالت سوسن بنزق: "هو أنا شغالة عندك؟! "لا طبعًا يا حجة، ده أنا بس ضيف وبعد إذنك عايز قهوة وتناديلي شمس." جاءت شمس من الداخل وهي ترتدي إحدى مناماتها الشتوية الثقيلة متمتمة بنبرة مقتضبة: "خير عايز ست زفتة في إيه؟ أشار شريف إلى سوسن التي مازالت واقفة في مكانها:
"كوباية القهوة يا حجة سوسن وطولي فيها على قد ما تقدري. أنا بحبها تستوى على نار هادية أو على البخار المهم انشغلي في أي حاجة." زفرت سوسن بضيق ثم رحلت، فهي تشعر بالضيق والقلق في الوقت نفسه. انفصالها عن عبدة لا تدري مدى صحته، ولا تعلم لما هي قلقة من تلك الخطوة!
وتشعر بجرح غائر يفتك بها. لن تنكر، فهي لثاني مرة يتخلى عنها رجل، حتى ولو كانت لا تحبه، ولكن الاستغناء واللامبالاة شيء مزعج لأي امرأة في أي عمر. اختفت سوسن لتأتي شمس وتقف أمامه قائلة بعنجهية وكبرياء لن ينكسر: "اتعامل مع أمي عدل، أنا بقولك أهو." تمتم شريف ببراءة زائفة: "هو أنا أقدر أعاملها وحش؟ برضو؟ دي البركة بتاعتنا ومليش بركة إلا هي. وبعدين ده أنا بفكر بعدين أدخلها في قرعة الحج."
لم تعقب شمس على سخريته الشديدة التي تعلمها وتعرفها جيدًا حتى لو تصنع العكس. لتتحدث بضيق: "أنتَ إيه اللي جابك أصلًا؟ هل هي تسأله؟ تمتم شريف بنبرة جادة: "طب اقعدي بدل ما أنتِ واقفة ليا زي العمل الرضي كده، أنا مبحبش الكلام على الواقف." جلست شمس قبالته وهي عاقدة ساعديها بوجه غاضب ومغتاظ بشكل كبير، ليتحدث شريف بنبرة فضولية: "مالك بقا قالبة وشك ليه؟ وبعدين يعني إيه اللي جابني علشان آخدكم ونمشي؟ عبدة خلاص طلق أمك."
لم تندهش، فهي كانت تعلم قبل ذهاب والدتها وفي الوقت نفسه أخبرتها بعد أن تم الطلاق بشكل رسمي بمكالمة هاتفية، فلم تندهش، ولكنها عقبت بجحود: "كتر خيرك لغاية كده بقا، أنا هاخد أمي وهنشوف لينا صرفة، مش هنروح معاك في حتة." رفع شريف حاجبيه وهو يسألها بعدم فهم: "ليه يعني مش فاهم؟ قالت شمس بنبرة حادة: "هو إيه اللي مش فاهم؟ يعني كتر خيرك لغاية كده سيبنا نظبط أمورنا لوحدنا، متتعبش نفسك." تمتم شريف بتهكم صريح
بعد أن سحب نفس من سيجارته: "لا والشهادة لله أنتم بتعرفوا تتصرفوا أوي. اسكتي أحسن وبطلي كلام ملهوش لازمة، مش عارفة إيه اللي عوجك أوي كده النهاردة؟ قالت شمس بنبرة منفعلة قليلًا: "كده علشان أنا مش تحت أمرك تختفي فجأة وتظهر فجأة، وعايز تيجي تعمل دور سي السيد علينا؟ اعملوا كده ومتعملوش كده." ردد شريف كلماتها باستنكار: "اختفي؟ دور سي السيد؟ أنتِ عبيطة ولا وقعتي على دماغك ولا إيه حكايتك؟!!! غمغمت شمس بانزعاج جلي:
"لا يا حبيبي، أنا عارفة أنا بقول إيه. تقدر تقولي كنت فين يوم الجمعة وسارح فين ومع مين؟ وسايبني حتى مكلفتش نفسك تتصل بيا؟ إيه بدور على عروسة جديدة؟ أردف شريف بنبرة باردة: "فعلاً أنا بدور، ما أنتِ عارفة لازم تكون على الفرازة وكنت يوم الجمعة ماشي في جوازة بس مش جوازتي لسه يعني ملقتش اللي تناسبني وأنتِ أول واحدة هتعرفي لو لقيتها إن شاء الله." "أنتَ بجح ومستفز." عقب شريف بنبرة ساخرة:
"وأنتِ أعصابك في الثلاجة عاملة حوار علشان غيبت عنك يوم واحد، وأكيد مكنتش بلعب، أنا حياتي مفيهاش لعب. مشكلتك إنك عايزاني أربعة وعشرين ساعة أحب فيكي وأهتم بيكي وفي داهية المصايب اللي ورانا، وكل همك أنا فين وبعمل إيه؛ ومش مهتم بجنابك ليه؟ ابتلع ريقه وسألها بجدية: "أنتِ مش واخدة بالك أنا حياتي عاملة إزاي؟ ولا حياتك خربانة إزاي؟ تحدثت شمس بعفوية ونبرة ساخرة:
"حياتك بقت بايظة ومش مستقرة وخربانة على حظي وأنا من ساعة ما عرفتك قاعد تتجوز وتغير النسوان كأنك بتغير شراباتك، بس على حظي بقيت مشغول." استغفر شريف ربه ثم سألها وهو يكز أسنانه: "أنتِ عايزة إيه يا شمس؟ "عايزة أعرف أنتَ بتساعدني ليه؟ وعايزني أسمع كلامك ليه وأنتَ في نفس الوقت كل شوية بتنفي أي حاجة ما بينا، بس قاعد تظبط أموري وأنا كده مش فاهماك." غمغم شريف بنبرة واضحة:
"شمس افهمي الله يرضى عليكي، إحنا مش مراهقين ولا عيال صغيرة، ولا حياتي ولا حياتك فيها مجال للخيالات الدرامية اللي جاية في رأسك أو اللي أنتِ عايزاها." ابتلع ريقه ثم تحدث بنبرة هادئة: "إحنا مش في وقت هعيشك فيه قصة حب وأصحيكي بالورد وأنامك على الورد. أنا في مصايب ورايا وأنتِ الأهم دلوقتي أبوكي يعرف بيكي ويعترف بنسبك دي أهم حاجة وأننا نسيطر على أمك علشان محدش يفكر يجرها ويضحك عليها تاني." لم تعطي لكلماته أي اهتمام
وهي تخبره بنبرة جادة: "الحب ملهوش وقت، والمفروض أفهم أنتَ ناوي على إيه معايا." هتف شريف بنبرة خافتة: "شمس أنا هسلم نفسي، أقل حاجة ممكن تحصل يوم ما أقول أنا ماخدتش حاجة هي إن اتسجن خمس أو ست سنين. عايزة واحد زيي يوعدك بإيه؟ وبعدين يعني كل اللي بعمله علشانك مش عاجبك؟ قال شمس بنبرة عاطفية:
"اوعدني بأي حاجة، أنا بحبك يا ثائر، ومش فارق معايا لا السجن ولا غيره ولا كل ده أنا بشوفك بقلبي، حتى لو أنتَ شايف عيوبي وظروفي ومشاكلي أنا مش شايفاهم وأنا بحبك، أنا مبشوفش غير إني بحبك."
هي توتره. صدقًا تصيبه بالارتباك من قوة مشاعرها الفياضة، وجرأتها في التعبير عن أي أنثى أو امرأة أخرى ربما ترجع لنشأتها وما مرت به. هو لم يعتاد على أن تكون بينه وبين أي امرأة مشاعر، حتى من تزوجهم ربما شعر بتفاهم وانجذاب جسدي وعقلي لا أكثر. أما شعوره بمشاعر تجعله يرغب في فعل أي شيء من أجلها من أجل حياة كريمة لها، دون انتظار أي مقابل لم يعتد أبدًا على هذا. ليس لأن الوقت فقط لا يسمح، لأنه لا يستطيع التعبير عن مشاعره. هو يمر بمشاعر لا يفهمها. مشاعر لم يمر بها في فترة مراهقته حتى. وكأنها قد قرأت
أفكاره لتسأله بنبرة هادئة: "أنتَ حبيت حد قبل كده؟ تهرب من السؤال بفظاظة: "أنا بقول تشوفي أمك اللي بتزرع البن جوا مش بتعمل قهوة وتخلصوا علشان نمشي." عادت شمس تتحدث بنبرة شرسة: "برضو هتديني أوامر؟ ومش هتقولي كنت فين امبارح؟! تمتم شريف ببساطة وكأنه لا يقول شيئًا:
"كنت في قراءة فاتحة هلال على أختك وبحاول أفهم العيلة أكتر، ياريت تسمعي الكلام بقا وتبطلي مناهدة. أنا مش بعمل حاجة غير لمصلحتك وفكري بطريقة منطقية أكتر، سيبي كل حاجة للظروف." يتبع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!