الفصل 42 | من 61 فصل

رواية ديجور الهوى الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم فاطمة طه

المشاهدات
20
كلمة
9,892
وقت القراءة
50 د
التقدم في الرواية 69%
حجم الخط: 18

يجلس ظافر على الأريكة بعد نوم أطفاله، وأصغرهم نائم بين أحضانه. كانت يقين تأخذ حمامها بعد يوم طويل ومرهق، وهي في أيامها الأخيرة في الحمل وترعى ثلاثة أطفال. وضع ظافر طفله على الأريكة بجانبه، يمرر يده على خصلاته بحنان. في أذنيه، وضع سماعته اللاسلكية ويتحدث مع سحر. "قولتي إيه يا سحر؟ أنا بقالي يومين قايلك لو مش موافقة عرفيني علشان الراجل يلحق يظبط أموره." جاءه صوتها الهادئ: "خلاص يا ظافر أنا موافقة، مفيش مشكلة."

قال ظافر مؤكدًا حديثه: "أنا مش بضغط عليكي يا سحر، لو مش حابة براحتك. الشقة شقتك في الأول والآخر." "عارفة يا ظافر، بس خلاص مفيش مشكلة. لما نأجرها مدام أنت واثق فيهم. في كل الأحوال الشقة فاضية من سنين ومفيش حد مستفيد بيها، خصوصًا إني مش بيجيلي قلب أبيعها كل ما أفكر." تمتم ظافر بنبرة عادية وهو غافل عن من تقف

خلفه تستمع إلى مكالمته: "خلاص سيبي المفتاح مع أبويا علشان نبعت حد ينضفها، لأنها بقالها سنين مقفولة وهظبط ميعاد علشان تقابليهم." "مش مشكلة يا ظافر، مش محتاجة أقابل حد مدام أنت واثق فيهم خلاص." تمتم ظافر بنبرة هادئة: "برضو نضمن حقنا. فكري كده، عايزة الإيجار كام وفي كل حاجة وعرفي أبويا." "ماشي، أنا هاخد رأيه كمان، هو أكيد أعلم مني بأسعار الإيجارات دلوقتي." "ماشي، ندى عاملة إيه؟

"الحمد لله بخير، هي نامت علشان وراها امتحان الصبح." "عارف، بعتتلي الجدول. هكلمها بعد الامتحان. محتاجة حاجة قبل ما أقفل؟ عقبت سحر بنبرة هادئة: "لا، مع السلامة يا ظافر." "مع السلامة." وهكذا انتهت المكالمة بينهما، لتقترب يقين بعد أن وضع الهاتف أمامه على الطاولة. "بتكلم مين؟ أجابها وهو ينظر لها أثناء جلوسها على المقعد بحذر، وهي تضع يدها على بطنها المنتفخة: "بكلم سحر."

سألته يقين بضيقٍ تشعر به، ولا تصرح بسببه أبدًا، لأنها ببساطة تعلم بأنها هي التي تغار عليه بشكل كبير، رغم أنه طوال عمرها لم تكن امرأة من هذا النوع، ولكنها معه عكس هذا. هي تنجح في إخفاء مشاعرها في بعض الأحيان، رُبما. لكنها لا تكذب على نفسها، هي تغار عليه بجنون رغم مرور السنوات. تغار من أي امرأة قد تكون حوله رغم ثقتها به، بسحر تحديدًا التي تعيش على ذكرى رشاد، رافضة أي فرصة مهما كانت، تكرس حياتها كلها لابنتها.

"ليه، في إيه؟ تمتم ظافر بتفسير: "في حد قاصدني في خدمة، وعايز يأجر ليهم شقة رشاد، فكنت بأخد رأيها وبشوفها موافقة ولا لا." "ووافقت؟ عقب على حديثها بعد أن ضيق عيناه وهو يتحدث بنبرة جادة: "أيوه وافقت، إيه بقا الطريقة اللي بتتكلمي بيها دي؟ حاولت يقين تغيير نبرتها وجعلها طبيعية وهي تغمغم: "أبدًا مفيش، مين دول اللي هيأجروها بقا؟ كانت الإجابة منه بسيطة: "واحدة وبنتها." سألته يقين بفضول: "عندها كام سنة وبنتها كام سنة؟

تحدث ظافر ساخرًا: "مسألتش عن التفاصيل اللي زي دي، بس يعني هي ست كبيرة وبنتها كبيرة على حسب ما فهمت. ده المقاول اللي كان بيعمل لينا آخر عمارتين كان واخدها مقاولة هو اللي قاصدني في الخدمة دي." تمتمت يقين بتهكم: "ربنا يخليك لمصر يا حبيبي وتعيش وتخدم الناس وتعمل معاهم الخير." تحدث ظافر في نبرة تماثلها: "يارب يا حبيبتي، آهو ربنا يجعلنا سبب."

نظرت له يقين بشزر وهي على وشك أن تنقض عليه، ولكنها التزمت الهدوء. لكنها لن تترك أمر الجيران الجدد هذا. -في الصباح الباكر. هو نائم في منزله، حيث منزله الذي يمكث فيه بمفرده. إذن صوت الطبول من أين يأتي؟ تململ هلال في نومته وحاول أن يتقلب بأريحية، لعل هذا الصوت المزعج والقريب يذهب بعيدًا. ولكنه شعر بأن قدمه اصطدمت بجسد صلب.

ففتح عينه على أخرها ليجد شريف يجلس على الفراش، وبيده "طبلة" ويقوم بالتطبيل باحترافية، هي هواية لديه كهواية الطبخ. استيقظ هلال وهو يصرخ به قائلاً بانفعال: "اسكت، اسكت." توقف شريف عما يفعله والصخب الذي تسببه، متحدثًا بضيقٍ: "ليه العكننة دي؟ الحق عليا إني بحتفل بيك يعني؟ وبعدين أنت نايم ليه لغاية دلوقتي؟ ده خلاص صلاة الجمعة قربت، يلا يا عريس ده إحنا ورانا سفر لبني سويف." جلس هلال في نصف جلسة وهو يفرك عيناه بكسل قائلاً

بعدم استيعاب: "هو أنت دخلت هنا إزاي؟ قال شريف بغرور كبير: "أنا نيتي صافية وسكتي سالكة طول عمرها، بدخل أي حتة في أي وقت. مش أنت بس اللي عندك مفاتيح." سأله هلال باقتضاب: "دخلت هنا إزاي يا شريف، خلص." أجابه شريف ببساطة شديدة: "أمك." خرج لفظ بذئ من فم هلال بانفعال وهو يعقب على حديثه: "هو أنت مش هتبطل إجابتك ال**** دي؟ ما تقول الجملة كلها ورا بعضها."

تحدث شريف موضحًا: "أمك قلقانة منك ترجع في كلامك، فاتصلت بيا الصبح وقابلتها وجينا وهي معاها المفتاح، واديها بتحضرلك الفطار علشان نصحيك، وطبعًا هي اللي دخلتني." تمتم هلال وهو يضرب كفًا على كفٍ: "أنا بجد مش عارف أنا مستحملك السنين دي كلها إزاي، كل يوم بتعجب من نفسي، اقسم بالله." قال شريف بلا مبالاة

وجدية وهو ينهض من مكانه: "على فكرة ده مؤشر حلو أن جوازتك هتعمر، إنك عندك قوة تحمل رهيبة يعني أي ست مهما كانت صعبة مش هتيجي عشرة في المئة في اللي بعمله فيك." استرسل حديثه بنبرة مرحة: "أنا رايح المطبخ عقبال ما نخلص تكون فقت كده علشان أشوف الحجة أمك خلصت الفطار ولا لا، حاكم أنا جعان جدًا." -في بني سويف. استيقظت بشرى من فراشها بقلق كبير. يا ليتها لم تبدي الموافقة ولم تعطيه الرقم ولا أي شيء، حتى ولا يهمها العمل الآن.

اندهشت من تصرف والدها وقبوله الأمر بأن يأتي ويطلب يدها بطريقة ملائمة. دوامة كبيرة تحيط بها. تسمع خطبة الجمعة، تعلم مصدرها من الشاشة المتواجدة في بهو المنزل والتي تقوم جدتها برفع الصوت على أخره ليصل إلى جميع أرجاء المنزل كالعادة. خرجت من غرفتها وتوجهت إلى حيث تتواجد جدتها قائلة بنبرة خافتة: "صباح الخير يا ستو." قالت زينب بهدوء: "صباح النور يا حبيبتي." جلست بشرى بجانبها متحدثة بنبرة روتينية: "ماما وبابا نايمين ولا إيه؟

تحدثت زينب بنبرة عادية: "أمك نزلت بتقول هتشتري حاجات للبيت علشان الناس اللي جاية، أبوكي راح يصلي الجمعة." والدها يذهب لصلاة الجمعة! ووالدتها ذهبت لشراء احتياجات للمنزل! ما هذا اليوم العجيب. -في سيارة نرمين. كان يجلس بجانبها جمال بعد اتصال منها تخبره بأنها تود لقائه بعد صلاة الجمعة. اندهش من طلبها لتتبعه بالطلب الآخر بألا يخبر أحد بأنه قادم للحديث معها. لكنه وافق. وها هو يجلس بجانبها

لتسأله نرمين بنبرة هادئة: "عامل إيه يا ابني وايه أخبارك؟ هل جعلته يأتي تلك المسافة وبتلك الطريقة العجيبة لتسأله عن حاله؟ بالرغم من استغرابه الشديد إلا أنه تحدث باحترام: "الحمد لله أنا بخير، حضرتك عاملة إيه؟ "الحمد لله." صمتت نرمين ولا تدري من أين تبدأ الحديث معه، ولكنه لمح حيرتها ليتحدث بنبرة هادئة: "حضرتك كنتِ عايزاني في إيه؟ أنا قلقت بصراحة من المكالمة." قررت نرمين

أن تكتسب الشجاعة وهي تقول: "حابة أتكلم معاك في موضوعك أنت وبشرى بصراحة وبعيد عن أي حد." تمتم جمال بفضول: "اتفضلي، هي مش المفروض بشرى بتفكر لسه؟ قالت نرمين بوضوح وقد تبدو جارحة، ولكنها ترغب في الصراحة حتى تنهي هذا الأمر: "ده كان رد بشرى لما حست بضغط أبوها عليها، خصوصًا إنها مش عايزة تزعله الفترة دي علشان مرضه." أسترسلت نرمين حديثها بنبرة لينة: "أنت شاب محترم يا جمال ومؤدب وابن ناس وألف واحدة تتمناك حقيقي."

قاطعه جمال بنبرة غامضة: "ما عدا بشرى صح؟ عقبت نرمين على حديثه محاولة تلافي الأمر والحديث بطريقة لا تبدو جارحة وتجعله يتفهم الموقف: "أنت مش صغير ومفيش حد في عيلتي أو عيلة منير كبير أو صغير ميّعرف حياتنا عاملة إزاي ومرينا بإيه، وإننا عمر ما حياتنا كانت مستقرة وده علشان كنا جوازة صالونات، وعلشان تفاصيل تانية كتير لغايت دلوقتي إحنا الاتنين بنعاني منها." ابتلعت ريقها واسترسلت

حديثها بتفسير أكبر: "عيالنا اتأثروا بعلاقتنا دي أوي، واحد مسافر وبينزل إجازات بالعافية لو نزل، والتانية رافضة فكرة الجواز ومش عايزة تتجوز. بشرى بتحبك وبتحترمك كأخ ليها، لكن هي مش شايفاك غير كده، وده مش عيب فيك أو شيء يعيبك، ده نصيب وقبول الجواز شيء والقرابة شيء تاني، فاهمني؟ قال جمال بنبرة لم تفهمها: "فاهم حضرتك." تحدثت

نرمين بنبرة هادئة ورزينة: "علشان كده أنا مش عايزة تزعل، أنا حبيت أوضح ليك الأمور، ومحدش عارف نصيبه فين وأنت تستاهل كل خير." ابتلعت ريقها وتحدثت بنبرة عقلانية: "أنا حبيت أتكلم معاك لأني معتبرك زي ابني ومحبش لأي حد يعيش تجربة زي اللي عيشتها، سواء أنت أو بنتي أو أي حد. عارفة إن منير هيماطل ومش هيرضى يقول الحقيقة قصادك علشان هو خايف على زعلك وزعل والدك."

تمتم جمال بعدم فهم: "أنا فهمت كلامك وفهمت إن بشرى رفضت، بس مش فاهم أنا مطلوب مني إيه؟ قالت نرمين بنبرة هادئة: "مش مطلوب منك حاجة، أنا حبيت أدردش معاك وأكلمك في الصح، ويمكن أنصحك نصيحة إنك متتجوزش أي حد لأنه شخص مناسب. الجواز حاجات أكبر من كده بكتير." هتف جمال بنبرة غامضة بعض الشيء: "بس واضح إن حضرتك عايزة الموضوع يجي مني تقريبًا؟ هزت رأسها بإيجاب وهي تقول موضحة: "حصل موضوع في المكتب اللي بشرى بتشتغل فيه."

سألها جمال بعدم فهم: "موضوع إيه ده؟ قالت نرمين مختصرة الأمر وكثير من التفاصيل: "المحامي اللي بتدرب عنده اتقدم ليها، وهي مكنتش تعرف. وطبعًا لما منير عرف قعدها في البيت ومنعها تروح الشغل تمامًا، وهي قاعدة في البيت بقالها كذا يوم. فأنا مش عايزة يكون في ضغط عليها من كل النواحي." "حصل خير وعمومًا أنا مش ساذج لدرجة إني ممكن أتزوج واحدة مش عايزاني أو أبوها ضغط عليها بأي شكل من الأشكال، وبتمنى لبشرى كل خير."

-طرقات هادئة على الباب ليأذن توفيق لها بالدخول وهو يجلس في مكتبه. ولجت دعاء بكوب الشاي ووضعته أمامه على المكتب بعد خطوات رزينة وهادئة تمارسها أمام والد زوجها فقط. فهو أتى لتوه من صلاة الجمعة، أما بكر فذهب لشراء بعض الاحتياجات. هتفت دعاء بنبرة هادئة: "عايز حاجة تاني يا عمي؟ ابتسم لها توفيق بحنان ثم غمغم: "آه عايزك في موضوع كده، اقفلي الباب وتعالي اقعدي."

توترت دعاء بعض الشيء، ليس من العادة أو الطبيعي أن يرغب توفيق في الحديث في أمرٍ ما معها. مع ذلك قامت بتنفيذ أوامره وأغلقت الباب ثم عادت وجلست على المقعد المتواجد أمام مكتبه. تمتم توفيق بهدوء: "عاملة إيه يا بنتي، كله تمام؟ هتفت دعاء بنبرة لينة: "الحمد لله يا عمي، كل حاجة تمام." "ربنا يقومك بالسلامة." عقبت دعاء بنبرة هادئة ومترقبة في الوقت نفسه: "الله يسلم حضرتك." ثم سألته

ولم تتحمل تلك المقدمات: "معلش يا عمي علشان أنا قلبي وقع في رجليا، هو في حاجة أنا عملتها وأنا مش واخدة بالي؟ ما أنا لساني طويل وبتكلم في أي وقت، هو بكر اشتكى مني؟ ضيق توفيق عيناه ثم سألها بغموض: "هو أنتِ عملتي حاجة تخلي بكر يشتكي منك؟ أخذت دقيقة تفكر بحديثه وتتذكر هل فعلت شيء أم لا، ثم غمغمت بجدية: "لا معملتش، بس برضو الأمر ميّسلمش، ما أنا بقلق." ابتسم توفيق رغمًا عنه ثم قال مداعبًا

إياها: "مفيش حاجة يا بنتي، ولا بكر اشتكى ولا غيره. كل الحكاية إني عايز منك خدمة، وبعدين بلاش تجيبي سيرة الشكوى أو الخناق، لأن أنتم العلاقة الوحيدة اللي عندي أمل فيها في البيت ده كله." ضحكت دعاء رغمًا عنها، وبعدها قالت باحترام: "متقلقش يا عمي، كله تحت السيطرة، ها قولي عايز مني إيه؟ أنا عنيا ليك."

تمتم توفيق بنبرة هادئة: "بما إن مفيش حد علاقته كويسة غيرك بفردوس، فأنا عايزك تجيبيلي صورة من الباسبور بتاعها علشان أنا عايزها تسافر مع كمال سفرية دبي." ضيقت دعاء عيناها ثم سألته بعدم فهم: "وأنت ليه عايزني أعمل كده؟ ما تقول لكمال وهو يقولها."

تمتم توفيق بجدية: "أنا عارف إنها عملت باسبور ساعة كتب كتابها هي وكمال علشان كان المفروض يسافروا سوا ساعتها علشان شهر العسل، بس طبعًا اللي حصل لخبط الدنيا، فأنا كنت عايز أظبط ورقها وأخلي بكر يظبط الموضوع." سألته دعاء بفضول: "وأنت مش عايز تخلي كمال هو اللي يعمل كده ليه؟ أنا هصوره إزاي؟ أنا مش فاهمة حاجة."

هتف توفيق بتوضيح بسيط: "كمال نفسه أنا وبكر اللي هنخلص له الورق، هو مش هيعمل حاجة، وأنا عايزها مفاجأة ليهم. على العموم مفيش أصلًا شغل في دبي يستدعي سفر كمال، دي حجة أنا قولتها ليه. أنا عايزاه ياخد فردوس ويبعدوا كام يوم عن البيت ويمشوا بعيد عن كل حاجة." ضيقت دعاء

عيناها وسألته دون تردد: "غريبة إن حضرتك بتفكر كده رغم يعني إني كنت بحس إنك مش متقبل فردوس أوي، لدرجة إني كنت متخيلة يعني إنك نفسك كمال يطلقها وأنت وبكر السبب في جوازته التانية، فليه بتفكر في فردوس دلوقتي؟ كانت ذكية في تخمينها. رغم أنها لا تعرف حقيقة الأمر، ولكنها كانت تشعر بأن توفيق لا يقبل فردوس.

تمتم توفيق بحيادية: "هو مش حكاية مش بقبلها، ولو كنت مشيت أنا وبكر في جوازته التانية علشان كان نفسنا كمال يرتاح ونشوفه مبسوط. حياة كمال وفردوس واضحة وضوح الشمس قدامنا كلنا قد إيه هي بايظة، كل واحد في وادي ومفيش تفاهم، كل يوم خناقات." أبتلع ريقه

ثم استرسل حديثه بتفسير: "أنا عرضت على كمال أكتر من مرة يطلقها مدام الحياة بينهم مستحيلة، بس مكنش بيسمع. لما عوزنا إنه يتجوز تاني علشان يكون في واحدة ست في حياته بتهتم بيه، اتوقعنا إن ده ممكن يسعده. ولما اتجوز قولنا ده هيكون أفضل وهنشوفه مبسوط، مستقر وكويس، بس للأسف ده محصلش." كانت دعاء تسمعه بإنصات وهدوء شديد،

وكان هو يسترسل حديثه برفق: "يمكن بعمل كل ده علشان حاسس إن راحته هتكون مع فردوس. هو مش هيرتاح إلا معاها. الراجل لما بيحب عمره ما هيعرف يشوف نفسه مرتاح مع حد غيرها مهما كانت الحلول التانية أفضل، يمكن. كمال بيحب من قلبه ودي مشكلته، فأنا مضطر إني أريحه وأقبل بأي حاجة علشانه." تأثرت دعاء بحديثه وحينما وجدته انتهى تمتمت بحماس: "خلاص أنا هتصرف، مع إني مش فاهمة أوي هتقولهم إمتى ولا هتعمل إيه، بس خلاص اعتبره حصل."

-تجلس على الفراش في الغرفة الخاصة بوالدتها التي تنام فيها منذ عودتها إلى المنزل تقريبًا. والدها ذهب لقضاء بعد الأمور الخاصة بعد صلاة الجمعة، أمور تخص عمله وتجارته برفقة شقيقها، وظلت هي في المنزل برفقة زوجة شقيقها. لكنها منعزلة عنها وعن أبنائها منذ الطلاق وهي صامتة، صامتة بشكل فسره البعض أنه ندم ورُبما شعرت بأنها تسرعت. لكنها كانت ترغب في الابتعاد.

ولجت جهاد إلى الغرفة وهي تحمل كوب من مشروب الشيكولاتة الساخنة التي يناسب تلك الأجواء، ووضعته بجانبها على الكوميدينو، ثم جلست بجانبها على الفراش محاولة التهوين عليها أو فتح أي مجال للحديث بينهما، فهي لم تعتد على هذا. "مالك يا داليا؟ ما تخرجي تقعدي معايا أنا والعيال بدل ما تقعدي لوحدك كده." تمتمت داليا بنبرة خافتة وواهنة: "أنا مرتاحة كده." سألتها جهاد رغمًا عنها: "أنتِ ندمانة على أنك أخدتي قرار الطلاق بالسرعة دي؟

تمتمت داليا بنبرة هادئة: "مبقتش عارفة يا جهاد، بس أنا حسبتها صح. يمكن ده شعور نهاية أي تجربة بتقعدي تحاسبي نفسك شوية، بس الأكيد إني أخدت القرار الصح." هتفت جهاد بنبرة تشابه نبرتها: "إن شاء الله خير، ربنا هيعوضك، أنتِ تستاهلي كل خير يا داليا." ابتسمت داليا لها ثم عقبت: "تسلمي ليا يا جهاد." سألتها جهاد وهي ترغب أن تدردش معها وألا تتركها في كآبتها تلك: "ناوية تعملي إيه؟ هترجعي المعمل؟ هزت

داليا كتفيها بلا مبالاة: "لسه مش عارفة، بس يعني لما شهور العدة تخلص هفكر في الموضوع ده، بس أنا محتاجة أعمل دبلومة وحاجات لأني حابة أفتح معمل لوحدي. ولو هرجع اشتغل أنا مش هشتغل في المعمل معاهم، ممكن أشوف مكان تاني." تمتمت جهاد باهتمام: "ليه؟ ده كلهم عايزينك ترجعي." ثم استرسلت حديثها وهي تسألها: "علشان خالد؟ يمكن يكون نسي أصلًا، ولو هو مش عايزك مكنش قال ليهم إنهم منتظرينك ترجعي."

خالد، ذلك الرجل العاطفي الغريب. كان زميل لها في عملها حتى قبل خطبتها وعقد قرانها الأول. عرض عليها الزواج لأنه يحبها حسب ما أخبرها بها، ولكنها لم تقبل به. لم تجده رجلاً متحفظًا في تعامله مع النساء، هو مختلف عنها في الطباع بشكل كبير. هي متحفظة جدًا بشأن الرجال، أما هو العكس. لم تصدق حبه. حينما تمت خطبتها تجنبها، يعاملها في حدود العمل فقط ولم يظهر أي شيء. وبعد أن تمت طلاقها من زوجها الأول أعاد عرضه مرة أخرى ولكنها

رفضته، مخبرة إياه بأنها ليست المرأة المناسبة لرجل مثله ولأن لديها العديد من المسؤوليات. وكان وقتها اشتد مرض والدتها وبدأت في الاهتمام بها وأن تغيب عن العمل في الكثير من الأيام. حتى وجدت نفسها مرة واحدة تقرر ترك العمل وتنقطع علاقتها بالجميع تقريبًا عدا نورا.

هتفت داليا بنبرة عادية: "الأفضل إني أروح مكان جديد أحسن وأبدأ كل حاجة من جديد بعد ما تعدي فترة مناسبة." -"كِلانا على معرفة، أن الذي بيننا لا يُمكن بتره" #مقتبسة متعلق فيكِ فكرًا وجسدًا وروحًا وحياة وقلبًا ينبض لكِ وسعادة مرتبطة لأجلكِ وعمرًا أعيشه بجانبكِ #مقتبسة يا امرأة تتسلى من خلف ستار أني لا أؤمن في حبٍ لا يحمل نزق الثوار لا يكسر كل الأسوار لا يضرب مثل الإعصار آه لو حبك يبلعني يقلعني.. مثل الإعصار

أني خيرتك فاختاري ما بين الموت على صدري أو فوق دفاتر أشعاري #نزار _قباني هدأت أنفاسهم.. كأنه هدوء بحر غاضب وعاصف. لم يكن هناك مجال للتردد. هو الداء والدواء. كان اللقاء مستحيلًا، ولكن تحطم ذلك الجدار الذي لم يفعله أي شخص بيده. كانت الظروف هي السبب وتراكمت ردود الأفعال. لم تبتعد فردوس، وهذا ما كان يتوقعه، أو حتى انهيار وبكاء كالمرة السابقة. ولكنها خالفت توقعاته. شعر بها راغبة به، هذا ما كان ينتظره منذ سنوات.

تلك اللحظات هي التي تخيلها ألف مرة في عقله. حسنًا، ليعترف بأن الواقع أجمل مما أتى في عقله. انتظر لسنوات وهذا ما كان يصبره بأنه يعلم بأن اللقاء بينهما سيأتي مهما حدث، وبأنه سيكون أروع ما يمكن.

كان كل شيء جميلًا، بل رائعًا وهادئًا. لا أحد يعكر صفوهم. انعزل الاثنان عن العالم وتوقف عقلهما. ولو لمدة ساعات، لم يكن سوى صوت هاتفها بين الحين والآخر هو من يزعجهم. ولكن في كل مرة كانت تحاول الابتعاد عنه، لم يكن يقبل وكانت تنصاع له برغبة حارقة.

قام بتنفيذ رغبتها. هي نست كل شيء بين يديه، فقط كانت تستقبل لهفته ومشاعره. همساته تستقبلها بنفس راضية ومطمئنة. لم يكن عليها الانتظار. رُبما لن تسنح لهما الفرصة فيما بعد. هي ليست واثقة من أي شيء. لم تكن ترغب في الابتعاد عنه. ظلت محتضنة إياه بخوف حقيقي حتى بعد نومه، تخشى فقدانه. هي بالفعل تخشى فقدان كمال، هذا ما لم تعترف به من قبل. هو عائلتها؛ حصنها المنيع حتى لو كانت تظهر له العكس، حتى ولو أخطأ بحقها، وارتكبت هي الكثير في حقه. هي تشعر بأنها في أمان معه. لأول ليلة لا تريد النوم فقط لأجل الشعور بأنها بين أحضانه حتى وقت نومه. استسلمت للنوم فقط قُرب وقت الفجر.

وحينما صدع صوت الأذان من هاتفه وبعدها لحقها الأذان من المسجد. وقتها استيقظ وترك أحضانها من أجل صلاة الفجر. بعد أن عاد كانت تستقر بين أحضانه مرة أخرى حتى وقت صلاة الجمعة. وهنا قد استسلمت للنوم بعمقٍ لم تحصل عليه طوال حياتها. فتركها وذهب بعد أن ترك قبلة على رأسها وقبلة على باطن كف يدها. فشعرت برحيله فقررت النهوض.

أخرجت ملابسها وذهبت إلى المرحاض، بعدها قضت فرضها كما يحثها دومًا وأخذت تبحث عن هاتفها. آخر شيء تتذكره أنه رحل لمدة ثواني وترك الهاتف في مكان ما ثم عاد إليها مرة أخرى. وبعد رحلة بحث طويلة وجدت الهاتف أسفل الوسادة المتواجدة على الأريكة (في نهاية الغرفة)

. وكان غرضه من وضعه أسفل الوسادة بأن ينخفض الصوت. لم يكن لديه حتى الفرصة ليركز من يتصل بها أو جعل الهاتف على الوضع الصامت. تلك اللحظة انتظرها طويلًا. لم يكن لأي شخص الحق في أن يقتحمها. أمسكت هاتفها ووجدت أنه قد انتهى شحن بطاريته، فوضعته على الشاحن الخاص به وانتظرت بأن يفتح أمامها وذهبت إلى المكالمات الفائتة لتشعر بالدهشة هناك. أكثر من ثلاثين مكالمة فائتة من إيمان!

كانت مغمورة وغارقة بالعاطفة التي أغدق بها عليها، لم تركز بهذا القدر بأن إيمان كانت مُلحة في الاتصال. تعلم بأن هاتفها كان يصدع صوته، ولكن لم تهتم في أغلب الأوقات ولم تظن بأن الأمر جاد إلى تلك الدرجة. أو لتكن صادقة، هي كانت ترغب في تلك اللحظة مثله ولم تسمح لأي شيء يقوم بتعطيلها عن حبيبها مهما كانت أهميته. لعل الأمور القادمة لن تسمح لهما بذلك. أتصلت بها على الفور وأجابت إيمان عليها قائلة بصوت

لم تستطع فردوس تمييزه: "كل ده يا فردوس؟ أنتِ مبترديش عليا ليه؟!!!!! أنا اتصلت كتير أوي عليكي من امبارح وفي النهاية تليفونك اتقفل." تمتمت فردوس بنبرة متوجسة: "مفيش يا إيمان موبايلي كان صامت وفصل شحن وكنت نايمة." جاءها صوت إيمان منفعلًا: "أنتِ بقالك كتير أصلًا مش معبراني ولا تعرفي عني حاجة. في دنيا لوحدك ولا كأنك تعرفيني."

رغم أنها قررت أن تقوم بشراء سلامها النفسي، إلا أنها جعلت تشعر بتأنيب الضمير. وقبل أن تجد فردوس رد مناسب، كانت إيمان تخبرها: "فردوس أنا في المستشفى وهعمل عملية النهارده وعايزة أشوفك ضروري قبل ما أدخل العمليات." تمتمت فردوس باهتمام وقلق حقيقي: "عملية إيه دي؟! "عندي أورام ليفية في الرحم، موضوع طويل يعني ولازم أشيلهم." قالت فردوس بشعور غريب بالذنب: يا ليتها لم تبتعد عنها، كانت زلت بجانبها على الأقل. هل هي أنانية؟

"طيب قوليلي مستشفى إيه ولا فين المكان والعملية الساعة كام؟ أردفت إيمان بجدية: "هبعتلك على الواتساب، أهم حاجة تيجي يا فردوس ضروري." استطاعت إيمان أن تخرجها من المشاعر ومن حالتها المزاجية الجيدة إلى أخرى متوترة. "حاضر."

بعد نصف ساعة أخذت تقوم بترتيب الغرفة بأكملها. وأخرجت ملابس لها من أجل ذهابها بعد أن تخبره. لكنه تأخر. تأخر عن موعد انتهاء الصلاة. حينما انتهت من ترتيب الغرفة المبعثرة، استطاعت الإنتباه للوقت. الآن هي مشوشة وخجلة بشكل كبير. حقًا لا تدري كيف أن تتحدث معها وتفاصيل ليلة أمس لا تختفي من عقلها. لولا إيمان التي استطاعت بث قلقها من أجل خوفها عليها وعلى صحتها وفي الوقت نفسه من إصرارها على الإتيان بل تخبرها أن الأمر ضروري!

هل الأمر له علاقة بشقيقها؟ أم أن هناك شيء آخر تود أن تخبرها به ليس له علاقة به وهي من تقوم بتهويل الأمر كعادتها. صدقًا لا تعلم أي شيء. "أين أنت يا كمال؟ كان هذا السؤال يتردد في عقلها. فهي عادت إلى مخاوفها من فتح الحاسوب ومن إصرار وكلمات إيمان. بكت رغمًا عنها، وحينما وجدت الباب ينفرج ليعلن عن دخول كمال، حاولت مسح دموعها سريعًا بأناملها.

دخل كمال إلى الغرفة وكان قد لمح حركتها تلك، ليراوده القلق الحقيقي. كان يرتدي عباءته البيضاء يحمل بين يديه باقة من الزهور البيضاء وبها بعض الورود ذات اللون الوردي. تليق به وبلفتاته الجميلة. هو يوم مولدها. منذ أن وقعت عليها عيناه كان يهديها باقة من الزهور. ألا تستحق باقة من الزهور بمناسبة مولدها بين ذراعيه؟ هذا ما جعله يتأخر.

لكن كل شيء توقف حينما اقترب منها وجلس بجانبها على الفراش ووضع الباقة بجانبه. متحدثًا بصوت مهزوز حينما وجد عيناها وملامحها تظهر بكائها: "في إيه؟ كان يخشى إجابة معينة! يخشاها وبشدة. عقبت فردوس بنبرة جادة وهي تكسح الدمعة التي تمردت وفرت على وجنتيها: "أنت اتأخرت." رفع كمال حاجبيه متحدثًا وهو يضيق عينه بعدم استيعاب: "أنتِ بتعيطي علشان اتأخرت يعني؟ ابتسمت رغمًا عنها وهي تتجنب النظر

له محاولة تصحيح الأمر: "أبدًا، كنت بكلم إيمان." تمتم كمال بشكٍ: "وهي مكالمة إيمان تخليكي تعيطي بالشكل ده؟ هتفت فردوس بخجل: "هي اللي كانت بتتصل طول الليل، اتصلت أكتر من تلاتين مرة." ثم استرسلت حديثها بعد تنهيدة منزعجة: "هتعمل عملية النهارده وأنا مكنتش أعرف وبقالى فترة مش بكلمها يعني فحسيت بتأنيب الضمير، وعايزاني أروحلها قبل ما تدخل العملية." كلماتها رنت في عقله!

فردوس التي يعرفها لم تكن تترك إيمان. بل تتوقف عن محادثتها يوميًا. هذا يعني أن ما كان يشغلها هو أكبر من اهتمامها بتلك المرأة التي لا يقبلها. تمتم كمال وهو يرفع كف يده ويجذبها من ذقنها ويداعب وجنتيها بأصابعه التي عزف عليها من مقطوعات الحب ما لذ وطاب ليلًا، وكأنه لم يعش تلك اللحظات. رُبما لهذا يقولون أنه من لم يتزوج عن حبٍ مات أعزبًا. "أنا مش عايز حد يضايقك ولا يخليكي تحسي بأي حاجة تعكنن عليكي، مين ما كان."

أنهى حديثه وحمل باقة الورد ومد يده بها لها، ليقوم بالإجابة على سؤالها الأول: "اتأخرت علشان كنت مستني الناس ترجع من الصلاة وتفتح. أنا جبت ليكي ورد في المناسبات كلها تقريبًا فمكنش ينفع أفوت حاجة زي دي في اليوم ده." أخذتها منه بحياء، اكتفت بابتسامة هادئة ولطيفة ونظرات شاكرة. اقترب منها وهمس لها بخفوت: "صباحية مباركة."

صمتت وهي تشعر بأنها بالفعل على وشك أن تفقد وعيها من شدة خجلها. فعاد يتحدث بنبرة تستطيع لمح نوع من أنواع السعادة الحقيقية بها التي اختفت. اختفت بمرور السنوات. كانت نبرته سعيدة أكثر من كونها مرحة. "أقولها تاني ولا إيه؟ هتفت فردوس بنبرة جادة وعفوية من الدرجة الأولى: "أيوه، المفروض أقول إيه؟ أنا أول مرة أتحط في موقف زي ده." لم تستوعب حماقتها إلا حينما أنهت كلماتها. فضحك

كمال من قلبه وهو يجيبها: "قولي الله يبارك فيك، أو أي حاجة تعجبك." رددت بتوتر: "الله يبارك فيك." ثم حاولت تغيير الحديث في تلك النقطة: "أنا عايزة أروح عند إيمان، وبعدها أروح علشان... تمتم كمال مداعبًا إياها وهو يقاطع حديثها: "أنا كنت فاكر إن النهارده هتعوزي تكوني قاعدة معايا يعني و... قاطعته فردوس بجدية وصدقٍ: "يمكن لو حوار اللاب توب بس كنت أجلته، بس إيمان عايزاني وكان صوتها مش كويس خالص وحاسة إنه عيب مروحش."

تنهد بضيقٍ، لتقول بنبرة لا تستشعرها ولكنها تحاول أن تراضيه: "لسه الأيام جاية كتير يعني." "مفيش مانع لو نصاية كمان تصبيرة للأيام الجاية." -بعد وقت ليس بالطويل أو القصير. غادر كمال الغرفة من أجل الذهاب والاطمئنان على صحة أفنان ورؤية جده. كانت فردوس تستعد لمغادرة المنزل. ما ينقصها هو حجابها، ولكنها سمعت طرقات خافتة على الباب وعلى الأغلب تعرف صاحبتها. فأذنت فردوس لها بالدخول. ولجت دعاء إلى الغرفة وأغلقت

الباب خلفها وهي تقول: "صباح الورد يا فردوس." هتفت فردوس بنبرة هادئة: "ده المغرب قرب يأذن يا دعاء، صباح إيه؟ تمتمت دعاء بنبرة عادية وصريحة: "صباح ولا مساء بقا، المهم الورد يا ورد اللي كانت طالعة بيه الجلبية البيضاء من شوية حلويين كده." ضيقت فردوس عيناها وهي تغمغم بسخرية: "مفيش حاجة بتحصل في البيت إلا لما تعرفيها؟ هزت رأسها وهي تضع يدها في جانبيها قائلة بثقة: "طبعًا، البيت ده طاهر وله حاكم."

ثم سألتها بنبرة فضولية: "الورد ده بمناسبة إيه؟ مش كان بيجيبه في عيد ميلادك باين؟ هي تبحث عن إجابة قد ترضي فضول دعاء وتجعلها تصمت في الوقت نفسه دون أن تخبرها بالحقيقة طبعًا. "عادي من غير مناسبة، يمكن علشان بقالي فترة أنا وهو كويسين مع بعض." لم تكن الإجابة منطقية بالنسبة لدعاء، ولكنها أدركت بأنها لا ترغب في قول الحقيقة، واحترمت هذا وهي تقول بهدوء: "فردوس أنتِ معاكي باسبور؟

هزت فردوس رأسها بإيجاب قائلة باقتضاب وهي تتذكر تلك الأيام التي وضعت في عقلها الكثير من الأماني ولكنها لم تحدث: "أيوه، كمال خلاني أعمله لما كان كتب كتابنا علشان المفروض إننا كنا هنسافر، وحتى جددته لما جددت البطاقة من كام شهر." أردفت دعاء بهدوء: "طب كويس جدًا، ورهوني كده عايزة أطلع واحد أنا كمان."

رغم دهشة فردوس من طلبها، إلا أنها ذهبت إلى الخزانة وأخرجته منها وأعطته إياها، ثم ذهبت لتضع حجابها، غافلة عن من التقطت صورة سريعة لجواز سفرها. ولم تهتم فردوس كثيرًا، هي تعلم بأن دعاء امرأة غريبة الأطوار وغير مفهومة، ولأنه يتواجد الكثير من الأشياء التي في عقلها. -تستند عليه وهي تدخل إلى الغرفة. أتت لتوها من المستشفى برفقته. أوصلها حتى الفراش وجلست على طرفه وخلعت حجابها لتكشف عن خصلاتها الناعمة. تمتم داغر بنبرة

هادئة وهو يجلس بجانبها: "الدكتور قال ممكن تدوسي على رجلك الكام يوم اللي جايين." هتفت أفنان بنبرة متوترة: "أيوه عارفة، بس أنا خايفة أدوس عليها بالأنكل ده." قال داغر ساخرًا: "بلا خايفة بلا مش خايفة. وبعدين أنتِ ليه كنتي مبتسمة أوي كده طول الحوار وطول ما إحنا كنا هناك؟ عقبت أفنان بعدم فهم: "أومال أعمل إيه؟ أعيط يعني؟ تمتم داغر بنبرة مقتضبة: "لا، أصلك ضحكتي أوي لما قال إنه افتكرنا إخوات وإننا شبه بعض. أنا شبهك إزاي؟

ده كان بيستظرف وبي****." هتفت أفنان بنبرة خافتة: "عادي يعني، يمكن فعلًا إحنا شبه بعض. إحنا قرايب في النهاية، ساعات بيظهر حتى لو أنت شايف إننا مش شبه بعض شكلًا." صمت داغر وقرر أن يهدأ قليلاً حتى لا يخرج عصبيته عليها بسبب الغيرة التي شعر بها. لا يدري هل هو يظلم الرجل أم لا. تمتم

داغر حاول أن يغير الحديث: "رجلك كانت معفنة ما شاء الله. الجبس عفن، علشان تقاولي لما أقولك أساعدك وتقولي أنا هعرف أستحمى لوحدي. هلف الكيس على الجبس ومش هيجي عليه مياه. أتاري كل ما بتستحمي بتجيبي عليه مياه من جوه." صاحت أفنان بخجل صريح: "طبعًا أنا مش هخلي حد يساعدني." أجابها داغر بتسلية: "ليه؟ أنا جوزك. حتى أنا أولى إني أساعدك. على الأقل مكنش وصلنا إن الجبس يعفن."

تمتمت أفنان بنبرة خجولة: "خلاص اللي حصل حصل. هو قال الأنكل ده كويس، همشي عليه عشر أيام بعدين أشيله بقى لما يعملي أشعة تاني." قال داغر برفض: "بس أنا كنت شايف إن الأحسن كنتي تتجبسي تاني، أنتِ اللي مرضتيش." تمتمت أفنان بمنطقية: "الجبس بيخنقني، على الأقل كده أحسن. لما أستحمى هستحمى براحتي، ويمكن أعرف أضغط على رجلي مخافش زي الأول."

هتف داغر بنبرة هادئة: "ماشي زي ما أنتِ عايزة. المهم أنا همشي علشان أشوف الراجل خلص ولا لا والدنيا تمام في الشقة ولا لا." هتفت أفنان بنبرة جادة: "مش مستاهلة تتعب نفسك يعني، خلي كل حاجة زي ما هي، الحيطان وغيره علشان لو عايز تحتفظ بحاجة أهلك." تمتم داغر بنبرة صادقة وهو يوجه حديثه لها بحنان

وهو يتمتع بعينيها الجميلة: "أغلب التغييرات في أوضة فهد علشان أنا وعدته، والباقي يعني حاجات باظت وقدمت من سنين طويلة. ولازم تحسوا إن البيت بيتكم وفيها كل حاجة من اختياركم. وبعدين الذكريات مش في المكان، الذكريات محفورة في العقل في أغلب الأوقات." ابتسمت له بحنان وهزت رأسها بإيجاب. ليقول داغر بنبرة غامضة: "لو كل حاجة خلصت بسرعة ممكن ننقل، مدام فكيتي الجبس إيه رأيك؟ رغم قلقها من الفكرة وهي العيش معه بمفردها،

إلا أنها قالت: "مفيش مشكلة." ترك قبلة دافئة على رأسها. فقالت أفنان بنبرة هادئة: "كلموني من مدرسة فهد، المفروض إنه يروح علشان امتحاناته وكده يعني كإثبات." تمتم داغر بنبرة هادئة: "عرفيني امتى الامتحانات ونوديه حاضر، وبالمرة تشوفي شريف، أنا متأكد إنه وحشكم." غمغمت أفنان بنبرة صادقة وممتنة: "شكرًا يا داغر، بجد أنا مش عارفة أقولك إيه على كل حاجة بتعملها أو لسه هتعملها."

قال داغر بنبرة منزعجة: "مفيش شكر ما بينا يا أفنان، افهمي كده." "بس أنا ببقى عايزة أشكرك، أنت بتعمل حاجات كتير أوي لينا وأنا... قاطعه داغر وهو يترك قبلة على وجنتيها برقة ورجولة خالصة في الوقت ذاته: "لو حاسة إنك عايزة تقدمي ليا حاجة زي ما بقدم ليكي، لما يجي وقت معين هقولك تشكريني إزاي بطريقة أحسن من إنك تقوليها كده." -"بنــي ســويـف"

يقف هلال وشريف بجانب بعضهما، وخلفهما تقف ثريا برفقة زوجها عادل. كان هلال يحمل بعض الأشياء ولكن الأثقل كان يحملها شريف، مما جعله يعقب بانفعال: "ما ترن الجرس، أنا إيدي وقفت من العلب دي، هو أنت بتعاقبني؟ تحدث هلال بنبرة تكاد تكون مسموعة: "شاطر، لقطتها لوحدك." مد عادل يده من بينهما وقرع الجرس، فهو سأم من تصرفاتهم وكأنه يتعامل مع أطفال صغار.

فتحت ملك الباب وهي تأخذ قطعة كبيرة من الكعك بفمها، فهي كانت تظن بأن العاملة أتت فأرسلتها والدة بشرى لشراء بعض الأشياء. تمتم هلال بنبرة ساخرة ومرحة: "مش معقول يا ملك، مفيش مرة أشوفك فيها سواء في المكتب أو برا المكتب إلا لما ألاقيكي بتأكلي؟ قالت ملك بنبرة منفعلة من إحراجها: "لا، أنا إجازة مش من حق حد يحاسبني، أنا بعمل إيه؟ أنا في أرض الحكومة وبراحتي." هتف شريف بنبرة جادة، فهي لا يظهر عليها أو

جسدها هذا الكم من الطعام: "بعيدًا عن الأكل، القصة اللي مش لايقة معاكي دي، أنا بقول تدخلينا ولا إيه؟ تمتم ملك بحرج وهي تفتح الباب بشكل أوسع: "اتفضلوا، أنا آسفة والله." ولج الجميع وصافحتهم وأخذتها ثريا بالأحضان، وكانت ملك سعيدة بها، لا شك بأنها امرأة ودودة ورائعة، حنونة إلى أقصى حد منذ أن رأتها وهي تشعر بهذا. فيما بعد جاء منير واستقبلهما برفقة والدته زينب. "بــداخـل غرفـة بشرى"

كانت تقف أمام المرآة تضع بعض مساحيق التجميل البسيطة التي قد تخفي شحوب وجهها. هي حقًا لا تعلم كيف ستخرج أمام الجميع. أرادت كنزة أرجوانية اللون بناءً على رغبة والدتها، وبنطال فضفاض من اللون الأبيض ووشاح فوق رأسها يجمع اللونين معًا. جاءت ملك وولجت إلى الغرفة قائلة ببهجة: "العريس وعيلته برا، ومعاهم واحد كده قمر معرفش صاحبه ولا قريبه ولا إيه، عايزة حد يظبطه ليا." كانت تتحدث بمرح كعادتها لتنهض

نرمين متحدثة بنبرة مرحة: "يابت اتلمي بقا، أنا هخرج للناس وهخلي أم عبدالله تقولك تخرجي امتى." كانت في كلماتها الأخيرة توجه حديثها إلى بشرى التي قالت بارتباك: "هو ينفع مخرجش؟ تمتمت ملك هنا باعتراض قبل أن تتحدث نرمين: "روحي أنتِ يا طنط وأنا هتصرف معاها." ابتسمت نرمين وغادرت بالفعل لتجلس ملك على الفراش متمتمة بانفعال مبالغ فيه ونبرة مسرحية: "متخرجيش ليه؟ عملتي مصيبة ولا إيه؟

ما تقوي قلبك يا بت، ده أنا فتحتلهم الباب وأنا حاشرة نص حتة الجاتوة في بوقي." ثم نظرت على ملابسها قائلة بغطرسة: "ما شاء الله البلوزة والبنطلون تحفة عليكي، ما الألوان دي حلوة عليكي أهو، أومال مسودة عيشتنا في القاهرة ليه؟ ده أمك مبتهجة للحياة أكتر منك يا ساتر." هتفت بشرى بنبرة ساخرة: "هو أنتِ جاية ومسافرة الطريق ده كله من صباحية ربنا علشان تيجي تطلعي فيا العيوب دي كلها؟

غمغمت ملك بنفي: "ركزي معايا بس، إحنا عايزين نعمل حاجة تبهره. بقولك إيه؟ ما نعمله قهوة بملح زي ما بيعملوا في تركيا." "يا شيخة قرفتيني بتركيا وبالعك اللي بتشوفيه." تمتمت ملك بنبرة منزعجة: "صراحة أنتِ قفيلة، يلا بس أنا متحمسة، ولا كأنهم بيطلبوا إيدي أنا، معرفش أنتِ جايبة البرود ده منين." "بالخــارج" كان عادل يتحدث مع منير. "أولًا أنا بعتذر عن اللي حصل منهم في المرة الأولى، أنتَ عارف دماغ الشباب."

تمتمت زينب قبل أن يتحدث ابنها المتحفز والذي لا يعجبه الوضع ولكنه يحاول أن يستمع إلى كلمات والدته: "حصل خير." أردف عادل بابتسامة هادئة: "قبل ما نتكلم في أي حاجة، بشرى إنسانة محترمة ومجتهدة، وإلا مكنتش وافقت إنها تشتغل وتدرب في مكتبي. لذلك أنا مش عايزها تخسر الفرصة دي تحت أي ظرف. أنا كل اللي بيشتغلوا في مكتبي بعتبرهم ولادي وأنا بتكلم علشان مصلحتها." تمتم منير بنبرة جادة: "ربنا يعمل اللي فيه الخير."

هتف عادل بتريث وهو يحاول أن يتحمل هذا الرجل إلى النهاية: "ياريت تفكر في الموضوع علشان مصلحتها." هنا تحدثت نرمين بنبرة هادئة: "إن شاء الله، إحنا مش هنعلم حاجة ضد مستقبل بنتنا، مش كده يا منير؟ تمتم منير وهو يكز على أسنانه: "طبعًا." أردف عادل بنبرة رزينة: "دلوقتي بقا أنا حابب نتكلم في موضوع بشرى وهلال، حقيقي إحنا يشرفنا نطلب إيديها." "بــداخـل المطبخ" تمتمت المرأة

التي تدعو أم عبدالله: "يلا يا بنتي شيلي الصينية واطلعي بقا، إحنا عمالين نحايل فيكي." قالت بشرى بقلق: "ما تطلعي بيها أنتِ يا طنط، أنا خايفة والله هوقعها." تمتمت ملك بنبرة جادة: "لا مش هتوقعيها، كل البنات في كل المسلسلات بتخرج بيها، حتى في المسلسلات التركي." "يا شيخة يحرق المسلسلات التركي." كان هذا تعقيب

بشرى لتقول أم عبدالله: "يلا يا بنتي اخرجي واهي صحبتك معاكي، أهدي بس أنتِ وصدقيني أنتِ بس اللي مصعباها على نفسك يا بنتي." حملت بشرى الأكواب وخرجت من المطبخ وخلفها تسير ملك. سارت بضعة خطوات وكانت على وشك أن تخرج من الرواق وتصبح في قبالتهم لولا الذي حدث وجعل يديها ترتعش ولم تسمع سوى تكسير الأكواب بعد أن انزلقت من بين يديها الصينية. لينهض الجميع وتذهب نرمين ناحية الرواق فسأل زوجها بصوت عالٍ: "في إيه؟ جاءت نرمين

وهي تحاول أن تطمئنهم: "مفيش، بس الصينية وقعت، خليكم زي ما أنتم." هتفت ثريا بنبرة متفهمة: "حصل خير." ذهبت نرمين إلى ابنتها التي تحول لون بياض بنطالها إلى الأحمر والأصفر. لتقول بشرى بارتباك وخجل رهيب: "قولتلكم هوقعهم." قالت ملك بنبرة متهكمة: "ما علشان نبرتي فيها يا شيخة ومتوترة نفسك." صاحت نرمين بهما قائلة: "خشي غيري البنطلون أو البسي أي حاجة تانية بسرعة وبطلوا رغي عقبال ما ألم الدنيا مع أم عبدالله."

"عودة إلى الخــارج مرة أخرى" تمتم شريف مقتحمًا الأجواء، فهو لم يأتِ ليصمت على أية حال: "أنا بقول نقرأ الفاتحة يا عم منير." هتف منير بنبرة ساخطة: "إحنا لسه بنتكلم." قال شريف بنبرة مستفزة بالنسبة إلى منير: "هنقرأها بنية إن ربنا يعمل اللي فيه الخير، وبعدين دلق العصاير خير. يلا يا حج اقرأ، يلا يا سيادة المستشار، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. بسم الله الرحمن الرحيم."

في نهاية حديثه كان يرفع يديه لقراءة الفاتحة، ليفعل مثله الجميع. "بعد ثلث ساعة تقريبًا" كانت بشرى تجلس على الأريكة قبالته وهو يجلس على المقعد. ارتدت بدلاً من البنطال الذي تلطخ تنورة بيضاء لمحتها بالصدفة ولائمت كنزتها. تركهما الجميع وجلسا في النصف الآخر من بهو المنزل. ليتركا لهما بعض الخصوصية في الحديث وفي الوقت نفسه أمام أعينهما. تمتم هلال محاولًا جذب أطراف الحديث: "صوت التكسير ده كان من إيه؟ قالت بشرى بنبرة

مرتبكة وعفوية كالعادة: "أنا اللي وقعتهم، قولتلهم هوقعهم بس محدش صدقني، أنا أصلًا مبفلحش في أي حاجة تخص المطبخ ولا الاستقبال ولا." قاطعه هلال بفظاظة: "مش ملاحظة إنه كفايا كده؟ حتى لو كانت حقيقة دي مش حاجة تفتخري بيها قدام حد جاي يتقدملك كده، بطفشيني." تمتم بشرى وهي تضيق عيناها: "يعني أكذب؟ "مش بنسميه كذب، كل الحكاية إنك ممكن تتجملي." أردفت بشرى بنبرة مغتاظة: "لا علشان منبدأهاش بغش، أنا منفعش لأي حاجة." هتف هلال بنبرة

واثقة وهو يعقد ساعديه: "مش مشكلة، هتتعلمي مع الوقت." "مش هتعلم، أنا إنسانة مرفهة ومش بتحمل مسؤولية." تمتم هلال بنبرة جادة: "لو حابة تبوظي الموضوع من غير ما تدخلي تفاصيل، قوليها بصراحة، لأنهم أكيد مش سايبنا نقعد نتكلم مع بعض علشان أعرف قد إيه أنتِ فاشلة ومتنفعيش لحاجة." غمغمت بشرى بصراحة شديدة: "أنا مش عايزة أتجوز، ووافقت إنك تيجي بس علشان صليت استخارة وسمعت كلام ماما." هتف هلال باهتمام

ولم يظهر أي رد فعل: "مش عايزة تتجوزي من الباب للطاق كده؟ شيء غريب." عقبت بشرى بسخرية: "ما أنتَ متجوزتش لغاية دلوقتي يعني معناه إنك مش حابب الجواز أوي." تمتم هلال بتوضيح ونبرة هادئة: "أيوه، بس مقولتش إني مش عايز أتزوج. كل الحكاية إني كنت بدور على الشخص المناسب واللي يحس إنه عايزه شريك حياة، لكن لما بيكون رافض الفكرة من الباب للطاق كده، ده شيء غريب." وهل هي الشخص المناسب بنظره؟ إذن فهو أعمى.

هتفت بشرى بنبرة صادقة، هي تقص شيئًا بسيطًا من العقدة التي تولدت بداخلها: "علشان أنا مبحبش الخيانة وبخاف من الفشل في حياتي ومش عايزة أتزوج علشان بعد كام سنة اللي معايا يكتشف إنه مل من حياته وعايز يشوف له شوفة جديدة." تمتم هلال باندهاش: "إيه اللي بتقوليه ده؟ "دي الحقيقة، كل الرجالة خاينة ومفيش راجل مخلص للي معاه." هتف هلال بسخرية وهو لا يصدق ما تتفوه به في جلسة كهذه: "ده مين اللي قال كده؟

بثبات كانت تجيب عليه: "تصرفات الرجالة اللي بتقول كده." غمغم هلال بنبرة جادة: "معتقدش، حاسس إنك أصغر من إنك تقولي حاجة زي كده، حاسس الكلام ده طلع وانتشر من واحدة اختارت اختيار غلط وعلشان تصبر نفسها قالت كده، زي ما في الحلو والوحش في الستات في الرجالة كمان، أعتقد غيري تفكيرك العقيم ده." تمتمت بشرى بنبرة ساخرة ومندهشة من جراءته: "أنا تفكيري عقيم؟ هز رأسه وهو يؤكد حديثه: "جدًا، وأنا كفيل بأني أغيره."

قالت بشرى بنبرة خافتة: "أو هتأكد وجهة نظري." "هنشوف، مفيش مانع من التجربة." -أصطف كمال بسيارته أمام البوابة الخاصة بالمستشفى. تمتم بنبرة هادئة وعملية رغم شعوره الشديد بالقلق: "هتخلصي امتى، علشان أعدي عليكي؟ هتفت فردوس وهي تهز كتفيها بلا مبالاة: "مش عارفة يعني، همشي وهي في العمليات ولا لا، ولا هستنى، مش عارفة بصراحة الوضع عامل إزاي."

قال كمال بنبرة هادئة: "على العموم أنا ورايا مشوار وهستنى اتصال منك، لما تقوليلي تعالي هجيلك، هكون قريب يعني مش بعيد." هزت فردوس رأسها بهدوء وموافقة وغمغمت قبل أن تهبط وتغادر: "ماشي، مع السلامة." "مع السلامة." قالها وهو يتمنى السلامة بالفعل لهما. هو خائف بشكل كبير. "بــداخـل الغـــرفـــة التــي تتواجد بها إيمان" دخلت فردوس بعد أن فتح الباب لها شقيق إيمان. "السلام عليكم." ردت عليها والدة إيمان ووالدها

وشقيقها في وقت واحد: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته." أقتربت فردوس من الفراش التي تقبع فوقه إيمان متمتمة بابتسامة هادئة رُسمت على شفتيها: "إيه الأخبار يا إيمان؟ هتفت إيمان بنبرة جادة: "آه، زي ما أنتِ شايفة، المفروض بيجهزوني علشان أدخل العمليات." هتفت فردوس بنبرة هادئة: "إن شاء الله خير، متقلقيش." قالت إيمان متجاهلة حديثها موجهة الحديث للجميع: "ممكن تسيبوني مع فردوس شوية؟

رغم اندهاش الجميع من رغبتها وضيقهم من تصرفاتها كالعادة، لكنهم مجبورون على تحملها تحديدًا اليوم وبسبب خوفها الشديد من الدخول إلى غرفة العمليات. هتف شقيقها بنبرة مقتضبة: "هروح أنا وبابا نشرب قهوة." بينما والدتها عقبت بنبرة هادئة رغمًا عن أنفها، فهي تقدر ما تمر به: "وأنا هروح أشوف الدكتورة." غادر الجميع الغرفة وأغلقوا الباب خلفهم لتتفوه فردوس بقلق: "هو في إيه يا إيمان؟ أنتِ عمالة تقلقيني؟

تمتمت إيمان بجدية: "في حاجة مهمة لازم تعرفيها في موضوع حسن وشريف، قتله ليه." سألتها فردوس بتردد: "أنتِ عرفتي حاجة جديدة يعني؟ عقبت إيمان بنبرة ساخرة: "لا، عارفة من أيام ما كان أخوكي عايش وأنا عارفة، بس كنت بغمّي عنيا. بس أعتقد إنه جه الوقت إني أتكلم. معرفش هتكلم ليه، بس يمكن أنا مطلعش من العمليات، يمكن أموت." رغم الفضول الذي دب بأوصال فردوس، إلا أنها غمغمت بنبرة عفوية: "بعد الشر عليكي. في إيه يا إيمان؟

أنتِ بتقلقيني على فكرة. وحاجة إيه دي اللي بتقولي تعرفيها من زمان واشمعنى دلوقتي جاية تقوليلي؟ "يمكن علشان المفروض تعرفي الحقيقة. ويمكن علشان أخدت عقابي. أنا ممكن معرفش أخلف يا فردوس، حتى لو اتجوزت. ده لو لقيت راجل يبص في وشي بعد اللي حصلي ده." تمتمت فردوس وهي تكز على أسنانها، لا تتحمل حقًا تلك المقدمات المميتة. هي بها ما يكفيها: "ياريت تقولي يا إيمان علطول." قالت إيمان

بنبرة خالية من التعبير: "حسن كان في بينه وبين أفنان علاقة، كان مفهمها إنه بيحبها. كان معاها وقت ما كان معايا. زي ما عمل كده مع بنات كتير وأنا كنت متخيلة إنه هيتعدل بعد الجواز. حسن كان له علاقات كتير بس أنتِ متعرفيش عنها حاجة." أبتلعت

ريقها وهي تسترسل حديثها: "في يوم كنت معاه قبل موته بأيام وقبل فرحك وكنت بقلب في الموبايل بتاعه لما سابه. شفت رسايل أفنان ليه، رسايل كانت حب الأول بعدين بعد عنها وتفاصيل كتير. لغايت ما لقيتها بعتاله أكتر من رسالة وبتقول إنه اغتصبها في بيت أهلها لما كنتم عندهم وبعدها كرفها." نهضت فردوس وانتفضت من مكانها كمن لدغها عقرب: "أنتِ بتقولي إيه؟ اغتصبها إزاي؟ أنتِ بتقولي إيه؟!!!

هتفت إيمان بثبات: "ده اللي حصل يا فردوس، وده اللي شفته ساعتها. واجهته، قالي إنه كان الموضوع بمزاجها وقعد يقنعني بعكس كده وهددني إنه هيسيبني لو فضلت معلقة على الموضوع ده وأنا كنت غبية، مكنتش راضية أضحي بسنين عمري ومصممة إني لازم مطلعش خسرانة وإني أخليه يتجوزني." ابتلعت ريقها وأسترسلت

حديثها بنبرة جادة: "يوم فرحك أنا شوفت خناقته مع شريف، عرفت إنه عرف كل حاجة، وكنت سامعة الخناقة كلها وواقفة قريب منهم، وأخوكي اعترف إنه عمل كده فعلاً وطلب منه إنه يتجوزها بس يسيبه، لكن شريف مسابهوش، كان مغلول منه. ولما قتله وجرى، أنا روحت وأخدت موبايل أخوكي من جيبه." تمتمت فردوس بذهول: "الموبايل كان معاكي أنتِ؟ هزت

إيمان رأسها بنبرة جاحدة: "كان معايا وكسرته ورميت الشريحة بعد ما قرأت كل المحادثات اللي ما بينهم. ميزة أخوكي مبيمسحش حاجة، وكان معاه اسكرينات كتير ليها ولغيرها، واعترف في الشات كمان إنه عمل كده وهددها وكان مستغل صغر سنها." وضعت فردوس يدها على أذنيها قائلة بهذيان لا تتقبل هذا الكم من الحقائق: "اسكتي يا إيمان اسكتي؛ أنتِ أكيد اتجننتي. استحالة أخويا أنا يغتصب واحدة. يغتصب عيلة صغيرة. أفنان كانت عيلة." صرخت فردوس بهذيان.

حتى اجتمعت المستشفى كلها وفتحت والدة إيمان بابا الغرفة، وكانت فردوس كل ما تتفوه به "لا" "لا" "لا". أما إيمان كانت تنظر لها بثبات رهيب. ثبات تحسد عليه. رُبما هي لا تمر بصحوة ضمير بقدر ما هي ترغب في إحراق الجميع. فهي تترك بأن حياة فردوس تتحسن، رُبما لهذا ابتعدت عنها. ليحترق الجميع مثلها، فهي احترقت وما يتبقى منها رمادها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...