ألجمت الصدمة لسانها وعقلها، فوقفت تطالع زوجها بذهول، متسعة أعينها على آخرهما، ويكاد فمها يصل للأرض. أهو طلقها للتو؟! ولماذا؟! لأنه أدرك فجأة أنه لم يعد يريدها؟! أم شعر الآن فقط أنها لم تعد تناسبه ولا تناسب مركزه ووجاهته الاجتماعية؟ أجل، فكلامه يدل على ذلك. هو ينسب نجاحه وكل ما وصل إليه لنفسه هو. أنسي أنها من كانت تشجعه دائمًا؟
أنسي أنها تحملته وتحملت فقره في بادئ الأمر، وقبلت أن تترك أهلها وبلدتها وكل شيء من أجل أن تكون معه؟ أنسي أنها كانت تنتظره كل ليلة بقلب قلق إلى أن يعود متأخرًا، فتعد له طعامه وتجلس على راحته إلى أن يذهب إلى غرفته ويغط في نوم عميق، دون كلمة شكر أو امتنان واحدة تسمعها منه؟ أنسي جفاءه معها وصبرها على ذلك؟ أباع عشرتها من أجل أخرى أغرت أعينه لجمالها أو مالها؟! ثم إذا ما كان الأمر كذلك، ما دخل ابنته بهذا الأمر؟
لم يتخلى عنها هي الأخرى؟ أليست ابنته؟ أم أنه كرهني لهذه الدرجة حتى لم يعد يحب أي شيء له صلة بي حتى لو كانت ابنته؟ حركت رأسها بأسف دون أن تنطق بحرف واحد. ليستدير هو وكأنه لم يفعل شيئًا، لكنه هتف بجمود آمرًا ابنته: "شوق اطلعي جهزي شنطك حالًا. القطر معاده ٦ الصبح." قالها ثم تركهم يتخبطون في بعضهن البعض، غير عابئ بمشاعرهن وكأنهن لم يكنّ يومًا. سحبت شوق طرف ثوب أمها تشده برفق لتنتبه لها أمها: "ماما هو في إيه؟
أغمضت الأم أعينها بمرارة، ولم تدرِ ما تقوله لابنتها سوى أنها ضمتها إلى صدرها وجلست على الأرض تحيطها بذراعيها وبكت. لم تفهم شوق ما الذي يحدث، وإنما ظنت حزن أمها وبكاءها بسبب ضرب والدها لأمها، لذا مدت يدها وبرقة شديدة مسدت على وجه أمها مكان الصفعة: "متزعليش يا ماما... تلاقي بابا في حاجة مغلباه في الشغل علشان كدا هو متعصب... مش انتي بتقوليلي كدا لما كان بيضربني؟! خلاص بقى يا حبيبتي حقك عليا أنا."
دققت النظر في ابنتها ونظرت لتلك الأعين البريئة بغم شديد، فهي لا تستحق كل هذه القسوة. لذا عزمت في نفسها أن تحاول مع زوجها ثانية لعله يوافق على مكوثهم هنا لحتى تنهي شوق علاجها على الأقل. أجل، ستعافر من أجل ابنتها. في المساء، ظلت مستيقظة طوال الليل تنتظر عودته للمنزل لتتحدث معه، إلى أن أتى أخيرًا بعد الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، وعندما دلف المنزل ووجدها أمامه تنتظره. عبس بوجهه وهتف بصوت رخيم: "إنتي إيه اللي مصحيكي؟
ازدردت ريقها وفتحت فمها بتردد استعدادًا للتحدث، متمنية أن يوافق على طلبها. فخرج صوتها متحشرج: "ممكن أطلب منك طلب أخير؟ تحدث بتأفف وجلس بإرهاق على الأريكة: "قولي وخلصيني." طالعته بعتاب، أفَهانت عليه لهذه الدرجة؟ وبالطبع هو لم يرَ نظراتها تلك لأنه لم يكن ينظر إليها. لذا تنهدت بقلة حيلة: "ممكن تخلينا نعيش هنا... في أي حتة مش هتفرق المهم نفضل في القاهرة علشان علاج البنت يستمر، أرجوك يا غريب...
مش علشان خاطري علشان خاطر بنتك." نهض من جلسته وهتف بضيق: "تعيشوا هنا فين؟ انتوا عايزين تفضحوني... لا طبعًا الكلام انتهى في الموضوع ده، وسفركم بكرة في معاده." طالعته بتعجب وهتفت باستنكار: "نفضحك؟! بقى دي آخرتها يا غريب... بتستعر مني ومن بنتك... ماشي يا غريب إحنا هنمشي... بس يا ريت تنسانا خالص، والأيام كفيلة إنها تعرفك الجريمة اللي عملتها فيا وفي حق بنتك... روح ربنا يديك على قد نيتك."
قالت كلامها وتركته ورحلت لغرفة ابنتها تبكي وتندب حظها العكر الذي أوقعها مع أب لا يملك في قلبه ذرة مشاعر تجاه ابنته. احتضنتها وغفت بجوارها بعد أن أنهكها التعب وكثرة البكاء. استيقظت أو بمعنى أدق انتبهت مع بداية شروق الشمس، وأول شيء فعلته هو أنها اتصلت به تتطلب العون والمساعدة، فزوجها مصمم على إبعاد ابنته عن حياته نهائيًا. علّى رنين الهاتف في الغرفة، فأمسكته لترد فقالت بصوت ناعس: "ألووو."
استغربت هي صاحبة الصوت، لكنها خمنت على الفور أنها ربما تكون زوجته، فهتفت بحرج: "أنا آسفة إني اتصلت في وقت زي ده، بس أنا لازم أكلم مستر حسام ضروري." نظرت هي لشاشة الهاتف فأدركت أنها والدة الطفلة شوق التي تعرف حكايتها من زوجها. لذا هتفت بترحيب: "حضرتك والدة شوق مش كدا... أهلًا بحضرتك... حاضر لحظة بس هصحي حسام لأنه لسه نايم." "أنا والله محروجة منكم معلش أصلي... قاطعتها زوجة حسام بابتسامة ودودة: "حصل خير...
مفيش مشكلة أبدًا، منبه حسام كان خلاص هيقوم علشان يستعد لشغله على أي حال... اتفضلي هو معاكي." تحدثت معه والدة شوق وقصت له سريعًا ما حدث، وأنها في حيرة من أمرها بشأن ابنتها. وعلى الرغم من أن قلب حسام التاع وأصيب بالكمد من أجل الصغيرة وتخلّي والدها عنها في مثل ظروفها تلك، إلا أنه أجاب بهدوء شديد كي يبعد القلق عن قلب تلك الأم المكلومة في حالتها البائسة تلك: "مفيش مشكلة خالص يا أم شوق... انتوا هتسافروا...
وشوق هتكمل علاجها هناك عادي وتمشي على الروشتة اللي وصفها الطبيب. أما بالنسبة لتعليمها فأنا هتابعها دائمًا بالتليفون... هيكون عندكم هناك أرضي مش كدا؟ أجابته بقلة حيلة وتنهيدة تخرج كل ما يعتلي صدرها من هم: "والله ما أنا عارفة الدنيا هناك هتكون عاملة إزاي." "متشيليش هم، هتواصل معاكم بأي طريقة وهكون معاكي خطوة بخطوة وهفهمك تعملي إيه بخصوص المذاكرة لشوق."
على الرغم من أنه نفسه لم يكن مقتنعًا بكلامه وليس متأكدًا من أنه سيجدي نفعًا مع شوق وهو بعيدًا عنها، إلا أنه لم يملك خيارًا آخر ولا لديه شيء غيره ليقدمه لتلك المسكينة الصغيرة. عملت كلمات المعلم حسام على طمأنة قلب الأم ولو قليلًا، فنهضت بقلب خلا من الحياة تجمع حاجيات ابنتها وتعد نفسها، ومن ثم توقظ ابنتها وتعدها هي الأخرى من أجل توديع المكان وإلقاء نظرة أخيرة على بيتها قبل أن تغادره للأبد.
أنهت كل شيء وخرجت من الغرفة لتجد زوجها أمامها يقول بنبرة خلت من المشاعر وكأنه لم يفعل بهما شيئًا: "العربية برا مستنياكم هتوصلكم لحد سكة القطر، وأول ما توصلوا هتلاقي واحد مستنيكم هيدلكم على البيت اللي هتسكنوا فيه، وهبعتلكم مصروفكم شهريًا... وخدي دول خليهم معاكي لحد الشهر الجاي." مدت يدها تلتقط الأموال منه بجمود ثم هتفت بتهكم: "كتر خيرك يا غريب بيه." لاحظ هو أنها حزينة وتتحدث بمرارة فأراد أن يصلح موقفه ولو قليلًا
ليقول: "صدقيني ده أنسب حل... أنا... قاطعته هي بضيق فلا تود سماع أي مبرر لتخليه عنهما فأي حجج سيقولها ستكون واهية بالنسبة لها: "متقولش حاجة... مبقاش ينفع خلاص... يلا يا شوق." طالعت الصغيرة أباها وأمها باستغراب: "ماما إحنا رايحين فين؟ ركبتا السيارة بصمت تام والصغيرة متعجبة مما يحدث فهي لا تفهم ما يدور حولها. لكنها ما إن ترجلت من السيارة أمام السكة الحديدية لتجد أمها تقول: "شوق أنا كنت قلتلك إننا أصلنا من الصعيد صح...
إحنا دلوقتي راجعين الصعيد تاني." "يعني هنروح نتفسح هناك يا ماما؟ أخذت نفسًا عميقًا وأخرجته بمرارة: "لا يا بنتي هنفضل هناك على طول." لتهتف شوق على الفور بتساؤل على أول واحد خطر في بالها وراعها ابتعادها عنه: "ومستر حسام؟! لتجده يرد عليها بابتسامته المعهودة: "وأنا جيت بنفسي أسلم عليكي قبل ما تمشي." لتلتفت خلفها وبدون تردد تلقي بنفسها بين ذراعيه ترجوه ألا يتركها: "مستر حسام متسبنيش...
أنا مش عايزة أروح مكان وانت مش موجود فيه... انت الوحيد اللي حبتني... انت الوحيد اللي حاولت تساعدني وتخرجني من مشكلتي... مينفعش دلوقتي تسيبني... أنا لسه محتاجاك يا مستر... ومقدرش استغنى عنك."
أدمعت أعين حسام، ففي حقيقة الأمر هو أيضًا كان أمر سفرها صدمة بالنسبة له، هو تعلق بالصغيرة وأحبها بصدق كابنة له يهمه أمرها، لا فقط من أجل مشروعه العلمي وبحوثاته، وإنما أيضًا على الجانب الشخصي. فشوق ببراءتها وعفويتها قد استطاعت أن تسلب لبه وتعلقه بها، لذا أحزنه ما حدث لها ولأمها، ولكن ما باليد حيلة وعليهم جميعًا تقبل الأمر الواقع. لذا فما كان منه إلا أنه عانقها بشدة وردد بحنو بالغ: "وأنا مش هسيبك ولا عمري هتخلى عنك...
أنا هتواصل معاكم دائمًا وهكون معاكي خطوة بخطوة وأي مشكلة تقابلك على طول كلميني وهتلاقيني جنبك." هتفت بحزن وأعين تتلألأ فيها الدمعات: "مستر." أخرجها من بين ذراعيه ثم نظر لعينيها مبتسمًا: "ممكن بنوتي الصغيرة تبتسم كدا علشان بابا حسام ميزعلش." كان يعلم بحاجتها للحنان والعطف، يعلم كم أن والدها جاف في معاملتها، لذا كان من واجبه إعطاءها جرعة حنان تقويها في ذلك الوقت. حملقت به ورمشت بجفونها عدة مرات: "بابا!!! "ده صحيح...
أنا بعتبرك زي بنتي يا شوق... تسمحي أكون ليكي مش مجرد المعلم بتاعك وأكون زي باباكي؟! ابتسمت له وعانقته مرة أخرى: "أنا مبسوطة أوي... بحبك يا بابا حسام." ربت على كتفها بحنان: "مش عايزك تشيلي هم أي حاجة اتفقنا... كله هيبقى تمام بإذن الله." تنهدت شوق بقلة حيلة: "حاضر... بس اوعدني إنك تيجي تزورني هناك." "أكيد طبعًا كل أجازة هقضيها معاكي هناك."
صعدت شوق القطار وجلست بجوار النافذة لتطالع معلمها والذي أصبح بمثابة أب، كيف لها وهو الذي كان حانيًا عليها أكثر من أبيها، وهو الذي دائمًا تجده بجوارها مساندًا لها، يدفع عنها أي حزن قد يقع بقلبها بعكس والدها والتي لم تشعر بالسوء أبدًا لأنها ستبتعد عنه، فجفاءه معها قد بنى أميالًا من الحواجز بين قلبيهما فلم تعد تكن له أي مشاعر، رغم أنها كانت تتمنى يومًا أن يحبها والدها وترى تلك البسمة الراضية عنها في عينيه.
لوحت بكلتا يديها له، ومع ابتعاد القطار كانت لا تزيح عينيها عنه، وما إن شعرت أنها لم تعد تراه جيدًا حتى نهضت من مكانها ووقفت على مقعدها لتخرج جسدها بالكامل من النافذة حتى تراه، حتى كادت تسقط من خارج القطار لولا انتباه أمها لها وإمساكها في اللحظة المناسبة، فهي تودعه بقلبها تخشى أن تكون تلك آخر مرة تراه فيها.
بعد أسبوعين، وبعد أن استقر الحال بأم شوق في منزلهما الجديد والذي كان متواضعًا للغاية بعكس المكانة التي وصل لها زوجها، فها هو يقصيهم عن حياته ويرمي بهم في غيابات بيت معدم فقير. لم تشأ أن تشكو شيئًا لأهلها، فكيف تفعل وهي التي تركتهم من أجله؟
فلقد تحايلوا عليها يومًا ألا تترك ناسها هنا وتذهب معه، لكنها أصرت أن تبقى جوار زوجها وتسانده في تحقيق أحلامه، وها هي وفت بوعدها وساندته وإن لم يكن ماديًا فمعنويًا، فكان رده للجميل أن باعها مع أول فرصة ليبدلها بأخرى يظن أنها ستليق بمنصبه ومكانته الجديدة.
رضيت بحالها وحمدت ربها على جميل ستره، لكن ما كان يعكر صفو بالها هو امتناع ابنتها عن الذهاب للمدرسة، فالحسنة الوحيدة التي فعلها والدها أنه ألحقها بمدرسة جيدة الصيت رغم بُعد المسافة قليلًا، لكن لا يهم، المهم أن تتعلم ابنتها ولكنها ها هي ترفض وبشدة الذهاب. لذا كان السبيل الوحيد لجعل شوق تغير رأيها هو أن يحدثها المعلم حسام ويقنعها بنفسه. _شوق إحنا اتفقنا على إيه؟ نكون أقوياء ومنستسلمش. _مش هعرف يا مستر أنا خايفة.
_فين ثقتك بنفسك يا شوق؟ أنا مش قلتلك الأمور بتكون صعبة لو أنتِ شيفاها كدا! إحنا بإيدينا اللي بنرسم ملامح الطريق اللي ماشيين فيه... علشان كدا بطلتي الصغيرة هتتجاهل تمامًا أي شيء يزعلها وهترفع راس بابا حسام وهيفضل طول عمره فخور بيها. _تفتكر يا مستر! _إلا افتكر أنا متأكد. _بس أنا... مش هفهم... مش هعرف أقرأ... هنسى كل حاجة. _انسى خوفك وانسى أي حاجة ممكن تقلقك...
ركزي بس في شرح الأساتذة ومتتردديش في السؤال مرة واتنين وتلاتة عن أي جزئية وقفت معاكي... واستعيني بربنا يا شوق... إحنا اتفقنا إننا لما بنرفع إيدينا وندعي ربنا... هيسمعنا وهيستجيب وهيفرحنا بجميل فضله. تابعت شوق تعليمها والمعلم حسام معها ولم يتركها حتى أنه جاء بلدتها بعدها مباشرة وتحدث إلى معلميها، يُعرفهم بحالتها وكيفية التعامل معها، وأيضًا أصبح يسافر لها خصيصًا إذا ما وجد حالتها متأزمة وتستدعي وجوده لجوارها.
وبعد عدة سنوات من العناء تخلصت شوق من مشكلتها تلك "الديسلكسيا" بفضل دعاء والدتها وعلاجها ومساعدة المعلم حسام... وبإرادة الله أولًا وأخيرًا. وها هي بدأت تربط بين المفردات المختلفة ومعانيها... بدأت تركز في سرد القصص وتذكرها بشكل جيد... بدأت في الربط بين الكلمات المتشابهة والقدرة على التفريق بينهما... الاتجاهات لم تعد تشكل مشكلة معها فهي باتت قادرة على تمييز الاتجاهات بشكل صحيح...
باتت تستطيع تهجي الكلمات بشكل صحيح متبعة الأسلوب التي نصحها به معلمها إلى أن استطاعت الاستغناء عن ذلك الأسلوب أيضًا بعدما نمت ثقتها بنفسها يومًا بيوم. وبعد عمل الأشعة والفحوصات وإرسال التقارير لطبيبها المعالج عن طريق المعلم حسام... أقر الطبيب بأنها أصبحت فتاة عادية تمامًا، فمن رحمة ربها أن مشكلتها كانت من النوع الثانوي الذي يزول بعد العلاج الصحيح والبيئة التعليمية المخصصة.
سافر حسام خصيصًا لشوق وزارها في بلدتها ليطلعها على ما قاله الطبيب ويبشرها بأنها أخيرًا ستجني ثمار تعبها طوال السنوات الماضية. كبرت شوق وأصبحت آنسة صغيرة في الخامسة عشر من عمرها. وهتفت بفرحة وكأنه هنالك عيد... ليس فقط بما قاله معلمها بأنها أصبحت فتاة عادية كسائر زميلاتها، وإنما برؤية تلك السعادة الحقيقية البادية على وجهه من أجلها ففرحت لفرحه.
_أنا مش فرحانة باللي حضرتك قلته زي ما أنا فرحانة بفرحتك اللي شايفاها في عينيك دي... للدرجة دي يا مستر... أمري يهمك... للدرجة دي سبت شغلك وبيتك وجيت علشان تقولي الخبر ده رغم إن كان ممكن تبلغهولي في التليفون عادي... أنا حقيقي أسعد بنت في الدنيا وأكثر بنت محظوظة في العالم علشان عندها أستاذ زي حضرتك... أنا فخورة بكوني تلميذتك يا مستر... فخورة بجد. ليهتف ذلك المعلم الذي ترفع له القبعات إجلالًا واحترامًا له:
_وأنا فخور إني عندي طالبة نجيبة ومثابرة زيك يا شوق... فخور ببنتي اللي تعبت وذاكرت ومدخرتش جهد وقاومت كل التحديات اللي قابلتها علشان تتغلب على مشكلتها وقد كان... أنتِ عملتيها يا شوق. رمقته شوق بامتنان: _وأنا ما كنتش هقدر أتخطى مشكلتي من غيرك بعد ربنا يا مستر. _الحمد لله... الحمد لله يا بنتي... ربنا يسلك لك طريقك ويوفقك في بقية مشوارك يا رب... شوق أنتِ كدا وفيتِ لي بأول وعد...
باقي وعد تاني إنك هتسيري على خطايا وهتكملي المشوار اللي بدأناه سوا. عودة فاقت شوق من شرودها بدمعة ثقيلة فرت من قلبها... ترثي ذلك المعلم الفاضل والذي لم ولن ترى مثله قط... فلقد كانت تلك الكلمات آخر كلمات سمعتها منه قبل أن توافيه المنية ويموت إثر تعرضه لأزمة قلبية مفاجئة يرتد على إثرها ميتًا. ورغم الصاعقة التي تلقتها بخبر موته إلا أنها ظلت صامدة من أجل أن تحافظ على وعدها له وتوفي به...
بل وتحيي ذكراه في كل طفل تساعده كما أراد. فهتفت هامسة وكأنه سيسمعها: _وفيت بوعدي يا مستر... ربنا يرحمك ويجازيك الجنان... وحشتني كتير... وعمري ما هنسى أفضالك عليا... هتفضل في قلبي لطول العمر. استغلت أم السعد شرود شوق وفرت من أمامها لتحضر ابنتها كما طلبت لحتى لا تتعرض لتلك العصا وجلدها مرة أخرى. فاقت شوق من شرودها على صوت نسرين وهي تقترب مع السيدة وتهتف بابتسامة فهي تعرف أن شوق ستفرح كثيرًا. _أبلة شوق...
وأدي طالب جديد جالك كمان. سريعًا أزاحت شوق تلك العبرات المحترقة شوقًا لغياب معلمها الفاضل وحلت محلها ابتسامة عريضة لترحب بذلك الطفل وتقبله من بين عينيه. _أهلًا أهلًا يا حبيبي... تعالى يا نضري تعالى... المكان بيك يا قلبي. ومن ثم أجلسه جوار البقية ومن ثم تنظر لهم بفرحة ففي كل وجه من وجوههم ترى السعادة من أوسع أبوابها... ترى الأمل وإن كان بعيدًا لكنه ليس مستحيلًا...
ترى معلمها ينظر لها بابتسامة راضية لما تفعله لتتنهد هي براحة وتهمس مرة أخرى وهي تتخيله أمامها: _هكمل مشوارك لحد آخر العمر. ابتسمت أم الطفل لتلك المعلمة الحانية وتلك المعاملة الإنسانية الطيبة وكأن الأطفال أولادها حقًا... تحنو عليهم وتحيطهم بجناحها بحنانها... تنظر إليهم بفرحة وكأن كل طفل مولود جديد لها يأتي إليها بعد طول انتظار.
فتنهدت براحة واطمأن قلبها على ولدها ودعت للمعلمة شوق بالبركة والسعادة ثم انصرفت عائدة لبيتها على أن تأتي لاصطحاب ابنها ثانية بعد أربع ساعات كما أخبرتها نسرين بذلك. فشوق تنسى نفسها مع أولئك الأطفال وهم ينسون أنفسهم معها أيضًا ويندمجون معها ولشرحها المبسط والذي يفهمه الجميع دون عناء.
حتى أن بعض النسوة اللواتي لم يحظين ببعض من التعليم تجلس بالقرب منهم لتستمع لما تقوله شوق فتفهمه على الفور فينشرح قلبها وتنهض من مجلسها بعد أن تنتهي شوق من حلقتها التعليمية وتقدم الحلوى للأطفال كما وعدتهم. لتقول إحدى السيدات الطاعنات في العمر: _ربنا يحفظك يا بنتي... أني كان طول عمري نفسي أفك الخط وأهو على الأقل أفهم أي حاجة بدل ما أني ورقة فاضية إكده...
لكن قعادي جاركم إهنه كل مرة ابتديت أعرف الحروف وأحاول أكتبها كماني. قبلت شوق يدها بحب صادق: _أبدًا يا خالة أنتِ مش ورقة فاضية ولا شيء والأمي مش هو اللي ما بيعرفش يقرأ ولا يكتب... الأمي هو اللي ما بيعرفش يتعامل مع الناس ولا يفهم شيء من اللي بيدور حواليه وأنتِ اسم الله عليكي يا خالة عقلك يوزن بلد. رسولنا سيدنا النبي محمد يا خالة كان أمي صحيح...
بس قدر يكون قائد عظيم لأمة بحالها ولسه لحد دلوقت كلامه وبلاغته وفصاحته يشهد لها أعتى الرجال في الذكاء والتعليم ومفيش حد يقدر يضاهيه. العقل يا خالة مكتسب من التجارب والخبرة ومعنى كلامي إني ما أنكرش فضل العلم لا أبدًا لكن اللي أقصده إنك ما تقلليش من شأن نفسك أنتِ كبيرة قوي قوي يا خالة. وأنتِ خليتيني أفكر إني أفتح فصول محو الأمية إهنه يا خالة وأني بنفسي اللي هأشرف على تعليمكم. ابتسمت لها الخالة وسحبت يدها
من يد شوق تقبلها بامتنان: _كتر خيرك يا أميرة يا بنت الأمراء... كتير اللي بتعمليه ده للبلد... ربنا يحميكي يا بنتي. لتسحب شوق يدها بسرعة وتقول بذهول: _واه يا خالة... والله ما يحصل أبدًا... أني اللي أبوس يدك وراسك ورجلك كمان... أنتوا هنا أهلي وناسي وكل دنيتي وخيركم كتير قوي قوي عليا... كفاية إني بسمع دعواتكم الحلوة دي ومعيزاشي من الدنيا حاجة بعد إكده. ربتت الخالة على ظهر شوق قبل أن تنصرف لحالها:
_ربنا ينولك كل اللي بتتمنيه ويسعد قلبك الحزين ده يا بنتي ويريح بالك المتعكر. طالعتها شوق باستغراب وهي تشاهدها ترحل بعيدًا لتقول في نفسها بحيرة بينما ترفع إحدى حاجبيها: _عرفت منين دي إن قلبي حزين وأني على طول ببين عكس إكده. قالتها وهي تتنهد بقلة حيلة... فما بقلبها يقبع منذ سنوات ولا سبيل لراحته ثم نفضت ملابسها استعدادًا للذهاب لبيت والد آيات للتحدث معه كما وعدتها. وصلت أمام المنزل وبصوت عالٍ نسبيًا هتفت منادية:
_يا ست جليلة... يا أم آيات. انفتح باب البيت لتطل منه سيدة متوسطة القامة ثمينة البدن تقول بوجه مبتسم بعد أن استطاعت التعرف على صاحبة الصوت: _يا أهلًا وسهلًا بالأبلة... تعالي يا أبلة شوق... ادخلي... الدار نور والله. ابتسمت لها شوق وهتفت مجاملة: _منور بأصحابه يا ست جليلة. أجلستها أم آيات إلى مقعد في باحة البيت. لتهتف شوق بتساؤل: _أبو آيات أهنه يا ست جليلة... كنت رايداه في كلمتين. عرفت جليلة في أي شيء
تريده شوق لذا هتفت بتوجس: _سيبك منها البنت المخبولة دي... ما تاخذيش على كلامها عاد... دي بنت السكينة سارقاها وما ناخذهالهاش على كلام واصل. طالعتها شوق بعتاب وهتفت بحزن: _ما تسيبي بنتك تعمل اللي هي عاوزاه يا ست جليلة... هتوقفوا في طريقها ليه عاد. جلست جليلة جوارها وتنهدت بغلب: _إن كان عليا أني... ربك والحق البنت صعبانة عليا قوي... لكن أبوها شديد وما أقدرش عليه. ربتت شوق على يدها وهتفت بحماس:
_إن كان إكده سيبي الموضوع ده عليا أني... وأني هتصرف... قومي بس قولي له إني عايزة أتحدث معاه في كلمتين مهمين. دلفت جليلة على مضض للداخل لتنادي على زوجها. ليأتي هو مقفهر الوجه يزم شفتيه فهو أيضًا قد خمن في أي شيء تريده لذا هتف ساخرًا: _عايزة إيه يا أبلة... أوعي تكوني عايزة تعطيني أني راخر دروس إياك... ما هو ده اللي ناقص. ابتسمت شوق وهتفت بهدوء: _مهياش عيبة أبدًا يا أبو آيات...
الإنسان بيفضل يتعلم كل يوم لحد ما يموت يا بونا... العيبة إننا نفضل مسنجرين راسنا على اللي في دماغنا وبس حتى ولو كان غلط. ليهتف هو غاضبًا فبدا صوته مزمجرًا: _وإيه الغلط بقى في إني بفكر في مصلحة بناتي وعايز أجوّزهم وأسترهم... وأظن دول عيالي وأنا حر فيهم... إن شاء الله أموتهم حتى ولا حد له دخل يتحدث بكلمة واصل. قابلت ثورته تلك بهدوء تام. _اجعد يا بونا وما تتحمقش إكده وخلونا نتكلم بالهداوة. لينتفض مكانه وأشاح بيده.
_أني ما أتحدثش مع حريم... يلا ارجعي على بيتك وسدي عليكي بابك. _وأنا مش جاية أقول كلام من عندي... أني جاية أقولك كلام سيدنا النبي عليه أفضل الصلاة وأزكى الصلاة. _اللهم صل عليك يا نبي... ها قولي. _لأول اجعد اكده واهدى والكلام أخذ وعطا وكله لمصلحة بناتك. _ادخلي في الكلام على طول. _قولي أنت خابر زين إن العلم لازمن ولابد منه ومابقاش حد دلوك بيمنع بناته من التعليم. _وأني ما منعتهمش وسبتهم يتعلموا كيف ما بدهم...
لكن لحد هنا وكفاية يتجوزوا ويشوفوا حالهم وكفاية لحد إكده. _طب ولو البت زينة وشاطرة وبتيجي على العلام ورايدة تكمل... نجفوا في طريقها! احتدت ملامحه بضجر ليهتف باستنكار. _يعني عايزاني أودي البت آخر بلاد المسلمين... وأسيبها ترمح كيف الخيل لوحدها في بلد غريبة عنها... وإحنا أهنه ما نعرفوش عنها حاجة! _ما فيش الكلام ده...
هنحاول نوديها أقرب جامعة من أهنه مش في آخر بلاد المسلمين ولا حاجة، عايز تطمن عليها هي ساعتين زمن وتكون عندها هناك.. وكمان هتسكن في سكن جامعي وفيه مشرفات وأمن هيحافظوا على البنات... ثم إنك مربي بتك زين وعارفها وعارف أخلاقها يبقى ما منوش كلامك ده. فتح فمه ليتحدث معترضًا على كلامها... لتردف هي مسرعة حتى لا يستطيع أن يتحدث بعدها. _رسولنا
الكريم سيدنا النبي قال: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة". وكمان في مقولة بتقول: "اطلبوا العلم ولو في الصين"، يعني الرجال والنساء كماني.... ها قلت إيه يا أبو آيات... الله يرضى عليك سيبها تكمل البت دماغها واعرة قوي وإن شاء الله هترفع راسك وتكون حاجة كبيرة قوي تفخر بيها وتقول الدكتورة آيات جات الدكتورة آيات راحت... بلاش تقتل فرحتها وفرحتنا بيها.
وجدته صامتًا شارداً فظنت أنه ربما متحير شائك بسبب المال ومصاريف تعليمها فقالت بنفس مترددة. _وإن كان على الفلوس فـ فـأني مستعدة أتكفل بتعليمها لحد ما تخلص وتتخرج كمان.
قالتها وفي قلبها تخوف وتوجس كبير أنها ستقبل نقوده ثانية.. فمنذ وفاة والدتها بعد معاناة مع مرضها والتي لم يكلف والدها نفسه بأن يأتي لزيارتها يومًا إلا يوم موتها حضر ليحضر جنازتها وعاد مرة أخرى. لتقسم شوق بعدها أنها لن تقبل منه أي إحسان أو مِنّة بعد الآن فهي هكذا تعد نقوده التي يرسلها كل شهر فلا تشعر بأنه والدها وإنما مجرد رجل غريب يتكفل بها، ولا هو يهتم بها حتى أنه لم يعرض عليها أن تعود معه إلى القاهرة وتركها تعيش وحيدة وكأن الأمر لا يهمه.
ليهتف هو بصوته الأجش وكأن حمية الرجولة قد جرت في عروقه. _لا فلوس إيه... الفلوس دي آخر حاجة هفكر فيها. ابتسمت هي. _يبقى على خيرة الله... أقوم أفرح البت. ليقفز هو من مكانه يلوي من الغيظ. _كأنها بنت المضروبة دي... جاتلك واشتكتلك... وعلشان إكده جيتي تقنعيني... هتمشي كلمتها عليا إياك... وربنا لأكسر رقابتها على صدرها. بسرعة وقفت شوق أمامه ومدت كلتا يديها أمامه تثنيه عما يود فعله. _استنى بس يا بونا مش اكده...
أنت قلبت ليه إكده كيف ولا بلاش... اسمع البت ما أجرمتش لما استعانت بيا ما هي شايفة مستقبلها بيضيع تعمل إيه تقعد تتفرج ولا تقعد تندب حظها! ... عارفة إنها ضعيفة ومكسورة الجناح قدام أبوها وأمها ما هتعرفش تعملها حاجة يبقى ما فيش غيري يساعدها ويقدر يقنعك... وبعدين تمشي كلمتها عليك كيف بس والبت يا حبة عيني ما بتقدرش ترفع رأسها تطلع في وشك ولا ترفع عينيها في عينيك... آيات طيبة ومكسورة بلاش تيجي عليها أكثر من إكده.
ده سيدنا النبي قال: "رفقًا بالقوارير". ... بناتك سترك من النار يا سيد الناس بلاش تظلمهم وتستغل ضعفهم وخذهم تحت جناحك وتآويهم بعطفك وحنانك.. الرجولة ما هياش فرد العضلات وشخط ونتر طول الوقت... كمال الرجولة إنك تكون حنين ولين مع أهل بيتك اللي هم في الأصل أولى. صمتت قليلًا ثم قالت بنبرة ترجي مازحة. _ها قلت إيه.. بالله توافق... كأنك عايز تردني والناس تأكل وشي...
ده أهل البلد كلياتها فرحانة للبت ومعتمدين عليا إني هأقدر أقنعك. _وهي اشتكت للناس كماني. _لا... بس كلهم عارفين إن البت غاوية تعليم وعلشان البت طيبة والبلد كلها تشهد بأخلاقها وأدبها الكل يتمنى ليها الخير.. فما بالك بأبوها بقى. تنهد بقلة حيلة فشوق قد حاصرته ولم يستطع الخلاص. _ماشي وأمري لله... بس لو حصل حاجة اكده ولا إكده ما تلومش إلا نفسها. _ما هيحصلش حاجة واصل والبت هتكون عند حسن ظنك بيها وهترفع راسك كماني.
في تلك الأثناء طرق صبي الباب وهتف ليقول لشوق. _في راجل مستنيكي قدام الدار يا أبلة شوق. لتهتف شوق بتذكر. _آه تلاقيه عبيد أني شيعتله من يومين... توه لسه متذكر يجي... ده ليلته هباب النهاردة.. الراجل الظالم مدشدش الكرسي على عياله وكسر عضمهم يا حبة عيني... ده أني كنت عايزة أبلغ عنه في القسم بسبب عملته دي... روح يا واد قوله أني جاية وراك أهو. لتلتف هي لوالد آيات.
_نادي على بتك وفرحها أنت بنفسك.. يلا أنا ما فضياش خليني أروح للبو قبل ما يفر من يدي. _بت يا آيات... أنتِ يا بت. قدمت آيات بسرعة لتلبي نداء أبيها في الحال. فوقفت أمامه تقوم مخفضة رأسها لأسفل متوجسة خيفة في أي شيء يريدها. _أيوة يابا. _عايزك تكملي علامك يا بت! ظنت أنه يوبخها وربما ستتلقى عقابًا شديدًا فانكمشت في نفسها وقالت بصوت باكٍ مستضعف. _ااا... أني.. يابا.. ما هو.. أصل... ليقترب منها بضعة خطوات.
فتعود آيات للخلف بذعر وهي تضع يدها أمام وجهها تخبئه وغيرت رأيها لتتفادى بطشه. _خلاص.. خلاص يابا اللي أنت عايزه هعمله... بالله عليك ما تضربني! لتتفاجأ به يحيطها بذراعه تحت أنظار شوق المبتسمة فرحًا لفعلته. _ما تخافيش إكده.. أني موافق تكملي علام يا بت. حملقت في والدها بذهول وهتفت غير مصدقة. _صحيح يابا... ونظرت لشوق بفرحة لا تسعها. ليهتف والدها بتحذير. _بس على شرط. بادلت نظراتها بين شوق وبينه لتهتف بلهفة وحماس.
_اشرط يا بوي براحتك وأنا طوع يدك. _تحافظي على نفسك يا بت وترفعي راسي وإلا هدفنك مطرحك بالحيا. أمسكت هي يده الخالية وانخفضت لتقبلها. _اطمن يابا أني تربيتك... وعمري ما هدس راسك في الطين أبدًا... ربنا يخليك لينا يابا وما يحرمنا منك أبدًا. لتتنهد شوق براحة وتعود أدراجها مغادرة البيت. _مهمتي أهنه انتهت بنجاح... فوتكم بعافية هأروح ألحق ولد المخروب ده.
لتلحق بها آيات وتلقي بنفسها بين أحضانها في عناق تبثها فيه كل فرحها وامتنانها لصنيعها. _أني ما أعرفش أقولك إيه ولا أشكرك إزاي يا أبلة شوق... أنتِ رديتِ روحي من جديد. _افرحي يا حبيبتي... واتعلمي وزيدي بيه جمال ورفعة. قالتها ثم هتفت بأبيات الشعر تلك قبل أن تعود لبيتها والتي باتت آيات تحفظها عن ظهر قلب. _ليس الجمال بأثواب تزيننا إن الجمال جمال العلم والأدب وليس اليتيم من لا والدين له إن اليتيم يتيم العلم والأدب
كن ابن من شئت واكتسب أدبًا يغنيك محموده عن النسب حسود مريض القلب يخفي أنينه ويضحي كئيب البال عندي حزينه يلوم علي إن رحت في العلم دائبًا أجمع من عند الرواة فنونه فيا عاذلي دعني أغالي بقيمتي فقيمة كل الناس ما يحسنونه قد يجمع المرء مالًا ثم يسلبه عما قليل فيلقى الذل والحرب وجامع العلم مغبوط به أبدًا فلا يحاذر منه القوت والطلب
اقتربت من الباحة الأمامية لبيتها لترى ظل رجل واقف لم تتبين ملامحه جيدًا فهو يوليها ظهره فأمسكت عصاتها واستعدت لتوح بها في الهواء لتضرب بها عبيد وقالت وهي مغتاظة منه. _أخيرًا جيت... ده أنا مغلولة منك قوي.... بقى يا راجل دي عملة تعملها في العيال وربنا أنت مفتري. اقتربت منه أكثر لتتبين أن تلك الملابس يستحيل أن تخص عبيد فعبيد يرتدي دائمًا عباءة كعادة معظم أهل البلد.
ليستدير هو ليقابلها بوجهه فتعود هي للخلف خطوة من أثر المفاجأة ولكنها لم تفتح فمها لتنطق بحرف واحد. ليهتف هو بوجه بشوش راسماً على وجهه ابتسامة لم ترها شوق إلا مؤخرًا فهو كان دائم العبوس في وجهها بل كان لا يوليها أي اهتمام على الإطلاق. _إزيك يا شوق. ابتلعت ريقها بغضب وهتفت بنبرة حرصت ألا تخرج ساخرة. _أهلًا وسهلًا يا غريب بيه... نورت البلد بحالها. اقترب منها أكثر ليهتف بحميمية. _عاملة إيه يا بنتي؟
هذه المرة لم تستطع أن تمنع نبرة التهكم من الخروج. _واه توك افتكرت إن ليك بنت وبتسأل عن أخبارها. ليغضب غريب من حديثها ذاك. _شوق ما تنسيش نفسك أنا مهما كان أبوكي. تنهدت لتخرج ما بداخلها من هم وحاولت أن تكون أكثر لباقة مع والدها رغم تخليه عنها طوال تلك السنوات... رغم غضبها الشديد منه ومن ظلمه لها ولأمها إلا أنه أبيها على أي حال واحترامه واجب. _آسفة يا بويا... حقك عليا... أني كويسة الحمد لله.
قالتها ثم أشارت لباب منزلها لتدعوه للدلوف. _اتفضل ادخل.. البيت مش قد المقام. بس أهو الحمد لله نعمة من ربنا. لحق بها أبوها وعمد إلى كرسي بجواره طاولة مستطيلة الشكل فجلس إليه، لتدلف شوق غرفتها وتجر كرسيًا آخر وتجلس قبالة أبيها. _نورت البيت يا بويا، يا ترى إيه سر الزيارة المفاجئة دي؟
ثم هبت واقفة قبل أن يقول أي كلمة، واقتربت من إحدى الزوايا حيث توجد طاولة مشابهة التي يجلس إليها والدها، وموضوع عليها بعض البرطمانات التي تحوي الشاي والسكر، فأخذتهم وانحنت بجسدها نحو الشعلة لتعد لوالدها بعض الشاي. انتظرها والدها إلى أن أنهت صنع الشاي وجلست جواره بعد أن قدمت له كوبًا خاصًا به، لينظر لها مطولًا بعد أن ارتشف بعض رشفات من الشاي. _شوق إنتي هترجعي معايا مصر.
حملقت به شوق في بادئ الأمر، لكنها هدأت مرة أخرى وفتحت فمها لتعترض، فكيف تعود بعد تلك السنوات، وتعود من أجل من؟ هي في تلك البلدة، في بيتها، وبين أهلها والذين يحبونها. هل هناك مع والدها أحد يحبها أو يعرفها من الأساس؟! الذي كانت تتوق للعودة لمصر من أجله قد فارق الحياة وتركها باكرًا "المعلم حسام" فلم العودة إذا؟ لكنه سبقها قائلًا ليعلل لما يريدها هناك: _شوق أنا محتاجك في خدمة ومتأكد إنك قدها.
استغربت حديثه، فأي خدمة يريدها أبوها منها وهو رجل الأعمال المشهور ذو المكانة العالية؟ ليردف هو: _إخواتك يا شوق، إخواتك حالهم مش عاجبني وغلبت معاهم بكل الطرق ومفيش فايدة، علشان كدا قلت مفيش غيرك اللي هيصلحهم، وخاصة بعد ما شفت طريقتك في البلد هنا والناس كلها بتعملك ألف حساب. _مش فاهمة يابا، أنت عايزني أعمل إيه معاهم؟ أدرس لهم يعني؟ _اعملي اللي تعمليه معاهم، مش هناقشك، المهم إخواتك حالهم ينصلح، قلت إيه؟ لتهتف
هي بمرارة عاتبة عليه: _ودلوك توك شفتني؟ توك آمنت بيا وبقدراتي؟ وإني هييجي مني؟ هل بقيت دلوك أنفع أكون بنت غريب بيه وهشرفك وسط الناس؟ ليهتف هو بجمود كعادته: _شوق ممنوش لازمة الكلام ده دلوقتي، المهم جهزي نفسك علشان أوديكي عند إخواتك. لتنفل هي ولم تستطع كبح جماح غضبها: _أومال إيه اللي له لازمة؟! موصلحة أولادك مش إكده؟ مش مهم أنا أولع بجاز! المهم أولادك اللي معرفش شكلهم ولا سنهم ولا حتى اسمهم إيه؟
مشاعري أنا وقلبي المكسور أدفنهم بالحيا علشان أبويا ميهمهوش غير موصلحة أولاده اللي لولاها ما كنت شفته قدامي دلوك ولا عبرني! وحتى يا ريتك جيت علشان تأخذني أعيش معاكم اللي ما عملتها بعد موت أمي وقلت أخذها حرام أسيبها قاعدة لحالها، لاه جاي تأخذني أعلم أولادك اللي مسميهم إخواتي؟ إخواتي من أي اتجاه عايزة أفهم؟ إخواتي من أبويا اللي معرفش عنه حاجة غير اسمه ولا عمري في يوم حسيت بأي عاطفة من ناحيته تجاهي!
أبويا اللي كنت بتقطع من قسوته وبعده عني، اللي كنت أتمنى في يوم يأخذني في حضنه ويحس بمشكلتي ويقولي هنتخطاها سوا، مش يبيعني مع أول فرصة علشان يخلص مني ومن مشكلتي، ويرميني أنا وأمي في بيت زي ده رغم بيتك الكبير اللي في مصر. أخذت نفسًا محملًا بكل الوجع الذي قد يحمله إنسان وأخرجته بغُلب، فلا فائدة من الكلام ولا العتاب، فلا شيء مما فات قد يعود. _بس صحيح معاك حق يا بويا، ممنوش عادة الكلام دلوك خلاص.
ظنت أن بكلماتها المعاتبة تلك أن تراه نادمًا، لكن لا شيء، ما زال على جموده التي تعهده عليه دائمًا. لتجده يقول بضجر: _لو خلصتي كلامك يا ريت تجهزي علشان نمشي. اغتاظت من تلك اللامبالاة وذلك البرود الذي يغلف قلبه، يا لذاك الرجل، لا يحمل في قلبه ذرة حب أو مشاعر والدة تجاه ابنته. لذا هتفت ترفض دعوته:
_أني آسفة يا غريب بيه، شف لك مدرس غيري يدرس لعيالك، أني مانيش فاضية، أهل البلد محتاجني أكثر من أي حد، على الأقل عيالك تقدر تجيب لهم مدرس أو اثنين أو ثلاثة، لكن هنا الناس مش لاقية تأكل يا غريب بيه، ورغم إكده الحب مالي قلوبهم وفايض كمان لدرجة إنهم بيوزعوه على بقية الخلق. زفر غريب حانقًا وتحدث بحدة: _شوق إنتي مش هتكسري كلامي، قلت هتيجي معايا علشان إخواتك يعني هتيجي، إنتي فاهمة؟! ومفيش مجال للنقاش.
أغمضت شوق أعينها بحسرة ووجع، فها هو يعاملها معاملة الغريب وكأنها لا تنسب له يومًا، لذا هتفت بقلب مكسور ينزف وجعًا مدميًا: _حاضر يا غريب بيه، اللي تؤمر بيه هاجي إمعاك أعلم إعيالك، دقايق بس ألم خلجاتي وجاية.
غابت عنه لبضع دقائق على ما يبدو أنها كانت تبكي خلالهم حسرة على حالها، لكن كان عزاءها الوحيد أنها ستذهب لتكمل مسيرة معلمها، فتعليم إخوتها هدف نبيل وجزء من رسالتها. لذا عزمت أن تنهي مهمتها مع إخوتها الصغار وتعود مرة أخرى لدارها. مدت يدها أزاحت تلك العبرات العالقة على أهدابها، لتعود مرة أخرى وتحمل حقيبة صغيرة تحوي ملابسها وبعض متعلقاتها الشخصية.
_أني جاهزة، بس جولي هما إخواتي دول كم أعمارهم علشان يكون عندي فكرة في الأول بس بدل ما أنا على عمايا إكده. أطفأ السيجارة التي كان أشعلها بينما ينتظرها إلى أن تنتهي وهتف بهدوء: _الكبير ٢٥، الوسطاني ٢٢، والصغير ١٩. حملقت به بذهول: _كام؟! دول شحوتة يابا، هعلم فيهم إيه دول؟ يا دي المرار الطافح، أني فكرتهم عيال أكبرهم في الإعدادي ولا الثانوي.
وبكدا خلصت شوق فتاة الديسلكسيا التي استطاعت بفضل مثابرتها التغلب على مشكلتها التي كانت تتعرض بسببها للتنمر من الزملاء والمعلمين، وحتى والدها الذي أبعدها عن طريقه لمجرد أنها تعاني من صعوبة في التعلم. ولكن الجزاء من جنس العمل، فها هو ابتلاه بذرية أخرى تعكر عليه صفو حياته.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!