أنتَ بتقول إيه؟!!!!!!!!! صاحت نرمين بجنون بعدما أخذت وقتها تحاول استيعاب صدمة ما سمعته. تحدث منير بنبرة مختنقة: أنا عارف إن الموضوع مش سهل، بس حسيت إنك لازم تعرفي الأول قبل ما أسجلها باسمي. "بس حسيت"؟ ياله من وغد، كأنه يقدم لها معروفًا. تنظر له نرمين نظرات زائغة تحاول أن تلمح في نبرته، طريقته، عيناه أي شيء قد يدل على أن ما يقوله غير صحيح، أنه يمزح، لكن لا شيء يدل على ذلك أبدًا. سألته نرمين باستنكار:
منير، الكلام اللي بتقوله ده حقيقي ولا بتحرق دمي زي عادتك؟ سألته بحماقة وجنون، رغم أنها تعلم بأنه لن يمزح في أمر كهذا، لكنها حاولت قول أي شيء، تعلقت بأي أمل قد يجعل ما تسمعه غير حقيقي. حطم منير آمالها وهو يغمغم: ياريته ما كانش حقيقي، ياريتني كنت بكذب.
أنهى حديثه من هنا وانتابتها نوبة صراخ جنونية جعلت زينب تأتي من الداخل. كانت نرمين تصرخ وتقول كلمات غير مفهومة، لكنها بالتأكيد تلعنه، تصرخ غاضبة على كل دقيقة عاشتها مع هذا الرجل. بعد نوبة صراخ طويلة لم يكن منير قادرًا على تهدئتها، ولا حتى زينب. كانت كمن فقدت عقلها، كما فقدت صوتها أثر الصراخ.
كانت تقف في غرفتها بعدما وضعت حقيبتان سفر على الفراش، تقوم بإلقاء ملابسها ومقتنياتها الشخصية، أي شيء قد يأتي أمامها بعشوائية شديدة وعدم تركيز. كانت زينب تقف في الغرفة بعدما أخبرت منير بأن يظل في الخارج، هي في حالة عصبية ولن تتقبل منه أي حديث. "اهدي يا بنتي طيب وخلينا نتكلم." صرخت نرمين في وجهها قائلة بجنون وكأن المشهد الذي مر عليه سنوات عديدة يُعاد أمامها حينما علمت بزواجه:
محدش يقولي أهدي، قولتيها زمان زي ما أهلي قالوها، زي ما قالولي لو اطلقتي ملكيش مكان ما بينا، وادي النتيجة. لكن دلوقتي أنا مش صغيرة ولا مستنية وصي ليا، ولا منتظرة حد يفتح ليا بيته ولا يقولي أه ولا لأ، وابنك يطلقني. تفهمت زينب من الموقف ولم تنزعج من حديثها، بل على العكس تحدثت بجدية شديدة: أنا عارفة إنه غلط في حقك كتير، بس والله هو مكنش يعرف. خرجت ضحكات ساخرة منها وهي تعقب باستنكار: ابنك عارف، أكيد كان عارف.
ثم ختمت حديثها بنبرة غاضبة إلى أقصى حد وهي تضع الملابس في الحقيبة: عارف ولا مش عارف، النتيجة واحدة. هتفت زينب بنبرة جادة: أخوكي قاعد في بيت العيلة ومش هيسمح بقعدك، وأنتِ عارفة كده. نظرت لها نرمين بضيقٍ كبير واختناق من فكرة أن حديثها صحيح. شقيقها الأكبر يشبه والدها إلى حد كبير، لن يقبل بطلاقها. حينما وجدت زينب أن زوجة ابنها تفكر في حديثها، لذلك تحدثت بنبرة جادة:
اهدي على الأقل، والبيت هنا بيتك أنتِ وعيالك، حتى لو اتطلقتوا هو من حقك، اقعدي فيه وأنا همشي وهخليه يروح معايا البيت، أنتِ اقعدي وخدي قرارك زي ما أنتِ عايزة، أنتِ مبقتيش صغيرة فعلًا إن حد يغصبك على حاجة. "خليكي أنتِ، هو اللي يلم هدومه ويمشي." أنهت نرمين حديثها لتجدها زينب جلست على الفراش وانهارت في البكاء. لتقترب منها زينب، واضعة يدها على كتفها تربت عليه بشفقة وحزن.
لتنهار نرمين أكثر، تدفن رأسها في جسد زينب بانهيار تام. احتضنتها زينب باحتواء، وتلك كانت المرة الأولى الذي يحدث بينهما تقارب بهذا الشكل، لدرجة أن تبكي نرمين في أحضان زينب، التي كانت ناقمة عليها وغاضبة منها، كما كانت غاضبة على والديهما حينما لم تشعر يومًا بأن أحد يساندها في رغبتها. وقد كان غادر منير المنزل حاملًا حقيبة ملابسه. ***
"لا بقا كده كتير، أنا الصبح أقعد أنا وعم جوجل أحاول أحل الدنيا الخربانة واللي مش فاهمة فيها، وبليل تخلينا نبحث في كتاب أبلة نظيرة." قالت ملك تلك الكلمات بسأم وضيقٍ مما جعل بشرى تعقب على حديثها بسخرية: وماله كتاب أبلة نظيرة، ما أنتِ بتخلصي الرواية بتاعتك في يوم وتقعدي تطبقي عليها. تمتمت ملك بتهكم وهي تدافع عن نفسها بشراسة:
الرواية غير الملل ده، وبعدين أطبق إيه اللي هتتعلميه من كتاب أبلة نظيرة، هو إحنا فاهمين أي حاجة فيه؟!! أستكملت حديثها بتهكم صريح: أنتِ مستواكي مش في الضايع لدرجة كتاب أبلة نظيرة؛ عايزة تتعلمي يا حبيبتي افتحي اليوتيوب، متصدعنيش، وبعدين إيه الكوامخ دي؟! هتفت بشرى وهي تظهر هاتفها والكتاب مفتوح أمامها: باين من المكونات إنها سلطات، وجبت من على النت أهو، معناها سلطات أو مخلل. قالت ملك بابتسامة واسعة:
ما شاء الله، هتخشي على الراجل بسلطة؟! يعني هو مكلف وجايب كتاب جدته علشان تعملي له سلطة. تمتمت بشرى بنفي: لا طبعًا، أنا بس كنت عايزة أعرف معناها، وبعدين أنا بفكر أخش على قسم البسكويت، إيه رأيك؟ حساها حاجة سهلة ومش هيكون فيها فتي كتير. هتفت ملك باستخفاف: هيكون فيه إيه يعني في قسم البسكويت، هو بسكويت فانيلا، جوز الهند، شيكولاتة، هو في غيرهم؟! -نشوف
بعدما انتهت بشرى من تلك الكلمة، ألتقطت الكتاب مرة أخرى، ومن الأرشيف المتواجد فيه استطاعت أن تجد الجزء الخاص بالبسكويت، لتجد بسكويت الزنجبيل، بسكويت مملح بالبطاطس، بسكويت الرز، بسكويت القرفة... أنواع عديدة لا تعد ولا تحصى. وكانت الصدمة هي بسكويت الانشوجة. كانت ملك تنظر في الصفحة ذاتها متمتمة بسخرية:
آهـو قابل ياعم، بيقولك بسكويت بطاطس، وقبلها شوفنا بسكويت رز، لأ والكبيرة بقا بسكويت الانشوجة. هي مش الانشوجة دي ملوحة من نواحي الرنجة والفسيخ، إزاي تبقى بسكويت يا عالم؟! استرسلت حديثها باستنكار: وبعدين إيه "مح" ثلاث بيضات؟ يعني إيه "مح" أصلًا؟! هي مصر اتغيرت عن زمان ولا إيه؟! قالت بشرى بنفاذ صبر: استني هشوف، عم جوجل ربنا يخليه لينا هيعرفنا ده إيه. بعد بحث قصير جدًا لم يتأخذ وقتًا طويلًا، غمغمت بشرى بانتصار وحماس:
المُح ده صفار البيض. أردفت ملك بنفاذ صبر مقترحة: بشرى بقولك إيه؟! -قولي يا ملك تحدثت ملك بنبرة جادة إلى أبعد حد: في ورق عنب عندي في التلاجة وبطة، إيه رأيك أطلعهم من الفريزر وأعملهم وتاخديهم بكرة وكأنك أنتِ اللي عملاهم، وحلي عن دماغي أنتِ وأبلة نظيرة، آهـو اللي نعرفه أحسن من العك اللي منعرفهوش. هتفت بشرى باقتضاب: أنا افتكرتك هتساعديني وتحمسيني، مالك كده مش طايقة نفسك؟! أردفت ملك بابتسامة سمجة:
جربي كده حد يجيبلك كتاب أبلة نظيرة معدي الـ ٨٠٠ صفحة ونقعد نفك الشفرات بتاعته، ونشوف هتضايقي ولا لأ؟! -ملك أنا بتكلم بجد تنهدت ملك وعقدت ساعديها متمتمة بضيق: مفيش يا بشرى، حاسة إني مش مرتاحة عمومًا وبفكر أسيب المكتب وأروح أشتغل أي حاجة تانية أو أقعد في البيت حتى، حاسة إني بضيع وقت في حاجة أنا مش حباها، أنا مكنتش ناوية أشتغل عمومًا. قالت بشرى بتردد: كل ده عشان مراد؟ تحدثت ملك بنبرة متشنجة:
متجيبش سيرته، يستحسن إني أقعد في البيت قبل ما أفتح نفوخه، بقا مستفز بشكل، لما بيجي بجد ببقى عايزة أخبط دماغه في الحيط، أعمى القلب والبصيرة، أعمى كل حاجة.
ضحكت بشرى، لم تستطع كتم ضحكاته وهي ترى تعابير وجه صديقتها الغاضبة جدًا، والتي نادرًا ما يصدر رد فعل من ملك بهذا الشكل. هي دومًا مفعمة بالحماس والطاقة، ولا تجعل أي شيء يؤثر عليها أو يغضبها. لكن رُبما الحب هو من يغير المعادلة في بعض الأوقات، تحديدًا في المرة الأولى التي لا تصبح قادرًا على التحكم في مشاعرك أبدًا. صاحت ملك باستنكار: متضحكيش عليا. -مش بضحك عليكي والله، بس يعني ليه محاولتيش قاطعتها ملك بجنون وغضب:
أحاول إيه؟! أنتِ عبيطة يا بشرى، عايزاني أروح أقوله أنا بحبك مثلًا، أو أروح أخطبه من أمه مثلًا عشان تكمل. تمتمت بشرى بحرج: مش قصدي، بس لو مجرد تلميح. نهضت ملك من مكانها قائلة بسخرية: خليكي في بسكويت الرز ولا البطاطس بتاعك وبطلي عبط، أنا هنام، شوفي بقا هتطلبي حاجة من السوبر ماركت ولا هتعملي إيه. *** "الـشـرقـيـة"
تجلس فردوس على الأرض بجانبها العديد من الصور الفوتوغرافية؛ الصور التي أرسلتها إلى أحد الصفحات حتى يتم طباعتها. كل الصور التي التقطتها معه في دبي، أرادت الاحتفاظ بهما للأبد لأنه ببساطة الهاتف ليس مكانًا آمن. من الممكن أن يحدث أي شيء وتذهب الصور. بجانبها يتواجد كوب من العصير وقطعة من كعك الشيكولاتة اللذيذ التي قامت بصنعه. صنعت كمية كبيرة مثلما فعلت منذ مدة طويلة، كانت تشعر برغبتها في فعل أي شيء، كانت تشعر بالضيق.
لا تدري لما في الآونة الأخيرة تشعر برغبتها في العودة إلى المطبخ وطهي الطعام؛ مرت سنوات ولم تفعل، رغم أنها كانت عادة محببة إليها، تحديدًا منذ خطبتها إلى كمال، كانت وقتها تقوم بالتحضير بشكل مكثف قبل أن يأتي لزيارتهما. وكانت تحب مدحه لطعامها، لكنها فقدت بريقها في تلك الأمور، انعزلت منذ سنوات، وتشعر بالحرج في أن تعود وتمارس رغبتها هنا في المطبخ، لذلك استقرت على أمر الكعك بالبرتقال والشوكولاتة.
دخل كمال إلى الغرفة وهو يحمل الطبق الذي تناول منه مع والدته قبل نومها، بعد رحيل أفنان. فمرت فردوس عليهما وأعطتهم الكعك التي صنعته. حينما اقترب منها وجد تلك الصور التي تقوم بترتيبها وكتابة بعض الأشياء على ظهرها، رُبما التاريخ والمكان، لا يعلم. -أنتِ طبعتيهم امته؟! نهضت من مكانها وهي تلملم الصور من الأرض متمتمة بهدوء: بعتهم لصفحة تعملهم، هو ده الأوردر اللي كنت مستنياه النهاردة وكنت بقولك عليه.
هز رأسه بتفهم وهو يراقبها أثناء نهوضها وذهابها إلى الطاولة لتضع الصور فوقها، لكنه عقب بفضول: بس يعني إيه اللي خلاكي تعملي كده؟ ما هما موجودين على التليفون. أردفت فردوس بعدما أتت وجلست بجانبه على طرف الفراش: الصور أحسن مئة مرة من التليفون، لو عدت سنين هتفضل زي ما هي، وأنا حابة أحتفظ بيهم. لوهلة شعر بأنها عادت فردوس ذات النبرة العاطفية، العاشقة المفعمة بالحياة. أسترسلت فردوس حديثها بعفوية وهي تنظر ناحية الطبق:
أنتَ مأكلتش ليه من الكيكة، مش عاجباك؟ -لا حلوة جدًا، كملت طبق ماما لأنها مأكلتش كتير تمتمت فردوس بنبرة عادية: هي نامت؟ غمغم كمال بهدوء: آه نامت من قبل ما أفنان تمشي، وأفنان روحت كمام. صمتت فردوس ليتحدث كمال بنبرة بها شيء من الحماس الطفيف: البسي أي حاجة هاخدك مشوار. تمتمت فردوس وهي تعقد حاجبيها بعدم فهم: دلوقتي؟! ومشوار إيه ده اللي هنروحه؟ هتف كمال ساخرًا: هخطفك، وبستأذن منك، يلا يا فردوس بطلي أسئلة كتير ملهاش لازمة.
*** "الحب لا يُدوَّن على الورق لأنه يزول، ولا يُحفر على الحجر لأنه ينكسر. الحب يُخَتَم في القلب ويبقى خالداً، لأنه لا يزول مهما تغيرت الظروف." #مقتبسة "إنك في قلبي، في عروق يداي، في عظام عنقي، في بريق عيناي المنطفئ وداخلي دائماً وابداً" مقتبسة "لأول مرة تدرك معنى المسؤولية الكاملة مع داغر، هي مسؤولة عن منزل كامل!! أقصى مسؤولية تحملتها كانت فهد ولم تكن بمفردها بل كان شريف عون لها في كل خطوة ووقت.
الآن هي مسؤولة عن منزل، عن زوج، بالإضافة إلى فهد….." عادت برفقة داغر وفهد في منتصف الليل، فهي لا تغادر المنزل إلا عند نوم والدتها، وتذهب في الصباح الباكر تقريبًا عند موعد استيقاظها ولا تستغرق وقت طويل، المنزل قريب جدًا من منزل عائلتها. قامت بوضع الملابس في الغسالة وبعدها قامت بغسل بضعة أكواب بعد نوم صغيرها ثم أتت لتجلس بجانب داغر، الذي يجلس على الأريكة بعدما استلم هو مهمة نوم فهد. تمتم داغر بنبرة هادئة:
اقعدي يا أفنان، ما أنتِ طول اليوم هناك مع مامتك، هما كوبيتين وكام تيشيرت اللي عاملة عليهم حوار كان ممكن يستنوا لبكرا. رُبما هي ليست ممتازة في الطهي، لكنها جيدة جدًا فيما يخص أمور النظافة والترتيب وباقي أعمال ومهام المنزل، إذا وقعت عليها تستطيع إنجازها. أردفت أفنان برفض: لا طبعًا، الحاجة تخلص أول بأول أحسن، مهي لما تتراكم أنا مش هعرف أعمل حاجة، وحتى مش هعرف أجيب حد من البيت يساعدني لأن كلهم مشغولين. صمت داغر بتفهم.
فعقبت أفنان بعد وقت ليس بالقصير ساد فيه الصمت: أنا هدخل أنام، عايز حاجة؟! يدوبك الحق أنام عشان هنزل بدري. تحدث داغر بصوت مكتوم: لا استني خليكي يا أفنان، حابب أتكلم معاكي في موضوع كده. جلست متمتمة باهتمام وهي تعتدل في جلستها لتنظر له بإنصات: اتكلم. تنهد داغر ثم غمغم بنبرة خافتة: أفنان أنا قدامي كام يوم، أسبوعين بالكتير أوي وهسافر.
كانت تخشى تلك اللحظة، تخشى الابتعاد عنه بعدما وجدت السعادة طريقها الحقيقي إليها؛ لا تعلم كيف ستكون أيامها من دونه؟! بالله كيف؟! تغيرت ملامح وجهها في ثواني، ليغمغم داغر بخفوت: أنا أكيد مش سهل عليا إني أسيبك، بس ده الوضع. قاطعته أفنان محاولة التماسك: متقلقش عليا، أهم حاجة تخلي بالك على نفسك وشوف هتعمل إيه في شغلك ومتشغلش بالك بيا، أنا هكون مستنياك.
لحظات الوداع دومًا صعبة، أو الأيام التي تكون قبلها، تحديدًا لشخص ذاق معنى الحب الذي أضاف معنى كبير للحياة منذ فترة معدودة. تمتم داغر بنبرة جادة: لو مقلقتش عليكم هقلق على مين؟! أردفت أفنان محاولة تصحيح كلماتها، فهو في بعض الأحيان يصبح صيادًا ماهرًا لأخطائها: أنا مش قصدي كده، قصدي متشيلش نفسك هم.
لم تتحدث أو تتفوه بشيء غير جيد، يبدو أنه هو من يشعر بالخطر، الخطر الشديد على قلبه، تلك المرة الثانية التي يسافر بها من هنا؛ وهي تختلف كليًا. في المرة الأولى هو كان يرغب في الهروب من مشاعره؛ والآن يخشى الابتعاد عن قلبه، نعم أفنان هي قلبه، حبه الوحيد الذي لم يستطع أبدًا دفنه وعيش حب غيره رغم محاولاته الكثيرة أن ينزعه من ضلوعه، ومن أعماق قلبه، لكن كل محاولاته باءت بالفشل. تمتم داغر بتردد ونبرة قلقة لم تكن رزينة أبدًا:
أنا احتمال أطول يا أفنان إني أسيب شغلي، وأصفي كل حاجة وأرجع، ده هياخد وقت، وده اللي مضايقني ومخليني على أعصابي إن إني أسيبكم مدة مش عارف هتكون قد إيه، الموضوع مش هيكون سهل عليا. هتفت أفنان برفق محاولة أن تخفف عنه وعنها في الوقت ذاته: أنا هستناك مش مشكلة، المهم تظبط أمورك، وتظبط كل حاجة، ولا يهمك، وزي ما قولتلك حتى لو عايز تكمل شغل هناك وتنزل إجازات مش مشكلة برضو، أهم حاجة تعمل اللي يريحك.
تجاهل اقتراحها الثاني ولم يعلق وكأنه لم يسمعه، فهي تتعمد دومًا أن تخلي مسؤوليتها وألا تتحمل عاقبة ندمه يومًا ما عن تركه العمل بعد تلك السنوات. تمتم داغر وهو يضع كفها بين كفيه بحنان: أنا مش عايزك تقلقي عمومًا، أنا هكون معاكي طول اليوم وبكلمك، ومش هتحسي إني بعيد، وهحاول أخلص كل حاجة بسرعة وبأسرع وقت عشان أكون معاكم. قالت أفنان بثقة وهي تنظر له بحب: وأنا واثقة من ده، وواثقة فيك.
كلماتها الأخيرة كانت تخبرها بها قبل أن تخبره هو، حتى لا تتذكر هاجس زوجته السابقة. رفع كف يدها يترك عليه قُبلة دافئة وحنونة تعبر عن مشاعره تجاهها؛ والمرات التي فعل فيها هذا قليلًا جدًا، لكنها لغة تناسبه، كأحضانه التي يخبرها بها عن حبه. تلك المرة هي اللي حاوطت عنقه وبادرت في احتضانه لعلها تشبع منه، تشبع منه قبل أن يرحل.
وعند الفراق والاستعداد له ومراحل الوداع ندرك مشاعرنا الحقيقة. خوفك من البعد يجعلك تعلم إلى أي مدى أصبحت عاشقًا؟! *** "رغبتي فيك كانت حقيقية جدًا، لم أكن عندها تحت تأثير أغنية أو ما شابه، كنت أدرك وأعين أني أريدك، بطريقة أعمق مما أظن، وتظن." #مقتبسة "حَين أحبَبتُك، كُنت كـ مَن يأتيه المَوت أعطَيتُك روحـي دُفعةٍ واحِده! لـ عَلي شيهان" بعد مرور ساعة تقريبًا.
كانت فردوس تقف في الشقة الخاصة بهما في البناية الجديدة، بعدما ارتدت على عجالة عباءة سوداء بالحجاب الخاص بها، لم تفكر طويلًا بل كان فضولها كبيرًا. أخذت تسير في الشقة تتفحصها، كانت تقريبًا انتهت كل شيء بها، فقط ما ينقصها الأثاث وبعض مستلزماته، وعلى العكس أعجبها ذوق بكر وكمال. كان الأمر جميلًا يمنح قدرًا من الخصوصية إلى حد ما. سألها كمال حينما وجدتها مرة واحدة واقفة وشاردة إلى حد ما: إيه رأيك؟ تحدثت فردوس باقتناع
وانبهار ظهر في عيناها: حلوة، عجبتني. غمغم كمال وهو يضع يده على أكتافها: مش عايزة تغيري حاجة؛ تزودي حاجة قبل ما نختار الأوض ونجيب بقيت الحاجة؟! رمقت فردوس المكان من حولها قائلة بنبرة هادئة: لا مش عايزة أغير حاجة تمام. ثم أكملت حديثها باستغراب: بس يعني كده كله هيجي؟ -في الغالب آه، خلاص بكر بيجهز شقته وجدي وكلهم، وأفنان هتقعد مع ماما في شقتها لأن داغر هيسافر خلاص ضيقت فردوس عيناها سائلة إياه بدهشة: هي مش هتسافر معاه؟
أكثر إجابة منطقية أجاب بها كانت: هي مش عايزة تسيب ماما الفترة دي على الأقل. هزت فردوس رأسها بتفهم، فأردف كمال بنبرة هادئة: متأكدة إنك مش عايزة تغيري حاجة؟! متشغليش بالك مهما كان أي حاجة ممكن نغيرها. حاوطت عنقه وتركت قُبلة على وجنتيه متمتمة بنبرة أشبه بالهمس: آيوة متأكدة؛ بالعكس أنا فرحانة بالشقة وكانت فترة حلوة إننا نغير جو البيت لينا كلنا وفي نفس الوقت كل واحد يكون له خصوصية أكتر.
ترك كمال قبلة على رأسها محتضنًا إياها بحب كبير. عمومًا، من أكثر الأفكار دفئًا في العالم هو منزل؛ أو شقة أيًا كان المسمى، أن يكون لك عشًا خاصًا مع زوجك هي أكثر فكرة دافئة تخص من يحمل في قلبه ذرة حب حقيقية. *** في اليوم التالي. "القــاهـــرة" "بسكويت الأرز" "بسكويت البطاطس" من كتاب أصول الطهي.
تناول الأغلب منه، رغم غرابة الفكرة بالنسبة للجميع إلا أن الأمر كان لذيذ ومختلف، حتى ملك الناقمة من الفكرة منذ الصباح تتناول منه، لا تعلم لما قامت بشرى بصنع تلك الكمية كلها في شيء تقوم بتجربته للمرة الأولى، ولكنه كان جيد إلى حد كبير. ليصبح المحتوى الخاص بـ ملك اليوم هو كوب الشاي وبجانبه البسكويت الخاص ببشرى. الناقد. التي تنتظر رأيه أمامه موضوع البسكويت في علبة من البلاستيك تحفظ الطعام أتت بها من المنزل.
هتف هلال بعدما تذوقه وبدلًا من أن يعطي رأيه تحدث مداعبًا إياها: كويس إنك عرفتي تخلي ليا حاجة، أنا سامع إن ملك داخلة في كوباية الشاي الرابعة. قالت بشرى بنفاذ صبر وهي تقف أمامه في المكتب: قول رأيك وسيبك من ملك والشاي دلوقتي. تمتم هلال بصدق: حلو، شبه الحاجات القديمة اللي جدتي كانت بتعملها، رغم إنه غريب بس عجبني. سألته بلهفة طفلة صغيرة يثني عليها معلمها: بجد؟!
-أيوة، لعلمك أنا مش مجامل في الأكل بالذات، مبعرفش آكل غصب عني أو أقول أكل حلو لو هو مش عاجبني تمتمت بشرى بتعالٍ رهيب وثقة اكتسبتها في ثواني معدودة: عمومًا الكتاب أصلًا أغلب الحاجات اللي فيه أعرفها وأعرف وصفاتها، وعموما يعني مكنش في حاجات معرفهاش، أنا بس حبيت أجرب حاجة مختلفة. نظر لها بشك ليقول بنبرة هادئة: والتجربة نجحت أهو الحمد لله. تمتمت بشرى بهدوء: الحمد لله، أنا رايحة بقا أكمل شغلي.
-أنا عموما ماشي عشان ورايا مشوار "بعد مرور نصف ساعة تقريبًا" كانت بشرى تقف في الشرفة بعدما أصرت اليوم على والدتها أن تخبرها ما بها، صوتها لا يعجبها ووالدتها تصر بأنه ليس هناك شيء، لكن أمام تصميم بشرى المميت أخبرتها نرمين بصوت باكي: -أبوكي طلع مخلف يا بشرى لم تفهم بشرى جملة والدتها، لذلك سألتها ببلاهة وغباء: مخلف إيه؟! مهوا مخلفنا أنا وأحمد، مش فاهمة.
أحيانًا الصدمة تجعلك لا تفهم الكلام الذي يتم إخبارك به حتى ولو كان واضحًا وضوح الشمس، تصبح أبلة وقتها. تمتمت نرمين بسخرية مريرة: لا طلع عنده بنت غيرك، بنت أكبر منك بسنين، بنت من جوازته التانية. هتفت بشرى بصدمة تحاول نفي ما سمعته: إيه يا ماما اللي حضرتك بتقوليه ده؟! ازاي يعني؟! يعني إيه؟! قالت نرمين بضيقٍ واختناق:
اسألي أبوكي، بيقول إنه مكنش يعرف بس أنا مش مصدقاه، أنا طلبت الطلاق عشان تبقي عارفة، المرة دي أنا مش هسمع كلام أي حد. سألتها بشرى بتردد لآخر مرة: ماما هو الكلام ده حقيقي؟ -هو أنا هكذب في كده يا بشرى؟! أنا من ساعة ما عرفت وأنا هتجنن خلاص، هتجنن، حسبي الله ونعم الوكيل أردفت بشرى باقتضاب وهي تضع يدها على عنقها من فوق حجابها وكأنها شعرت بالاختناق: بابا فين؟ جاءها صيحة والدتها المقهورة:
معرفش راح مطرح ما راح، لم هدومه ومشي عشان أنا أفضل قاعدة، بس والله لو مطلقني بالذوق لهخلي فضيحته بجلاجل في كل مكان. تمتمت بشرى باختناق: سلام دلوقتي. -مضايقنيش نفسك يا بنتي وحقك عليا لو كنت سبب من الأسباب إنكم تكونوا عايشين في الهم ده، عمومًا دي حقيقة مش هتتغير، هو أبوكي وأنا أمك، وملكيش دعوة باللي بيحصل تحدثت بشرى بصوت متحشرج: سلام يا أمي دلوقتي. قالت نرمين بيأس: سلام.
انتهت المكالمة. وكأن روحها خرجت في تلك اللحظة، تحاول ترجمة ما سمعت، عن أي أخت تتحدث؟! كيف؟! كيف يحدث هذا؟!! أخت تكبرها بسنوات؟!! ما الذي يحدث؟ هي على وشك أن تصاب بالجنون، ولما الآن تعلم عنها؟! هل والدها كان يعرف بوجودها ويخفي عنهم الأمر كما تقول والدتها؟! أم ماذا؟!
منذ أيام وهي تشعر بأنها في أجمل أيام حياتها منذ خطبتها، تحاول عيش شعور السعادة الحقيقي مع رجل يهتم بها، تجرب الأمر لأول مرة، ظنت أنها حصلت على السعادة التي تستحقها. رُبما هذا العوض المنتظر، وعلى الأقل والدتها تحاول تعويضها، والدها وافق على إتيانها، كل هذه مؤشرات تجعلها تشعر بأن السعادة تفتح أحضانها إليها، لكن كيف كُسر جناحها مرة أخرى!!
لم يفعل والدها هذا حبًا بها، لم يتركها تفعل ما تريده لأنه يحبها أو يرغب في إسعادها بأن تعود لممارسة رغبتها، بل فعل هذا رغبة في إبعادها عن المنزل. ماذا تفعل الآن؟!! *** …في المساء… أخذت إذن بطريقة مُريبة من مريم وغادرت المكتب، حتى أنها لم تنتظر موعد ذهاب ملك، لم تفسر تفسير منطقي إلى مريم، غادرت بشكل مخيف أثار تساؤلات الجميع. لم يكن هلال متواجدًا وقتها. غادرت المكتب وهي لا تعلم إلى أين تذهب؟! هل تعود إلى البلدة؟!
.. ولو عادت ماذا تفعل؟! ما الذي من الممكن أن تخبر والدتها به للتخفيف عنها؟! ما الذي يقع على عاتقها فعله أثناء محاولتها استيعاب ما عرفت. ذهبت إلى الشقة الخاصة بها هي وملك، خلعت ملابسها بوهن شديد وأرتدت ملابس منزلية مريحة، احتضنت وسادتها ودخلت في نوبة نوم عميق. عمق لا يدل على الراحة التي تستشعرها خلاله، ولكنه يعبر عن هروب من الواقع، وكأن الأفكار التي سمعتها سيتم زوالها وعند استيقاظها ستجد أن الأمور بخير.
فقط لأول مرة في حياتها تظن بأن الأمور بخير، كانت الأيام الماضية والأمر لم يدوم طويلًا. أتت ملك بعد مدة وهي تشعر بالقلق الكبير. بشرى لم تجب على اتصال واحد من اتصالاتها الكثيرة. حينما ولجت إلى المنزل ووجدتها نائمة هدأت قليلًا. وذهبت لتصنع الطعام كعادتها، وأحيانًا بمساعدة بشرى تحاول إنجاز أي شيء، وبعدها أيقظتها، لتنهض بشرى وتتناول الطعام معها دون التعقيب بأي شيء.
رغم أسئلة ملك، فضولها الكبير المقترن بقلقها عليها، لكن وكأنها لا تسمع شيء، كأنها فقدت حاسة السمع. أخذت الأطباق الذي تناول الاثنان بها الطعام إلى المطبخ، قامت بغسلهما بسرعة رهيبة، فهي معتادة على تلك النقطة حتى لا تترك ملك تتولى مسؤولية كل شيء. ورغم أن ملك أخبرتها بأنه ليس هناك مشكلة وستفعل هي الأمر، إلا أنها استمرت وانتهت منها دون أن تتفوه بحرف، وولجت إلى حجرتها لتنام على فراشها مرة أخرى، ولا تعلم أين هاتفها؟!
ولا تعلم أي شيء، هي فقط ترغب في صمت، وتركتها ملك لعلها ترغب في الانفراد بنفسها. بعد مرور ساعة تقريبًا، أخذت ملك تطرق باب غرفة بشرى لوقت طويل ولكنها لم تجب عليها، ففتحت الباب وكانت بشرى تهبط الدموع من عيناها وصرخت في وجه ملك بانفعال: -هو مينفعش أقعد لوحدي؟! -رُبما لو كان شخص آخر غير ملك لأتخذ موقف، ولكن صراخهم في وجوه بعض في أغلب الأوقات جعل الأمر طبيعيًا، ولكن ملك مدت يدها بهاتفها متمتمة بسخرية:
-والله أنا سايبة ليكي مطلق الحرية، بس المتر عايزك "من هذا؟! جزء من الثانية سألت نفسها من الذي يقتحم عزلتها وضيقها، وفي الوقت نفسه نظرت إلى أصابعها لتحاول ترجمة الحديث والأمر التي نسته تمامًا. أخذت منها الهاتف لتغادر ملك بأدب لا يليق بها في بعض الأوقات. وضعت بشرى الهاتف على أذنيها مغمغة بخفوت وهي تحاول جعل نبرتها عادية: -ألو
جاءها صوته الساخر الذي يحاول يخفي أسفل سخريته غضبه الجامح وقلقه الشديد منذ أن أخبرته مريم بالأمر، وهو يحاول الوصول إليها، في البداية كانت لا تجيب وفي النهاية كان يعطيه مغلقًا، لذلك أضطر للاتصال أخيرًا بـ ملك. -مبترديش ليه يا بشرى وموبايلك مقفول ليه؟ في تفسير منطقي للي عملتيه النهاردة ولا إيه؟ تمتمت بشرى باقتضاب محاولة ألا تكن فظة ولكنها ليست في وقت عليها مراعاة مشاعر الآخرين:
معلش أنا كنت مخنوقة ومحتاجة أروح، واسفة لو مشيت بدري من غير سبب. بعدما أثارت قلق الجميع، قلقه هو تحديدًا. الله وحده يعلم ماذا حدث به منذ مكالمة مريم، والحمقاء ملك التي أخبرته بأنها لن تقتحم عزلتها، وقتها أخبرتها بكل بساطة بأنه إذا لم تعطيها الهاتف هو سيأتي إليهم، لذلك قررت ملك الامتثال إلى رغبته. تجاهل حماقتها وتنهد ثم حاول الحديث بنبرة هادئة ولينة: -إيه اللي حصل وخلاكي تمشي بالطريقة دي طيب؟
لا تستطيع أن تكابر وتخبره بأنه لم يحدث شيء، وكيف تفعلها؟! بعدما رأى الجميع حالتها ونبرتها المكتومة، لا تستطيع الادعاء بأنه لا يتواجد، وفي الوقت نفسه إخباره حسب ظنها بأمر حرج هكذا يخص عائلتها، لا تظن أنه من الصواب أن تفعلها. -مشكلة عائلية حصلت؛ وأنا حسيت إني مش قادرة وعايزة أروح
لم يكن الأمر صعبًا على هلال تخمينه وهو يعلم الحقيقة كلها، الأمر يخص شمس بكل تأكيد. هو انشغل اليوم بمحاولته محو سجل ثائر تمامًا. يجب قبل أن يقوم شريف بتسليم نفسه بألا يظهر بأنه كان يعيش باسم شخصية أخرى، لا يرغب في أن يدخل إلى نوع آخر من القضايا، كان يجب أن يُقتل ثائر ذلك المسخ الذي نتج تزامنًا مع الأحداث. هتف هلال بنبرة هادئة: مفيش حاجة تستاهل تعملي كده، كل البيوت فيها مشاكل يا بشرى.
سمع صوت ضحكة متهكمة منها. هو يذكرها بكلمات جدتها التي كبرت عليها، حينما كانت تسأل لما العلاقة بين والدها ووالدتها تتخذ هذا الشكل، لكن لم تعد تلك الكلمات تستطيع تصديقها في هذا العمر. تمتمت بشرى باستخفاف غير مقصود: أكيد. سمعته يقول برزانة:
لازم تخرجي من دائرة الطفلة الصغيرة اللي مش متقبلة مشاكل عيلتها مهما كانت هي إيه، وتدخلي مرحلة تانية من النضوج وهو إنك ترتبي على مستقبلك وحياتك وتواجهي إن عادي مش كل الناس مرت بطفولة أو مرحلة من مراحل حياتها عايشة فيها استقرار نفسي على الأقل، مش هكلمك عن الجوانب التانية، لازم تتقبلي اللي فات عشان تعرفي إنك تأسسي حياتك صح.
حديثه لمسها بشكل كبير. ورُبما هو محق، لكن هناك أشياء مدمرة بداخلها لا تقدر تلك الكلمات على إصلاحها، على الرغم أن الباقي فعل ويشعر بالقليل من الرضا على الأقل. رُبما ستظل المشكلة كلها في شعورنا بأن هناك شيء قد فاتنا، شيء لم نشعر به، شيء يجعلك تظن بأن هناك من عاش حياة أكرم منك. رُبما هناك بعض جوانب الحياة ستجد من مر بها أفضل منك، لكن لا تنسى بأنه هناك أيضًا أشياء تذوقت نعيمها وغيرك ذاق جحيمها.
قالت بشرى بنبرة مختلفة قليلًا بعد حديثه: حاضر، معاك حق، وعموما أنا أسفة لو قلقتك. -اسفك مش هيكون مقبول إلا لو في حالة واحدة سألته بشرى باستغراب: إيه هي؟ تمتم هلال بنبرة هادئة لكنها جادة من الدرجة الأولى: متقلقنيش عليكي تاني ومتكرريهاش، ومهما كانت المشكلة أو الظرف تردي وتطمنيني.
ذلك الشعور الذي يتسلل خلسة بداخلك يطمئنك، يبهرك، يغزو كل خلية بك، هو الحب الذي تشعر به بشرى معه، الذي يجرفها بمشاعر عميقة لدرجة تصعب عليها فهمها. الحب ليست قضية قد تبحث عن حلها أو جريمة تنتظر عقوبتها، بل شعور لا تجد أحد قادرًا على وصفه لأن مفهومه يختلف كثيرًا من شخص لآخر. -حاضر -لو في أي حاجة كلميني ولو حابة تقعدي كام يوم في البيت براحتك غمغمت بشرى بعد تفكير:
هو يوم واحد اللي ممكن مجيش فيه، مش عارفة هيكون امتى بس هقولك. بعد وقت كانت بشرى تقف في الغرفة تضع هاتفها الخاص بها على أذنيها بعدما قامت بشحن بطاريته وهي تتصل بوالدها الذي أجاب عليها في الاتصال الثاني. -خير يا بشرى، في حاجة؟ تمتمت بشرى بثبات: أنا كلمت ماما وعرفت كل حاجة. جاءها صوت والدها مرتبكًا: اديني فرصة أشرحلك يا بنتي بس. قاطعته بشرى باقتضاب:
أنا مش عايزة حضرتك تشرحيلي، أنا عايزة حضرتك تاخدني ونروح ليهم مدام مكنتش عارف عشان نعرف الإجراءات اللي ممكن تتعمل. لا تعلم لما ترغب صراحة رؤيتهما. هل رغبة في المواجهة كما أخبرها هلال؟! هل لشعورها بقليل من الفضول تجاه الأمر؟! أم لرغبتها الشديدة جدًا بمعرفة هل والدها كان لا يعلم الأمر حقًا؟! أم أنه كاذب كما تخبرها والدتها؟! رُبما اجتمعت الأسباب كلها في رغبتها. النتيجة واحدة هي ستذهب. *** في اليوم التالي.
قامت بشرى بالاتصال بـ هلال في الصباح تخبره بأنها لن تأتي اليوم. حينما سألها عن السبب أخبرته بأن والدها قادم إليها وهناك أمر ما عليهم حله سويًا. توقع هلال بالطبع بأن الأمر هو شمس، ومنذ ليلة أمس وهو يعلم تقريبًا على الرغم من أن شريف لم يصرح بشيء ويبدو بأنه لا يمتلك العديد من المعلومات، منذ تم أخذ العينات من شمس ووالدها لم يتحدث منير معهم مرة أخرى.
قابلت بشرى والدها في أحد الأماكن، حاول طوال الطريق أن يقسم بأنه لم يكن يعرف شيئًا، يخبرها بأن والدتها تظلمه في هذا الأمر، وعلى الرغم من أنها ترى بأن والدها ليس من الأشخاص الذين يقومون بمراعاة زوجاتهم، لذلك أخفى الأمر عن والدتها. هذه ليست طباعه، لو كان يعلم بأن لديه ابنة لتحدث عنها وأخبرهم منذ زمن. وشعرت من حديثه بأنه صادق، وبالرغم من ذلك أصرت على الذهاب.
في إحدى العمائر المتواجدة في المناطق الراقية نوعًا ما، كانت تقف أمام باب الشقة برفقة والدها، فتحت سوسن الباب لهما قائلة بتردد: -منير لم يتحدث بعدها كثيرًا لأنه لن يكن حديثه سوى شجار عنيف جدًا، لذلك كان يحاول تهدئة نفسه. جعلتهما يجلسان على الأريكة رغم عدم معرفتها الكلية لهاوية الفتاة التي تجلس معه. بعد بضعة دقائق أتت شمس من الداخل ولم تخبرها والدتها بأن هناك شخص جديد بالنسبة لها مع والدتها، لكن اكتفت بتعبير مبهم
(قاعدين برا) . لذلك ظنت بأنها رُبما والدته هي من أتت معه. لكن بمجرد رؤية بشرى قالت شمس بنبرة عفوية منها بـ صوتٍ مسموع: -بشرى! لم يكن التخمين على بشرى سهل بأن تعرف بأنها تلك الأخت التي يتحدثون عنها!! لكن كيف عرفتها؟!! -عرفتيني منين مع إن هي مسألتش أنا مين الضمير في جملتها كان يعود على تلك المرأة التي استقبلتهما وأتت الآن وهي تحمل أكواب الشاي. كيف تخبرها بأنها حفظت شكلها وكل يوم كانت ترى الصور التي أرسلها ثائر لها؟!
حاولت تذكر أي شيء، التفكير في أي شيء حتى يسعفها. وكانت ما اختارته أما يُنصفها أما سيجعلها كاذبة. جلست شمس على الأريكة متحدثة بنبرة فاترة تشبه نبرة بشرى: أكيد كنت بدور على الأكونت بتاعه وعلى مطعمه وكنتي من ضمن الأكونتات اللي شوفتها وشوفت صورك. كان الحديث منطقي، لكن ماذا لو بشرى لا تضع صورها على حسابها الشخصي؟!
وجدت ملامح بشرى ارتخت نوعًا ما، لكنها مازالت محتفظة بغضبها ونقمها الغريب، كلاهما ينظر إلى الآخر بتمعن غريب، لكنه ليس عاطفي، رُبما فضول، رُبما غيظ وكراهية ليس لها سبب واضح، تحديدًا بشرى التي لم تشعر بالارتياح أبدًا. تحدث منير أخيرًا باختناق شديد: نتيجة التحليل ظهرت. قالت شمس بعجرفة مانعة والدتها من التحدث: النتيجة عارفينها، مش محتاجين نعرفها، بل على العكس، احنا كنا سايبينك تعيد حساباتك، اللي عايزين نعرفه، وبعدين؟!!
بعد النتيجة ما طلعت هتعمل إيه؟! غمغم منير هازئًا: بعدين دي تقوليها لأمك اللي هي السبب في اللي إحنا فيه، بعدين دي تقوليها على اللي خبّتك سنين ومعرفش كنت عايشة إزاي العمر ده كله من غير ورق ومن غير أي حاجة، شوفي أمك من الأول خبّت ليه. هو يقوم بإحراجها مما جعل سوسن تصمت تمامًا. هو يعلم بأنها لن تستطيع أن تخبره بأن الأمر بسبب سرقة والدتها له، لكن شمس لا تنكسر ولا تهتم بأي شيء. تمتمت شمس بنبرة جامدة:
خافت، خافت على بنتها من راجل بعد ما قضى معاها وقت، استغل إنها واحدة ملهاش حد وغلبانة، عشمها بالحب صغيرة وصدقته، وعند أول مطب أداها ورقتها وطلقها، عشان أبوه يرضى عنه، باعها واتخلى عنها، ومكنش قد قراره بأنه يتجوز تاني، تفتكر ده راجل له أمان؟! وهي حاولت كتير تجهضني بس ليا نصيب أعيش وأقعد قصادك في يوم زي ده. احمر وجه منير وشعرت تحديدًا بشرى الجالسة بجانبه باحتراقه، لدرجة أنه لم يجد كلمات مناسبة يدافع عن نفسه بها.
أما بشرى كانت صامتة تراقب الوضع، لأول مرة تحاول فهم ما حدث في الناحية الأخرى. كادت شمس أن تتهور لتخبره بأنه إذا كان يتحدث عن الماضي لتخبرها بأنها راقصة، ولكنها صمتت، صمتت لأنها تذكرت حديث ثائر (شريف) الذي حذرها بألا تتفوه بذلك الأمر إطلاقًا حتى يتم تسجيلها في نفوذه. ولأول مرة قررت أن تتصرف بعقلانية. تحدثت شمس بـ كبرياء: قررت هتعمل إيه، هتكون ودي ولا أعمل توكيل للمحامي ونرفع قضية؟!
احتقن وجه منير ليجيب عليها بصوت غاضب إلى أقصى حد ولكنه عملي نوعًا ما، ينفذ تعليمات والدته، ولأنه لا يستطيع أن ينكر نسبها، يعد التحليل سيكون أحمق إذا فعل. -أنا بعت لمحامي وهعرف إيه الإجراءات اللي المفروض تتعمل هتفت بشرى بصوت بارد: هتروحوا تقريبًا محكمة الأسرة الأول. قاطعها منير بنبرة حنونة لأول مرة تقريبًا: متدخليش في الموضوع يا بشرى ولا تشغلي بالك بيه، أنا هحل كل حاجة يا بنتي، ولا حتى تحكي لخطيبك حاجة.
نظرت له باستنكار، هل هو يظن بأنها تخبره كونها ابنته؟! هي ناقمة عليه ألف مرة بعدما سمعت ولو جزء بسيط من قصة لا تعلم دواخلها؛ قصة تعرضت امرأة أخرى للظلم بسببه، هي فقط تحدثت بطريقة عملية لا أكثر. تمتمت سوسن بصوت خافت وهي توجه حديثها إلى شمس: اهدي شوية. ردت شمس عليها بصوت خافت: مينفعش إن الواحد يهدى في وضع زي ده، وإلا هيتأكل. أنهت بشرى الجلسة وهي تنهض من مكانها متحدثة بنبرة مكتومة: يلا نمشي. *** بعد مرور عدة أيام.
المكان المفضل لهما. النادي المطل على النيل. كانت تجلس أمامه، اليوم اتصل بها شريف، بكل أدب ورُقي كان يدعوها لتناول الغداء معه، لأول مرة لا يخبرها بأنه يرغب في رؤيتها فقط، وحتى لو تناول الطعام معها لا يقوم بجعلها دعوة رسمية أبدًا.
لذلك كانت تختار ملابسها بعناية، ملابسها التي قامت بشرائها منذ أيام، ملابس امرأة محتشمة، محجبة، لحسن الحظ بات لا أحد يتعرف عليها بهيئتها الجديدة، ورُبما لأنه مع الوقت يكون هناك شيء متداول غيرها ويتم نسيان القديم. تناولت الطعام معه وكان هو هادئًا، ليس منفعلًا، ولا غاضبًا، كانت ملامحه مريحة بشكل غريب، لأول مرة تشعر بأنه مرتاح فعلاً، لا يحمل هم شيء.
واليوم لم تكن هي الوحيدة التي اختارت ملابسها بعناية، كان هو أيضًا، حسنًا هو دومًا وسيم وجذاب في نظرها مهما كان يرتدي من الملابس، ورُبما لأن أغلب لقاءاتهم مؤخرًا كانت على عجالة وظروف غير جيدة لم يكن يعتني بملابسه كـسابق عهده. كان كل شيء غريبًا وجديدًا، صدقًا أنها في لحظة من اللحظات رغبت في أن تنهض وتقوم بتقبيله واحتضانه من كثرة اللطف التي وجدته منه اليوم. تناولت الطعام معه، بعدها كل شخص منهما طلب مشروبًا له.
كان الأمر أشبه بـ لوحة صنعها فنان ماهر، أصابعه تنقش قصة عشق، لكن شمس كانت تنتظر شخصًا حقودًا أن يقوم بتخريب تلك اللوحة. لا تظن بأن اليوم سيظل جيدًا حتى نهايته، سيظل رائعًا. هو لم يتحدث إلا بكلمات بسيطة، لكنها كانت تكفيها. تحدثت شمس كاسرة جمال اللحظة: أنتَ عزمتني يعني احتفال إنه مشي في إجراءات تسجيلي باسمه؟ عقب شريف بهدوء: أيوه، يعني ده سبب من ضمن الأسباب، لكنه مش السبب الوحيد. سألته شمس ببسمة صغيرة تحتل وجهها:
كنت عايز تشوفني؟ مرت أيام طويلة ولم يراها، ولأول مرة لم يجد مفر. ليس عليه أن ينكر أنه يشتاق لها بجنون. -أيوه هو يرغب في أن تصيبها سكتة قلبية من فرط مشاعره اليوم، لا تعلم هل هو رائع اليوم وجذاب ومحب أم أنها هي التي تجد الكلمة الطبيعية منه، هو شعر وغزل؟! أسترسل شريف حديثه بنبرة هادئة: حبيت أن ثائر يودعك بشكل حلو، ويكون في ذكرى حلوة ما بينا، وتفتكري اليوم ده دايما.
توقفت شمس عن الابتسام وحل عدم الفهم وعلامات الاستفهام على وجهها. تحدثت شمس بنبرة باهتة: يعني إيه؟! قصدك إيه بالكلام ده؟ تمتم شريف بنبرة غير مفهومة بالنسبة لها: ثائر اتمسح من كل حتة، أنا بقيت شريف وبس، وخلاص هكون حر. -يعني إيه هتكون حر؟ قال شريف ببساطة: خلاص هسلم نفسي الفجر، هتحرك، كل حاجة اتحلت وخلاص، مش عايز أعيش هربان تاني. لما يتحدث بهذا السلام النفسي العجيب لأول مرة تراه يتحدث بتلك اللهجة؟!!
كيف يُقرن الحرية بـ الحبس، كيف يمكنه أن يجد الحرية بتلك الطريقة. كانت تنظر له بأعين واسعة، مذهولة ودون أن تدري كانت الدموع تهبط من عيناها. ليمد شريف يده بالمناديل الورقية ولأول مرة يشعر بهذا الألم الكبير. الألم الذي يجعلك هشًا مهما كنت قويًا لأن هناك شخص يبكي. شعور جديد ومختلف كليًا. -متعيطيش يا شمس صاحت شمس باستنكار من وسط بكائها: شمس اتمحت زي ما ثائر اتمحى، وأنتَ جاي تودعني. تمتم شريف بنبرة جادة: يعني أنا غلطان؟!
حسيت إنه مينفعش أسيبك من غير ما أودعك. تمتمت شمس بغضب مكتوم: -أنتَ غلطان؟! وبتسأل؟! ده أنا من أول يوم شوفتك فيه وأنتَ غلطان من ساسك لرأسك -شمس حاولي تنسيني، مش أنا بس، حياتك القديمة كلها، أنتِ خلاص حياتك الحقيقية هتعيشها وهتبدأ قاطعته حديثه قائلة بنبرة مرتجفة: عمري ما هنسالك، لأن عمري اللي جاي مش كفايا إنه يخليني أقابل حد زيك أو حتى أحب ربع الحب اللي حبتهولك، لو كنت أعرف إنك جايبني عشان كده مكنتش جيت أساسًا.
أردف شريف مداعبًا إياها: كدابة، أنتِ لما صدقتي تيجي أساسًا، هتعمليهم عليا. ابتسمت رغمًا عنها في وسط بكائها وهي تمسح دموعها، لم تكابر، الأمر واضح وضوح الشمس. -ما بلاش تودعني، أوعدني أحسن تمتم شريف بجدية وصدق: مبحبش الوعود، مبحبش أوعد يا شمس، ليه مش عايزة ترضي إن دي نهاية حكايتنا؟ قالت شمس بوجع:
علشان أنا مش هقبل بأن دي تكون النهاية؛ أنا استحق فرصة معاك حتى لو حياتي كلها كانت غلط، أنا بتغير، حبي ليك يخليني أتغير، حبك ليا يخليني أتغير، ليه مانع عني ولو فرصة، أي أمل. ابتلع شريف ريقه باختناق ثم غمغم:
وعود وأمل إيه اللي بتتكلمي فيه أساسًا مع واحد مش عارف هياخد كام سنة سجن أصلًا، بالعكس أنا عايزك تاخدي فرصتك إنك تكوني إنسانة جديدة مع حد مش عارف ماضيكي، حد ياخدك إنك شمس بنت منير وبس، شمس اللي بقت ولسه هتبقى في أحسن حال وأحسن نسخة ليها. مسحت شمس دموعها التي لم تتوقف عن الهبوط متمتمة بانزعاج جلي:
وأنا مش عايزة غيرك، ومش عايزة حد أصلًا يحبني لمجرد إني بنت منير، أنا عايزك أنتَ، أنتَ حبتني أو حتى بلاش حبتني ساعدتني، مستغلنيش، أنتَ مش عارف أنتَ عملت إيه معايا؟! وبتلومني لو حبيتك؟!! أنتَ عملت معايا اللي أمي معملتهوش، ولا أبويا ممكن يعمله ولا أي حد هيعمله ليا. تحدث شريف بنبرة ضعيفة لأول مرة تخرج منه:
أنا معرفش دنيتي هتبقى إيه، ومعرفش أنا هعرف أكمل ولا لأ معاكي، اللي كنتي فيه مش حاجة سهلة أعديها مهما كنت بحبك، وأنا مش عايز أوعدك بأي حاجة لإن مش عايز أطلع معاكي مش راجل لمجرد إني موفيتش بوعدي ليكي لأي سبب من الأسباب. تمتمت شمس بنبرة عاطفية من الدرجة الأولى:
وأنا هستناك، مش فارق معايا عدد السنين اللي هتتتسجنها، ولا فارق معايا عدد السنين اللي ممكن تاخدها عشان تتقبل أو حبك ينتصر على الماضي، هستنى كل ده لو في نهايته أنتَ تكون ليا، ومتفتكرش إني ممكن أنساك ولا أقبل بوداع زي ده ولا كل الكلام ده. عنيدة هي في حبها. عنيدة بشكل يزعجه ويجعله يرغب في ضربها ضربًا مبرحًا وهذا ما تستحقه، وفي الوقت نفسه يرغب في احتضانها.
-بلاش التفاني مع الناس ده، اتعلمي تقدري نفسك، ده أول درس في حياتك الجديدة هتفت شمس بانزعاج جلي: لو حاولت تقول إيه عشان ترجعني عن قراري ما هسمع ليك حاجة، لو قعدت تغني للصبح أنا قولت كلمتي، عجباك أهلاً وسهلاً، مش عجباك اعتبر نفسك مسمعتهاش، بس أنا عارفة أنا بقول إيه. ثم استرسلت حديثها من وسط دموعها: بعيدًا عن ده كله أنا عايزة آخد صورة معاك، أنا مفيش أي صورة ليا معاك. -مبحبش اتصور تمتمت شمس باستنكار:
بطل استفزاز، اعتبرها صورة ذكرى الوداع. قال شريف باستسلام: حاضر. *** في الصباح الباكر. في قسم الشرطة. "الـشـرقـيـة" وقف شريف أمام أمين الشرطة الذي سأله عما يريده؟! أو سبب إتيانه ليتحدث شريف بأكثر نبرة بها قوة، قوة تكمن في المواجهة. عدم الهروب من المصير. قوة اكتسبها حينما قال اسمه وهويته دون خوف، حتى ولو سيتم سجنه بعدها لا يهم، هو خلع عباءة ثائر من فوق كتفه وانتهى أمره. -أنا شريف محمد توفيق جاي أسلم نفسي
سأله أمين الشرطة باستنكار: تسلم نفسك؟! إيه تهمتك؟! -من أكتر من سبع سنين قتلت حسن علي السيد
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!