الفصل 3 | من 6 فصل

رواية ديسليكسيا الفصل الثالث 3 - بقلم أسماء عبد الهادي

المشاهدات
21
كلمة
3,267
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

عادت للمنزل بعد يوم كئيب كسابقيه بالنسبة لها. تجد أباها ولأول مرة منذ مدة يتواجد في المنزل في مثل هذا التوقيت. أشار إليها لتذهب له على الفور. ليتحدث بصرامة: _أنتي ليه مقلتليش يابنت أن المدرسة طالبة تقابلني!! _ما أنا قلتلك يابابا وانت مردتش عليا. ظن أنها تدعي كذبا لذا كشر بوجهه وهدر بها: _قولتيلي!!! ... اسمعي يابنت، كذب مش عايز انتي فاهمة! ....

اعترفي عملتي ايه يستعدى إنهم يطلبوا يقابلوني أكتر من مرة أنا مش فاضي لوجع الدماغ ده. _قولتلك النهاردة في العربية يا بابا. في الواقع هي أخبرته عدة مرات ولأيام متتالية بطلب المعلمة منها استدعاء ولي أمرها. لكنه كالعادة لم يكن يوماً مصغياً إليها ولا مهتماً لما تقوله. زفر بحنق، فهو غير مهتم بأي شيء يخصها، فما ينتظره أكبر من مشكلة قد تكون قد سببتها ابنته في أي حال من الأحوال.

فهو مرشح لرئاسة مجلس إدارة الشركة، وهو الحلم الذي يتمناه منذ مدة، لذا لا يريد لأي شيء أن يعطله عما يريد. في صباح اليوم التالي، أوصلها إلى المدرسة ودلف معها لينظر في أي شيء يريدونه. طلب منها لأن تذهب لصفها وتوجه هو لمكتب المدير ليجلس في غرفة الانتظار حالما تُعلم السكرتيرة المدير بشأنه. جلس يطرق بأصابع يده على المكتب أمامه، فهو في عجلة من أمره. إلى أن أذنت له بالدخول.

وعندها طلب المدير من معلمي شوق الحضور وشرح مستوى ابنته له، الأمر الذي جعله يتفاجأ كثيراً لعدم معرفته بمستوى ابنته من قبل. لكن رد فعله كان غريباً للغاية: _أنا مش فاهم .. مين اللي المفروض يشتكي أنا ولا إنتم ... أومال أنا جايب بنتي المدرسة هنا ليه ... مش علشان تتعلم ... ما كنت سبتها في البيت ولا وديتها أي مدرسة وخلاص ... يا سادة دي مشكلتكم انتم .. البنت مش بتفهم .. يبقى ده لأن حضراتكم مش شايفين شغلكم كويس...

أنا مقدملها في المدرسة هنا وبدفع في الشهر شيء وشويات علشان تجيبوني وتعطلوني عن شغلي وتبلغوني ان بنتي مستواها متدني! نظر الأساتذة لبعضهم البعض مستغربين رد فعله. ليقول المدير بانزعاج: _فها هو والد شوق يتهمهم بالإهمال ويقلل من مستوى المدرسة ومعلميها الأمر الذي لم ولن يتقبله، فسمعة مدرسته في خطر إن انتشر هذا الأمر على لسانه بهذه الطريقة. _يا حضرت ... إحنا عندنا هنا نخبة من الخبراء والمعلمين الأكفاء. _ماهو واضح فعل.

ليطرق المدير بيده على مكتبه بعصبية: _يا أستاذ أنا مسمحلكش تعيب في المنظومة التعليمية والتربوية بهذا الشكل المهين ... وان مكانش عاجبك الأسلوب اللي بنتبعه هنا ... اتفضل خد بنتك وقدملها في أي مدرسة تانية ... ده إن قبلوها أصلاً. لينهض والد شوق بانزعاج من حديث المدير: _أنا فعلاً هنقلها من هنا ... بنتي مش هتقعد في المدرسة دي من اللحظة .... من فضلك هاتلي بنتي والأوراق بتاعها علشان أمشي.

وبالفعل أخذها والدها وأعادها للمنزل حالما يبحث لها عن مدرسة أخرى مناسبة، ولم يفكر فيما قالوه المعلمون عن مستواها الدراسي ولا عن ملاحظاتهم بشأنها. بعد عدة أيام كانت شوق في مدرسة أخرى. ارتاحت هي لكونها ابتعدت عن سالي ونزقها، وظنت أنها هنا ربما ستستطيع أن تحظى بصديقات أو معاملة أفضل. لكن الحال كان كسابقيه، لم تسلم من سخرية الآخرين من مستواها، بل والأسوأ من سخرية وتنمر المعلمون أنفسهم.

ونعتها بالبليدة والغبية طوال الوقت، وعدم جعلها تنضم معهم في أي من الأنشطة التي يجرونها لمعرفتهم المسبقة بأنها لم ولن تفلح في تأديتها، بل ستتسبب في إضاعة وقت زملاءها هباءً. الأمر الذي جعل شوق ترفض الذهاب للمدرسة مرة أخرى، وقد وصل الأمر أنها كانت تبكي كل صباح لحتى لا تذهب. لكن كان كل ما تفعله دون جدوى، فوالدها كان يجبرها لأن تذهب في كل مرة، سواء بالصراخ في وجهها تارة أو بالضرب تارات أخرى.

في تلك المرة التي كانت شوق ترفض الذهاب فيها إلى المدرسة وبشدة. قرر والدها أن تذهب معها أمها لتستعلم ما الأمر ولمَ ترفض ابنته الذهاب للمدرسة. فلم يفكر في سؤال ابنته قط عن السبب أو عما قد تقابله ابنته هناك من مضايقات. وصلت معها الأم للمدرسة لتنصحها بعد المعلمات بجلب معلم خاص لشوق بسبب مستواها الدراسي المتدني وعدم استطاعتها مواكبة زميلاتها بالصف، فهي حتى لا تستطيع تمييز الحروف من بعضها البعض.

وهي ورغم هذا السن "العاشرة" مازالت تكتب الأحرف بطريقة خاطئة. _حضرتك اللي غلطانة ازاي تسيبي بنتك لحد السن ده من غير تأسيس أو متابعة لمستواها ... الأفضل تجيبي للبنت أستاذ يعطيها درس خصوصي لوحدها في البيت علشان تلحق اللي فاتها وإلا هيفوت الأوان. زفرت الأم بحنق، فزوجها سوف يوبخها إن علم بحقيقة الأمر. لذا قررت أن تستمع لنصيحة المعلمون بالمدرسة وطلبت الاستشارة منهم في إرشادها عن معلم مناسب ليعلم ابنتها.

فالطبع أرشدوها لواحد منهم، لحتى يحظى هو بمبلغ ليس هينا جراء تعليم الفتاة. مدعياً أنه سيتعب كثيراً مع ابنتها، فهي تحتاج لجهد جبااار لتتعلم. لكن لم يعلم أن كل جهوده ستذهب سدى وأنه هو بنفسه من سيطلب أنه لن يكمل مع تلك الفتاة. فهو ما إن يعلم الفتاة بعد القواعد البسيطة حتى سرعان ما يجدها نسيتهم بسرعة كبيرة، ولم يمضي على تعليمه إياها سوى دقائق معدودة. _قلنا إيه فعل يكون "verb... to... be" يتكون من "am... is... are" ...

بتكون من إيه ؟؟ .. ها قولي. صمتت قليلاً لتتذكر ثم هزت كتفيها بعدم معرفة، فلقد نسيت تماماً. _مش عارفة. لينهض هو من مكانه حانقاً: _لا كدا كتير... أنا بقالي شهر بشرحلك القاعدة البسيطة دي وانتي إيه!! .. انتي إيه يا شيخة ... ده لو كانت حيطة كانت نطقت عنك أعوذ بالله. رمقته شوق بنظرة تختلط فيها الدمعات ببعضها ثم ذهبت إلى غرفتها بنفس بائسة حزينة.

لتأتي أمها لتستفهم سبب رغبته في الرحيل قبل موعده ليخبرها أنه لن يكمل بتلك الطريقة. _أنا أسف ... البنت مفيش فايدة فيها نهائي... دماغها مقفولة وحقيقي مبتفهمش ... أنا غلبت معاها بكل الطرق الممكنة ومفيش استجابة... عن إذنكم. ليستمع والدها إلى ما قاله المعلم فيهتف بغضب جم: _يعني إيه!! بنتي أنا هتبقى غبية ومبتفهمش بالشكل ده ... إزاي يعني. لتقترب منه زوجته لتهدأ من روعه: _استنى بس يا غريب ...

هنجيب للبنت مدرس واتنين وعشرة لحد ما تفهم ... لينتزع هو يده من يدها ويمسكها هو بحدة: _كله منك إنتي ... فضلت نايمة على ودانك وناسية البنت لحد ما كل اللي هنعمله هيكون في الفاضي ومبقتش حاجة هتنفع معاها ... وعلى رأي المثل علم في المتبلم يصبح ناسي. ابتلعت هي ريقها وهتفت بخوف: _هتنفع يا خويا ... وهتبقى عال وهترفع راسك لفوق لما تلاقيها في أعلى المراكز ... بس الصبر يا أبو شوق الصبر. أبعد يده عن زوجته وهتف

وهو غير مقتنع بحديثها: _هسيبلك انتي موضوع تعليم البنت واتصرفي انتي... بس وربي وما أعبد إن البنت ما اتعلمت ليكون ليا معاكي انتي وبنتك تصرف تاني... فاهمة. حركت رأسها بخوف: _فاهمة يا خويا فاهمة. بدأت أم شوق تبحث عن معلمين لابنتها هنا وهناك، وجميعهم أجمعوا أن الفتاة لا تفهم ولا جدوى منها، ثم ينسحبون مستسلمين واحداً تلو الآخر بعد فترة وجيزة من تعليمها.

انقضى العام ولا جديد يذكر في حالة شوق، حتى أنها فشلت في اختبارات نهاية العام، وأمها تعمل على إخفاء حقيقة أمرها عن أبيها، هي لا تعلم ما قد يفعله بها وبابنتها جراء ذلك، لذا كان كلما يسألها كانت تدعي أن مستوى ابنته في تحسن مستمر. لكنه لم يكن مقتنعاً أبداً، وخاصة عندما لاحظ تغير المعلمون باستمرار. لذا في بداية العام الجديد قام بنقل ابنته للمرة الثالثة.

لكن هذه المرة قرر نقلها لمدرسة حكومية، وعندما سألته زوجته عن السبب أجاب منزعجاً: _هفضل أدفع فلوس في الفاضي ليه ... وهيه في الآخر مبتتعلمش ولا هتفلح .. يبقى تخليها في مدرسة حكومي وأهو كله في الآخر تحصيل حاصل ... واسمعي كمان ... المدرسين اللي كل شوية داخلين .. خارجين وآكلين وشاربين في بيتي دول خلاص فضيهم ... وإن ما فلحتش في الحكومي كمان يبقى أنا عداني العيب ... هقعدها من المدرسة وهجوزها أول ما سنها يسمح.

طالعته زوجته بدهشة، أهذا هو زوجها المتعلم الحاصل على أعلى المراكز؟ أهذا هو تفكيره؟ ماذا ترك للرجال الآخرين؟ ماذا ترك لأولئك الذين لم يحصلوا على قسط وافر من التعليم ولم يدركوا قيمته؟ كيف لا يسعى ويتعب من أجل ابنته؟ كيف لا يفعل المستحيل لإيجاد حل لما تعانيه؟ كيف لا تؤرقه ما ألم بها؟ وكيف يفكر بوجاهته ونفوذه ومركزه الاجتماعي أكثر من مصلحة ابنته؟ كيف للنقود أن تغيره هكذا؟

هي تعترف أنها أهملت ابنتها، انشغلت عنها فلم تدرك باكراً ما تعانيه. لكنها عندما أدركت لم تتوانى، تحاول أن تجد حلاً، لا تريد ترك ابنتها هكذا بدون سلاح، بدون زاد تقتات به ليعينها على مناكب الحياة. لم يعطها زوجها فرصة للاعتراض أو التحدث، بل ألقى عليها كلماته وتحرك مغادراً إلى عمله. لتجلس هي منكبة على وجهها، تعتصر رأسها، كيف ستخرج ابنتها مما هي فيه؟ كيف ستجعلها تتعلم أم تراها ستستسلم وتتركها هكذا؟

لكنها قررت أن تحاول معها ثانية وتستمر في إعطائها الدروس الخصوصية والبحث لها يومياً على معلمين، بدون علم زوجها، حتى ولو ستتكبد عناء ذلك، المهم أن تجعل ابنتها على الأقل تتعلم كيف تفك الخط، تتعلم القراءة والكتابة. في اليوم التالي ذهبت مع ابنتها إلى أول مدرسة حكومية ترتادها ابنتها، وهدفت إلى البحث عن معلم حتى وجدته.

وجدت معلمة ظنتها مثالية، واتفقت معها على الأيام المناسبة لها للحضور، وذلك في الأوقات التي تعرف هي فيها أن زوجها لن يعود للبيت باكراً. ثم عادت للمنزل وهي تتمنى الخير لابنتها وأن ينصلح أحوالها في التعليم، وأن تنال منه حظاً وافراً، لا أن تكون مثلها، فهي لم تكمل تعليمها رغم حبها له. فتلك عادات أهل بلدتها أن تخرج البنت من التعليم لتتزوج وتكون أسرة، فهذا أرجى لها وأصلح.

في المدرسة، ورغم أن شوق لا تتعرض للمضايقات، فلا أحد يعرف مستواها بعد، إلا أنها قد فقدت الثقة بنفسها وأصبحت متكورة على نفسها. لا تعرف تكوين صداقات ولا تجيد التحدث إلى أحد. بحثت عن مقعد لتجلس فيه وحدها، لكن الصف كان متكظاً بالطلبة، فوقفت مكانها لا تدري أين تجلس وما عليها فعله. وقفت تنظر للصف وللطلبة الذين يحدقون بها، فهي الطالبة الجديدة والتي التحقت بصفهم اليوم.

لتجد إحداهن تشير إليها لأن تجلس جوارها هي وصديقتها، فهناك مكان لها بجوارهما. فتقدمت شوق إليهما بتثاقل، فلا مكان آخر لتجلس فيه. فسحت لها إحدى الفتيات المكان لتجلس في منتصفهما، فأخذت شوق نفساً عميقاً ثم جلست بقلة حيلة. لكنها انكمشت في نفسها ولم تفتح فمها بحرف واحد، ولا حتى نظرت إليهما من الأساس. حاولت الفتاتان التحدث معها، إلا أنها لم ترد على محاولاتهما في الحديث معها وفشلوا حتى في معرفة اسمها ولو لمرة واحدة.

لدرجة أن الفتاتان يأسن منها وكففن عن التحدث إليها. لم تشارك شوق في أي من الأنشطة المدرسية ولم تتجاوب مع أي من معلميها على الإطلاق. لاحظها ذلك المعلم الجديد الذي التحق في نفس اليوم الذي التحقت به شوق لتلك المدرسة. فأراد أن يعرف سبب عزلتها تلك وعدم انسجامها مع زملاءها. فقرر مراقبتها أكثر. ليحين موعد الفسحة ليجدها تنفر بسرعة نحو الخارج بحقيبتها على ظهرها.

فيمشي خلفها بهدوء ليجدها بحثت عن مكان خالٍ إلا منها وجلست إليه، ومن ثم أخرجت شطيرتها والتهمتها بسرعة وهي تتلفت حولها. فاستغرب هو فعلتها تلك وقرر متابعتها لنهاية اليوم. لكن أحد زملاءه قد نادى عليه، فالمدير يطلب رؤيته. فاضطر لأن يترك متابعة تلك الفتاة التي أثارت دهشته وريبه في نفس الوقت، لوقت لاحق. في اليوم التالي، دخل المعلم إلى صفه الجديد والذي هو نفس الصف التي به شوق.

فبدأ يمارس مهنته بسلاسة كما يفعل دائماً، ليجدها لا تنظر حتى إليه ولا تلتفت على الإطلاق للشرح. فاقترب من المقعد التي تجلس به وطلب منها أن تقف، ففعلت ومازالت رأسها لأسفل لا تنظر إليه، ليسألها هو عن اسمها. _اسمك إيه. لتجيب إحدى الفتيات التي تجلس معها: _دي باينها مبتتكلمش يا أستاذ ... من أول ما جت المدرسة هنا امبارح وهيه منطقتش بحرف واحد. ليكرر المعلم سؤاله مع احتفاظه بنبرة هادئة معها:

_ها مش هتقوليلي إسمك إيه وترفعي راسك ده وتبصيلي وأنا بكلمك!! لم يجد منها أي ردة فعل، فطلب من الفتاة التي جوارها أن تقف لتخرج شوق إليه. وبالفعل أخذها وأمسك يدها وجلس هو إلى طاولته في مقدمة الصف، وبأطراف أصابعه رفع ذقنها ليجعلها تنظر إليه. _ممكن تبصيلي. ليجدها تنظر ليده التي يمسكها بها بخوف. ليشجعها على عدم الخوف منه: _مالك خايفة ليه كدا ... أنا مش هعمل فيكي حاجة أنا عايز أعرف اسمك.. ممكن!! رفعت بصرها إليه وهتفت بخفوت:

_شوق. ليتذكرها هو على الفور. إنها تلك الفتاة من مدرسته السابقة والتي رآها تجلس على السور أعلى سطح المدرسة والذي طلب منها ألا تكررها ثانية، وأعجب بتلك الابتسامة البريئة التي رمقته بها حينها. إليه يهتف بمرح ليخرجها من توترها: _إيه ده انتي نقلتي هنا زيي... أنا كمان يا ستي مدرس جديد هنا زيك بالظبط ... واسمي مستر حسام مدرس الإنجليزي الجديد.

حاولت هي إفلات يدها التي يمسكها المعلم، فعلم أنها ما زالت ترهب المكان، فربت على كتفها بحنان وطلب منها أن تعود لمكانها، ولكن عليها أن ترفع رأسها وتنتبه لما يشرحه. وجدها تجلس لمكانها بهدوء، لكنها لم ترفع رأسها إليه، ليهتف بصوت عال: _ارفعي راسك وبصي على السبورة يا شوق. فعلت في الحال وهي تنظر لزملاءها في الصف خوفاً من أن يسخروا منها.

لكنها لم تجد أحداً يفعل ذلك، فتنهدت براحة ونظرت للمعلم وتابعته وهو يشرح، لكنها كالعادة لم تفهم شيئاً. سأل المعلم حسام جميع من بالصف وحان دورها. لكنها لم تكن تعرف الإجابة، رغم أن معظم من بالصف أجاب، لسلاسة وسهولة شرحه، إلا هي لم تستطع النطق بحرف واحد. فطلب منها أن تأتي إليه ثانية. وأراد هو أن يختبرها ببضعة أسئلة على انفراد ليعرف مستواها الحقيقي وهل صمتها وامتناعها عن الإجابة هل هو خجل زائد أم أنها حقاً لا تعلم.

بدأ يسألها سؤالاً تلو الآخر بصوت خفيض حتى لا يسمع بقية الطلبة، وهي تقف كالبلهاء لا تفقه شيئاً. فكان يتراوح في الأسئلة من الصعب إلى السهل. ليلاحظ أنها حقاً لا تعرف أي شيء. فقرر كتابة أحد الأحرف على السبورة، فعرفته ونطقت باسمه. فتنهد بحسرة من أجلها وتابع سؤالها بحرف آخر فأجابت عليه. ليعطي لها هو القلم ويطلب منها كتابة حرف A. أمسكت القلم بيد مرتعشة وهمت لتكتبه، لكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة وهتفت بخفوت: _مش بعرف.

ليشجعها هو على كتابته: _لا تعرفي يلا حاولي .. ها. لتحرك هي رأسها بالنفي: _لا مش بعرف ... أنا غبية ومبفهمش. ليضيق هو ما بين حاجبيه ليهتف باستغراب: _مين اللي قالك الكلام ده؟؟؟ لتهتف بحزن ممزوج بالوجع: _الكل بيقولي كدا .. ماما وبابا وكل المدرسين وحتى البنات اللي ف المدارس التانية اللي كنت فيها بيقولوا كدا.

حرك حسام رأسه أسفاً من أجلها، فيبدو أن تلك الفتاة عانت كثيراً في الفترات السابقة من الجميع، مما أفقدها ثقتها بنفسها وأدخل الحزن والاكتئاب إلى قلبها. لذا انخفض ليكون بمستواها وأشار إلى نقطة ما على السبورة وهتف بابتسامة صافية لا تفارقه: _بس أنا بقى متأكد إنك مش غبية ... وبتفهمي وهتعرفي تكتبيها.. يلا حاولي وأنا هساعدك. مدت شوق يدها بارتعاش ليحثها هو ثانية: _يلا اكتبي متخافيش. فقامت بكتابتها بطريقة صحيحة.

ليبتسم لها ويقول بصوت جعله يبدو مرحاً وحاول أن يرفع معنوياتها المنعدمة: _ما انتي طلعتي شطورة أهو وعرفتي تكتبيها .. يلا اكتبي حرف B. تشجعت بعد كلماته وكتبتها على الفور، لكنها كانت معكوسة. ليتغاضى حسام عن ذلك الخطأ ويهتف مدعياً الإعجاب: _برافو برافو يا شوق شطورة. اتفضلي ارجعي مكانك. تابعها بنظراته وهي تعود لصفها وبداخله هم من أجلها. لا يدري لم همه أمر تلك الفتاة ويريد مساعدتها لتتحسن.

يريد أن يمحو تلك النظرة المنطفئة في عينيها بأخرى ذات بريق لامع، فما زالت صغيرة على الانطفاء هكذا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...