الفصل 4 | من 6 فصل

رواية ديسليكسيا الفصل الرابع 4 - بقلم أسماء عبد الهادي

المشاهدات
18
كلمة
5,228
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 67%
حجم الخط: 18

صدفة، وبينما يعبر الرواق سمع معلمة ما تتحدث مع أم شوق. لم يكن يعرف أنها أمها سوى من وقوف شوق بجوارها، وهي تنظر للمعلمة التي تتحدث عنها بحزن شديد. قالت المعلمة: أنا آسفة أوي يا مدام، مش هقدر أكمل مع بنتك. مفيش استجابة منها وأنا بحس إني بتعب في الفاضي، أنا آسفة. تنهدت أم شوق مطولًا ونظرت للمعلمة بنظرة مجردة خالية من أي تعبير، لكن قلبها يصرخ من الوجع. فماذا عساها تقول أو تفعل؟

أحضرت لابنتها العديد من المعلمين وكلهم يجمعون على نفس الشيء أن البنت لن تفلح أبداً. شيعت المعلمة بنظراتها البائسة ثم نظرت إلى ابنتها بحسرة شديدة، لترمقها ابنتها بانكسار شديد وكأن كلمات كل معلم في حقها طعنات في ثقتها بنفسها حتى كادت أن تصبح شبه شفافة باهتة. مما أصاب الأم من غضب وقلب مكلوم، لذا هتفت بغيظ لابنتها: عاجبك كدا؟ مفيش ولا مدرس عايز يكمل معاكي. أعمل إيه يا شيخة؟

أنا طهقت وغلبت معاكي وأبوكي بدأ يزهق منك. مبقاش في إيدي أي حاجة أعملها. قوليلي أعمل إيه معملتوش؟ ساءه ما سمع، لذا وجد نفسه تلقائيًا يتقدم نحوهما ليتحدث باهتمام وعينه على تلك الصغيرة المنكسرة: السلام عليكم. حضرتك والدة شوق؟ خشيت أم شوق أنه قادم ليشكو ابنتها كعادة معلميها دائمًا، لذا هتفت بتوجس وهي تخرج ما بصدرها من اختناق: أيوه يا أستاذ... حضرتك عايز تشتكي من مستوى البنت؟!

أنا عارفة مستواها كويس وصراحة غلبت معاها فاستحملوها كدا هنعمل إيه. ليحرك حسام رأسه بالنفي وقال بينما يمسد على شعر شوق: لا أبدًا... البنت عسولة وشطورة خالص. تفاجأت الأم بما يقول ثم أدركت أنه يسخر من ابنتها فكشرت بوجهها. ليقول حسام بهدوء بغية أن يرفع معنويات شوق وأمها المحطمتين:

دي الحقيقة يا أم شوق، البنت صحيح محتاجة مساعدة كبيرة بس ده ميمنعش إن البنت شطورة دي حتى طلعت من كام يوم على السبورة وكتبت بعض الحروف اللي مليتهالها. لينشرح قلب أم شوق بأن هناك من يتحدث بإطراء عن ابنتها، لذا أرادت أن تستغل تلك الفرصة وتعرض عليه أن يعطي ابنتها دروسها: ربنا يجبر بخاطرك يا أستاذ... طب أنا كنت بدور للبنت على مدرس يدرسلها في البيت... ممكن؟! وهعطي لحضرتك المبلغ اللي تطلبه. ليهتف حسام:

أنا للأسف مش بعطي أي دروس خصوصية أبدًا... لكني مستعد إني أساعد شوق... البنت فعلًا محتاجة مساعدة ودعم معنوي كبير جدًا. ياريت الله يخليك يا أستاذ، أنا مبقتش عارفة أعملها إيه. بصي حضرتك الكلام في الموضوع ده يطول شرحه وأنا عندي حصة دلوقتي... لو بإمكانك تنتظريني لحد ما أخلص حصتي وأتناقش معاكي في بعض المسائل بخصوص البنت؟ وافقت هي على الفور: مفيش مانع أبدًا... هنتظر حضرتك تخلص اللي وراك.

بعد حوالي ساعة حضر حسام إلى المكان الذي تنتظره فيه أم شوق وهو عبارة عن حجرة المعلمون، ولكن لم يكن سواها بها. فألقى التحية عليها مبتسمًا: أنا آسف اتأخرت على حضرتك. ولا يهمك يا أستاذ... أنا مش عايزة أعطل حضرتك. جلس على مسافة منها: مفيش عطلة ولا حاجة أنا خلاص خلصت الحصص اللي عندي النهاردة... ممكن أسألك شوية أسئلة بخصوص شوق؟ أتفضل يا أستاذ.

ممكن حضرتك تحكيلي أخبار شوق في السنين اللي فاتت أنا عرفت إنها انتقلت من مدرسة خاصة لهنا. بدأت أم شوق تقص عليه كل ما حدث مع شوق منذ أن بدأت تدرك أن ابنتها تعاني مشكلة في التعلم. أخذ حسام يفكر فيما قالته أم شوق ليهتف بعد أن تأكد يقينًا أن شوق تعاني من صعوبات في التعلم: ممم بنتك للأسف... بتعاني من صعوبات التعلم... معقولة محدش من المدرسين نوهوا لك بده. حركت رأسها بالنفي:

كلهم كانوا بيقولوا إن قدرتها الاستيعابية منعدمة وإن دماغها واقفة مبتستجبش خالص. حرك رأسه يرفض ما يقولونه: لا طبعًا اللي بيقولوه ده كله غلط... البنت بتستوعب كويس جدًا... بس المشكلة عندها في طريقة تلقي المعلومة نفسها... بمعنى أن الأسلوب المتبع معاها نفسه من الأول غلط... حالة شوق بيعاني منها العديد من الأطفال بدرجات متفاوتة وحالة شوق الأصعب من بينهم. يعني إيه يا أستاذ وإيه صعوبات التعلم اللي بتقول عليها دي ونحلها إزاي؟

صعوبات التعلم ده أنواع كتير... وباب واسع جدًا ومحتاج متخصصين ودراسة متعمقة... ولحسن حظ شوق إني بعمل رسالة الماجستير بتاعتي عن صعوبات التعلم وأنواعها وطرق علاجها ويمكن ده اللي خلاني أقدر أكتشف حالة شوق. هتفت الأم بفرحة: طيب قولي الله يخليك يا أستاذ أتصرف إزاي مع البنت... ده أبوها حالف لا يخرجها من المدرسة ويجوزها. الأول علشان نعرف نتعامل صح مع البنت لازم نعرف أي نوع من أنواع صعوبات التعلم بتعانيه شوق هل صعوبة الحركة

(ديسبراكسيا) ... أم صعوبة الحساب (ديسكالكيولا) ... أم اضطرابات الانتباه والتركيز... أم صعوبة الكتابة (ديسجرافيا) ... ولا عسر القراءة (صعوبات القراءة.. ديسليكسيا) حملقت به أم شوق بعدم فهم فلأول مرة تسمع المصطلحات التي يقولها... وعلى ما يبدو أن الأمر ليس سهلًا كما كانت تظن. لذا هتفت بحيرة: وهنعرف إزاي يا أستاذ؟ دي مهمتي... هقعد مع البنت مرة واتنين وتلاتة لحد ما أحاول أني أحدد أي نوع بالظبط بتعانيه شوق.

ياريت يا أستاذ وهيبقى جميل مش هنساهولك طول العمر. ده واجبي يا مدام... واطمني شوق أنا بعتبرها زي بنتي بالظبط ويهمني أمرها... ممكن بس رقم حضرتك علشان لو في جديد أبلغ حضرتك أو لو عايز أستفسر عن جزئيات معينة؟ أخرجت هاتفها من حقيبتها بلهفة فأخيرًا وجدت من سيخرج ابنتها من مشكلتها: أوي أوي يا أستاذ... اتفضل... ٠١٠

أنا عايز أقول لحضرتك إن الموضوع مش سهل لإن اكتشاف أي نوع من أنواع الصعوبات دي أمر معقد جدًا وده لإنه كل الأعراض متداخلة ومتشابكة ببعضها وده هيخليني أستعين بخبراء متخصصين علشان أوصل. اعمل اللي حضرتك شايفه صح وأنا معاك في أي فلوس حضرتك تحتاجها المهم بنتي نلاقي لها حل. الفلوس دي آخر حاجة ممكن نفكر فيها... حضرتك ادعي بس وقولي يا رب يوفقنا في حل مشكلتها... والأهم دلوقتي...

إن حضرتك ووالد شوق تتفهموا مشكلتها ومتحسسوهاش بأي قصور أو فشل... ياريت تقدموا لها الدعم النفسي والمعنوي وإنكم جنبها وبتحبوها ومتقبلينها زي ما هيه... بتحبوها بكل حالاتها... وياريت بلاش الكلام اللي يحبط أو أي نظرة تحسس البنت بالعجز أو الفشل... زي الكلام اللي حضرتك كنتي بتقوليهولها أول ما قابلتكم... الكلام ده والنظرات دي كفيلة إنها تهدم كل اللي هنعمله وهتخلينا نفشل قبل ما نبتدي.

بدأت أم شوق تشعر بمدى صعوبة المشكلة التي تمر بها ابنتها وبعظم المسؤولية التي تقع على عاتقها: إن كان عليا حاضر هوعدك إني أعمل كدا... بس أبوها اللي مش عارفة أعمل معاه إيه... يا رب يسمع كلامي ويساعدني. آه يا ريت تحاولي معاه وتتعبي علشان بنتك لو عايزة فعلًا مصلحتها. بإذن الله يا أستاذ... أنا معرفتش اسم حضرتك. حك حسام شعر رأسه بسخافة: آه صح أنا نسيت الحماسة خدتني معلش... أنا أستاذ حسام الدمنهوري.

أهلًا وسهلًا يا أستاذ ده أنت ربنا بعتك لبنتي من السما. ربنا يقدرني وأقدر أساعدها فعلًا. أسماء عبد الهادي بعد فترة دامت شهر كامل من البحث وسؤال المختصين والتقييم لأداء شوق من خلال كونه معها لحظة بلحظة، استطاع حسام أن يعرف أن ما تعانيه هو الديسلكسيا "عسر القراءة" والتي كانت أعراضه جلية على شوق وهي: القراءة البطيئة أو غير الدقيقة. هجاء فقير جدًا. صعوبة في الربط بين الكلمات الفردية مع معانيها الصحيحة.

صعوبة في مراعاة الوقت، ومفهوم الوقت. صعوبة في مهارات التنظيم. صعوبة فهم التعليمات السريعة، صعوبة اتباع أكثر من أمر واحد في وقت واحد أو تذكر تسلسل الأمور. انتكاسات للحروف (بي ودي) وعكس كلمات (saw for was) الفشل في رؤية (وأحيانًا سماع) أوجه التشابه والاختلاف في الحروف والكلمات. ضعف في التمييز بين أحرف العلة فقد تقرأ كلمة (فول) فيقول (فيل) ضعف التركيز عند الاستماع للقصص.

لذا هاتف والدتها وطلب مقابلتها في المدرسة فهو المكان الذي يلتقيان فيه دائمًا لمناقشة أمور شوق ومدى تقدير الأمور في حالتها. استأذنت زوجها على الفور عن طريق الاتصال به هاتفيًا فلم يكن هو يبالي بأي شيء يخص ابنته وكأنه نفض يده عنها، لذا أخبرها أن تفعل ما يحلو لها بشأن ابنتها. لم تكذب هي خبرًا ولم تضيع أي فرصة على ابنتها وارتدت ملابسها على الفور وذهبت لتقابل المعلم ربما سيخبرها بما سيقر عينها ويطمئن قلبها السقيم على ابنتها.

في المدرسة وتحديدًا في المكتبة. قالت الأم: إزيك حضرتك يا أستاذ حسام؟ أهلًا بحضرتك... أنا كويس الحمد لله... أخباركم إيه... عسى تكونوا بخير إن شاء الله... اتفضلي اقعدي. هتفت وهي تتخذ مقعدًا: الحمد لله بخير يا أستاذ... طمني وصلت لحاجة بخصوص البنت بشرني الله يسترك. أنا قدرت بعون الله بعد سؤال المختصين إني أعرف إن شوق عندها الديسلكسيا... يعني عسر القراءة... ومع ذلك منقدرش نجزم 100% إنها مؤكد بتعاني من النوع ده بعينه...

لكن المؤشرات كلها والأعراض بتشير إليه أكثر من غيره. تنهدت أم شوق بغلب: طب والحل إيه؟ دلوقتي احنا حطينا إيدينا على أول الطريق الصحيح... لو اتبعنا الطرق العلمية الصحيحة إن شاء الله هنلاقي نتايج مرضية. أيوه يا أستاذ حسام أنا مش فاهمة إيه اللي المفروض نعمله. أول حاجة وقبل ما نحدد كورس العلاج... لازم طبيب مختص يفحص شوق ونشوف هل في أي مشاكل عضوية ولا لا؟ حملقت به أم شوق وهتفت بزعر:

يا لهوي يعني البنت معاقة ذهنيًا يا أستاذ حسام؟؟ عندها مشاكل في عقلها؟؟ هز حسام رأسه بالنفي: أنا مقلتش كدا أبدًا...

الديسلكسيا مش معناها تخلف عقلي أو إن البنت غبية أو تفتقر للذكاء، بل بالعكس شوق تمتلك نسبة الذكاء الطبيعي ولسه كمان هنقيس مستوى ذكائها أكتر من مرة بعد كل مرحلة من مراحل العلاج والتأهيل التربوي. أنا اتكلمت مع أستاذ الحساب اللي بيدرّس لشوق وأكد لي إنها بتقدر تحسب وتستخدم عقلها في العمليات الحسابية، المشكلة عندها في التمييز بين الأرقام وده اللي هنعالجه بإذن الله.

_أنا تهت منك يا أستاذ حسام ومبقتش عارفة إيه المطلوب مني دلوقتي. _المطلوب دلوقتي حضرتك تيجي معايا عند دكتور المخ والأعصاب... أنا حجزت معاد معاه لشوق علشان نقف عند أساس المشكلة العضوي ومعالجته... حضرتك عندك أي مانع في النقطة دي؟ يا ريت توافقي علشان مصلحة البنت. حركت أم شوق رأسها نفيًا فلقد فكرت في زوجها الذي لا يهتم...

لذا قررت أن تفعل كل شيء بمفردها ولا تعتمد على زوجها في ذلك وحمدت ربها أنه سخر لها ذلك المعلم الطيب لمعاونة ابنتها على التحسن. _أنا جاية معاك يا أستاذ وموافقة على أي حاجة حضرتك هتعملها، المهم مصلحة البنت. وقف حسام مبتسمًا. _يبقى توكلنا على الله... هروح استأذن من المدير، اللي فهمته حالة شوق والحمد لله تفهم جدًا... وهجيب شوق وهرجع لحضرتك. في عيادة الطبيب المختص.

وبعدما أجرى الفحوصات اللازمة والأشعة على دماغ شوق وبعدما أخبره المعلم بكل ما يتعلق بحالتها. جلس ثلاثتهم "حسام وشوق وأمها" أمام الطبيب لينظروا ماذا سيقول. فبدأ الطبيب بإلقاء بعض الأسئلة على أم شوق بينما يدقق النظر في الأشعة في يده. _قوليلي يا مدام... هل زوجك كان بيتعاطى الكحول أو أي نوع من أنواع الإدمان التانية؟ طالعته أم شوق باستغراب ونظرت للمعلم الذي أومأ لها لتتشجع وتجيب على السؤال بصراحة. لتحرك هي رأسها بالنفي.

_لا يا دكتور... أبو شوق مش مدمن على الحاجات دي الحمد لله. _ولا كان قبل كدا في فترة حملك بالبنت؟ _لا خالص، عمره ما شربها. _ولا حتى سجاير؟ _آه أيوه... السجاير دي على طول... غلبت فيه يبطلها بس مقدرتش... بطلها شوية ورجع تاني يشربها بشراهة أكتر من الأول. _تمام... سؤال تاني من فضلك... هل عندكم حد في العيلة بيشتكي من اللي بتشتكي منه شوق... يعني هل في العيلة حد بيعاني من عسر القراءة؟ شردت أم شوق تفكر في سؤال الطبيب. _ممم...

مش عارفة يا دكتور... أحنا صعايدة وكنا ساكنين في قرية بسيطة محدش من أهلي اتعلم غيري حتى أنا مكملتش... وكمان غريب محدش في أهله اتعلم وكمل تعليمه غيره. ضم الطبيب شفتيه وعاد بنظره يدقق في الأشعة. _اممم...

بصي يا مدام لازم تعرفي إن الديسلكسيا بتكون نتيجة خلل في خلايا الدماغ نتيجة تعرض الجنين في بطن أمه لدخان السجاير أو المواد المدمنة عن طريق استنشاق الأم ليها أو تعاطيها وليها نوعين إما وراثي وده بيكون صعب علاجه بس مش مستحيل وإما ثانوي زي اللي بتعاني منه شوق... واللي له حل بإذن الله مع كورس العلاج الطبي اللي هعطيهولها والتدريب المكثف اللي هيقوم بيه مستر حسام. ليتحدث حسام.

_أفهم من كدا يا دكتور إن اللي حصل لشوق كدا بسبب تعرض أمها أثناء الحمل للسجاير اللي كان بيشربها زوجها؟ _بالظبط كدا... فاتأثر دماغ البنت وهي جنين... فبالتالي المخ لم ينمو بطريقة صحيحة وحدث فيه مشكلة وخلل بسيط أدت للأعراض اللي بتعاني منها شوق دلوقتي. نظرت أم شوق لابنتها باشفاق ومن ثم ضمها إلى صدرها. _يا حبيبتي يا بنتي كل اللي فيكي ده بسببي أنا وأبوكي والله مكنتش أعرف إن ممكن دخان السجاير ده يأذيها بالشكل ده.

ليتحدث الطبيب بجدية. _أومال حضرتك فاكرة إيه... الموضوع أخطر من اللي أي حد يتصوره... استهتار الأهل بأبنائهم حتى وهما أجنة ده شيء خطير وبيترتب عليه مفاسد كتيرة جدًا. طالعته تستنجد به بعد أن قبلت ابنتها عدة مرات باشفاق عليها. _والعمل دلوقتي يا دكتور... الله يرضي عليك شوف للبنت حل. تحدث الطبيب بعملية شديدة. _ما أنا قلت لحضرتك يا مدام...

بناءً على الأشعة اللي قدامي هكتب للبنت على العلاج المناسب لتنشيط الدماغ ده غير إن مستر حسام عليه إنه يجتمع مع معلمين شوق ويصمم برنامج تعليمي خاص بيها ومناسب لحالتها... الموضوع كان هيبقى أسهل ما يمكن لو كنتوا اكتشفتوا البنت بدري عن كدا. ليهتف حسام مؤكدًا ليوضح لأم شوق. _ده صحيح... الأعراض بتكون واضحة جدًا في سن ما قبل المدرسة... يعني هتلاقي الطفل لما يمسك كوباية الماية إيده تترعش وتتهز ويوقع الماية من الكوباية...

تأخر في الكلام وصعوبة في نطق بعض الكلمات والجمل... وكمان صعوبة في ارتداء الملابس كالحذاء أعزكم الله... صعوبة في التركيز في الاستماع لما يقرأ له من قصص. طالعتهم أم شوق بتوجس وخشيت استحالة أو صعوبة علاج ابنتها فهي تأخرت في اكتشافها فبدلت نظراتها التائهة بينه وبين المعلم حسام وبدت كالتائه وسط صحراء قفر لا حياة فيها ولا سبيل للنجاة. ليفهم حسام ما يعتري قلبها من قلق فقال محاولًا أن يبدد قلقها وتوترها.

_بإذن الله ربنا هييسرلنا... وكل حاجة هتبقى تمام... وشوق هتتحسن بس انتي قولي يا رب. رفعت يدها عاليًا بسرعة وتوسل. _يااااارب... عليك صلاح الحال يا رب. بعد أسبوع. يمكننا القول أن حسام قد سخر كل وقته واهتمامه بحالة شوق وعلاجها فقام بعمل الآتي: _استطاع إعداد برنامج تعليمي خاص مع إمكانية التغيير المستمر به ليناسب حالة شوق في كل مرة. _كما عمل على تحديد أدوات ووسائل خاصة لتساعد شوق على سهولة تلقي واستيعاب المعلومة.

_تصميم بيئة عمل خاصة بحالة شوق وحدها لتستطيع استيعاب المعلومة دون مشتتات. _كما أنه عمل على تقسيم المهام الكبيرة إلى مهام صغيرة لتستطع شوق إدراكها وإنجازها بسهولة فتشعر بالإنجاز... وبالتالي ستزيد ثقتها بنفسها أكثر وأكثر. لم تعد شوق تحضر دروسها مع زملائها في الصف وإنما أصبحت مسؤولية تعليمها كاملة على المعلم حسام... الذي وجدها مثالًا حيًا لإنجاز مشروعه العلمي وإنهاء دراسته لإكمال رسالة الماجستير الخاصة به.

لاحظ حسام حب شوق لحصة الـ BE والألعاب الرياضية فاستغل ذلك فدمجه في التعليم لذا كان يجعل شوق تتلقى المعلومة بينما تمارس العدو مثلًا... أو تقوم بالقفز في المكان وذلك لتحفيز الدماغ وتنشيطه. كما كان يطلب منها أن تقول النص على هيئة أنشودة سهلة الحفظ بينما تقفز أو تحنجل وتكررها عدة مرات إلى أن تحفظها. صمم لها بطاقات مكتوب عليها الأحرف باللغتين العربية والإنجليزية ويطلب منها تكوين كلمات من خلال تلك الحروف.

في البداية كان الأمر عسيرًا عليها... لكن مع الاستمرار والمتابعة والتقييم المستمر بالإضافة إلى تناول علاجها الذي وصفه الطبيب بانتظام... بدأت تستجيب ولو استجابة طفيفة في كل مرة. استمر بها الحال فصلًا دراسيًا كاملًا مع البرنامج التعليمي المكثف. كما تعلمت الأم كيف تتعامل مع ابنتها وكيف تلقي إليها الأوامر لذا فبدلًا من أن تقول لها:

_ادخلي أوضتك وغيري هدومك بعدين اغسلي إيديكي وتعالي اقعدي على السفرة علشان نأكل وبعدها هتجيبي الواجب علشان نخلصه مع بعض. كانت شوق في السابق لا تعي شيئًا مما تقوله أمها وتقف ثابتة كالبلهاء... فتصرخ أمها عليها وتعيد عليها تلك الأوامر ولكن بصوت أعلى وأعنف. لكنها الآن بدأت تفهم طبيعة حالة ابنتها ومتطلباتها فأصبحت الأوامر التي توجهها لابنتها مباشرة ويسيرة. _شوق ادخلي غيري هدومك.

وما أن تفعل شوق ذلك حتى تطلب منها الأمر الذي يليه. _اغسلي إيديكي. ففعلت شوق في الحال... لتتجه الأمر للأمر الذي يليه. _يلا اقعدي علشان نتغدى. وحرصت على إعداد الأطعمة المنشطة للدماغ كما أوصاها الطبيب... كالبيض والأسماك الدهنية والخضروات الورقية والمكسرات والشوكولاتة الداكنة.

وجدت أم شوق أن الأسئلة المباشرة البسيطة تستطيع شوق إنجازها وبكل سهولة مما حسن من العلاقة بينهما فلم يعد هناك صراخ أو صرامة أثناء الحديث ولم تجد تشنجًا أو عنادًا من شوق. وأثناء امتحانات الترم الأول. تم إعداد اختبار صمم خصيصًا ليناسب حالة شوق فيقوم به حسام بالمكوث معها وشرح لها الأسئلة بطريقته الخاصة لتجيب هي عليه تمامًا كما علمها. كما تم منح شوق وقتًا إضافيًا لموعد انتهاء الاختبار لحتى تتمكن شوق من حل كل الأسئلة.

وبطول تلك المدة تعلقت شوق بمعلمها الذي كان حنونًا عطوفًا معها مقدرًا حالتها لأقصى حد ممكن... سهلًا يسيرًا معها... فباتت لا تستغني عنه ولا تأتيها شجاعتها وثقتها بنفسها إلا بحضوره. أراد حسام أن يشرك شوق مع صفها ولو ليوم واحد في الأسبوع... لحتى تكسر الروتين ولحتى تتمكن من اكتساب بعض الأصدقاء فلا تظل وحيدة مختلفة عن البقية. ففي مرة من المرات التي كانت فيها شوق تشارك صفها وتجلس معهم.

سأل المعلم سؤالًا في تهجي كلمة "توجيهات"... شعرت شوق أنها تعرف تلك الكلمة، لكنها ترددت هل ترفع يدها كالبقية. ولأول مرة ترفع يدها وهي على يقين بالإجابة. لاحظ المعلم ترددها، فطلب منها أن تجيب بغية تشجيعها. فكل المعلمين بالمدرسة قد أعلمهم المعلم حسام بحالة شوق لحتى لا يسيئوا معاملتها.

وما إن طلب منها المعلم أن تقوم بتهجي الكلمة، وما أن فتحت شوق فمها لتنطق حتى شعرت أنها نسيت تمامًا ما كانت تود قوله، رغم أنها كانت تعرفها جيدًا. لكن يا للأسف طارت الكلمة عن رأسها تمامًا. فأخذت تتهته تتتتت... دون أن تستطيع أن تقول الحرف الذي يليه. فأخفضت رأسها بخيبة أمل كبيرة أصابتها، ونزلت دموعها رغمًا عنها. وشعرت وكأن من بالصف جميعهم ينظرون إليها ويسخرون منها كسابق عهدهم معها. أجل، إنهم يسخرون منها مرة أخرى...

يرشقونها بنظراتهم الضاحكة، ينعتونها بالغبية ثانية... ظنت أنها ارتاحت من ذلك العناء... ظنت أنها لن تسمع كلمات تؤذيها وتصيبها بالإحراج بعد أن أصبح مستواها أحسن... هي تبذل قصارى جهدها كي تتعلم، كي تلحق بهم... كي تمحي الأثر النفسي الذي تسببه لها هم الساخرة عليها... كي لا تكون منبوذة من الجميع حتى المعلمين... حتى لا تبيت ليلها كله باكية تستعيد يومها الطويل الذي كان يمر عليها كالدهر وهي تتحمل شماتة تلك وسخرية ذاك...

تتحمل جفاء المعلمين وقسوتهم... وصرامة والدها ونظرته المشمئزة لها. لكن هيهات هيهات، يبدو أنها كانت تحلم... أو تتوهم، فها هي تعود للتهتهة مرة أخرى... لا تستطيع أن تجيب معلمها... لا تستطيع القراءة ولا تذكر الأحرف... ليعود كل شيء كما كان، كما لو لم تفعل شيئًا... ليصاب قلبها بالكمد والهم... فتخفض رأسها لأسفل لتخفي وجهها عن الجميع، تود لو أن تختفي من العالم أجمع علها تريحهم منها أو ترتاح هي.

انشغل المعلم بشرح بقية الدرس ولم ينتبه لها إلى أن انتهى الدرس وخرج المعلم من الصف، وما إن فعل... حتى هبت شوق تركض خارج الصف بكل ما أوتيت من قوة قبل أن يدلف المعلم الآخر للصف... متناسية حقيبتها... متناسية كل شيء. المهم أن تبتعد عن الجميع... تبتعد وتبتعد... كانت الحصة التالية من نصيب المعلم حسام الذي دلف الصف، وأول شيء بحث عنه بابتسامة منفرجة هي شوق... متفائلًا بطفلته التي يستبشر بها خيرًا...

ومؤمنًا يقينًا أنها ستتحسن وستصبح ذا شأن يومًا ما. تاهت نظراته وهي تتحول في أوجه البنات جميعهن ولا يجد شوق من بينهن. لتعبس قسمات وجهه وتتحول تلك البسمة لنظرات قلقة ليهتف بتساؤل: "هيه شوق فين... راحت التواليت؟! لتنهض إحدى الفتيات والتي تتسم بالجرأة والصوت العالي: "لا يا مستر... دي أول ما الحصة خلصت... خدت بعضها جري ومشيت علطول." رفع حسام حاجبيه بذهول وهتف بغضب: "حد زعلها؟! لتهتف الفتاة باستهزاء من شوق وهي تتذكر عدم

قدرة شوق على تهجي الكلمة: "أصلها يا مستر معرفتش تتهجى كلمة، وفضلت طول الحصة تخبي وشها من الكسفة اللي هيه فيها." تجهم وجه حسام وتعكر مزاجه، وقرر أن يذهب ليبحث عنها، لكن أولًا ليذهب إلى معلم اللغة العربية ليستفهم منه ما الذي حدث. لذا هتف بصرامة بينما يمسك بحقيبة شوق في يده: "مش عايز حد يتحرك من مكانه لحد ما أرجع، مفهوم! حرك الجميع رؤوسهم: "حاضر يا مستر." ذهب إلى الأستاذ عبد العزيز مدرس اللغة العربية ليحكي له ما حدث.

فيسأله حسام: "وإنت زعقت لها أو ضربتها؟! "لا خالص... ولا بينت ليها أي حاجة وكملت شرح عادي." "طيب محاولتش تطيب خاطرها بأي حاجة؟ "صراحة لا، التفت للدرس علطول علشان أخلصه، أصلنا متأخرين في المنهج حبتين." زفر حسام بضيق وأومأ للمعلم بصمت وتركه باحثًا عن تلك التي لم تتحمل فشلها ثانية. بحث عنها في أرجاء المدرسة كلها، لكنه لم يجد لها أثر... لكنه بعدها أدرك أين يجدها... فرفع بصره لأعلى ليجدها تمامًا كما توقع...

كما اعتادت هي أن تخلو بنفسها فتذهب لمكان لا يذهب إليه أحد. تنهد متأسفًا على حالها وهمّ بصعود الدرج بغية الوصول إليها. تجلس على حافة السطح تنظر للأفق بلوعة وكأنها عصفورة صغيرة حبيسة ما تعانيه، فلا تستطيع الخلاص واللوذ بالحرية. وقف جوارها مزينًا وجهه بابتسامة هاتفًا وكأنما شيئًا لم يحدث: "نسيتي شنطتك." التفتت إليه لتجده يطالعها ببسمة حانية وكأنه بذلك ضغط على زناد دموعها فانفجرت باكية تلقي بنفسها في أحضانه.

تركها لتخرج ما بداخلها من هم لحتى ترتاح، ومن ثم مسّد على شعرها بحنان بالغ وظل صامتًا ليترك لها حرية الخيار إما أن تخبره ما بها أو تصمت كعادتها. ليجدها تنفجر وكأنها قنبلة موقوتة مرة أخرى بالبكاء، لكن هذه المرة وهي تشكوه معاملة الجميع لها ومعاناتها بسبب مشكلتها: "أنا تعبت يا مستر... أنا غبية وهفضل طول عمري غبية... مفيش فايدة فيا زي ما الكل بيقول... كنت مفكرة إني هقدر أكون زي زمايلي...

كنت مفكرة إن خلاص هكون شاطرة زيهم ومحدش هيستهزأ بيا تاني... مش هكون وحيدة من تاني وهقدر أكون صداقات زيهم... ظنيت إن معاناتي خلاص انتهت وبابا هيرجع يحبني زي زمان... بس الظاهر إني هفضل طول عمري كدا... أنا زهقت وتعبت وعايزة أموت نفسي يمكن أرتاح." قالتها وهي تبكي بقهر على حالها. تركها إلى أن انتهت تمامًا وأخرجت كل ما بجعبتها من دمعات حتى كفت تمامًا، كل ذلك وهو يحتضن رأسها بين يديه.

وما إن انتهت حتى ابتعد عنها وصعد إلى سور السطح ووقف عليه. تابعته شوق بعينيها باستغراب، وما إن رأته يمد إحدى أرجله للخارج. حتى نهضت من مكانها فزعة وهتفت بخوف عليه متناسية حزنها وبكاءها: "مستر، حضرتك بتعمل إيه؟! التفت إليها وهتف مدعيًا اللامبالاة: "ولا حاجة... عايز أموت نفسي يمكن أرتاح زي ما قلتي." ازدردت ريقها بتوجس مع حركة بؤبؤ أعينها الفزعة، وتلقائيًا حركت يدها نحو قدمه تتشبث به لتثنيه عما يود فعله:

"لا يا مستر، أوعى تعمل كدا." ابتسم في نفسه بمكر، فهو فعل هذا كي يلقنها درسًا من خلاله تتعلم ألا تفكر بتلك الطريقة المأساوية أبدًا. لذا استدار لها وجلس على حافة السور مدعيًا الضيق: "لأ ليه يا شوق... أنا تعبان في حياتي ومش مرتاح، وإنتي قلتي بنفسك لو موت هأرتاح... سيبي أرتاح بتمنعيني ليه؟! هتفت بقلب صادق: "علشان بحبك يا مستر ومقدرش أتحمل بعد حضرتك عني أو إنه يحصلك أي حاجة وحشة."

"يعني حبك ليا كافي إنه يزيل همومي ويخليني أرتاح؟ تلقائيًا مدت يدها تشدد على كفة يده وطالعته بدمعات تنهمر من عينيها كنهر عذب: "بس أنا لسه صغيرة ومقدرش أعمل حاجة علشان أساعدك." "معنى كلامك إن وجود حد جنبي بيحبني ده كفيل إنه يخليني مرتاح؟ "أيوه يا مستر... أرجوك مش عايزة أشوفك زعلان تاني." "طيب ليه أنا شايفك حزينة بالشكل ده ومش مرتاحة، رغم إنك عارفة إني بحبك وماما وبابا وناس كتير تانية بتحبك؟

تركت شوق يده وأدارت ظهرها له لتخفي حزنها وانكسارها. ليحملها من كلتا كتفيها ويجلسها جواره. لتخفض هي رأسها وتقول بكدر: "محدش بيحبني يا مستر غيرك إنت وماما... حتى بابا بطل يحبني علشان أنا غبية... مش مرتاحة وأنا بشوف نظراتهم ليا وتقليسهم عليا... رغم إني بحاول أتحسن، بحاول أكون شاطرة مش بتكاسل أبدًا." أخذ حسام نفسًا عميقًا ثم رفع رأسه لتطالعه ليهتف بجدية ناصحًا إياها:

"إنتي تعبتي علشان منتظرة راحتك من الناس. متعلقة بنظرة الناس ليكي، ولو اتحسنت هتتحسني وده أكبر غلط. متراقبيش الناس ومتنتظريش الناس تمجدك علشان تعلي في نظر نفسك. لازم تكوني عارفة إن بداية النجاح... هو إيمانك إنتي بنفسك. خليكي شجاعة وواجهي تضارب تصرفات البشر بتحدي... خلي كل نظرة استهزاء وشماتة بدل ما تموتك تكون دافع ليكي لقدام. تجاهلي أي موقف ميعجبكيش وبصي للجانب الإيجابي وافرحي بتقدمك خطوة بخطوة."

مسحت دموعها بباطن كفها: "كلامك صعب يا مستر مش قادرة أستوعبه." ليبتسم هو ويشدد من قبضته على يدها: "أنا آسف، أنا فعلًا كلامي كبير شوية عليكي، بس خليكي فكراه لو مفهمتيهوش دلوقتي بكرة هتفهميه... إنتي لسه في أول المشوار، لو عايزة تنجحي ويكون ليكي مستقبل زي ما وعدتيني، خليكي قوية زي النخلة، ممكن الرياح تهزك شوية بس في الآخر إنتي ثابتة ولسه مكانك... الرياح معرفتش تحيدك عن طريقك اللي راسماه لنفسك...

شوق إنتي مش غبية، ولو مكنتش شايف فيكي أمل مكنتش سبت اللي ورايا وفضلت معاكي لحظة بلحظة.... شوق إحنا لازم ننجح، إنتي مش لوحدك بس اللي بتعاني، في كتير زيك كدا ومحدش عارف حالته أو يتعامل معاه صح... إنتي لازم تنجحي علشان تكبري وتساعديني في إننا نقضي على معاناة أي طفل بيواجه صعوبة في التعلم... أوعديني إنك لما تكبري تمشي على خطايا يا شوق." حدقت به غير مصدقة ما يطلبه منها فأشارت إلى نفسها بتعجب: "أنا يا مستر؟!

ابتسم لها بحنو مشجعًا إياها: "آه إنتي، متقلليش أبدًا من قيمة نفسك... وخدي بالك مش هقبل منك أي أعذار... هتذاكري وهتتفوقي وهتساعدي كل الأطفال اللي بتعاني من نفس مشكلتك... ماهو مش بيحس بالنار غير اللي اتلسع منها، وإنتي أكتر حد هيحس بيهم وهيساعدهم يتغلبوا على مشكلتهم." ابتسمت له شوق ورجع لروحها الأمل من جديد فتورد قلبها وعاد يخفق بحماسة متسائلًا: هل ستنجح؟! هل هي حقًا الشخص المناسب لتلك المهمة الهامة؟!

ليومئ لها حسام بأعين مؤكدة على أنها كذلك، فينشرح قلبها بذلك الأمر وعادت إليها عزيمتها وثقتها بنفسها من جديد. قفز حسام بخفة من السور ووقف أمام شوق الذي اتسعت ابتسامتها. _أنا ملاحظ إنك بقيتي تنطقي حرف الدال كويس خالص أهو. ابتسمت له شوق بحرج، ليبادلها الابتسامة وهو ينزلها من حافة السور. _خلينا يلا نشوف حل لمشكلة النسيان اللي بتقابلك دي. نزلا من سطح المدرسة إلى المكان الذي بات مكانهما، يعلمها فيه حسام كل يوم.

جلس جوارها على الأرض العشبية وقال بهدوء: _إنتي بتقولي إنك نسيتي الكلمة مش كدا؟ هزت رأسها ببأس: _اه... كنت عارفاها وأول ما وقفت علشان أقولها فجأة مرة واحدة اتبخرت ونسيتها ومبقتش عارفة أنطق حرف واحد، مش عارفة ليه. وضع حسام يده على ذقنه وكأنه يفكر، وهتف: _اممم.. قولي لي كنتي حاسة بإيه أول ما وقفتي علشان تتهجي الكلمة؟! زاغت أعين شوق وتحرك بؤبؤ أعينها بسرعة وهي تقول:

_كنت حاسة إن الفصل كله بيبص عليا ومركزين معايا وكلهم مستعدين إنهم يضحكوا عليا زي كل مرة... وكمان كنت حاسة إن الأستاذ بيبص لي بخيبة أمل لإنه متأكد إني مش هعرف أقول حاجة كالعادة. _بس ده مش صحيح.. مجرد تخيلات عقلك اللي فرضها. طالعته شوق باهتمام، ليردف هو حديثه: _قلة ثقتك بنفسك هي السبب يا شوق... إحنا اتفقنا إنك تؤمني بنفسك وتخليكي شجاعة...

أول ما تقفي علشان تجاوبي على السؤال ما تفكريش في أي حاجة تانية غير إجابة السؤال وبس، ما تخليش عقلك يتشتت بمراقبة تصرفات زملائك وردود أفعالهم حتى لو مش هتعجبك... اقفي وخليكي قوية وواجهي مخاوفك بقلب جامد... ولو غلطتي ما فيش مشكلة، دي مش نهاية العالم... أنا قلتلك قبل كدا إن مشوارك طويل شوية ومحتاج مثابرة واجتهاد أكتر... ها، مستعدة علشان نبدأ تدريبات النهاردة؟ أخذت شوق نفسًا عميقًا بحماس: _مستعدة يا مستر.

_طيب يلا اتهجي كلمة مثابرة. أغمضت شوق أعينها وبدأت تجمع حروف تلك الكلمة في رأسها ثم قالت: _م.... ث... أخذت تفكر قليلًا ليهتف المعلم حسام: _شوق.. اتفقنا تستخدمي أكتر من حاسة علشان تفكري... يلا نطّي أو حنجلي زي ما إحنا متعودين. بدأت شوق تفعلها، تقفز مع كل حرف تقوله: _م... ث... ا... ب... ر..ة. صفق لها حسام بحرارة مشجعًا إياها: _برافو... برافو يا شوق... طب إيه بقا؟! أخفضت شوق شفتيها لأسفل:

_ما هو أنا في الفصل مش هقدر اتنطط كدا يا مستر... الفصل كله هيضحك عليا زيادة. ابتسم لها حسام ضاحكًا ونهض من مكانه وقال وهو يومئ لها بعينيه: _في أكتر من طريقة بدل النط أو الحنجلة... ممكن تخبطي بصباعك على البنش.. أو حتى على رجلك.. المهم يكون في إيقاع شغال وإنتي بتحفظي أو بتستدعي المعلومة من دماغك... يلا اتفضلي طلعي بطاقاتك وأوراقك علشان نبدأ درسنا النهاردة... لحد ما أروح أطلب من مستر حمدي... يدخل حصتي مكاني...

وأجيب الوسيلة اللي محضرهالك لدرس النهاردة. كان حسام يستخدم مع شوق في شرح قواعد الإنجليزية "الوسائل التعليمية" الذي يعدها هو خصيصًا لتناسب حالة شوق؛ حتى تفهم القاعدة بسهولة... فلا تتعلم شوق بأسلوب التلقي والاستماع فقط، وإنما تجعلها الوسائل التعليمية تستخدم جميع حواسها كالمس وتحريك أيديها وأرجلها بالإضافة إلى البصر والسمع وأحيانًا الشم والتذوق في المواد التي تحتاج لذلك كالعلوم على سبيل المثال.

حيث أحضر حسام مجموعة مكبرة من الصور والكلمات ووضعها بترتيب معين ثم قام ببعثرتها، ثم يطلب من شوق أن تعيد ترتيبها خطوة بخطوة حسب تذكرها للشكل الذي كانت عليه في السابق وحسب شرحه هو وتوجيهاته في كل خطوة... إلى أن تتقن شوق القاعدة وتفهمها جيدًا... قد تحتاج القاعدة الواحدة عدة تدريبات بوسائل مختلفة وتمرين مختلف في كل مرة حتى تتقنها وتستوعبها بالكامل. وكل مرة يفعلها حسام بدون كلل أو ملل منها...

الأمر الذي يجعل شوق تقبل على التعلم بحماس يزيد يومًا بعد يوم. في الصباح، وتحديدًا في السيارة، تجلس شوق جوار والدها الذي ينظر أمامه ولا يلتفت إليها أبدًا. تفرك في يديها تريد أن تفتح فمها لتتحدث لكنها تتراجع في كل مرة إلى أن ترائى لها صورة المعلم حسام أمامها وهو يشجعها، فقررت أن تحسم أمرها وتتحدث. _بابا حضرتك بتحبني؟! قالتها بقلب متوجس منتظرة إجابة والدها بفارغ الصبر كي يرتاح قلبها.

ليلتفت إليها ولأول مرة ينتبه لما تقوله له، فيهتف بصوت حازم: _لو ذاكرتي كويس واتحسنت علاماتك والمدرسين مبقوش يشتكوا منك... ساعتها هحبك وأكون مبسوط منك كمان. لتهتف هي بحماس وبراءة: _أوعدك يا بابا هكون عند حسن ظنك وهتكون فخور بيا. توالت الأيام والليالي على بطلتنا الصغيرة، لم تدخر فيها جهدًا وتحسن مستواها الدراسي بشكل ملحوظ لكنها لم تصل بعد للمستوى المطلوب وما زال تدريبها وعلاجها قائمًا إلى أن تدرك بقية زملائها.

وفي بداية السنة الجديدة والتي كانت شوق متحمسة لها كثيرًا ومتشوقة لعام دراسي ستحاول فيه جاهدة أن تبذل قصارى جهدها، لكن حدث ما لم يكن متوقع وقلب الموازين رأسًا على عقب. ففي الليلة قبل بدء العام الدراسي بيوم واحد، تحدث والدها إلى والدتها: _انتوا هتروحوا تعيشوا في البلد. استغربت كلامه وضيقت أعينها بتساؤل: _هنرجع للصعيد تاني ليه يا غريب...

أنت مش قلت إنك عايز تستقر في مصر وبعت كل اللي حيلتك هناك علشان نيجي ونعيش هنا وخلاص بقى ليك شغلك واسمك ومركزك. _غيرت رأيي وعايزكم تعيشوا هناك. لم تنتبه أنه لم يجمع نفسه معهم وأكملت بتساؤلاتها المندهشة لطلبه الغريب كاسمه ذاك: _بس إحنا كدا هنبدأ من الصفر تاني يا غريب وما صدقنا قدرنا نوصل للي إحنا فيه ده. _المستوى اللي إحنا فيه ده أنا اللي وصلت له لوحدي... كل الخير والهنا اللي إنتي فيه ده من تعبي وشقايا أنا. حملقت به

بتعجب واستنكار لما يقوله: _وأنا وأنت إيه يا غريب مش واحد... مش أنت زي ما بتكد وبتتعب في شغلك... أنا كمان بتعب هنا وأشقى علشان أعملك لقمتك وأنضفلك هدومك وأوقف البيت ده على رجليه. رفع شفته العليا بتهكم: _اللي بتعمليه أي خدامة بإمكانها تعمله... ما اخترعتيش الذرة يعني فما تفكريش إنك عملتي حاجة يعني... دي حتى بنتك مش عارفة تشوفيلها حل. كلماته اللائمة لها على ابنتها أنستها مرارة ما قاله في حقها، لذا هتفت بعدم تصديق أهو

يلومها على حالة ابنتها: _والبنت أعملها إيه... دي حكمة ربنا إن عقلها يكون بالشكل ده ومع ذلك الدكتور قال إن في أمل كبير تتحسن هي بس تمشي على العلاج... والأستاذ بتاعها متفائل جدًا كمان. _وأنا مش هستنى أشوف العلاج هيفلح ولا مش هيفلح، أنا خلاص أخدت قراري ومبقتش عايزكم معايا. صدمة صفعت وجهها بقسوة لتهتف هي باختناق ووجه بدأ في الشحوب من أثر الصدمة: _يعني إيه يا غريب؟! أجابها بجمود وكأنه لم يفعل شيئًا: _اللي فهمتيه...

إنتي هترجعي الصعيد تاني إنتي وبنتك تعيشوا هناك. _وأنت؟! ... هتعيش هنا لوحدك ليه؟! وليه تتخلى عنا بالشكل ده؟ _أنا بصراحة قررت أتجوز... وجودكم هيعيق كل حاجة. لتصرخ هي به وتمسكه من ملابسه: _قول كدا بقا... قول كدا يا راجل أبو عين زايغة... عايز تسربنا علشان يحلالك الجو... طب إيه رأيك أنا مش متنقلة من هنا. أزاح يدها عنها بعنف: _شيلي إيدك... إنتي اتجننتي ولا جرى لعقلك حاجة ونسيتي إنتي بتكلمي جوزك؟! لتهتف هي بحسرة:

_جوز إيه بقا ما أنا خلاص بترمني أنا وبنتك علشان واحدة ست لعابك سال عليها. ليرد عليها بصفعة مدوية على وجهها، لتصرخ شوق بفزع على والدتها عندما تجد أبيها يتهجم بالضرب على أمها. _اخرسي... وحسك عينك أسمعك تقلي أدبك عليا تاني... إنتي هترجعي إنتي وبنتك الصعيد وده آخر كلام عندي ومش عايز أشوف وشكم تاني إنتي فاهمة... من بكرة الصبح هتكونوا راكبين قطر سوهاج.

علمت أن زوجها قد رتب لكل شيء مسبقًا ولا مجال للتراجع أو لتغيير رأيه، فلم يهمها ما سيفعله بها فابتلعت غصة علقت بحلقها لكنها هتفت بلوعة من أجل ابنتها: _طب والبنت... البنت بتابع مع الدكتور هنا... والأستاذ بتاعها كمان اللي مسؤول عن تعليمها كمان هنا، ما ينفعش نمشي البنت كدا هتضيع. وجدته يقف بجمود ويوليها ظهره لتقترب منه تتوسل إليه غير مهتمة بضربه إياها ولا بزواجه عليها فكل ما يشغل بالها هو ابنتها ومستقبلها.

_بالله عليك يا غريب... ما تفرط في بنتك... البنت مستقبلها كله متوقف على علاجها... دي بنتك يا غريب ما تتخلاش عنها... لو مانتش عايزني... أنا... أنا مستعدة أبعد لكن شوق لأ حرام عليك... بص بص أنا هروح أنا الصعيد بس سيب البنت هنا تكمل كورس العلاج بتاعها أنا ما صدقت عرفنا المشكلة فين... بالله عليك يا غريب ما تظلمهاش... أنت من أمته بقيت قاسي كدا. ظنت أن كلماتها أثرت فيه وأنه سيتراجع عن قراره الأحمق ذلك بصمته الذي طال.

فوقفت تحتضن ابنتها وتبتلع ريقها وهي تطالعه بعينيها برجاء، لكن ما قاله جعلها تتصنم مكانها فالصدمة ألجمتها بكل المقاييس: _إنتي طالق.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...