الفصل 52 | من 61 فصل

رواية ديجور الهوى الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم فاطمة طه

المشاهدات
18
كلمة
10,319
وقت القراءة
52 د
التقدم في الرواية 85%
حجم الخط: 18

لا تنسى مقدار الألم والخذلان ولو مر ألف سنة. لا تنسى صراخات قلبك في بعض الأوقات بأنك لا تستحق هذا كله. يظل سؤالك الدائم عن المكافأة التي يستحقها قلبك. انتظارك ليلة تبكي بها من فرط السعادة. منذ مكالمته مع ابن صديقه وهو في حالة عصبية شديدة. تشاجر مع جميع العاملين. قام بإجراء خصومات إلى أغلب الشباب على أشياء قد تبدو تافهة ويقوم بتمريرها في أغلب الأوقات، لكنه اليوم وضعه لا يسمح بالتهاون حتى مع نفسه.

ترك المطعم الذي كان يجلس فيه ثم ذهب إلى شقته بالإسكندرية يحاول أن يضبط أعصابه قدر المستطاع. المكالمة طالت بينهما، حاول نفي النتيجة. يحاول أن يفكر في أي شيء يجعل تلك النتيجة غير حقيقية، ولكن لا يستطيع أبدًا. يؤكد له الشاب صحة الأمر مما أغضبه أكثر. ليس عليه سوى الحديث مع أمه لأنها الوحيدة التي تعلم. التقط منير هاتفه ليتحدث مع والدته. أتى برقمها ثم ضغط على الاتصال بها، لتجيب عليه بعد ثوانٍ.

“ألو يا منير يا ابني عامل إيه؟! “مش كويس يا أمي. لو مش لوحدك ادخلي الأوضة لأن النتيجة طلعت.” “طيب استنى.” قالت تلك الكلمات بتوتر وارتباك يرافقها، وغابت عنه لمدة ثلاث دقائق تقريبًا. كانت خلالها تخرج من المطبخ ثم توجهت إلى غرفة نومها وأغلقت الباب خلفها متمتمة: “قولي يا ابني وطمني.” جاءها صوت منير باضطراب كبير: “طلعت بنتي. أنا مش عارف أعمل إيه يا أمي.” من الصدمة لم تجد زينب ردًا مناسبًا تقوله في هذا الوقت.

كيف تعيد تربية رجل تخطى الخمسين من عمره؟!! كيف عليها أن تغضب عليه أو تعاقبه؟!! ما رد الفعل المناسب الذي عليها أن تفعله معه؟!!! قالت زينب بنبرة تحاول السيطرة على نفسها بها: “اتصلت بيهم علشان تعرفهم النتيجة؟! “اتصل أقول إيه؟ أنا لو أطول أقتلها على اللي عملته ده كنت عملت كده.” تحدثت زينب بنفاذ صبر: “متعرفهمش حاجة دلوقتي. بعد بكرة خطوبة بشرى. الخطوبة تخلص على خير ونشوف هنعمل إيه بعدها.”

“أنا أصلاً مش عارف هعمل إيه ولا هقول لنرمين والعيال إزاي.” هتفت زينب بنبرة منفعلة: “الخطوبة تخلص وتخلي بشرى تسافر القاهرة على طول، وأنتَ تعرف نرمين واحد واحد.” ختمت زينب حديثها بغضب مكتوم: “حسبي الله ونعم الوكيل فيك وفيها.” أنهت حديثها بنفاذ صبر رهيب. لم تتحمل الصمود بعد هذا الخبر. ابنها سيظل يسبب المتاعب لها إلى نهاية عمرها. *** “الشرقية” كانت أفنان الأيام الماضية أغلبها تمكث مع والدتها تقوم برعايتها.

تحاول تعويض الفترة التي كانت فيها بعيدة عن والدتها ولم تقدم واجبها كأي فتاة عليها مراعاة والديها عند مرضهما. لم ترحل سوى ثلاثة أيام، لتستلقي بجوار زوجها وفي منزله. وتأتي في الصباح الباكر بعدما رأى توفيق بأنه لا يصح بأن يمكث داغر في منزله بمفرده. تحديدًا بسبب عدم رغبة داغر المكوث هنا، لكنه سمح لها هي وفهد البقاء ولم يتذمر أبدًا.

لكنه في الوقت ذاته لم يرغب هو في البقاء هنا، يأتي فقط للزيارة يوميًا والاطمئنان على صحة منى ويرحل في المساء. كانت أفنان تحمل الطعام بعدما تناولت والدتها بضيقٍ القليل منه، لأنه لا يعجبها هذا الطعام مختلف. قليل الدهون والأملاح وله مواصفات خاصة لا تعجبها، لذلك تلك الفقرة تكون بها متذمرة إلى أقصى حد. يجلس كمال على المقعد بعدما جعلها تتناول أدويتها.

فهو مجرد ما أن يأتي من العمل يأتي إلى غرفة والدته أولاً، يجلس معها ثم يرحل ويعود مرة أخرى وهكذا طوال اليوم. تمتمت منى بتلقائية: “هو داغر فين؟! تعجبت أفنان من سؤال والدتها عن زوجها، ولكنها أجابت بالرغم من ذلك: “كان مع جدو بس قالي أنه هيروح يقابل واحد صاحبه. معرفش مشي ولا لسه.” تحدثت منى بهدوء تحت نظرات كمال الغامضة: “طيب شوفيه فين، علشان يساعدني مع كمال علشان ينزلوني وقت الغداء. هنزل أكمل أكل تحت معاكم.”

اندهشت أفنان من رغبة والدتها التي لا ترغب مغادرة غرفتها تحت أي ظرف تقريبًا، لكنها هزت رأسها بإيجاب. ثم سمعت والدتها توجه حديثها إلى كمال: “خلي فردوس تنزل تأكل تحت معانا كلنا. مش هيجرى حاجة لو كلنا النهاردة قعدنا على سفرة واحدة.” *** “غرفة كمال وفردوس” تقف في الشرفة الخاصة بغرفتها. تتناول مشروبها الساخن وهي تشاهد فهد وريم وأبناء (أم شيماء) تشاهد ركضهم وحركاتهم العفوية، لعبهم، مرحهم. كان مشهدًا لطيفًا.

نظرت إلى فهد الضاحك أغلب الوقت، بل يقوم بمشاغبتهم. وكأنها تستطيع ترجمة ما يحدث من هذا البعد. فهد نفسه لغز. لغز كبير. هي تحاول تصديق كمال في حديثه عن فهد تحديدًا، ولكنها لا تشعر بأن حديثه صحيح. خصوصًا حينما تحاول إعادة الأحداث الماضية ومنذ عودة أفنان وداغر من السفر. تعلم بأنها لو أرادت التحليل له لن يمنعها أحد، بل تستطيع بكل بساطة أن تفعلها دون أن تخبر أحد. هي تعلم بأن له ألف طريقة وطريقة، ولكنها لا ترغب في التأكد.

ولا ترغب في المعرفة. ليظل الأمر غامضًا بالنسبة لها أفضل. حتى لو فعلت وعلمت بأنه طفل شقيقها؟!! ما الذي ستفعله؟!! هي فكرت في جميع الاحتمالات، تجد عدم معرفتها الحقيقة أفضل. الشك في بعض الأحيان أرحم من اليقين. تناولت رشفة من مشروبها. ثم استدارت برأسها حينما لمحت باب الغرفة تم فتحه وولج كمال منه. فأتت من الشرفة وأغلقتها خلفها لتجده يخلع سترته الشتوية الثقيلة، ويضعها على الفراش.

أقتربت منه ليقترب منها ويضع قُبلة على جبهتها كما اعتاد أن يفعل بمجرد رؤيتها بعد عودته. تحدث كمال بنبرة هادئة: “رجعتي تحبسي نفسك في الأوضة تاني ليه يا فردوس؟! تمتمت فردوس مدافعة عن نفسها وهي تتحدث بجدية بعدما أخذ الكوب من يدها ليتناول منه: “مش بحبس نفسي عادي؛ ما أنا بخرج بليل و…” قاطعها كمال متحدثًا بجدية: “لما أفنان تمشي بتخرجي.”

تتعمد فردوس ألا تخرج وتجلس مع منى إلا عند ذهاب أفنان ورحيلها أو في الوقت التي تتواجد به في المطبخ أو تركت والدتها لأي سبب. هتفت فردوس بجمود: “كده أفضل للكل.” سألها كمال باستنكار واضح: “لحد إمتى هيكون أفضل؟! ده شيء مفروغ منه لازم تتعاملي مع الوضع يا فردوس لأنه دي حياتنا.” قاطعته فردوس تلك المرة قائلة بنبرة قاتمة:

“أكيد واحدة واحدة هتعود بس المشكلة مش عندي بس. عندك أفنان بحس إنها محرجة مني أو وجودي موترها ومش عارفة تحط عينها في عيني. عندك داغر اللي لو لمحني بس كأن الشياطين بتنطط قصاد عينه. المشكلة مش عندي أنا بس. زي ما أنا محرجة ومش مرتاحة وبحاول أبعد هما كمان.” حديثها صحيح نوعًا ما لذلك صمت قليلًا. وهو يسأل نفسه هل سيظل الأمر صعبًا إلى الأبد؟!! كأنها استطاعت قراءة حيرته والشعور بضيقه. لذلك غمغمت برفقٍ:

“سيب كل حاجة للوقت. وبعدين يعني مفيش مشاكل لو في حاجة هنقدر نتعامل غصب عننا في أي موقف. إحنا مش مقاطعين بعض، بس فيه حساسية معتقدش إنها هتتشال بسهولة ما بينا.” نظر له بهدوء ثم جلس على طرف الفراش. لتجلس بجانبه محاولة تغيير الموضوع: “المهم في موضوع حابة أكلمك فيه.” سألها كمال باهتمام لعلها أخيرًا تفصح عن تغييرها الواضح منذ أيام: “موضوع إيه؟! قولي.”

“أنا في ناس كتير بعتتلى على الواتساب بخصوص البيت وناس كتير اتصلت بيا. وأنا مش عارفة كلهم عايزين يجوا يشوفوا البيت وأنا مش بفهم في المواضيع دي أوي. يمكن لو مراد كان فاضي هنا كنت خليته هو اللي يتعامل.” هتف كمال بنبرة منزعجة: “خليتي رقمك مشاع ما شاء الله.” نظرت له بشذر. ليتحدث بنبرة حاول جعلها هادئة قدر المستطاع، لكن لا شك بأنها كانت جادة إلى أقصى حد: “فردوس سيبك من موضوع البيت دلوقتي.” سألته فردوس باستنكار:

“أسيبني ليه مش فاهمة؟! تمتم كمال بنبرة عادية: “علشان ده بيت أهلك والبيت اللي اتربيتي فيه. مش مُبرر اللي حصل أنه يخليكي تفكري تتخلي عنه. أنا حاسس إنك أخدتي القرار في لحظة غضب مدرستهوش وفكرتي فيه كويس.” –لا أنا..” قاطعه كمال بنبرة هادئة:

“أنا بقولك فكري يا فردوس مش بفرض عليكي رأيي. في الأخر أنتِ حرة ده بيتك وملكك. مش أنا اللي هقولك تعملي إيه فيه. أنا بس بقولك نصيحة أنك تفكري كويس خصوصًا أن مفيش حاجة تخليكي تتصرفي بسرعة وبالشكل ده.” حديثه كان مقنعًا إلى حد ما. لتعقب فردوس بحيرة عليه: “مش عارفة، هفكر تاني وأشوف.” –أنتِ كنتي واقفة بتعملي إيه قبل ما أدخل؟ هزت كتفيها بلا مبالاة: “عادي زهقت من القعدة على السرير قولت أقف في البلكونة شوية بس.”

غمغم كمال بشكٍ: “فردوس هو في حاجة حصلت؟ ضيقت عيناها وهي تسأله بتردد: “حاجة إيه؟! قال كمال بلا مبالاة موضحًا: “يعني حاجة من قبل ما ماما ترجع البيت وأنا حاسس إنك مخبية حاجة أو في حاجة والمفروض إننا متفقين منخبيش على بعض حاجة علشان منرجعش لنقطة الصفر من تاني.” نظرت له نظرات لم يفهمها، ولكنها أجابت بثقة: “مفيش حاجة أنا مخبياها عليك يا كمال بس أنا بحاول أتعامل مع الوضع فياريت متضغطش عليا.” نظر لها بعدم اقتناع ثم غمغم:

“ماشي، ماما هتنزل تتغدى معانا تحت، وحابة أننا نكون موجودين كلنا على سفرة واحدة، هتنزلي؟! بعد مرور نصف ساعة تقريبًا. كانت تجلس العائلة كلها تتناول الطعام في صمت رهيب بوجود فردوس والجميع. لم يكن أحد متغيبًا سوى شريف فقط. على الرغم من ضيق داغر من وجود فردوس عمومًا، إلا أنه وافق من أجل منى ومن أجل رجاء أفنان الواضح. وفردوس لم ترفض الأمر من أجل كمال ومنى.

كانت فقط تراقب فهد بين الحين والآخر وهو يجلس في مقعد يتوسط مقعد أفنان ومقعد داغر. تراقبه بذهن شارد. الأمر كان جيدًا، اجتماع الجميع على سفرة واحدة حتى لو كان هناك بعض التحفظات هي خطوة جيدة. *** “الإسكندرية” الصداقة كنز. لا تستطيع تحديد قوتها وأصالتها عن طريق حساب مدتها. كم من أشخاص احتلوا مكانة مميزة جدًا في قلوبنا ولم تجمعنا بهم سوى لحظات. وهناك من تجمعنا بهم سنوات وكانت الطعنة الأولى منهم لا تُنسى.

علاقتها بـ قمر غريبة وغير متوقعة؛ أو ربما لأن أمثال شمس وحياتها الغريبة والمعقدة والغير مستقرة تمنعها من تكوين علاقات. لكنها منذ ذهابها إلى الإسكندرية وهي تتحدث معها يوميًا على الهاتف، وبينهما العديد من الرسائل الإلكترونية. والغريب بأن شمس اعترفت لها بأنها كانت راقصة. لتخبرها قمر ببساطة بأنها عرفت عند رؤيتها الأمر بسبب المقاطع التي انتشرت منذ مدة ليست بالكبيرة بشكل مخيف. ولكنها لم ترغب في إحراجها.

وبالرغم من معرفتها الأمر بكل وضوح ليس مجرد شك في عقلها، لم تقطع علاقتها بها. قصت لها شمس كل حاجة كما فعلت هي معها. ربما الشيء الوحيد الذي احتفظت به هاوية والدها. تمتمت قمر بهدوء: “هكلمك بقا لما أرجع من المقابلة، يارب يشغلني.” قالت شمس بضيقٍ: “يعني خلاص هتسيبي المطعم؟! جاءها صوت قمر من الهاتف بحرج:

“صدقيني يا شمس أنا مضايقة جدا بس المطعم مكنش جايب همه وإيجاره عالي أوي بسبب المكان اللي هو فيه. وأنا بحاول في أكتر من مكان لو وافقوا في المستشفى أرجع هرجع. اخويا الفترة الجاية هيحتاج مصاريف كتير من بعد العملية وصحته مش جايبة أنه يساعد أو ينزل يشتغل.” تمتمت شمس بتعاطف وحزن حقيقي: “ربنا يوفقك يا حبيبتي ويقويكي ويعملك كل خير. المهم يعني أنتِ واثقة أن الراجل ده هيشغلك؟! غمغمت قمر بتردد:

“والله مش عارفة، بس يعني أنا بجرب حظي. مطعمه بقاله سنين ومعروف جدًا بينافس مطاعم منير عبد الحكيم. هو اسمه مروان محسن. اسمع عنه كل خير وأي حد بيجي إسكندرية لازم يجي يأكل مكرونة وكريبات من عنده؛ اهو ده آخر أمل في الموضوع ده وهرجع أكمل تدوير في المستشفيات تاني.” أردفت شمس باستنكار: “مروان محسن؟! وهو مش ده لعيب كورة؟! ضحكت قمر كما لم تضحك من قبل متمتمة:

“تشابه أسماء يا شمس. تخيلي أني كل ما بسمع اسمه فعلاً مش بيجي في بالي غيره. أنا شوفته مرتين بس صدفة كده. المهم هقفل دلوقتي علشان متأخرش على الميعاد ولما أخلص هكلمك سلام.” –سلام.” بعد مرور ساعة تقريبًا. كانت تجلس على المقعد أمام مروان. مروان الذي تخطى الأربعين من عمره منذ وقت. كان رجلًا بشوشًا وبسيطًا، خفيفًا على القلب.

لأول مرة تكون في مقابلة عمل تقريبًا وتشعر بتلك السكينة وعدم الخوف أو الرهبة وكأنه يُجبر أي شخص على الهدوء معه. بدأت المقابلة بحديثه المرح. “الحمد لله أن محمود مش هو اللي قعد معاكي أو الشيف عبدالله لأنهم بيطفشوا أي حد.” هتف مروان بعدما أخبرته قمر بأنها صاحبة المطعم المتواجد في الناحية الأخرى الذي يكون بالقرب من مطعمه. كان هذا ردها عليه وأخبرته أيضًا عن عملها السابق كممرضة حينما سألها عن خبرتها:

“ما تيجي نعمل اتفاق. إيه رأيك؟! نظرت له بأعين متسعة لثوانٍ. رجل وسيم، أربعيني، لطيف وحديثه معسول حتى ولو ضمن حدود الأدب. هناك فارق بينهما اجتماعي كبير. هي تأتي من أجل العمل في المطعم الخاص به في المطبخ. ما الاتفاق الذي من الممكن أن يعقده معها؟! هي لا تفهم سوى بأن لو ظنونها صحيحة هي تقوم بضربه بحذائها ذو الكعب العالي والسميك دون أن تتحلى بأي ذرة من الهدوء. سألته قمر بحذر: “اتفاق إيه؟! أنا مش فاهمة حضرتك قصدك إيه؟!

ياريت توضح.” أردف مروان ببساطة: “أنا عمومًا مش موافق أنك تشتغلي هنا.” أمسكت قمر حقيبتها متمتمة بحرج قبل أن تنهض: “خلاص اسفة أني عطلت حضرتك.” تمتم مروان بهدوء: “أنا لسه مخلصتش كلامي، اقعدي لو سمحت.” هو يرغب في أن يكون الحذاء مصيره. هو يرغب في هذا حقًا. جلست وهي تترقب اللحظة التي سيعرض بها عرضه الرخيص كما ترى في الأفلام والمسلسلات. حينما جلست تحدث مروان بتوضيح: “أنا مش موافق أشغلك هنا، بس ممكن نعمل مع بعض شغل تاني.”

“أهلاً باللحظة المفضلة.” هل ستكون عشيقة أم زواج في السر؟! بالله ستقتله إذا تفوه بها. سمعته يوضح لها أكثر: “أنا شايف أنك أنتِ واخوكي متسيبوش المطعم ولا تتخلوا عن حلمكم ومشروعكم. وللعلم أنا عارف مطعمكم ولما فتح طلبت أوردر كبير على بيتي ساعتها لني من عادتي بحب أجرب أكلات المطاعم اللي حواليا تحديدًا لو بتنافسني والأكل كان تحفة نظيف والـ quality كويسة جدا. مع اني مليش في الأكل ده بس جربته أنا وولادي.”

سألته قمر ببلاهة وعدم فهم: “حضرتك ليه عملت كده؟! عقب مروان بذكاء: “قبل ما تعملي أي خطوة أو لما تلاقي منافس ليكي لازم تعرفي إيه نقط ضعفه وإيه نقط قوته. هو بيقدم إيه أحسن منك؟! إيه اللي أنتِ بتقدميه أحسن منه؟!! لازم تدرسي أي منافس ليكي.” قالت قمر باحباط واضح وتناست رغبتها في إنزال حذائها على رأسه: “واحنا مطعمنا هيكون منافس لحضرتك في إيه هو حد يعرفنا؟! ضحك مروان متمتمًا بهدوء:

“مهما كان المنافس كبير أو صغير مينفعش تستقلي بيه. واضح أن أكلكم حلو بس التسويق مش لعبتكم. المهم علشان مطولش عليكي، أنا هعرض عليكي عرض، يكون في بينا شغل، أكون شريك ليكم.” رددت قمر كلمته باستنكار: “شريك لينا؟!!! إزاي؟! تمتم مروان بنبرة توضيحية وعلمية من الدرجة الأولى:

“أكون شريك ليكم كل حاجة باسمكم والموضوع ده هيكون ما بينا، يعني محدش يعرف عن الشراكة دي حاجة. أنا هعرف أعمل ليكم تسويق كويس جدًا وفي نفس الوقت همولكم بس هخلي حد تبعي يتابع معاكم.” أبتلع ريقه وأسترسل حديثه بنبرة جادة:

“وأنتِ تجيبي ناس تشتغل معاكم وتكبري الموضوع. مينفعش يكون في اتنين أو تلاتة بس وتغيري المنيو. مينفعش تعملي كل حاجة لأن مش هيكون في تركيز على حاجة واحدة. لازم تتميزي في حاجتين تلاتة لكن شغل أنك بتعملي كل حاجة ده مش في صالحك. لازم الناس تيجي عندك علشان في حاجة معينة بتعمليها حلو.” هنا صدق ظنها هذا الرجل يريد منها شيء وقحًا. قالت قمر بنبرة عالية وغاضبة: “والمقابل؟!!!!! كانت تضغط على حروف كلماتها بانفعال واضح.

ليقول مروان باستغراب: “اكيد مناصفة في الأرباح، اومال هيكون إيه المقابل؟! هي دي صدقة جارية؟!! ده شغل.” تمتمت قمر بتردد: –بس إيه اللي يخلي حضرتك تعمل كده؟! –الفلوس، بحب الفلوس ومين ميحبهاش.” أنهى أجابته السطحية ثم ابتسم برفقٍ:

“دي مجرد مساعدة مني وفي نفس الوقت هيكون ليا مقابل. الموضوع ده هيكون لمدة ست شهور. عرفتي تستغليهم بعد ما تكون كل الظروف متاحة ليكي هتكوني كسبتي. معرفتيش كانت مجرد فرصة وساعتها ارجعي اشتغلي تاني شغلانتك القديمة.” غمغمت قمر بتردد: –ولو موافقتش، كده مش هشتغل هنا؟! –لا مكانك موجود، خدي يومين فكري، وألف سلامة على أخوكي. عرفيه عرضي ولو وافقتي أنا هتكلم معاه بنفسي وأتفق معاه.” –الله يسلمك.” قالتها بشرود.

هذا الرجل مساعد حقًا كما أخبرها الجميع، هو محبوب بشكل كبير أكثر مما وصفوا لها. تمتم مروان بمرح وهو ينهض: “عن إذنك بقا كنتي آخر حد أقابله، علشان عندي ميعاد مع المدام ولو اتأخرت عليها هبات في الشارع.” توقف عن الحديث وهو يجد هاتفه يعلن عن اتصال من زوجته. ليغمغم بجدية: “اهو لسه كنت بقول. يلا عن إذنك.” –اتفضل.” أنهى حديثه وسار بضعة خطوات ثم أجاب على زوجته تسنيم متمتمًا: “في إيه يا تسنيم؟! جاءه صوتها على الهاتف مُنفعلًا:

“كل ده في مقابلة شغل من بدري. قولت هتكون موجود فين حضرتك؟! أجاب عليها مروان بنبرة خبيثة: “أعمل إيه؟ الكلام خدني مع قمر.” “قمر إيه يا خويا دي؟!! مروان متتفرسنيش أنتَ كبرت على الكلام ده. إحنا كلها سنة ولا اتنين وعيالنا هيتجوزوا.” تمتم مروان مداعبًا إياها: “أعمل إيه؟! واضح إن هيفضل عليا الطلب لآخر يوم في عمري. والله كنت قاعد مع قمر.” صرخت باسمه ليجد بأنه يجب أن يكف عن استفزازه: “البنت اسمها قمر والله مش قصدي وصف ليها.”

بينما على الجانب الآخر غادرت قمر المطعم وهي تلتقط هاتفها لتخبر شمس بالأمر. والتي شكت في أمر هذا الرجل. ربما هو مثل والدها وسيفعل معها ما فعله والدها مع والدتها. ولكنها لم تذكر تلك النقطة بالطبع وأخبرتها بأن تأخذ رأي شقيقها ويفعلا الصواب. ولو أن هذا الرجل صادق النية والحديث وبالفعل يرغب في مساعدتها فتلك ستكون فرصة العمر لهما وتم حل مشكلة قمر. يا ليت الشمس تجد حلًا لها أيضًا.

والدها حتى الآن لم يظهر ولم يتصل تاركًا إياهم يعيشون في التوتر. لكنها استمعت إلى نصيحة ثائر. لعله ينتظر بالفعل أن يأتي لهم بعد خطبة بشرى. لأنه لا يظن بأن النتيجة لم تظهر بعد تلك المدة. *** “شكرًا أنك نزلتي.” كان هذا شكر خاص منه بعد دخولهما إلى غرفتهما وخلوده للنوم. هو يحاول تقدير فردوس لأنها حبيبته التي يشعر بها ويشعر بوحدتها. هو يواسي شقيقته وحتى أعجب بجلوسها هي وداغر وأن اليوم مر بسلام.

لكنه ببساطة يعلم بأن عند غيابه، شريف معها، داغر معها، الجميع ربما. لكن فردوس عند غيابه ليس لها سواه. ربما هذا ما يمنحه الصبر عليها. أو ربما لأنها لا تهون على قلبه. لا يعلم. تقلب في نومته وتململ ليوجه يده صوب الكوميدينو ليلتقط هاتفه بحركة غير محسوسة. ليجد أن الساعة لم تتجاوز الثانية والنصف بعد منتصف الليل. تحرك أسفل الغطاء السميك والثقيل ليذهب في الجانب الخاص بها.

يبدو أنها تركت أحضانه أثناء نومه والتزمت النوم على طرف الفراش. ليحاوطها من الخلف شاعرًا بأنفاسها المضطربة. ليتمتم بصوت ناعس: “لسه منمتيش يا فردوس؟! –لسه مش جايلي نوم.” كلماتها طبيعية وقد اعتاد الأمر بخصوص نومها التي تحاول جاهدة تعديله. لكن ماذا عن نبرتها الخافتة جدًا والتي تظهر وكأنها تبكي!! عند هذا الهاجس انتبه قليلًا ليرفع أصابعه إلى وجنتيها ليجدها مبللة.

هنا اعتدل في الفراش وتوجه بجسده إلى الزر المتواجد بجانب الفراش والذي يضيء ضوءًا خافتًا في الغرفة. لكنه يسمح له برؤيتها. –فردوس في إيه؟! –قومي.” مسحت دموعها بسرعة بأناملها ثم استدارت عليه وهي مازالت مستلقية على ظهرها: –في إيه يا كمال؟! سألها بصوت قلق: –هو إيه اللي في إيه؟! أنتِ بتعيطي؟! أجابت فردوس عليه كاذبة: –مفيش عيني بتدمع من البرد متتخضش على الفاضي، مفيش حاجة.” لا تحسن الكذب. كما هو لا يحسن الكذب.

ربما هي صفة مشتركة بينهما. أم يشعر أحدهما بأن الآخر يكذب عليه من فرط التناغم والتسلل عبر الآخر. حبهما الذي يجعل كلاهما يشعر بالآخر بشكل خطير وكبير. عاد يسألها مرة أخرى بصوت حازم. هو لا يصدق تلك التبريرات: –فردوس في إيه؟! اعتدلت هي الأخرى لتصبح جالسة بجانبه في المستوى ذاته متمتمة بخفوت وتردد: –مفيش يا كمال عادي حسيت إني مخنوقة شوية.” تكررت كلماتها في عقلها ألف مرة في لحظتها. “مخنوقة شوية”!!!

هل تصح تلك الكلمات أن تصف ما حدث بها عند رؤية شريف، ومن بعدها حديثها مع إيمان واكتشافها فظاعة ما تريد فعله؟!! هي ليست على ما يرام أبدًا. سمعت صوته اللطيف رغم أنه يعاتبها: –ليه مصممة تحطي حاجز بيني وبينك؟! ليه مصممة يكون في حاجات جواكي مخبياها ومش عايزة تقوليها. ليه مهما بقول خلاص أحنا رجعنا زي زمان وبقينا قريبين من بعض ترجعي تحسسيني إنك بتبعدي عني تاني؟! ليه مصممة يا فردوس تخفي حاجات جواكي عني؟!!

وتخبي جزء من مشاعرك عني؟! كلماته تصيبها برعشة طفيفة في جسدها كله. وضعت رأسها على صدره ليحاوطها. لم يكن الأمر مجرد عناق حميمي أو عاطفي بينهما، أو حتى يعبر عن رغبة أو اشتياق. الغريب بأنه كان يمهد لانهيار لم يستغرق طويلًا ليطفو على السطح. أنهارت فردوس في البكاء على صدره. سمحت لنفسها. وكانت تلك من المرات القليلة جدًا التي تسمح لنفسها أمامه أن تتخلى عن عنادها وكبريائها وتبكي في أحضان حبيبها.

المرات التي فعلت بها هذا تكاد تعد على الإصبع. الأمر أوجع قلبه. ضمها إلى أحضانه أكثر وأكثر وكأنه يرغب في أن يجعلها تخترق جسده لتصبح ضلع من ضلوعه. الغريب أنها كانت تبكي بشكل مخيف دون التفوه بحرف. حرف واحد حتى أو كلمة تجعله يفهم ما بها. حسنًا هو يعلم أن بها الكثير. هل هذا الانهيار نابع من التراكمات؟! أم أن هناك شيء جديد حدث تخفيه عنه؟!! مرت ساعة تقريبًا كانت كالدهر.

وهو يستند بظهره على الفراش وهي بين أحضانه تضع رأسها على صدره وقد هدأت قليلًا منذ دقائق. قالت فردوس بنبرة قلقة وضعيفة وهي ترفع رأسها لا تناسبها. للعجب هو يحب قوتها ولكن لا يحب قسوتها وهناك فارق كبير بينهما: –آسفة.” سألها كمال بغموض: –على إيه؟! كان اعتذارها حقيقي وهي تغمغم مُفسرة: –إني بشيلك همي في الأيام دي كمان اللي أنتَ قلقان فيها أصلاً والمفروض أنا اللي أخفف عنك مش العكس.” لاح الحرج في حديثها الصادق.

بينما هو ابتسم لها وهو يداعب وجنتيها برفقٍ يذيبها ويدغدغ مشاعرها تحديدًا وهو يرافقه بنبرة الحنونة المميزة. فهو الرجل الذي جعلها تصدق بأن حنان الرجل على المرأة التي يحبها بعد الزواج وبعد تملكه منها ليست أسطورة أبدًا أو أنه شيء قد انقرض. بل مازال يحيا بيننا. –أنا موجود طول الوقت علشانك مهما كان إيه اللي بيحصل حوالينا. عندي الوقت ليكي في عز انشغالي. عرفيني بس مالك وايه اللي وصلك لكده؟! متخبيش عليا حاجة.”

يبدو أنه مازال لا يعلم بإتيان شريف. ولا تظن بأنها ترغب في الخوض والحديث في هذا الأمر لأنه ببساطة ليست هناك كلمات قد تصف الأمر الآن. ولأن الحديث في تلك النقطة سيجعلهما يتذكرا الماضي المؤلم الذي لم يتدخل هو أو هي فيه طواعية بل كان شيء إلزامي. ولا تستطيع الحديث عن أمر إيمان لأنها لا توده أن يتسبب بمشكلة، ولا تجرح رجولته. هي تعلم بأن إيمان مدام صمتت الأيام الفائتة بأن التهديد معها قد نفع.

تحديدًا بعد مكالمة طويلة بين فردوس ووالدة إيمان تخبرها ببعض القشور. مخبرة إياها بأن تفعل أي شيء قد يردع ابنتها فهي لا تريد أن تسبب المتاعب لها والتي هي على قدرة على فعلها. لكن رغبة في الحفاظ على سمعة عائلة زوجها قبل أي شيء. –صدقني مخنوقة يا كمال.” ثم حاولت أن تداعبة وتقوم بتغيير الأمر وتتمنى أن تنجح: –مش يمكن أنتَ نمت بدري وأنا كنت عايزة أك تصحى تقعد معايا.” فهم ما تحاول فعله وهو الحديث في أي شيء آخر.

ليهبط برأسه ويترك قُبلة على وجنتيها متمتمًا بجرأة وصوت خافت: –أنا مكنتش ناوي أنام بدري بس أنتِ اللي قولتيلي نام يا كمال وراك شغل الصبح وجرحتيني في مشاعري ولقيتك قفلتي الأنوار كلها وضلمتيها.” ابتسمت وحاوطت عنقه. ليترك قُبلة بالقرب من ثغرها متحدثًا بحنان. وكان هذا آخر شيء سمعته منه قبل أن يغرقها في نوبة عاطفية قد تكون مواساة محببة على قلبها بعد انهيار وجعه أضعاف ما أوجعها. لأنه عاجز على أن يمحو أي حزن بقلبها إلى الأبد.

لكنه يدرك بأن للوقت مفعوله مع حبه سيكون كل شيء بخير. –كوني معايا يا فردوس بكل حاجة فيكي.” لم يقصد الآن بل يقصد الحياة كلها. يقصد بأن تكن دومًا تحدثه دون وضع زجاج بينهما. وهي تتمنى ذلك وبشدة. ولكن الحديث في الأمور التي تخفيها عنه الآن ليس حلًا. هي لا ترغب في الحديث في الماضي مرة أخرى لأي سبب. لكنها ستحاول بأن تفصح له عن كل جوارحها فيما بعد.

ستحاول بأن تحرر كل مشاعرها ووجدانها، وأفكارها معه، دون أن تترك شيئًا لا يفهمه بها. ستبقى العلاقة بينهما غريبة. غريبة على من يرى المشهد من الخارج، أو لا يعرف التفاصيل كلها. أحدهما سيشعر بأن هناك حلقة مفقودة وأنه لا يوجد حب قد يجعل كمال ينسى ما اقترفه شقيقها باخته. ولا يوجد حب يجعل امرأة تمكث في منزل قتلة شقيقها حتى ولو لهم الحق.

ربما سيفسر أحدهما الأمر تفسيرًا عاطفيًا بحتًا كـ شمس التي كانت كل مرة تصنف الأمر بأنها قصة أسطورية وعجيبة جدًا. ربما سيظل الجميع ينسج قصصًا حول علاقة كمال وفردوس. لأن لا أحد يشعر بهما. لا أحد يعرف بأن كمال شعرت به فردوس معه وحده ولا تستطيع هجرانه رغم تهديداتها المستمرة خلال السنوات السابقة. أما هو أبحر في جنة حبها. حتى ولو ذاق مرارة جحيم عشقها في أغلب الأوقات. بكل الأحوال هناك شيء واضح وحقيقة ملموسة.

أن فردوس حب كمال. أما كمال هو وطنها الوحيد ورجلها الأول والأخير. لا تستطيع أن تكون لغيره حتى ولو كانت استطاعت تركه. *** “في اليوم التالي” “بني سويف” –شفطي يا بشرى شفطي.” قالت ملك تلك الكلمات وهي تقوم بغلق سحاب الفستان الخاص ببشرى الليلة التي تسبق الخطبة. قامت بشرى بكتم أنفاسها تقريبًا وفعلت نصائح ملك ليتم غلق السحاب أخيرًا.

فستانها لونه وردي وبه بعض التطريزات اليدوية ذات اللون الأبيض الذي يتناسب مع بشرتها بشكل جميل ورقيق جدًا. هتفت بشرى وهي تحاول أن تأخذ أنفاسها بصعوبة: –إيه يا شيخة ده هو أنا تخنت ولا إيه؟! قالت ملك بسخرية: –علشان قعدت أقولك كفايا. مش هنعرف نخرجك من الفستان وأنتِ تقولي لها ضيقي عليا بالظبط. أنتِ لو اتعشيتي الفستان ده مش هيدخل فيكي بكرا.” غمغمت بشرى بتوتر: –خلاص أنا مش هاكل تاني وأصحى الصبح كده أكون خسيت شوية.”

رمقتها ملك بدقة ثم أردفت بانبهار وحماس وهي تمسك كفي يدي صديقتها: –بعيدًا عن إنك مش عارفة تاخدي نفسك دي مش مشكلتنا بس الفستان تحفة يا بشرى تحفة بجد.” تمتمت بشرى بارتباك: –يعني بكرا هكون حلوة؟! قالت ملك بابتسامة واسعة: –غصب عنك حلوة. أنا متأكدة إن بكرا هتكوني زي القمر. هقعد أصور فيكي من أول ما نصحى لغاية ما اليوم يخلص.” قالت بشرى بتمني حقيقي: –يارب بكرا اليوم يكون حلو يارب.”

–إن شاء الله. وبعدين صحيح يا بت يا بشرى هو أبوكي ماله؟! رفعت بشرى حاجبيها قائلة بعدم فهم: –ماله يعني؟! تمتمت ملك باندهاش جعل بشرى تغرق في نوبة من الضحك: –على الغداء اداني طبق الكفتة اللي قدامه ومش متعصب عليا ولا مبين إنه مش طايقني. لا أبوكي فيه حاجة يا بشرى.” بالرغم من شعورها بأن هناك خطب ما في والدها منذ عودته، إلا أنها حاولت نفض هذا الشعور وتستمتع بمرح صديقتها ودعابتها اللطيفة. بعد مدة ما أن توقفت بشرى عن الضحك.

تمتمت بنبرة عاطفية وصادقة: –أنا بجد مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه. أنتِ أحسن حاجة حصلت في حياتي يا ملك. أنا طول عمري كنت بتمنى يكون عندي أخ أو أخت. أحمد طول عمره كبير عني في السن فرق كبير لما بدأت أكبر كان هو في مرحلة المراهقة خلاص، وهو دماغه كانت غيري وبُعاد عن بعض جدًا. شكرا لوجودك في حياتي عمومًا.” –إحنا عوض بعض.” *** “الشرقية” هي لا تعلم صحة الإجراءات التي اتخذتها من أجل ابنتها.

منعت خروجها من المنزل، وأقسمت بأنها هي التي ستخبر ابنها وزوجها كل شيء إن أظهرت أي مقاومة. سحبت منها الهاتف، الحاسوب كل شيء كانت تملكه إيمان. فعلت معها ما لم تفعله وهي مراهقة. أصبح شغل إيمان الشاغل هو الاهتمام بنظافة المنزل وترتيبه. هكذا تقضي أيامها تارة حقدها يشتعل وتارة أخرى تلعن نفسها وغبائها الذي جعلها تمر بهذا كله. في الصباح الباكر تركتها والدتها مع الكثير من المهام (التي ليست مرهقة إلى حد كبير)

فهي بالرغم مما تفعله ابنتها تراعي حالتها الصحية. وأخبرتها والدتها بإختصار قبل أن تغادر بأنها ذاهبة لشراء بعض احتياجات المنزل. لكنها بدلًا من الذهاب إلى السوق، ذهبت إلى متجر “خاص ببيع المشغولات الذهبية” متجر “الحاج أيوب” رحمه الله الذي يديره الآن ياسين صديق ابنها المقرب. توجهت إلى الداخل وألقت التحية لتسأل عن ياسين. وما أن أخبرها الشباب بأنه لم يأتِ بعد اتصلت به تخبره بأنها موجودة في المتجر.

وكان رده عليها هادئ ومؤدب بأنه يقوم بصف سيارته في الخارج بضعة دقائق وسيصبح عندها. حينما أتى استقبلها وطلب لها الشاي التي طلبته حينما سألها ماذا تشرب وألح عليها. فهي بمثابة والدة له وأم أقرب صديق له. أفصحت والدة إيمان أخيرًا عن سبب زيارتها متمتمة بـ لؤم: –أنا جيت كنت حابة أشتري سلسلة حلوة كده للبت إيمان أفرحها بعد موضوع عمليتها ده وهي نفسيتها في النازل شوية وملقتش أحسن من عندك أجي وأشوف.”

تعلم بأن ابنها لو علم ذهابها بل لو علم نيتها ليرتكب جناية. ولكنها ستجرب ما الذي سيحدث؟!!! سألها ياسين باهتمام ونبرة هادئة لا تعبر عن شيء آخر: –ألف سلامة عليها، هي أحسن دلوقتي؟! تمتمت والدة إيمان بنبرة حزينة: –اهو هنعمل إيه ده نصيبها. بس يعني بتتحسن بس أنتَ عارف النفسية والموضوع ده حساس إزاي على أي واحدة تحديدًا لو لسه متجوزتش. مع اني قولتلها عادي مفيش حاجة بعيدة عن ربنا واكيد ربنا هيرزقها بعدين مهما كان المشاكل.”

هتف ياسين بنبرة عفوية: –ربنا يعمل اللي فيه الخير ليها؛ وأهم حاجة صحتها.” قالت والدة إيمان بـ مسكنة: –يارب، البت إيمان حظها قليل. زي أخوها مش عارف مش مكتوب ليا أفرح بيهم؟! حتى صاحبك اهو اتجوز وطلق ومكلمش.” قال ياسين بنبرة رزينة: –متقوليش كده، الجواز قسمة ونصيب ورزق. ومحدش عارف الخير ليهم متشال فين.” ثم أكمل حديثه بهدوء: –تحبي تتفرجي على آخر حاجة جت لينا في السلاسل ولا تحبي تشوفي حاجات تانية خواتم مثلا أو أساور.”

–مش عارفة فرجني كده هشوف إيه اللي هيشدني الأول.” الرجال ليسوا دائمًا حمقى كما نظن. أو لا يسعفهما التركيز. هو شعر بتلميحات والدة صديقه. هو ليس بأحمق أبدًا. ولا يظن بأنها ستأتي إلى هنا وتتصل به من أجل فقط شراء هدية لإيمان. بل أنها تطرقت إلى مرضها. ليكون صادقًا هو في بضعة لحظات في حياته فكر في إيمان. في أن يتقدم لخطبتها خلال السنوات الماضية. ليس لأنه يكن لها مشاعر مختلفة أو مميزة.

لكنه كان يبحث عن امرأة مناسبة عمرًا وعلى الجانب الاجتماعي وغيره. ولأنها جارته حتى أن والدته رشحتها في فترة من الفترات. ولكنه تراجع في المقام الأول لأنه كان يخشى عدم حدوث قبولًا “لإتمام الزواج” من جهته أو منها عند الدخول في الموضوع بشكل جادي. ولأنه يخشى أن تضرر علاقته بصديقه لأي سبب من الأسباب. لذلك تراجع عن الأمر. هي ليست المرأة الوحيدة في البلدة.

وربما كان سبب من أسباب الرفض هي إيمان نفسها لم تعطيه فرصة بأن يفكر بها. هو صديق مقرب من كمال أيضًا. يعرف قصة قتل الشاب الذي تقدم لخطبتها ولم يتم الأمر. هذا ليس شيئًا يعيبها في الواقع أبدًا. لكن ما لم يجعله يشعر بالراحة هي مرافقتها لزوجة صديقه “فردوس” حينما كانت تأتي هنا أكثر من مرة لـبيع ذهبها. هذا التقارب جعله يلغي الأمر من رأسه. ولم يجعله يشعر بالراحة بأنها مجرد صداقة بينها وبين فردوس.

ربما هي مازالت متعلقة بشكل كبير في حبال الماضي. لذلك لم يجد أي مبرر للاستمرار في التفكير بها حتى لا يصيب علاقته بصديقه أي ضرر. في الحقيقة هو لم يغضب من تلميحات والدتها طوال الجلسة. والدتها تشبه والدته، تشبه أغلب النساء في عمرها التي تصبح كل رغبتها تزويج أبنائها. لذلك لم يكن شيئًا غريبًا التلميحات التي ألقتها بوجهها حتى رحيلها بعدما قامت بشراء بضعة قطع أكثر مما كانت تنوي لها ولابنتها. *** “في اليوم التالي”

–استنى أنا بدور عليها.” كانت تلك كلمات بشرى التي تفوهت بها بعدما سقطت دبلة هلال من بين يديها بعدما كانت على وشك أن تضعها في أصابعه. لا تعلم توترها إلى أي حد سوف يصيبها في يوم خطبتها. تحت ضحكات طريفة وتعليقات لطيفة من الأقارب وحتى شقيقة هلال كانت هنا أتت من السفر من أجل حضور حفل خطبة شقيقها الوحيد. حاول الجميع أن يداعب بشرى حينما شعروا بتوترها. على العكس رغم ضحكات الجميع لم يكن هناك شخص يسخر من الموقف أبدًا.

قال هلال بنبرة هادئة: –خليكي زي ما أنتِ أنا هجيبها.” تحدثت شقيقته بهدوء وصوت راقي ومبتسم: –ورا رجلك اليمين ناحية رجل الكرسي يا هلال.” انحنى هلال بنصف جسده وهو مازال جالسًا على المقعد. توجه صوب الموضع التي قالت عنه شقيقته وأتى بـ (دبلته) الفضية ثم أعطاها إياها. لتضعها في إصبعه وتتعالى زغاريط النسوة مرة أخرى. اختلطت الأصوات مع بعضها إلى درجة جعلته لا يستطيع التمييز بين والدته، والدة بشرى من أي امرأة أخرى.

لا يعلم هل تداخل أصواتهم هو السبب أم تأملها في صمت رهيب ومميت يحاول التوازن خلالها. أن يراها كما لم يراها من قبل سعيدة. سعيدة حتى ولو كانت متوترة أو مرتبكة. ربما كان سبب توترها وجود مريم وبعض الأشخاص التي يكن لهم هلال مكانة خاصة من العاملين في المكتب. بالرغم من كل هذا كان اليوم جميلًا جدًا. تحديدًا باقة الزهور التي كانت الأجمل على الإطلاق التي تجمع بين التوليب الأبيض والوردي والتي كانت تناسب فستانها بشكل كبير.

اختارها بعناية للغاية. التقط الكثير من الصور الفوتغرافية معها، بتوجيهات ملك طبعًا، ومع العائلة ومع الجميع. لم يكن اليوم من الممكن أن يمر دون وجود شريف صديق عمره. كان شريف متواجد منذ الصباح يلتقط لهم بعض الصور ليس حبًا في التصوير. هو ليس مهووسًا أبدًا بل يفعل هذا من أجل شمس حتى تحل عن رأسه. أرسل لها العديد من الصور الفوتغرافية التي قام بتصويرها لهلال وبشرى. وكانت ترسل له تعليقاتها العفوية. “ما شاء الله حلوين اوي.”

“هي ممكن يكون فيها مني ولا أنا اللي بتخيل؟! “ربنا يسعدهم يارب.” وهل تكتفي شمس بتلك التعليقات. دون وضع تعليقاتها العاطفية. “ما شاء الله الحب باين عليهم، ربنا يحميهم.” مما أغضبه هل جميع العلاقات جيدة في نظرها. أما هو السيئ. آخر شيء أرسلته له برجاء: “كمل تصوير وابعت لغاية آخر اليوم أنا قاعدة فاضية.” “عقبالك يا ثائر.” أغلق الهاتف ليلتفت إلى صوت والد بشرى “منير”. تمتم شريف بسماجة:

–ربنا يخليك، ادعيلي وعمومًا أنتَ أول المدعوين بإذن الله.” نظر له منير باستغراب ودهشة. ولما قد يذهب إلى حفل هذا الشاب الذي لا يعرف سوى بأنه صديق خطيب ابنته. قال منير على مضض: –إن شاء الله.” في نهاية اليوم كان هلال يقوم بتوديع بشرى متمتمًا بنبرة هادئة: –مبروك.” تمتمت بشرى بهدوء: –الله يبارك فيك.” هتف هلال معتذرًا:

–علشان الطريق والمسافة فأنا هروح معاهم. كان نفسي أخرجك النهاردة بما إنه يوم خطوبتنا بس ملحقتش أجهز حاجة ولأني معرفش أماكن هنا. بس أنا عرفت من والدك إنه هيسيبك ترجعي القاهرة خلاص بكرا وترجعي الشغل، فأنا هعزمك هناك بقا بمعرفتي.” ضيقت بشرى عيناها وهي تردد باستنكار وعدم فهم: –بابا قالك إني هاجي بعد يومين؟! هز هلال رأسه بهدوء: –اه قال كده.” اندهشت بشرى. لم يخبرها والدها عن شيء بل لم يتمم إجراءات السيارة.

لما قد يجعلها تسافر وتعود إلى العمل دون أن ينفذ حديثه السابق. لكنها لا شك بأنها شعرت بالسعادة رغم دهشتها. شعرت بالسعادة لأنها ستعود إلى العمل وفي الوقت نفسه تكون بالقرب من هلال. *** “اليوم التالي” دخولها اليوم المكتب كان أمرًا مهيبًا ومختلفًا وهي ترتدي الدبلة بين أصابعها. ذهبت منذ الصباح الباكر مع ملك التي لولاها لم تأتِ من فرط الخجل. تحديدًا بعد غيابها مدة طويلة.

ربما كان الأمر أهون بكثير لو كانت تأتي يوميًا أو لا تعلم صراحة. هي تحاول التفكير في أي شيء غير الحقيقة والأمر الواضح. حينما أتى هلال ألقى التحية على الجميع. لم يوجه بها شيء خاص وولج إلى مكتبه. حسنًا رغم عدم حبها الكامل للتصرف، لكنه كان أكثر شيء صحيح رحمها به من أعين الجميع. دارت محادثة بينها وبين ملك في وسط اليوم تعبر عن دهشتها من تصرف والد صديقتها السريع والغريب بعد رفضه. حتى بشرى تشعر بالاستغراب.

ولكنها على الأقل تحاول أن تحسن النية، بأنه يرغب في ألا يزعجها ويفعل ما ترغب فيه. على الرغم من شك والدتها التي تقسم والدتها بأن الأمر فيه امرأة أخرى. شك صديقتها، ووالدتها جعلها تشعر بالضيق. ربما لديهما الحق، ولكن لا ترغب في أن تظل دومًا تفكر في أن والدها هو ضدها. هذا الشعور يغضب المرء مهما بلغ من الرفاهية التي هي حلم الآخرين. بعد وقت دعاها هلال عن طريق مريم، فقامت بطرق الباب ثم ولجت حينما أعطاها الإذن.

أغلقت بشرى الباب خلفها. ليغمغم هلال بنبرة جادة بعدما نهض من مكانه بمجرد رؤيتها: –أهلاً وسهلاً، عاملة إيه؟! ضيقت عيناها وهي تجيب عليه تحاول استيعاب الوضع الجديد تحديدًا في المكتب: –الحمد لله بخير، وأنتَ؟! أجاب عليها بصدقٍ: –كنت منتظر تيجي تسأليني عامل إيه من بدري بس لما ملقتش أي رد فعل قولت أناديكي أنا.” ابتسمت رغمًا عنها. ليراقبها شاردًا بابتسامتها اللطيفة التي لم تستطع كبحها. –جيتي إزاي؟! تمتمت بشرى بهدوء:

–جيت بالقطار بالنسبالي هو أحسن حاجة من أيام الجامعة.” هتف هلال بنبرة هادئة: –افتكرت والدك اللي جابك وبعدها راجع إسكندرية.” قالت بشرى بعفوية: –لا بابا لسه في بني سويف.” شعر هلال بأن هناك شيئًا ما. ربما نتيجة التحليل قد ظهرت التي أخبره شريف عنها. هو يشعر بالقلق حيال علاقته بـ بشرى إذا انكشف الأمر. وفي الوقت نفسه يشفق عليها وعلى شعورها. يبدو أنها بدت أن تعني له أكثر مما كان يتخيل. قاطعت بشرى أفكاره بفضول:

–أنا سمعت إنك من أول الشهر مش هتمسك قضايا بنفسك ومستغربة لما سمعت الكلام ده من مريم.” هتف هلال بنبرة غريبة وهو يعقد ساعديه: –عادي ساعات في قضايا بتحتاج الواحد يركز فيها.” –قضية إيه دي اللي مهمة أوي كده؟! غمغم هلال بنبرة غامضة: –هتعرفيها لما يجي وقتها.” لاح الضيق على قسماتها. ليحاول أن يتلاشى الحديث في تلك النقطة: –يلا لمي حاجتك علشان هنمشي.” سألته بشرى بنبرة فيها شيء من الذعر: –نمشي نروح فين؟!

حاول هلال تذكيرها بما حدث: –هنروح نتغدى برا هنعوض اليوم ما أنا قولتلك يوم الخطوبة ووالدك عارف.” قالت بشرى بحماقة: –آه، بس لسه بدري. ده مش ميعادي إني أمشي.” صمتت لدقيقة تقريبًا وهو ينظر لها ينتظر أن تحاول إدراك ما قالته. ليعقب هو ببساطة شديدة: –مش لاقي حد في المكتب دلوقتي غيري. أكبر مني له سلطة إنه يقولك امشي، إلا لو تحبي نتصل المستشار نشوف هيسمح ليكي ولا لا.” كانت تنظر له ببلاهة تدرك أنه محق بعض الشيء.

قالت بشرى باعتراض طفيف: –يعني لسه بدري وبعدين أنا كنت واعدة ملك.” هتف هلال بنبرة هادئة مقاطعًا حديثها: –الحجج دي لعبتنا هنا، بلاش تشغليها عليا. تحبي أخذلك ملك والمكتب كله معانا يعني علشان نمشي؟! تمتمت بشرى وهي تدافع عن نفسها لتبدو كالحمقاء: –لا مش للدرجاتي، أنا بس حاسة إني هتكسف أمشي معاك ممكن تقولي عن المكان ونتقابل هناك أيه رأيك؟! سألته متحمسة في نهاية حديثها. ليرفع أصابع يده اليمنى التي تتواجد بها (الدبلة)

مشيرًا بأن الأمر منتهي ولن يقبل باقتراحها. في أحد المطاعم. كانت تجلس قبالته كلاهما يتناول الطعام. تناولت الطعام على ذوقه وثقت في اختياره. مخبرًا إياها بأنه مكانه المفضل وهو يعرف تقريبًا أفضل الأطباق الذي يتم تقديمها في هذا المكان. ووصلت معه إلى اختيار مناسب. بشرى ليست إنسانة صعبة أو لديها العديد من التحفظات تجاه أطعمة معينة أو وجبات لا تفضلها أو طبق معين. هي ليست من هذا النوع.

بعد تناول الطعام والأحاديث التي دارت بينهما تقريبًا كانت تلقائية وعشوائية بعض الشيء. ثم طلب هلال قهوته، وهي طلبت كوب من الشاي بالنعناع المفضل لها تحديدًا في الشتاء. تمتمت بشرى من وسط الحديث بفضول وهي تشير إلى المقعد الذي يضع فوقه الصندوق: –هو إيه الـ Box اللي أنتَ أخدته من العربية معاك ده؟! قال هلال وتصنع أنه كان نسي الأمر؛ هو كان يريد أن تعبر عن فضولها. عيناها التي تلاحق الصندوق الكرتوني منذ تركهما للسيارة:

–اه صح كنت هنسى.” ما أن انتهى من كلماته حتى مد يده ناحية المقعد ورفع الصندوق. ليس صغيرًا ولا كبيرًا بشكل مبالغ فيه. ليضعه على الطاولة متمتمًا بهدوء: –أنا جايبلك هدية بمناسبة خطوبتنا.” نظرت له باهتمام. ليسترسل حديثه وهو يعلن المبدأ الذي يسير به: –بحب لما أجيب هدية لحد؛ أشوف إيه اللي ناقصه وأجيبه ليه، أو عايزه. يمكن معرفش اهتماماتك أوي لسه بس حاولت. افتحي وشوفي.” قالت بشرى بامتنان حقيقي.

ربما هي تحصل على كل شيء تتمناه وتقوم بشرائه. لكن نادرًا ما يأتي أحد لها بـ هدية. المسمى يختلف: –بجد تعبت نفسك.” غمغم هلال برفقٍ: –مفيش تعب ولا حاجة. افتحيها وشوفيها بس يارب تعجبك.” –كفايا تفكيرك.” قالتها بصدق. ثم سحبت الصندوق ناحيتها بعدما أبعدت كوب الشاي. وكان يتحكم بها فضولها إلى حد كبير. لتفتح الغطاء لتجد مجموعة من الكتب. مدت يدها لتلتقط أول كتاب لتجد. “أصول الطهي النظري والعملي.” مؤلف: نظيرة نقولا، بهية عثمان.

قرأ دهشتها ليتحدث ببراءة لا يتصف بها: –كتاب أبلة نظيرة حسيتك محتاجاه وناقصك.” رفعت بشرى بصرها إليه مغمغة: –افندم؟! أنتَ بتهزر؟! رفع هلال حاجبيه متمتمًا بنبرة ساخرة: –لسه معندكيش الجراءة تنطقي اسمي من غير القاب بس عارفة تقوليلي أنتَ بتهزر؟! استرسل حديثه بنبرة جادة: –ماله الكتاب؟! مش حاسة إنك محتاجة تتعلمي أصول الطهي؟! أنتِ بنفسك قولتي ليا في أول قعدة إنك مش بتعرفي تعملي حاجة.” لمح الضيق على ملامحها.

ليتحدث هلال مداعبًا إياها: –الكتاب ده جبته علشان أهزر معاكي مع إني أخدته من ماما بالعافية علشانك. ده من أيام جدتي تقريبًا ده تراث عندنا هاخده وأنا مروح؛ المهم شوفي باقي الكتب. دي مجموعة من الكتب اللي أنتِ كنتي بتدوري عليها وسألتي في الجروب عليها مع إن أنا أولى بس ماشي.” ثم ختم حديثه بنبرة جادة: –علشان تعرفي تغلبيني ويكون عندك خبرة أكتر لما ابعتلك حاجة أعجزك بيها.” قالت بشرى بسعادة حقيقية:

–شكرا بجد، مش عارفة أقولك إيه. الكتب دي كنت دايخة عليهم من أيام الجامعة ومش لقياهم في أي حتة أصلًا ولا pdf.” –أي خدمة.” تمتمت بشرى بتساؤل: –هو أنتَ هتأخد كتاب أبلة نظيرة جبته علشان تهزر معايا بس؟! قال هلال بنبرة عادية: –يعني حاجة زي كده، بتسألي ليه؟! غمغمت بشرى بتوضيح: –اصلي أعرف إنه في وصفات غريبة شوية عننا دلوقتي وانه من الخمسينات تقريبًا ولا الأربعينات، فيعني…” هتف هلال ببساطة مقاطعًا الحديث:

–ممكن أديهولك بس على شرط.” سألته بشرى بحماس: –إيه هو؟! قال هلال بهدوء: –الوصفة اللي هتجربيها منه تجيبلي منها معاكي تاني يوم ده لو يعني جربتي يعني.” تمتمت بشرى بعد تفكير دام إلى لحظات: –ماشي موافقة لو جربت حاجة هجيبلك. أي أوامر تانية؟! قالت تعقيبها الأخير بتهكم. ليغمغم هلال برفقٍ: –لا بس علشان تبقي عارفة الكتاب مش كامل لأنه كبير جدًا وفيه أجزاء منه مش موجودة؛ وحافظي عليه.” تمتمت بشرى بهدوء:

–حاضر وعموما شكرا على الكتب واليوم ده.” الرد عليها طال واللحظات بينهما كانت جميلة ورائعة إلى حد كبير. كلاهما يتعرف على الآخر بشكل سليم. وفي النهاية قام بتوصيلها أسفل البناية التي تقطن بها مع ملك. وختمت بشرى الحديث قبل اختفائها وصعودها إلى البناية وهي تشكره للمرة التي لا تعرف عددها على هذا اليوم الذي شعرت به بالسعادة حقًا. كانت تحاول التقاط أنفاسها في المقعد لأنها تعلم بأن هناك استجواب من نوع خاص ينتظرها من ملك. ***

كان منير يشعر بالتوتر منذ عودته من الإسكندرية وهو لا يدري حقًا ما الذي عليه فعله. كان يرغب في الذهاب إلى القاهرة للشجار مع سوسن أو فعل أي شيء قد يرضيه. لكن لا شيء سيرضيه. الكارثة التي فعلتها لا شيء قادر على إصلاحها أبدًا. استمع إلى نصيحة والدته لم يعد يستطيع التفكير بمفرده. هي ترغب في أن تعرف نرمين قبل أن يبدأ في إجراءات تسجيل شمس باسمه. تجد أن تلك المرأة لا يجب أن تشعر بالخداع أكثر من هذا ليصارحها لعلها تتفهم الأمر.

ولأنه استمع إلى نصيحة والدته، لم يخبر سوسن أو شمس بالنتيجة. ولا يظن أن أحد يحتاجها منهما. وافق على ذهاب بشرى. لتبقى المواجهة الأولى مع نرمين وبعدها يسافر القاهرة من أجل شمس. وهناك يتحدث مع بشرى. كانت والدته تلتزم الجلوس في غرفتها معطية إياه المساحة الكافية مع زوجته. أخبرته بأن يعتذر و يكون هادئًا. بألا يغضب إذا صدر منها أي رد فعل لأن معها كل الحق. لا يجب عليه أن يكن وقحًا أكثر من هذا.

كانت نرمين في المطبخ تقوم بصنع فنجان من القهوة لنفسها. فهي تحب تدليل نفسها، وتحب أن يكن هناك وقت مخصص لها في يومها. منذ أن كانت شابة يافعة وهي تحاول أن تعطي نفسها الاهتمام الشديد جدًا. حتى قصرت في أمومتها. كانت ترغب في تعويض نفسها بأنها تستحق الحب والوقت لنفسها. والذي لم يمنحه لها زوجها هذا الشعور. أردف منير بتردد بعدما ولج إلى المطبخ: –نرمين.” أستدارت له بضيق.

يبدو بأن الفقرة الخاصة برفع ضغطها، وفقدانها سلامها النفسي قد أتت. نظرت له بشكٍ وهي تحاول التفكير لما سمح إلى بشرى بالذهاب بتلك السهولة بعدما كان رافضًا الأمر إلى أقصى درجة. تجاهلت هذا كله وأجابت عليه بنبرة خالية من التعبير: –خير يا منير؟! طرحت سؤالها بملل. يبدو أنها أتت من أجل أن تفعل له شيئًا: –أعملك قهوة معايا ولا تشرب شاي؟! رد عليها بتردد:

–لا مش عايز حاجة تسلمي، أنا بس عايز أتكلم معاكي شوية. هستناكي برا لغاية ما تخلصي.” أنهى حديثه ورحل. رحل حتى قبل أن تسأله؛ فيما يريدها. “بعد مرور بضعة دقائق” كانت نرمين تجلس بجانبه وهي تتناول قهوتها. سألته ماذا يريد منها. ولكنه امتنع عن الإجابة أو قام بتأجيلها بأن تشرب قهوتها أولا. هذا اللين والتفاهم غريب بينهما. أنهت قهوتها لتقول بنفاذ صبر: –ممكن أفهم في إيه بقا؟! تمتم منير بارتباك:

–نرمين أنا عايزك تفهميني وتفهمي اللي هقوله. أنا عارف إنه موضوع مش سهل، بس غصب عني يعني. واحنا مبقناش عيال صغيرة؛ علشان كده أنا مش حابب أخبي عليكي ولازم أصارحك.” تلك الكلمات مقلقة. مقلقة إلى حد كبير. نظرت له بذعر واضح للأعمى. لا تستطع تصنع اللامبالاة وعدم الاهتمام في تلك اللحظة. عقبت نرمين على حديثه بقلق ونفاذ صبر في الوقت نفسه: –في إيه يا منير متقلقنيش متخليش دماغي تودي وتجيب.” تمتم منير بنبرة ضعيفة وهزيلة:

–من فترة اتواصلت معايا سوسن.” رددت اسمها باستغراب: –سوسن؟! سوسن مين؟!!! تذكرتها نعم. تلك المرأة الوحيدة التي لم تحتل مكانة امرأة يتواصل معها أو يقابلها يقضي معها وقتًا كنوع من أنواع التسلية. بل المرأة الوحيدة التي تجرأت بأن يتزوجها عليها. الأمر مر عليه سنوات كثيرة؛ بل قبل حملها وولادة بشرى بعدة سنوات. ما الذي أتى بها الآن. قالت نرمين بنبرة مكتومة: –وبعدين؟! إيه رجعتلها.” كانت تتحدث بسخرية شديدة.

لا تدرك بأن يا ليت الأمر يكمن في هذا فقط لكان أهون بكثير. غمغم منير بتردد: –لا.” تمتمت نرمين بانفعال: –اومال إيه يا منير؟! ما تتكلم أنا هشحت منك الكلام.” قال منير بنبرة خافتة وهو ينظر لها بأسف: –سوسن قالتلي إننا لماطلقنا هي كانت حامل، وإن عندها بنت مني، وفي الأول مصدقتش طبعًا التخاريف دي بس هي أصرت. روحت عملت التحليل في أكتر من مكان ميعرفوش عنه حاجة، وطلعت بنتي.” نهضت نرمين من مكانها كمن لدغتها عقربة أو مسها جن.

–أنتَ بتقول إيه؟!!!! صاحت بجنون بعدما أخذت وقتها تحاول استيعاب صدمة ما سمعته.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...