الفصل 38 | من 61 فصل

رواية ديجور الهوى الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم فاطمة طه

المشاهدات
22
كلمة
10,562
وقت القراءة
53 د
التقدم في الرواية 62%
حجم الخط: 18

فتح كمال أحد الإدراج ليظهر أمامه الكثير من المقرمشات. فتح آخر ليجد الكثير من البسكويت والشوكولاتة باختلاف أنواعها. مما جعله يتحدث ساخرًا وهو ينظر إليها، إذ وجدها تقف أمام المرآة الطويلة بعد أن ارتدت ملابسها، ويبدو أنها تشعر بالحيرة من ارتداء أي قرط، رغم أنها ذاهبة إلى صالة الألعاب الرياضية وستقوم بخلعه هناك. لكنها لا تستطيع ألا تختار أكثر قرط مناسب حتى ولو لم يظهر أسفل حجابها.

"هو أنتِ ناوية تفتحي سوبر ماركت صغير في البيت ولا إيه؟ أصل دي أدراج مش لايقة تمامًا مع واحدة صدعتنا بالجيم اللي بتروحه." استدارت برأسها، وما إن كانت على وشك سؤاله عما يقصده ليشير لها ناحية الأدراج. وهنا شعرت بالارتباك الطفيف، هي لم تعتد على تدخل كمال أو مشاركته الغرفة بكل تفاصيلها، ولم تعتد على الأسئلة من هذا النوع. فعقبت بجدية:

"دي حاجات لريم وفهد وعيال أم شيماء لما بيكونوا هنا، لآني مش فاضية كل شوية أروح السوبر ماركت أو مش بنزل كل يوم، فسيبهم هنا احتياطي ولما بنزل أقعد معاهم بديهم."

تفهم ما تقوله ويروق له. يروق له اهتمامها بالأطفال على الرغم من قلقه الكبير باقترابها في بعض الأحيان من فهد. الآن أدرك لماذا كان لفهد مكانة مميزة لديها لأنها تهتم بأمره هو وريم. كانت علاقتها بهما أنقى شيء تفعله. شيء يحزنه إن لم تحدث تلك الأحداث. ربما كان أطفالها الآن في عمر فهد وريم. تنهد تنهيدة منزعجة. فأرتدى الشراب وبعدها لحقه بحذائه، فهو يستعد للذهاب إلى العمل. فتحدث بصوت ساخر:

"صحيح نسيت أسأل السؤال المهم، رايحة فين على الصبح كده؟ عقبت فردوس بهدوء لا يليق بامرأة كتلة من نار مثلها: "رايحة الجيم وأنتَ هتوصلني في طريقك، هكون رايحة فين يعني؟ تذكر هذا الأمر. ليجدها تخبره بنبرة جادة: "وبعدها هروح بيتي." كرر كلماتها باستنكار: "بيتك؟! قالت فردوس بتفسير بسيط: "بيت أهلي وحابة إني كل كام يوم أروح أقعد فيه شوية لو مكنش يضايقك." هل هي ترغب في الذهاب إلى منزل عائلتها لتقضي به وقتًا بمفردها؟

هل هذا شيء طبيعي؟ لا يعتقد ذلك، ولكنه تحدث بنبرة غامضة: "ماشي، أهم حاجة متتأخريش. ممكن أبقى أعدي عليكي وأنا مروح لو فضلتِ هناك." سألته فردوس بفظاظة وتخلت عن قناع الهدوء: "ليه مش وراك حاجة تعملها، إنك تروح لمراتك الثانية مثلا؟ قال كمال بنبرة بسيطة متجاهلاً أياها: "لا."

فلتذهب لتجلس أنتَ معها في بيت أهلها. هكذا تود إخباره، وكأنها عادت الآن بتذكير نفسها بأنه هناك امرأة أخرى في الأمر غير أفكارها المتضاربة. وما أن رأى كمال نظراتها، كان يرغب في إخبارها برغبة داليا في الانفصال عنه، ولكنه تراجع. لأنه يعلم بأن داليا ما زالت تفكر كما أخبره والدها، لذلك ليس عليه أن يخبرها شيئًا وتقوم بالتأقلم عليه، ربما ثم تجد أن الأمر كما هو. تمتمت فردوس بنبرة منزعجة بعد أن حملت حقيبتها وكأن

كل شيء جاهز من وجهة نظرها: "مش يلا نمشي؟ أشار كمال على هيئتها التي على ما يبدو أنها لا تلاحظها وكأنها في عالم آخر في عقلها: "لو لبستي طرحتك ولميتي هكون مشكور عشان نمشي." *** "يعني هو الموضوع حساس شوية، بس حسيت إنه لازم نتكلم فيه عشان…" قاطعه شريف الحديث مخترقًا أذن هلال: "من غير مقدمات هلال الكتيرة، هلال جاي يطلب إيد بنت حضرتك، الآنسة بشرى."

بعد تلك الكلمات التي خرجت من فم شريف، كان هناك بضعة أسئلة جاءت في عقل هلال. وهو عن أي هلال يتحدث شريف؟ عن أي بشرى يتكلم؟ هل ما سمعه كان صحيحًا؟ ما الشيء الذي نطق به صديقه؟ هل أصبح يهلوس؟ يتمنى أن يكون هذا من وحي خياله. إلا أن شريف مشكورًا قام بتأكيد الحديث وهو يقول تحت صدمة منير نفسه:

"الحقيقة هلال من فترة أعجب ببشرى ولاحظ الفترة اللي فاتت إن في شاب بيوصلها المكتب والموضوع ضايقه، فهو كأي راجل محترم أعجب ببنت وعايز يتقدم ليها. قرر إنه يجي يفهم صحة الموضوع. مش كده يا هلال؟ قال شريف كلماته الأخيرة وهو ينظر له بسماجة وبراءة لا تناسبه، ليتحدث هلال رغمًا عنه وهو يجد نظرات الرجل غريبة لهما: "آه." تمتم شريف بهدوء: "الآنسة بشرى مخطوبة؟ "لا، بشرى مش مخطوبة."

كاد منير أن يغضب ويؤكد صحة الوضع ويخبرهن بأنها على وشك الخطبة، ولكن كانت تلك الإجابة خرجت من فم نرمين التي جاءت واستمعت إلى حديثهما منذ مدة وجلست على أحد المقاعد متحدثة وهي تفسر الأمر بقوة وصلابة. "الشخص اللي وصل بشرى عند مكتبها هو قريب والدها وطلب إيدها لكن هي موافقتش، وهو وصلها الشغل بناءً على أمر والدها، وإحنا كنا عارفين بدل ما تسافر لوحدها. بنتي محترمة وعارفة حدودها."

نظر لها منير بغضب كبير. هي تقوم بتصغيره بالفعل. تمتم هلال بحرج كبير حقًا: "هو أنا اللي هصاب بجلطة الآن. إحنا جينا من غير ميعاد وده كان غلط مننا، وده كان سوء تفاهم. فإحنا عايزين…" هتف شريف بحماس وكأنه هو الذي يقوم بالخطبة، مقاطعًا حديث صديقه: "ناخد ميعاد مناسب ليكم نيجي مع والد هلال ووالدته." أردف هلال بنبرة عملية: "مناسب يوم الخميس؟ نظرت نرمين إلى زوجها الذي قال بنبرة صارمة:

"أستاذ هلال، صراحة أنا مازلت مش مستوعب اللي بسمعه. وزي ما قالت أم أحمد، في عريس متقدم بالفعل لبشرى." تحدث هلال بنبرة مقتضبة بعض الشيء: "بس المدام قالت برضو إنها مش موافقة." نظر منير إلى زوجته في عتاب ثم غمغم بصرامة: "بشرى المفروض إنها لسه بتفكر. والدتها قصدها على المرة اللي فاتت لأن جمال اتقدم ليها قبل كده وكانت هي لسه صغيرة ورفضت الموضوع. وأنا مقدرش قبل طلب حضرتك. مدام، في شاب طلب إيديها وهي لسه بتفكر."

ولم تستطع نرمين أن تضيف كلمة على حديث زوجها الذي رمقها بنظرات محذرة. فيكفي تهورها ودخولها في الحديث بين الرجال. غمغم هلال بثبات زائف وفظاظة، ثقة لا تدري من أين أتت له على الرغم من أنه غاضب من صديقه وغاضب من ذلك الرجل: "خلاص، ممكن رقم حضرتك. بحيث لما ترفض بشرى العريس اللي حضرتك بتتكلم عنه، أجيب والدي ووالدتي وأجي." بهدوء شديد كان شريف يعقب على حديث صديقه: "بالظبط، ده الكلام السليم." *** "بني سويف"

بعد ربع ساعة تقريبًا. مجرد أن غادرا البوابة. وما أن لمح شريف الشياطين التي تتراقص في عين هلال، فأردف شريف بمنطقية: "أعتقد مش أصح قرار إنك تفكر في أي رد فعل هنا قدام بيتهم. لما نروح محافظتنا نتكلم." غمغم هلال وهو يكز على أسنانه: "ممكن أفهم إيه اللي عملته فوق ده؟ أردف شريف ببراءة وتلقائية:

"ما أنا لما كنت بلبي نداء الطبيعة، سمعت أصوات وكده وعرفت إن بشرى اللي عليها العين ومضايقاك ومخلية روحك في مناخيرك على غير العادة. اتخانقت مع أهلها عشان الراجل ده كل شوية بيروح ليها. وبعدين مكنش أصح وقت أقوله حوار شمس. دلوقت انت عايزنا نتسبب في موت الراجل مجلوط قبل ما يعرف الحقيقة؟ ابتلع ريقه ثم قال بهدوء: "فأنا حبيت أنقذ الموقف وأنقذك من العزوبية اللي طولت دي. أنا اتجوزت ثلاثة وأنت لسه بتفكر." أنهى حديثه متسائلاً

بجدية: "لو فيك أي حاجة مخلياك لغاية دلوقتي مش عايز تاخد الخطوة دي، صارحني ومتقلقنيش عليك. أنا شاكك فيك، ثم إن الطب اتقدم ومبقاش فيه حاجة ليها حل مهما كان مفقود فيك الأمل قادر نلاقيلك الحل." قاطعه هلال بنبرة هادئة ولكنها كانت هدوء ما يسبق العاصفة: "ماشي. إحنا هنشوف حوار الطب ده كمان شوية. يلا نمشي من هنا." *** "ينفع اللي هببتيه ده؟ بتدخلي وسط الرجالة وهي بتتكلم؟ وتصغريني." قال منير تلك الكلمات بجنون. مما جعل

نرمين تتحدث بعدم اكتراث: "أنا معملتش حاجة غلط، أنا وضحت الوضع. وبعدين بشرى هي اللي هتحكم ويمكن هي مايلة ليه أكتر من جمال اللي هي مش طايقاه ده." صاح منير مستنكرًا ما يسمعه: "اخرسي، متنرفزنيش." تمتمت زينب التي جاءت على أصواتهم المرتفعة: "إهدى يا ابني، صحتك في إيه بس؟ *** "عاملة إيه؟ "الحمد لله بخير." "صحتك أفضل دلوقتي؟ بتاخدي الأدوية اللي الدكتور قالك عليها؟ "آه."

بضعة أسئلة تقليدية يسأل بها كمال عن أحوالها، بعد أن هاتفه والدها ليلة أمس يخبره بأن يتركها في بيته قليلًا. إن كانت مصممة على رأيها فلينفصلا بإحسان ومعروفٍ، وإن كانت فقط تشكو من الضغط النفسي ومن صدمة وفاة والدتها ستعود عن قرارها. لذلك أخبره ألا يحدثها في الأمر، ولا يأتي لزيارتها، يجعلها تفكر بهدوء. بالفعل استمع كمال لنصيحته ولكنه يجد أنه من الواجب الاطمئنان عليها، ولأنها في فترة حرجة وحتى لا تظن أنه يرغب في التخلي عنها. حسنًا، ليس بينهما قصة حب، أو مشاعر ملتهبة، ولكنها زوجته وامرأة أحسنت عشرته وبينهما أيام قليلة، ولكنها تكفي أن يقدرها ويحترمها، تحديدًا وهي تمر بهذا الظرف.

بعد أن انتهت المكالمة الروتينية، أخذت تخرج ملابس سوداء لها من الخزانة قد تصلح أن ترتديها لتقابل زملاءها في العمل. لم تكن تحب اللون الأسود أبدًا، ولكنها الآن بعد أن ارتدت هذه التنورة، والكنزة السوداء والحجاب المتواجد بين يديها، تجده ملائمًا لها. ربما لأن روحها وقلبها الآن باللون ذاته. ولجت جهاد إلى الغرفة بعد عدة طرقات قامت بها وأذنت لها داليا بالدخول. "زمايلك جم وقاعدين برا."

هتفت داليا بنبرة عفوية وهي تتسائل لعلها تعلم هل تضع حجابها على رأسها أم لا: "حد جه مع البنات؟ هزت جهاد رأسها نافية وهي تغمغم: "لا، هما ثلاث بنات بس." تركت داليا الحجاب على الفراش، فأردفت جهاد بنبرة مترددة: "داليا، مش عايزكي تزعلي من عزت. أنتِ أكتر حد عارفة وقت عصبيته بيهب في أي حد إزاي، وهو معندوش أغلى منك." عقبت داليا بنبرة هزيلة: "أنا عمري ما أزعل من عزت يا جهاد. أهم حاجة خلي بالك أنتِ منه."

"حاضر، وياريت متكونيش لسه زعلانة مني." ابتسمت داليا قائلة بنبرة متهكمة من حالها: "أعتقد بعد ماما أي خلاف بسيط ملهوش لازمة. حصل خير يا جهاد، متقعديش تفكري كتير. وبعدين إحنا أخوات وساعات بنغلط في حق بعض من غير ما نقصد، وأنا عارفة إنك كنتي عايزة ليا الخير." *** "في الخارج"

خرجت داليا برفقة جهاد يستقبلان زميلاتها في عملها السابق التي تخلت عنه في سبيل المكوث طوال الوقت بجوار والدتها، كما تخلت عن كل شيء في حياتها. كانت نورا الوحيدة التي علاقتها بها كانت أقرب للصداقة من الزمالة، ولكنها مع تركها للعمل تأثرت قليلاً. كلاهما انشغل في حياته وانشغلت هي في بيتها وعائلتها الصغيرة.

كان برفقة نورا، عائشة ومروة، وكانت تجمع داليا بهما علاقة طيبة ولكنها لم تكن في متانة علاقتها بنورا، ولكنها ممتنة لآتيانهم لقيام واجب العزاء. واستقبلت مواساتهم وكلماتهم الروتينية في تلك المواقف، ثم أخذ يتحدثا في كثير من الأمور حتى يخففا عنها، حتى تبرعت مروة بالحديث تعتذر نيابة عن زملائها:

"محمد كان هيجي معانا بس أبوه تعب فجأة ومجاش الشغل النهارده. لا هو ولا زينة مراته هيبقوا يجوا يوم تاني. ووائل مرضيش يجي ويكون هو الراجل الوحيد معانا لما عرف إن خالد مش جاي، لأن خالد لما عرف موضوع إجهاضك وجوازك قال إن ممكن تكوني تعبانة وفي وضع ميسمحش إنه يجي. بس الأكيد إنه زعل."

لكزتها نورا بخفة ورمقتها بنظرات لائمة. تلك المصيبة، مروة لن تكف أبدًا عن قول الكلمات في أي وضع، حتى ولو كان غير مناسب. لا تستطيع التحكم في لسانها. هل حقًا كان يجب ذكر خالد وحزنه الذي استشعره الجميع دون أن يعبر عنه صراحة؟ حاولت عائشة تصليح كلمات زميلتها ولا تدري هل فعلت أم أنها قامت بتزويد الوضع سوءًا: "يعني هي قصدها إن هو زعل وكلنا زعلنا لأننا مكناش نعرف بجوازك." عقبت جهاد مخففة حرج داليا الواضح:

"الموضوع حصل بسرعة وكل حاجة جت بسرعة يعني النصيب، وكان يعتبر كتب كتاب والموضوع كان عائلي." أردفت نورا بابتسامة باهتة: "آه ما أنا قولت ليهم كده برضو. ربنا يعوض عليكي يا داليا ويصبرك. وبعدين يعني أول حمل بيكون عمومًا عند أغلب الناس مش ثابت. بكرا تشدي حيلك وتجيبي بدل العيل عشرة." ابتسمت لها داليا ابتسامة باهتة، لتحاول مروة الحديث مرة أخرى متذكرة عرض خالد:

"صحيح خالد وصانا إننا نقولك لو حابة ترجعي الشغل تاني مكانك موجود. إحنا عارفين إنك سبتي الشغل عشان والدتك وهو قال نبلغك إن مكانك على طول موجود وهو مستنيكي في أي وقت." حقًا، هناك طرق ألطف كثيرًا من ذكر خالد. وهذا ما جعل نورا على وشك أن تنهض وتصفع مروة التي لا تتحكم بلسانها مطلقًا. تحدثت نورا برفق: "يعني قصدنا تكوني معانا وتقضي أغلب يومك معانا. الشغل بينسي الحزن وبيشغل الدماغ شوية." هتفت داليا بنبرة رزينة وهادئة:

"شكرًا ليكم على عرضكم ده، واكيد أنا نفسي أرجع الشغل تاني بس ده مش وقته. أنا لسه بحاول أتقبل اللي حصل. ولو اكيد حبيت في يوم أرجع هكلمكم. لكن دلوقتي أنا مليش نفس لأي حاجة." ثم نظرت على فناجين القهوة الموضوعة كما هي لتتحدث: "عارفة إنكم ملكوش في القهوة، هقوم أعمل ليكم شاي." تحدثت عائشة بحرج: "ملهوش لازم تتعبي نفسك، إحنا أساسًا طولنا." وافقتها نورا الأمر عليهما الفرار قبل أن تقوم مروة بقول المزيد والمزيد. ***

"في القاهرة…" في إحدى المناطق الشعبية استوقف هلال سيارته بعد صمت دام بين الاثنين طوال الطريق، حتى أتى هلال إلى هذا الحي. يريد هلال إعطاء نفسه جائزة نوبل من أجل صبره أنه لم يتحدث ولم يقتله طوال الطريق. هتف شريف متخليًا عن صمته قائلاً بهدوء: "أنتَ جايبنا هنا ليه؟ عقب هلال بصوت ثابت:

"فاكر لما قولتلك بطاقتك تخليك تدخل أي مكان وأنتَ مش قلقان من حاجة، وإنها تعديك وسط الأسود ولا فيها أي مشكلة، وفاكر لما قولتلك لو عايز أسفرك هسفرك." هز شريف رأسه ببطء. ليتحدث هلال بهدوء وهو يخلع ساعته: "انزل بقا عشان نشوف فعاليتها النهارده. إحنا في مكان لا أنتَ تعرفه ولا أنا لغاية ما يبان لينا صاحب." أتى وقت العقاب. فهبط شريف باستسلام وبعده هبط هلال الذي خلع سترته وتركها في السيارة قبل أن يغلقها.

تمتم شريف بهدوء شديد وتقبل وهو يقف أمام السيارة: "أنا موافق على أي حاجة، بس المهم إن الموضوع لا يؤثر على جوازتي الرابعة." قال هلال بنبرة جادة وهو يعقد حاجبيه مكررًا كلماته: "ليه ده؟ حتى الطب اتقدم عن الأول ومهما اللي هيحصلك هنعرف نعالجك بعدها. لما نشوف الطب هيعمل فيك إيه بعد اللي هعمله فيك أنا." بعد تلك الكلمات، لكمة هلال بقوة متخليًا عن الرجل المتحضر الذي يعرفه، فهو جعله كطفل صغير أمام عائلتها فقط يردد ما يقوله.

تمتم شريف بنبرة مرحة لا يعلم من أين حصل عليها: "نولت شرف تاني واحد بعد داغر أسيبه يضربني من غير ما أرد الضربة، عشان تعرف غلاوتك عندي." لكمة أخرى تلقاها من هلال بهدوء شديد وتقبل كبير. ما ينقصه حقًا أن يشعل سيجارته ويستمتع بالثورة المقامة في صديقه. لا يدري ما الذي اقترفه سوى أنه أخذ خطوة من أجل الفتاة الذي يبدو أنها أشغلت عقله كما لم يحدث من قبل.

تجمع الناس حولهما وأخذ بعض الرجال يقفون بينهم وتعالت أصوات النسوة. بينما قال رجل مندهشًا من فارق الجسد، شريف يبدو قوي البنيان رجل صلب ولم يحاول الدفاع عن نفسه من بداية الشجار الذي شاهده الناس: "استهدوا بالله." لم تمر ثوانٍ حتى قال هلال الذي يكبح جماح رجال لا يعرفهم ويبعدوه عن شريف: "والله ما هسيبه." تحدث شريف بنبرة هادئة وهو يقف بجانب أحد الرجال بعد أن أشعل سيجارته بالفعل ببرود كبير:

"يا جدعان سيبوه، أنتم ماسكينه كده ليه؟ ما تخلوه يطلع اللي جواه." تمتم أحد الشباب بعدم فهم: "هو أنتَ مبسوط إنك بتضرب؟ ده وشك بقى شبه البلايتشو من كتر الضرب وأنتَ عايزنا نسيبه؟ أردف شريف بثبات: "معلش، سيبوه. هو خلاص خرج اللي جواه وأنا مسامحه. إحنا عشرة عمر برضو واللي عملته مش قليل. خلاص يا هلال صافيين ولا نروح القسم يا متر؟ قال هلال بتوعد لن ينساه مطلقًا:

"صافيين يا شريف، صافيين أوي. بس اتأكد إن والله لو بعد شهر أو بعد سنة أو بعد عشرين سنة، أنا اليوم ده هفكرك بيه." ابتعد شريف وتوجه ناحية الرجال يبعدهم عن هلال متمتمًا: "خلاص يا رجالة، حصل خير. إحنا ماشيين. واللي داخل ما بينا خارج." نظر الناس لهم بتعجب، تحديدًا بعد صمت هلال وسكونه، مما جعل أحد الرجال المسنين يهتف:

"ادي آخرة اللي بيبلعوه الشباب الأيام دي. حسبي الله ونعم الوكيل في اللي خربها ودخل الحاجات دي. الشباب مخها لسع." تحدث هلال بنبرة منزعجة، يتنفس بصعوبة بسبب المجهود الذي بذله والثورة المتواجدة بداخله وهو يوجه حديثه إلى شريف: "من هنا بقا ارجع بيتك لوحدك ويستحسن مشوفكش تاني." ببرود سأله شريف: "لغاية إمتى؟ "بقية عمرك." ***

بعد صالة الألعاب الرياضية توجهت فردوس إلى منزل عائلتها، نحو غرفة شقيقها. أخذت تبحث في حقائب السفر عن أي شيء ملحوظ أو قد يلفت نظرها. لم تجد. لذلك أخذت الحاسوب من حقيبته ووضعته في حقيبة الظهر الخاصة بها ليكون أخف وغير ملفت للانظار، وهبطت مغادرة المنزل. لم تجلس طويلًا، فلم تكن لديها الرغبة في البكاء أو استعادة الذكريات، بينما عقلها مشوش إلى أقصى درجة. عقلها المشوش الذي جعلها في عز لحظاتها الرائعة معه والأولى أن توقف كل شيء بسبب بكائها على صدره. لم تكن بتلك الهشاشة من قبل. لو كانت تصرفت بطريقة فظة أو أي رد فعل غبي لكانت وقتها اقتنعت بأن الأمر ليس مخجلًا كما هو أمر بكائها.

بكت طويلًا كطفلة تائهة. وكان هو حنون، حنون بشكل كبير. لكن عقلها لم يستسلم طويلًا، هو يقضي عليها بالفعل. الأمل كله في الحاسوب، الحاسوب. لو كان فارغًا أو ليس به شيء، لن يكن أمامها سوى أن تقوم بالحديث مع كمال أو الموت. لتتخلص من هذا كله. باتت تفكر بشكل مضطرب، شكل يخفيها بجنون. لم تفكر به وقت الحادث نفسه.

أنهت هذا الهراء كله وغادرت المنزل متوجهة إلى أحد المتاجر الخاصة بتصليح الهواتف والحاسوب وغيرهم. دلتها عليه إحدى صديقاتها الجدد في صالة الألعاب الرياضية التي أخبرتها بأن زوجها كان يعاني من مشكلة تشبه مشكلتها. وقام الرجل الذي يعمل هناك بالتصرف في الأمر. ولجت فردوس إلى المتجر بخطوات ثابتة ليقابلها شاب في التاسعة عشر من عمره تقريبًا. "أهلاً بحضرتك، أقدر أساعدك إزاي؟ وقفت فردوس قائلة بنبرة هادئة: "حضرتك مصطفى؟

هز الصبي رأسه نافيًا وهو يجيب عليها بتهذيب: "لا، أنا شغال هنا. هو بيجي بالليل ويوم الخميس والجمعة بس. أقدر أساعد حضرتك إزاي؟ قالت فردوس بنبرة عملية: "عندي لاب توب بقاله سنين مقفول وأنا فتحته." سألها الشاب بهدوء: "وبعدين؟ عقبت فردوس بنبرة مفسرة: "كان بباسورد وأنا معرفهوش، فأنا عايزة أفتحه بس كل حاجة تكون عليه زي ما هي مفيش حاجة من عليه تتمسح." قال الشاب بهدوء وعفوية: "متعرفهوش إزاي؟ غمغمت فردوس باندفاع شديد:

"أعتقد مش مشكلتك، هتعرف تعملي اللي أنا عاوزاه ولا لأ؟ ضحك الشاب رغمًا عنه ليغمغم برزانة: "حضرتك أنا مجرد بسلم وبستلم مش بصلح حاجة ولا بعمل حاجة." شعرت فردوس بحماقتها فحاولت الدفاع عن نفسها متمتمة: "معلش، اللاب توب ده بتاع أخويا هو…" حتى الكلمة تصعب عليها نطقها وكأنها ما زالت لا تتقبلها. هي تتقبل حقيقة أن شقيقها مقتول وليس متوفيًا. هناك فارق كبير في المصطلحات. أسترسلت فردوس حديثها بهدوء ولا تعلم لماذا عليها

أن تفسر الأمر لشخص غريب: "هو اتوفى من سنين طويلة واللاب توب ده ذكرى منه. مفكرتش أفتحه من بدري بسبب ظروف كتير، واكيد عليه صور وحاجات تخصه أقدر أحتفظ بيها." شعر بالصدق في نبرتها فغمغم بهدوء: "خلاص حضرتك سيبيه ويوم السبت تعالي خديه، واكيد مصطفى هيحل الموضوع." رفعت فردوس إحدى حاجبيها مترددة كلمته باستنكار: "أسيبه؟

"أيوة، اكيد حضرتك مكنتيش متوقعة إن الموضوع يتعمل في ساعتها. ومش عشان الموضوع صعب بس الفكرة إن مش أنا اللي بعمل كده، إحنا بنجمع كل حاجة ومصطفى بيخلصها في يوم الخميس والجمعة وبنسلم في السبت والأحد." قالت فردوس برفض قاطع: "أنا مش هينفع أسيبه." ما تلك المرأة المجنونة التي ولجت إلى متجرهم؟ ماذا يفعل لها؟ لولا هيئتها لظن بأنها قامت بسرقته حقًا، ولكنه لا يظن هذا. غمغم الشاب بهدوء:

"براحتك، تقدري تروحي مكان تاني. ده النظام هنا. بس سؤال يعني إيه المشكلة لما تسيبيه؟ في موبايلات ولابتوبات قد كده هنا، مشوفتش حد خايف يسلم حاجته للصيانة." كان حقًا يشعر بغرابتها. ولكن، لا يعلم ما تمر به. هي ليس لديها الثقة الكاملة لتركه، هي لا تعلم ما يتواجد به من الأساس، وشيء ما يدفعها لعدم تركه. فقالت بهدوء:

"قولي مصطفى ده بيكون هنا امتى والساعة كام وأنا هاجي وأنا مستعدة أدفع أي مبلغ المهم يتفتح قصاد عيني ومأسيبهوش." توجه الشاب إلى المكتب وأعطاها كارت خاص بالمتجر متمتمًا بنبرة عملية: "ده رقمنا، اتصلي بيا بكرة هكون بلغت مصطفى ولو رضي هعرفك تجيله امته. اسم حضرتك إيه؟ قالت فردوس بثبات: "فردوس." ثم صححت لقبها بنبرة رسمية تعلم مرارتها: "مدام فردوس علي." *** أمل حياتي يا حب غالي ما ينتهيش

يا أحلى غنوة، غنوة سمعها قلبي ولا تتنسيش أمل حياتي يا حب غالي ما ينتهيش يا أحلى غنوة، غنوة سمعها قلبي ولا تتنسيش خذ عمري كله بس النهار ده، بس النهار ده بس النهار ده خليني أعيش، خليني أعيش خليني جنبك خليني في حضن قلبك خليني خليني جنبك خليني في حضن قلبك خليني وسيبني أحلم سيبني، وسيبني أحلم سيبني وسيبني أحلم سيبني، وسيبني أحلم سيبني يا ريت زماني، يا ريت زماني، يا ريت زماني ما يصحينيش، ما يصحينيش، ما يصحينيش

يا ريت، يا ريت ما يصحينيش… على أنغام أم كلثوم… كان عادل يجلس في المنزل برفقة "شريف" أو ثائر كما تعلم والدة هلال "ثريا". بين يديه طبق موضوع به بعض أصابع (محشي ورق العنب) الملفوفة بعناية واحترافية، ووضعتها ثريا ليقوم ثائر بتذوقها ليخبرها ما إن تم نضجها أم لا؟ ولج هلال إلى المنزل بتوتر وارتباك لا يدري كيف قضى الساعات الماضية، فجاءه اتصال من والدته تخبره بأن يأتي ليتناول الطعام معهما. كان لا يعلم هل يخبرهما بالأمر أم لا؟

هو حقًا بفضل صديقه أصبح الرجل الثلاثيني الذي يقوم بمراقبة فتاة تعمل في مكتبه ويرى من يقوم بتوصيلها، بل يأتي ويتقدم لخطبتها وهي بالفعل لديها رجل آخر. كلا كلمة سيئة. عرض آخر. كلمة أخرى تزعجه. لا يدري كيف يصف هذا الرجل الآخر أي وصف يكون مزعجًا له.

ترك مفتاح سيارته وميدالية مفاتيحه على الطاولة المتواجدة بجانب الباب، فهو معتاد على الولوج بمفتاحه دون أن يقرع الجرس. وما أن سار بضعة خطوات حتى وجد شريف يجلس بجانب والده، كلاهما يدندن كلمات الأغنية باستمتاع، وشريف ممسك بطبق ورق العنب. "أنتَ بتعمل إيه هنا؟ رفع شريف بصره له ووجهه لوحة فنية قام هلال بصنعها. تمتم شريف بنبرة هادئة: "أمك." كاد هلال أن يتهور حقًا في الرد عليه ليسترسل شريف حديثه بهدوء شديد:

"أمك قالت لي إنها عاملة ليا ورق عنب وطاجن ورق عنب بالكوارع، وشاوية كفتة وعاملة بطاطس محشية باللحمة المفرومة، وأنا مقدرتش أقوم فروحت جاي." جاءت ثريا من المطبخ بعد أن تركت المرأة التي تساعدها في المنزل: "أنتَ جيت يا حبيبي." ما أن أنهت حديثها حتى انحنى هلال ووضع قبلة على وجنتي والدته على الرغم من أن نظراته على وشك أن تحرق شريف حيًا. ما أن ابتعد عن والدته حتى قالت بعتاب: "يعني كده صاحبك يعمل حادثة ومتقولش لينا؟

نروح نزوره؟ قال شريف بسماجة: "معلش يا طنط، مهوا مرضيش يزعجكم وبعدين أنا كويس أهو قدامك." عقبت ثريا بسخرية: "كويس إيه يا ابني؟ أنتَ معندكش مرايا في بيتكم؟ ده أنتَ متشلفط خالص." أردف شريف بنبرة درامية من الدرجة الأولى: "أعمل إيه بقا منه لله اللي كان السبب." جحظت عيني هلال ليتحدث شريف بنبرة مهذبة: "سواق التريلا." تمتمت ثريا بهدوء وكأنها تتحدث مع طفلها الصغير الذي عاد من المدرسة لتوه:

"سلامتك يا ابني، خش يا هلال اغسل إيدك واقعدوا على السفرة، إحنا خلاص هنحط الأكل." ما أن ذهبت ثريا حتى تحدث عادل غير مقتنعًا بتلك الرواية: "عملت إيه تاني يا شريف المرة دي؟ واضح إنك عامل مصيبة، دي آثار ضرب مش آثار حادثة." ضحك شريف ثم قال: "بحب حسك القانوني يا سيادة المستشار. دي حقيقة فعلا أنا مضروب، بس والله المرة دي مش عامل مصيبة، أنا عملت خير معرفش ليه قلبت بكده." ابتسم عادل متحدثًا بتهكم:

"من غير ما تقول باين على وشك إنه خير، وخير أوي." *** "بعد مرور نصف ساعة" كانوا يجلسون وبيد كل واحد منهم مشروبه، وتحدث شريف بابتسامة لامعة لم ترافقه منذ وقت طويل: "تسلم إيدك والله، بقالي كتير ما أكلتش طاجن ورق عنب بالكوارع بالحلاوة دي." قالت ثريا بنبرة حنونة: "الله يسلمك بالهنا." ثم سألته بنبرة خائفة وقلقة، فهي تهتم به، تحديدًا لأنه يمكث بعيدًا عن عائلته ولا يذهب لهم إلا في الزيارات حسب علمها: "وشك بيوجعك؟

تحدث شريف مستفزًا هلال: "يعني مش أوي. ياما حصلي حاجات أكتر من كده، أصل ده إيده خفيفة." عقبت ثريا باستغراب: "هو مين؟ أردف شريف بابتسامة وقحة: "سواق التريلا." ضحكت ثريا رغمًا عنها، ثم أتت المرأة التي تساعدها في المنزل لتخبرها بأن هاتفها لا يتوقف عن الرنين، فقالت ثريا بهدوء وهي تنظر إلى عادل: "هقوم، شكلها بنتك. مجرد ما بس مردش عليها عشان بعمل أي حاجة تقلبها مناحة." هز عادل رأسه بتفهم ثم رحلت ثريا، لينهض عادل قائلاً

بنبرة صارمة: "يلا بينا على المكتب." وها يقف الاثنان مذنبين أمامه. لسبب لا يعرفه، ولكنه يدرك شريف، ويدرك جيدًا ابنه الصامت والذي على ما يبدو هناك شيء كبير بينهما. السبب الذي أتى في عقله أنه ربما شريف أقحم نفسه في مصيبة جديدة وهي من أغضبت هلال الرزين والعاقل. لذلك تحدث عادل بهدوء: "ممكن أفهم مالكم؟ تحدث شريف بنبرة هادئة جدًا: "أنا معملتش أي حاجة، كل حاجة تمام المرة دي أنا بريء." تمتم عادل بسخرية شديدة:

"أنتَ استحالة تكون معملتش حاجة ووش صاحبك كده." ثم أشار إلى وجهه قائلاً بتهكم: "ولا وش حضرتك اللي ملعوب فيه البخت." أردف شريف بجدية: "والله لو تعرف أنا عملت إيه يا عدولة يا تشكرني." قال هلال وهو يكز على أسنانه: "اسكت." تمتم عادل بنبرة جامدة: "عدولة في عينك. خلصوا قولوا إيه فيه." عقب هلال وهو يكاد ينفجر حقًا: "مفيش حاجة يا بابا." تمتم عادل بنبرة جادة: "إزاي مفيش؟

واحد مضروب والتاني مش طايق نفسه. دي مش عوايدك. فهموني إيه فيه. مش معنى إنك يا هلال صاحبك عمل مصيبة وعرفت تحل الموضوع إنك متعرفنيش." أردف شريف مدافعًا عن ذاته: "لا يا عدولة جرحتني في مشاعري والله، السهم صابني. أنا معملتش مصيبة ولا حاجة، كل الحكاية إني خطبت لابنك عشان أفرحك وأفرح ثريا بالحفيد ونشوف حل لابنك اللي مش عايز يتجوز ده." عقب عادل بعدم فهم: "يعني إيه خطبتله؟! كاد شريف أن يتحدث ليصرخ به هلال: "ممكن تسكت شوية."

عقب شريف ببراءة وهو يعقد ساعديه: "حاضر هسكت." قال هلال بنبرة متوترة وهو يوجه الحديث إلى والده، لا يدري لماذا يشعر بهذا الحرج كله: "بابا، كل الحكاية أنا اتقدمت لبشرى اللي من ضمن البنات اللي عندنا في المكتب وأنا روحت قابلت أبوها." غمغم شريف بفخر: "وأنا كنت معاه." تحدث هلال بنبرة منفعلة: "اخرس." "طيب." تحدث عادل باستغراب: "وليه طيب مقلتش ليا ولا لامك حاجة عن الموضوع؟ أردف هلال بحرج:

"حبيت أقعد مع أبوها الأول وأشوف عيلتها وأتعرف عليهم، وخصوصًا إنه لسه عامل عملية ما أنا قولت لحضرتك وعنده جلطة ساعة ما سافرت معاها ومع صاحبتها." عقب عادل بنبرة جادة: "بس المفروض كنت تقولنا يا ابني، هو أنتَ في حد يتمنى ليك الخير قدنا." أردف هلال بصيص ونبرة مختنقة: "معلش يا بابا أنا قولت، يمكن أهلها ميوافقوش، وطلع شكي في محله في شخص فعلاً متقدم ليها وهي بتفكر." ضيق عادل حاجبيه ثم تحدث بدهشة: "بتفكر؟!!

هي البنت متعرفش إنك اتقدمت ليها ولا إيه؟ قال هلال بنبرة واضحة: "لا متعرفش ولا حتى لمحت ليها. أنا حبيت أخلي الموضوع رسمي وأدخل البيت من بابه." لم يستكمل حديثه حينما وجد باب المكتب يفتح على مصرعه بشكل أفزع شريف، وزغروطة مصرية أصيلة رنت في أرجاء المنزل بعد أن استمعت ثريا نهاية الحديث بعد أن أنهت مكالمتها مع ابنتها المغتربة مع زوجها. تمتمت ثريا بلهفة وهي تقترب من ابنها: "اللي سمعته يا ابني صح؟ هتدخل بيت مين من بابه؟

عقب شريف متطوعًا: "هو دخل فعلا يا طنط مش لسه هيدخل، وطلب إيد بشرى اللي شغالة في المكتب." قالت ثريا بهدوء: "والله كان قلبي حاسس من ساعة ما شوفتها في المكتب وهي دخلت قلبي بدون استئذان واتربعت كده." أردف هلال متهكمًا رغمًا عنه: "دخلت قلبك هي بس؟ ده أنتِ مفيش واحدة في المكتب مدخلتش قلبك وكنتي هتخطبيها ليا." تمتمت ثريا بنبرة منفعلة: "اخرس، أنا كنت حاسة طبعًا." هتف شريف رغمًا عنه: "أيوه خدي حقي." قال هلال بنبرة غريبة:

"أعتقد بلاش إحساسك ياخدك أوي كده لأنها أصلاً متقدم ليها حد وأبوها شبه رفض الموضوع لما روحتله أنا و ثائر الصبح." عقب عادل بنبرة حكيمة رغم أنه يشعر بأن هناك خطبًا ما: "يمكن هو لما لقاك رايح مع واحد صاحبك شافك إنسان مش جد. اديني رقمه أتكلم معاه وناخد ميعاد زي الناس." تمتم هلال بنبرة مقتضبة: "مش هياخدني على محمل الجد ليه؟ هو أنا عيل قصاده؟ أردفت ثريا بجدية وابتسامة واسعة تحتلها: "أيوه أبوك يكلمه."

قال هلال محاولًا التماسك قبل أن يصرخ حقًا: "استنوا كام يوم على الأقل." تمتمت ثريا برفض: "ليه بس؟ خير البر عاجله." غمغم شريف ببراءة رهيبة: "خلاص يا طنط متضغطيش عليه بقا." نظر له هلال نظرة شرسة وغاضبة. هو حقًا لم يفضح أمره أمام والده لأنهم في المنزل ولأنه لا يرغب في أن يكون صديقه الذي أصر على والده أن يساعده يقوم بمرافقة راقصة بعد كل ما فعله والده من أجل صديقه. ***

يركض الصغير في أرجاء المنزل العتيق والقديم. بعد أن أتى داغر بنساء قامت بتنظيف المنزل. وفي الصباح أثناء هبوطه أخبره فهد بأنه يرغب في معرفة أين يذهب كل يوم. فهو يزعجه اختفاؤه، تحديدًا بعد تعلقه به. لم تكن أفنان الوحيدة التي تعلقت بوجوده حولها، كان فهد معها أيضًا. لذلك لبى داغر رغبته في أن يأتي معه، هو يتمتع برفقته على أي حال، وتلك ليست المرة الأولى. بل أن فهد يرغب أن يرافقه كظله، حتى أنه يبحث في ذاته عن أي شيء قد يشبهه بداغر في هيئته ولم يجد، وهذا ما يزعجه. هو يشبه أمه بشكل كبير جدًا. لذلك على الأقل يحاول تقليده في أي شيء آخر.

وأخذ اليوم من بدايته يذهب معه إلى عدة أماكن مختلفة. تمتم داغر وهو يسير خلفه بهدوء: "عجبك البيت؟ أردف فهد بنبرة طفولية مفعمة بالحماس وهو ينظر له: "آه عجبني أوي، شبه البيوت اللي في الأفلام اللي ماما بتتفرج عليها."

كان يقصد الأفلام الأبيض والأسود القديمة التي تغرم بها أفنان، فضحك داغر رغمًا عنه. هو محق بعض الشيء، تلك الشقة تعود إلى جده، وتزوج فيها والده في الشقة نفسها إلى أن مات جده وظلت الشقة لهما ولم يكن بها تغيير يذكر. تحدث داغر بنبرة هادئة: "حابب أنهي أوضة تكون أوضتك؟ والاوضة اللي هتختارها هغيرها ليك من أولها لآخرها." عقب فهد بصوت متردد وهو يشعر بالحيرة: "بس أنا أوضتي في بيت ثائر." تمتم داغر بهدوء ولم يغضب عكس ما توقعه فهد:

"أيوه دي أوضتك لما تروح هناك، بس هنا هتكون الاوضة بتاعتك في بيتي أنا، بيتنا اللي هيكون هنا." بيت والده. هل سيحيا حياة طبيعية كباقي أصدقائه في المدرسة؟ تحدث داغر مقترحًا: "إيه رأيك لو أوضتي وأنا صغير تكون بتاعتك؟ قال فهد بابتسامة وحماس كبير: "أنا موافق." ثم احتضن خصر داغر بعفوية. في البداية تصلب جسده. هو بالفعل يشعر بمشاعر غريبة وجديدة عليه كليًا مع فهد. مشاعر الأبوة؟ هل هي؟

أم أنه شيء آخر لا يعلمه. ولكنها مشاعر لم يظن بأنه سيشعر بها أبدًا. بعد ذهابه إلى أكثر من طبيب وتقريبًا فقد الأمل. لو كان يجلس بمكان عام به أطفال لا يتحمل صراخهم ولا الركض ولا أي شيء، كان يغادر على الفور. لكن الآن الأمر مختلف جدًا مع فهد. ربما لأنه ابن هادئ ومختلف. ربما لأنه يشبهها شكلًا وطباعًا. يذكره بها حينما كانت طفلة. داعب خصلاته رغمًا عنه ليبتعد الصغير عن أحضانه قائلاً باستفسار: "وماما؟ هتف داغر بنبرة

ما بين السخرية والمرح: "اكيد مش هنسيبها هناك يا فهد." تمتم فهد بنبرة وديعة: "ممكن أختار أنا أوضتها؟ "ممكن، بس للعلم هي هتبقى أوضتي أنا كمان." هز الصغير رأسه بإيجاب واختار الغرفة المتواجدة في نهاية الرواق. ربما لأنها الأكبر، لا يعلم، ولكنها بدت له مناسبة لفردين. قال داغر بعد تفكير: "بس يعني إحنا كده مش هنسيب أمك تختار أي حاجة؟ هتف الصغير ببراءة: "ماما هتحب اللي اخترناه، أقولك على سر؟

أنخفض داغر إلى مستواه ليجد الصغير يجلس أرضًا، ففعل داغر المثل وجلسا الاثنان أمام بعضهما. تمتم فهد بنبرة هادئة: "عارف فاضل قد إيه على عيد الأم؟ عقب داغر بهدوء: "تقريبًا ثلاث شهور أعتقد، ليه؟ أسترسل فهد الحديث: "شوفت السلسلة اللي ماما بتكون لبساها أغلب الوقت؟ هذا السلسال الذي يزين عنقها باسمها باللغة العربية، أفنان. وبالفعل انتبه له تحديدًا الأيام الماضية. فهز رأسه بإيجاب ليسترسل الصغير حديثه:

"خالو اللي جابه ليها. كانت هتجيب واحدة عليها اسمي بس أنا قولتلها لا متجبيش باسمي، اسمها هي أحسن لأني مش حابب ده، وأنا بحوش وهجيبه ليها في عيد الأم. وأنا من عيد الأم اللي فات وأنا بحوش من مصروفي." ضيق داغر حاجبيه وهو يسأله باهتمام: "وحوشت كام لغاية دلوقتي؟ هز الصغير رأسه بعدم معرفة وهو يقول: "أنا معرفش، مش هفتح الحصالة غير وقتها." ابتسم فهد بنبرة طفولية جادة واسترسل حديثه:

"محدش يعرف الموضوع ده غير ثائر، وأنا قولته ميقولهاش، وساعتها قالي إنه هيكمل ليا الباقي بس أنا موافقتش، لازم أدفع تمنه كله أنا." "خلاص أنا ساعتها هكمل ليك حقه لو احتجت." كاد أن يعترض الصغير بضيقٍ ليتفوه داغر رغمًا عنه: "الأمر يختلف، أنا أبوك." يبدو أنه شعر بها. شعر بها وبشدة ليتفوه بها، لا يصدق هو نفسه أنها خرجت منه. بدأ الأمر مقنعًا بالنسبة لفهد لذلك هز رأسه موافقًا، وبخفة انتقل إلى موضوع آخر:

"ماما قالت إننا هنسافر معاك بعد كده صح؟ ابتسم داغر بسعادة. على الرغم من أنها تخبره بأنها مجرد فرصة إلا أنها أمام الصغير تخبره بأمر سيحدث حقًا، ولأنه يعرفها خير المعرفة، يعلم بأنها تخشى أن تخبر الصغير بأمر لن يحدث. لكن فجأة توقف عن الابتسام، وهو يتذكر أمر السفر. رغم أنه ذكره أمام أفنان. كيف له أن ينسى أن أغلب أصدقائه ومعارفه هناك يعرفون أمر عدم إنجابه؟

غير طليقته التي تعمل معه في المكان ذاته، وتقطن بالقرب من منزله. كيف يعود مرة واحدة مخبرًا الجميع بأنه متزوج ولديه ابن؟ لم يفكر في تلك النقطة، يبدو أنه لم يدرسها جيدًا حينما تفوه بها. *** "أنتم عيلة مجنونة، روحوا اتعالجوا." قالت ملك تلك الكلمات بانزعاج جلي وهي تجلس على الأريكة في منزلها التي تشاركها به بشرى. غمغمت بشرى بجنون: "لمي لسانك يا ملك." أردفت ملك بنبرة جادة: "وإن ملمتهوش؟

مهوا بصراحة حاجة مش طبيعية. أبوكي وأمك رافضين يعملي بيرسينج في ودني جديد ورافضين تصبغي شعري بس سايبينك قاعدة في محافظة تانية. أنتم عيلة مش طبيعية." قالت بشرى بنبرة ساخرة: "عارفة يا ملك إن ما لميتي لسانك أنا هقوم أقطعه ليكي أنتِ سامعة، وبعدين أنا مش عايزة ياستي. أنتِ مزعلة نفسك ليه؟ ما تروحي تخرمي ودنك أنتِ." عقبت ملك ببراءة وكأنها طفلة وهي تعقد ساعديها: "ما أنا خايفة أعملها لوحدي، فأنا بسخنك عليهم عشان تشجعيني."

ضحكت بشرى رغمًا عنها وهي تقول: "من الأفضل إنك أنتِ تعمليها الأول بحيث لو حصلك أي مصيبة تلاقي اللي يلحقك، مش نكون أنا وأنتِ مش عارفين نحط راسنا على المخدة وننام على جنبنا." أردفت ملك بضيق: "أنتِ تقفلي البني آدم من أي حاجة يعوز يغير من نفسه فيها." تمتمت بشرى بنبرة مرحة رغمًا عنها وهي تتذكر حديث جدتها ذات مرة: "أنتِ عارفة إن في واحدة قريبتنا عملت كذا بيرسينج في ودنها، ستو قالت عليها من عبدة الشياطين." قالت ملك بذهول:

"استغفر الله العظيم. الحمد لله إني عايشة مع جزء صغير من العيلة، طلعتي أرحم من بقية عيلتك يعني." تنهدت بشرى ثم هزت رأسها بإيجاب لتشرد لما حدث ليلة أمس في المكتب لتقول ملك وكأنها كانت تشاركها التفكير في الوقت نفسه واستطاعت بجراءة الحديث عن الأمر التي لا تمتلك هي الجراءة للحديث فيه. "تفتكري إيه اللي كان معصب متر هلال كده؟ كأنه كان في مصيبة حتى مجاش النهارده." عقدت بشرى ساعديها وقالت بعد تفكير دام لثوانٍ:

"يمكن مضغوط في حياته، في حاجات كتير بتخلي الواحد مضغوط وعايز ينفجر في وش أي حد." ثم أسترسلت حديثها بسخرية: "هو أصلاً واحد غريب. يا يدي أوامر يا أما من غير سبب يقرر يوصلني ويتعرف على أهلي، وبعدها يتجاهلني ويتخانق في المكتب. ممكن يكون مريض نفسي أو بيعاني من اضطراب أو أي مشكلة." صاحت ملك بذهول متهكمة: "قوام جبتي للراجل عقدة نفسية؟

يا شيخة حرام عليكي، والله كتب علم النفس دي هتجننك، هتخليكي تمشي تحللي في خلق الله. غير حسك وتحقيقاتك محامية ووكيلة نيابة، ربنا يحميكي." قالت بشرى ساخرة: "مش أحسن من ما أقرأ قصص الحب الوهمية بتاعتك." أسترسلت حديثها بنبرة مرحة: "أنا مش شايفاكي محامية بصراحة يا ملك." عقبت ملك براحة كبيرة وهي تقول بجدية شديدة وعلى العكس لم تقم بشرى بإزعاجها:

"والله ولا أنا، بس اديني بسلي وقتي معاكم. أنا شايفاني زوجة صالحة بعمل طاجن لحمة ببصل أو صنية رقاق لزوجي الحبيب وهو راجع جايب بطيخة حمراء مش قرعة. دي الحياة اللي المفروض أعيشها." تمتمت بشرى ببراءة مزيفة: "واضح إن مستواكِ العاطفي بقى هابط خالص." عقبت ملك مشاكسة إياها: "يعني بحاول أعيش على أرض الواقع. وبعدين بلاش أنتِ تتكلمي عن المستوى العاطفي عشان عندك في الضياع." أردفت بشرى بثبات:

"مهوا عشان كده مش بتكلم فيه. المهم يعني أنا كنت عايزة نروح بكرة بعد المكتب نجيب…" توقفت عن الحديث حينما سمعت صوت هاتفها الموضوع على الطاولة، فنهضت ثم أجابت: "الو يا بابا، حضرتك عامل إيه دلوقتي؟ "أنا بخير، وضعي مستقر." عقبت بشرى بهدوء: "يارب دايماً حضرتك تكون بخير." "بكرة الصبح قبل الضهر تكوني هنا." تمتمت بشرى باستغراب: "مش فاهمة، حصل حاجة طيب؟ وشغلي طيب؟ سمعته يصرخ بنبرة جادة لا تقبل النقاش:

"يتحرق الشغل على اللي عاوزه، بكرة قبل ما افتح عيني تكوني هنا يا بشرى وإلا والله ولا هيهمني كلام الدكتور وغيره وهاجي أجيبك غصب عنك." بعد تلك الكلمات أغلق المكالمة تحت ذعرها. مما جعلها تشعر بالقلق الكبير. هي لا تعلم حقًا ما الذي حدث؟ فأخذت تقص ما حدث إلى ملك التي حاولت طمأنتها ببضعة كلمات: "يمكن عايزك جنبه في الفترة دي." "بلاش دماغك تروح لحتت بعيدة، مفيش حاجة لقدر الله. لو فيه حاجة وحشة مش هيكلمك كده."

حاولت الاتصال بوالدتها ولكنها لم تجب عليها. حتى جدتها امتنعت عن الإجابة. مما زاد من قلقها. ***

بعد العمل ذهب إلى عيادة الدكتورة رقية. جلسة طويلة قام بها وبلا فائدة. هي تريدها وحدها القادرة على إنقاذ نفسها. الآن أتى في المساء وصعد إلى الغرفة ليجدها فارغة، فتوجه صوب غرفة أفنان ليجدها جالسة بمفردها بعد غياب داغر وفهد، فجلس معها قليلًا ثم توجه إلى غرفة والدته ليجدها تجلس بمفردها. فهي تواظب على قراءة القرآن والاعتزال التام أكثر مما سبق بعد أن علمت الحقيقة. تدعو بأن يكون القادم هو الأفضل، ليس بوسعها سوى فعل هذا.

بحث عنها في أرجاء المنزل ليهبط مرة أخرى ويجد دعاء تجلس برفقة ابنتها على الأريكة وكلاهما ممسك بقطعة من الكعك واليد الأخرى بها كوب من العصير الطازج. لم يكن ينتبه لهما أثناء إتيانه. لكن الآن استطاع تمييز هيئتهما وهو يقول: "مساء الخير يا دعاء." عقبت دعاء على حديثه بهدوء: "مساء النور يا كمال." بينما ريم كانت تتناول قطعة الكعك في صمت. على أية حال، هي منزعجة من غياب فهد اليوم منذ عدة ساعات وهو خارج المنزل. تحدث كمال بإيجاز:

"هي فردوس فين؟ أردفت دعاء بهدوء: "في أوضتكم أكيد. هي عملت العصير والكيكة واختفت وقالت لي ندي اللي قاعدين في أوضتهم ومن ساعتها مشوفتهاش." عقب كمال بذهول: "نعم؟!! فردوس عملت كيكة وعصير؟! ضحكت دعاء وهي تعقب بعفوية: "تخيل؟

معرفش البيت كله كان في حالة ذهول وبنتفرج عليها وساكتين وكنا على آخر لحظة متوقعين إن مراقبتنا ليها هتخليها تدب خناقة معانا بس كانت ساكتة وعملت أربع صواني كيكة، واحدة بالبرتقال واتنين شوكولاتة وواحدة فانيلا." شعرت بأنها تعطيه تفاصيل أكثر من اللازم، ولكنها بالفعل ما زالت مندهشة. هي لم ترى فردوس يومًا تقوم حتى بسلق بيض في مطبخ هذا المنزل. حاولت دعاء الاقتراح:

"طب رن عليها، فردوس دايمًا تليفونها في إيديها يمكن هنا ولا هنا." عقب كمال بهدوء: "هي مبتردش من قبل ما أجي للبيت وطبعًا اكيد عاملة التليفون صامت ورمياه في أي حتة. ولا هي عند أفنان ولا عند ماما." أخيرًا بعد أن أنهت ريم قطعة الكعك بالشوكولاتة التي تركت أثر على فمها ووجنتيها: "هتلاقيها في الجنينة." ابتسم لها كمال وهو يقول: "شكرًا." ثم غادر بهدوء لتقول دعاء ساخرة: "أنتِ بتأكلي مناخيرك وخدودك معاكي يا ريم؟

قومي عشان تغسلي وشك." سألتها ريم متجاهلة هذا الحديث كله ببراءة: "فهد اتأخر." *** "في حديقة المنزل الخلفية" كانت تجلس على تلك الأرجوحة التي مر عليها الزمن، ولا يقوم أحد تقريبًا باستعمالها لذلك يتم وضعها في هذا الجزء من الحديقة الذي نادرًا ما يتواجد أحد فيه. الجلوس وكل شيء يكون من الناحية الأمامية لأنها الأكبر. أما هذا الجزء فهو غير مفهوم وغريب مثلها تمامًا، لذلك يناسبها الآن.

وجدته يأتي من أحد الجوانب لتستغفر ربها، وبدا صوتها مسموعًا بعض الشيء. ليتحدث كمال ساخرًا وهو يقف أمامها: "إيه شوفتي عفريت؟ أتمنى إني بكون بفكرك بذكر الله وبآخد حسنات." قالت فردوس وهي تعقد حاجبيها تنظر له بانزعاج طفيف: "هي حقًا لا تتحمل وجوده تلك الأيام تحديدًا لأنها مشوشة بما يكفي ولأنه يقوم بتشويشها عاطفيًا تلك الفترة بشكل لم تعهده من قبل." "أنا بستغفر ربنا على طول." عقب كمال بهدوء: "كويس." ثم جلس بجوارها سائلاً

إياها برفق: "موبايلك فين؟ أين هاتفها؟ هل تركته في حقيبتها منذ أن أتت؟ أم أنه بالغرفة؟ لا تعلم. آخر شيء تتذكره أنها أرسلت له رسالة تخبره بأنها عادت إلى المنزل ومن وقتها لا تتذكر أين تركت هاتفها. عقبت فردوس بقنوط: "معرفش أنا سيبته فين." سألها كمال بهدوء شديد: "فردوس، في حاجة مخبياها عليا؟ هل هي أصبحت من تخفي شيئًا؟ ماذا عنه هو؟ هي متأكدة أنه يخفي الكثير والكثير. تمتمت فردوس بثبات: "ليه بتقول كده؟ هز كتفه بلا مبالاة

وهو يجيب عليها بصدق: "بقول اللي أنا حاسه. أنا حاسس إن فيكي حاجة متغيرة. أنا مش أعمى." نظرت له وهي تضيق عيناها. هل هو بالفعل يشكو من تغييرها في أكثر مراحلها طاعة وهدوء؟ هتفت فردوس بنبرة جادة ومتوترة: "أعتقد المفروض تغييري يكون عاجبك. مش ده اللي كان نفسك فيه من زمان إني أحاول أماري حياتي معاك وفي بيتك بشكل طبيعي؟ واديني بحاول." أردف كمال بتوضيح بسيط:

"آه ده اللي كنت عايزه من سنين بس بشكل تدريجي. وبعدين زمن المعجزات خلص يا فردوس عشان أصدق اللي بتقوليه. حتى لو كان حقيقي في حاجة خليتك تتغيري. أنا مش غبي، أنا بفهمك وبحس بيكي أكتر ما يجي في خيالك أو ظنك." قالت فردوس بنبرة متضايقة: "يمكن المرة دي خيالك خدعك وأنا بحاول عادي إني أعيش حياتي بشكل طبيعي." رغم عدم اقتناعه الكلي إلا أنه غمغم بخفوت: "أتمنى."

حاولت فردوس تغيير الموضوع قائلة بنبرة هادئة لا تليق بالنيران التي تشعر بها بمجرد أن تتذكر أمر زواجه: "مراتك عاملة إيه دلوقتي؟ لا يصدق أنها تقبلت زواجه بأخرى بل سؤالها عنها. وتقبلت مقتل شقيقها وتتقبل كل شيء وتجعله يظن بأن هذا شيء طبيعي؟ لا يصدق هذا التفاني المفاجئ منها. "الحمد لله كويسة." سألته فردوس رغمًا عنها: "غريبة يعني إنك مش جنبها في الفترة دي، زي ما كنت جنبها أول كام يوم." هتف كمال بثبات

وصبر يحسد عليه من أسئلتها: "هي حابة تفضل في بيت أهلها شوية يا فردوس. لو قلقانة عليها روحي زوريها بنفسك واطمني عليها يا حبيبتي." لم تعقب عند وصولهما عند تلك النقطة. ظلت صامتة إلى عدة دقائق ولم يختلف حاله عنها. لكنها قررت الحديث بهدوء: "اتأخرت يعني النهاردة، أومال كنت بتقولي إنك هتيجي تروحني ازاي؟ أردف كمال بتفسير:

"يعني افتكرتك هتقعدي وقت طويل وبعدين أنتِ بعتتي لي إنك هنا في البيت وأنا لسه هخرج من البنك، وبعدها كان ورايا مشوار." سألته باهتمام: "مشوار إيه؟ قال كمال بهدوء وهو يجيبها بصدق: "كنت عند الدكتورة." قالت فردوس بلهفة حقيقية: "دكتورة إيه أنتَ تعبان؟ مالك؟ أردف كمال ببساطة: "دكتورة نفسية يا فردوس." هنا تغيرت ملامحها واللهفة المتواجدة في صوتها ونبرتها إلى نبرة جافة وهي تغمغم وكأنها تعلم كل العلم بأن الأمر يخصها: "ليه؟!!!!

قال كمال بهدوء: "حسيت إني محتاج أروح وأن نفسيتي تعبانة، وبالمرة أحجز ليكي عندها. هي عميلة عندنا في البنك واعرفها من سنين، وبعدين أنتِ مش وافقتي إنك تروحي؟ أردفت فردوس بانزعاج وتردد: "وافقت إني أروح بس مكنتش متخيلة يعني إنك هتتصرف بالسرعة دي." تحدث كمال موضحًا الأمر: "أنا فعلاً مكنتش متخيل إني هتصرف بسرعة بس هو الموضوع جه صدفة زي ما قولتلك شوفتها في البنك واخدت رقمها." سألته بنبرة منفعلة بعض الشيء

وهي ترمقه بنظرات مذهولة: "هو أنا محتاجة يعني للدرجة دي؟ أردف كمال بمرح قدر المستطاع: "اكتشفت إن أنا شخصيًا محتاج كمان مش أنتِ بس فهي تعملنا خصم." وجدها ما زالت متحفزة فاسترسل حديثه بوضوح:

"فردوس أنتِ مش صغيرة ولا أنا من النوع اللي هيجبرك على حاجة، وبالذات في الموضوع ده. دي مش حاجة ينفع حد يجبر حد عليها، لازم تروحي عشان أنتِ حاسة إن عندك مشكلة وعايزة تكوني أحسن، غير كده ملهوش لازمة ففكري مع نفسك وشوفي عايزة تروحي امتى وأنا هحجز ليكي وهوصلك." هزت رأسها موافقة على حديثه وهي تنظر له نظرات مبهمة ولكنه استطاع معرفة أنها ستقوم بالتفكير في الأمر. لذلك غير الأمر وتحدث برفق:

"إيه اللي مقعدك بقا برا مع إن الجو النهارده ساقعة أوي ودي مش عادتك يعني." أجابت فردوس عليه بصدق: "مخنوقة وحسيت إني عايزة أقعد برا الأوضة وأقعد لوحدي." "لو حابة نمشي بالعربية شوية؟ هزت رأسها في نفي. فأردف كمال بابتسامة صافية لا يدري لماذا رُسمت على شفتيه: "وبعدين لوحدك؟ مش حاسة إن مينفعش تقولي لي كده في وشي؟ وعلى العموم ياستي لو أنا قاطعت خلوتك بنفسك أنا هقوم أمشي."

هتفت فردوس برفض وهي تقول بعاطفة قوية رغم حيرتها، هي متأكدة من أنها تريد وجوده حولها حتى لو هناك رغبة حمقاء ترغب في إبعاده عنها في هذا الوقت تحديدًا: "لا خليك جنبي." صوته ووجوده على الأقل يسكن عقلها حتى ولو لمدة لحظات. لذلك مد يده محاوطًا إياها بذراعه واقترب منها أكثر مما جعلها تقول بعفوية وخجل يمتلكها تلك الأيام معه أكثر من أي وقت مضى: "أنا قولت خليك جنبي قاعد عادي." عقب كمال على حديثها مراوغًا:

"أنا سمعتها خليك جنبي بس، مكنش في ملحوظات أو حدود فمش فارقة أخليني جنبك قاعد ولا حاضن المهم خليكي في المضمون إني موجود." قالت أول شيء أتى على خاطرها: "أنا عملت كيكة النهارده." ضحك كمال ثم أردف بهدوء: "أنا من أول القعدة مستني نيجي عند النقطة دي يعني عشان تعرضي عليا أدوق. للعلم أنا عرفت إنهم أربعة." ضيقت عيناها ثم سألته باستنكار: "دخلت المطبخ ولا إيه؟ هز رأسه نافيًا وهو يقول: "لا، قابلت دعاء."

عند ذكر دعاء تعرف جيدًا أنها بالتأكيد أخبرته بكل شيء. كانت مستمرة في عمل الكعك على الرغم من أنها تشعر بأنها مراقبة من قبل الجميع ليس تطفلًا على قدر من أنه اندهاش، هي كانت فقط تحاول أن تشغل عقلها. حتى وصلت الكعكة الواحدة إلى أربع. هتفت فردوس بنبرة خافتة، هي تهرب من حصار ذراعيه: "أنا هقوم أجيب لك تدوقها."

بالفعل نهضت واختفى أثرها. قد يكون المشهد لشخص آخر غير كمال بأنها تحاول أن تكون زوجة جيدة له والتأقلم على الحياة. ربما زوجة تحاول إبهار زوجها بما صنعته اليوم أثناء غيابه. ولكن، في الحقيقة، يعلم بأن تلك التصرفات خلفها شيء لا يرغب في أن يعود يراقبها. لا يرغب بأن تكن علاقتهما بتلك الطريقة. ويخشى أن يعرف ما يعجبه. لذلك قرر هو نفسه أن يدخل إلى لعبتها لعله يصدق بأنها تفعل.

ذهب خلفها حتى المطبخ ليجدها تقوم بتقطيع من كل نوع قطعة من أجله فجلس على أحد المقاعد الخشبية تحت أنظارها متحدثًا بخفوت، فما المشكلة من أن يقوم زوج لديه طلبات بعد كل تلك السنوات؟ فليستغل عرضها السابق: "امبارح أو أول عرضتي عليا تعملي ليا قهوة بس أنا كنت شارب، فأنا جاي عايز قهوة جنب الكيك." سألته فردوس بسخرية رغمًا عنها: "مش عايز حاجة تانية مع الاوردر؟ تصنع التفكير لدقيقة: "ممكن كوباية مياه بس." "طيب." قال كمال بهدوء:

"اطلع وتجبيهم فوق؟ غمغمت فردوس بارتباك: "لا خليك تحت أحسن، خليك قاعد كل واشرب قهوتك هنا. أنا مش هطلع دلوقتي أنا زهقانة من الأوضة." يفهم ما تقصده لذلك عقب بنبرة مرحة: "ماشي، بس في كل الأحوال مصيرنا هنطلع مش هننام في المطبخ." ثم أسترسل حديثه مداعبًا إياها: "عايز قهوة حلوة زيك كده." *** كان شبه تركض بعد تلك المكالمة التي أتت لها. "يا مدام، يا مدام…"

كان هذا النداء من حارس البناية، لكنها لم يكن عليها الإجابة. بعد مكالمة عبدة يخبرها بأن والدتها مريضة جدًا. تعلم بأنها تخاطر ولكنها ليس بوسعها الانتظار. ركبت أو تاكسي قابلته أمامها وتوجهت إلى المنطقة التي يتواجد بها الشقة التي استأجرها عبدة والتي كانت تجلس بها. وما أن رنت الجرس فتح عبدة لها الباب لتدخل إلى الشقة تصرخ بجنون قائلة: "موتوهاش المستشفى ليه؟!! أمي فين." عقب عبدة بهدوء وابتسامة خبيثة: "في الأوضة جوا."

ولجت شمس إلى الداخل وهنا أدركت الفخ وهي تجد والدتها مربوطة في الفراش وهناك لاصق طبي على فمها يمنعها من التحدث. "نورتي البيت يا بنتي." أستدارت شمس بعد أن سمعت تلك الكلمات، لتتلقى صفعة منه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...