ولما بعدت مسافة، جلست على إحدى المقاعد لتتنفس وتنهي نوبة البكاء الجديدة. ضغطت على شفتيها لتمنع المزيد من الشهقات، ولكن خانها حلقها وشهقت باكية، فسمعها أُبيّ الذي ما زال يتابعها. قرب منها وقال: "حضرتك كويسه؟! نظرت له للحظة وبكت وازداد نحيبها وكأنها ضغطت على زر دموعها. قال بقلق: "وحّدي الله بس! فيه إيه! أخرج منديلًا وأعطاه لها وهو يقول: "اتفضلي... أ... مش عارف أعمل إلا كده."
جلس جوارها على المقعد تاركًا مسافة وفيرة وصمت ليدعها تنهي نوبة بكائها. كان يلتفت حوله كل فترة وينظر إلى الطلبة التي تمر حولهما. قال: "حاولي تهدي؛ لأن كده هيفتكروني مزعلك ولا حاجة! قام ووقف لأنه خاف أن يفهمه أحد غلط وهو جالس بجانبها. مسحت دموعها وقامت لتمشي فتبعها وهو يقول: "دكتورة منه! إ... إنتِ كويسة؟ لم تنظر إليه وقالت بصوت مختنق: "الحمد لله." مشيت وتركته، لكنه تبعها لحد ما تأكد أنها وصلت بيتها.
مرت الأيام وصار أُبيّ يتابعها ويعرفها ولو من بين آلاف المنتقبات. أصبحت ترى أُبي دائمًا، والذي عرفت إنه يدرس في كلية طب الأسنان في آخر عام، وكانت تغض بصرها عنه وتظن إنه مش عارفها لأنه مبيصش ناحيتها أصلًا. استغفروا ★★★★★ وبعد ثلاثة أشهر، جلست روعة على سريرها تذاكر لآخر مادة في امتحانها. كانت مضغوطة وباقي لها كتير. جلس عبيدة قبالتها وحاول فتح كلام معها فقال وهو يقلب بين كتبها: "عزيزتي هو ده إنجليزي؟ رفعت
إحدى حاجبيها وقالت بسخرية: "إنت شايف إيه! نظر عبيدة للكتاب الذي في يده وقال: "شكله كده إنجليزي بس يا ترى أمريكي ولا بريطاني؟ ردت ببرود: "عبيدة على فكرة ده بيظهر في النطق مش في الكتابة." أخذ منها الكتاب وأغلقه فقالت بنرفزة: "إيه بتعمل إيه! عندي امتحان بكرة!!! شال كل الكتب من جنبها وقال: "كفاية مذاكرة كده... إيه مفيش وراكِ إلا المذاكرة!! اعتدلت في جلستها عشان تستلقي وتنام وهي بتقول: "تصدق عندك حق وسّع كده بقا قوم."
اتسعت عيناه وهو بيقول: "إيه هتعملي إيه؟! "هنام عايزة أريح شوية عشان أقوم أذاكر." قال بضجر: "تنامي!!! ده مبقتش عيشة يا روعة." قالت بنبرة مرتفعة: "عايز إيه يا عبيدة؟ قال وهو بيضغط على أسنانه: "مش عايز حاجة نامي." خرج من الأوضة وهو زعلان فقامت بسرعة خرجت وراه وهي بتقول: "استنى بس... عبيدة... متبقاش عيل وبتزعل على كل حاجة كده هلاقيها منك ولا من المذاكرة ولا من ابنك.." وقف مكانه والتفت ليها سألها: "ابني! مين ابني ده؟!
حمحمت بخفوت وقالت بابتسامة: "ما أنا اتشغلت في المذاكرة ونسيت أقولك إني... أشارت على بطنها وقالت بابتسامة: "فيه نونو." جرى ناحيتها وقف قصادها وقال: "بتهزري؟! "والله بجد أنا حامل." "روعة... روعة.." "نعم." "لأ الخبر ده روعة مش بنادي عليكِ." تعالت ضحكاتهم وهو يضمها بفرحة ويقول: "لا حرمني الله منك عزيزتي... ربنا يفرح قلبك زي ما فرحتي قلبي." لا حول ولا قوة إلا بالله 🌹 ★★★★★
مرت الأيام ومبقتش أشوف منه أو مبقتش ألاحظ وجودها في الحياة عمومًا، لكن عمري ما سامحتها. كنت بشوف آدم مستني سما قدام الكلية كل كام يوم عشان يتكلم معاها، بس هي كانت بتكلمه بملامح جامدة وبتسيبه وتمشي وهو يسند ظهره لسيارته متنهدًا بحسرة وندم. رفضت طلب شادي إننا نقدم جوازنا وقررت إني أستنى شوية لأني مش جاهزة، كفاية عليا المذاكرة اللي مش بتخلص.
مبقاش في أي جديد في حياتنا إلا إن حنين اتخطبت لـ رحيم ومستنياه يخلص الجيش عشان يكتبوا الكتاب. كانت حياتنا روتينية ونحمد الله على استقرارها. ★★★ في ليلة باردة من ليالي شهر يناير، كنا بنجري حولين روعة اللي جالها طلق الولادة وبتصرخ وهي نازلة على السلم واحنا وراها. "لا يا عبيدة مش عايزة أولد طبيعي... همووت! "معلش يا حبيبتي استحملي شوية عشان خاطر زغلول ابننا." روعة بصراخ: "قولتلك مش هسمي زغلول... لاااا! قالت أمي بضجر:
"بس يا عبيدة اسكت... هنسميه محمود يا روعة بس هاتيه بالسلامة." صرخت روعة فطبطبت أمي على ظهرها وقالت: "استحملي شوية يا حبيبتي." وصلنا المستشفى وأول ما دخلنا صرخت روعة ببكاء وألم: "شوفولي دكتور بسرعة... خليه يفتح ويطلعه... لا مش هولد طبيعي... حد يلحقني! ظلت روعة تتألم وتصرخ بين حين وآخر وأنا قاعدة بره وجوايا مشاعر متضاربة وكل شوية أبص على عبيدة اللي قاعد جنبي مرتبك وقلقان، قلت له: "هو ليه الستات اللي بيولدوا...
احنا بنتعب أوي بجد... على فكرة بقا قول لصاحبك إني مش بتاعت جواز." ابتسم عبيدة وماردش عليا واضح جدًا إنه متوتر وكان بيسأل الممرضة لو ينفع يدخل مع روعة، وفي الآخر دخلوها. مر الوقت ببطء لحد ما سمعنا صوت بكاء الصغير وهنا ابتسمت لحظة إدراكي إني بقيت عمتو الحرباية. جه شادي لما عرف إن روعة بتولد وشوفته واقف يعطي عبيدة فلوس وعبيدة بيقوله: "والله يا حبيب أخوك معايا... أنا لو عايز ما أنا هقولك مش هجيب من بره."
"طيب روح هات زغلول نعمله الفحوصات والذي منه أنا وشهد وخليك إنت مع مراتك." "عارف لو روعة سمعتك بتقول زغلول هتنسى كل حاجة وتيجي تجري ورانا." ضحكوا ودخل عبيدة يحضر المولود ويعطيه لي. شلت المولود بين إيدي ومشيت جنب شادي وحسيت إني غيرانة ونفسي أكون أم حالًا. بصيت لـ شادي اللي ماشي جنبي وأنا بتخيل لو كان ده ابننا، ابتسملي وقال: "مش ناوية تحني عليا ونقدم الفرح عشان أشوف عيال يا شهد." لقيتني بلمس بطانية المولود
وأنا بقول بتلقائية: "والله حاسة كده إني عايزة أكون أم دلوقتي." شادي بمرح: "طيب ما يلا بقا... التأخير من عندك على فكرة." ابتسمت وأنا بفكر أقدم فرحنا زي ما هو عايز! لما انتهينا من الفحص رجعنا بالمولود تاني للغرفة، دخلنا الأوضة اللي فيها روعة وشادي بص للأرض وهو بيقول: "حمد الله على السلامة يا دكتورة." ردت روعة بوهن: "الله يسلمك." وقف شادي جنبي مبتسم وجت حنين مع رحيم واتجمعت العيلة كلها في المستشفى. حنين
شالت المولود وهي بتقول: "اللهم بارك قمر أوي شبهك يا روعة." روعة معترضة: "لأ يا بنتي ده شبه عبيدة." "ما انتوا الاتنين أصلًا فيكم شبه من بعض صح؟ قالتها حنين وهي بتسأل رحيم فهز رأسه بالإيجاب واقترب منها ثم غمز لها وهو بيقول بهمس: "عقبالنا بقا." قالت حنين بنفس الهمس: "اتلم يا رحيم." ضحك رحيم وهو بيقول: "يا بنتي ما كله بالأدب."
وقفت جنب شادي وأنا شايفة العيلة كلها متجمعة وفرحانين فلفت نظري بنت منتقبة بتبص علينا من شباك الغرفة حسيت إنها منه. أول ما شافتني ببص عليها مشيت بسرعة كنت هخرج وراها لكن التهيت مع عائلتي الجميلة وفرحتهم بالمولود الجديد ونسيت أمرها تمامًا. لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم 🌹 ★★★★★★★ جلست منه على المقعد الحجري كعادتها بعدما تنتهي من محاضراتها، تختلي بنفسها لتفكر وتقارن بين حالها الآن وحالها في السابق.
انضمت منه لإحدى الجمعيات الخيرية وكانت تتصدق دومًا باسم كل من ظلمته. كانت تتابعهم من بعيد وتطمئن عليهم وتحن إليهم وتتمنى أن تنقلب الموازين ويعودون أصدقائها، لكنها عكرت صفو صداقتهم بجهلها وحقدها. كم تخاف من قلبها وكثرة تقلبه فكانت في كل سجدة تدعو بدعائين: "اللهم ثبت قلبي على دينك... واللهم طهر قلبي اللهم اهدِ قلبي."
ولكن جلّ ما تخشاه هو أن تكون من الأخسرين أعمالًا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا. أخرجها من أفكارها صوت تألفه: "إزيك يا دكتورة منه؟ رفعت رأسها لترى أُبيّ، تعجبت أنه عرفها وأنه هنا! فابتسمت أسفل نقابها وقالت: "الحمد لله... إزاي حضرتك؟ جلس جوارها وقال: "الحمد لله... كنت جاي أخلص ورق من الكلية فشوفتك." لم ترد عليه فصمت قليلًا وقال: "ليه بتحبي تقعدي في المكان ده ودايمًا لوحدك؟ شعرت أنه أتى في
وقت تساؤلها ليجيبها فقالت: "عشان أجاوب على سؤالك لازم أحكيلك حاجات كتير بس قبلها تسمحلي أسألك سؤال؟ "أسمحلك طبعًا." قالت بدموع ونبرة متحشرجة: "إزاي أتأكد إن أنا مش من الأخسرين أعمالًا؟ ابتسم وقال: "أولًا ثقي في الله وثانيًا أخلصي كل عملك لله حتى نومك، خلي نيتك في كل حاجة بتعمليها إنها طاعة لله." أومأت رأسها بتفهم وسكتت فترة وبعدين قالت: "أنا آذيت أصحابي كلهم... ومعتذرتش ليهم...
وكأنها ما صدقت لقيت حد تفضفض معاه، شخص مش هتقابله تاني ولسه هتبدأ تحكيله قاطعها وهو يقول: "بصي بقا مش أي حد رايح أو جاي تحكيله استري على نفسك حتى لو زي ما بتقولي الناس كلها عارفة، أنا واحد من الناس معرفش... عن عائشة رضي الله عنها: يا نساء المؤمنين إذا أذنبت إحداكن ذنبًا فلا تخبر به الناس، ولتستغفر الله ولتتب إليه، فإن العباد يعيرون ولا يغيرون، وإن الله يغير ولا يعير...
وكويس أوي إن إنتِ بتتصدقي عن أصحابك وأنا متأكد إنك لو روحتِ اعتذرتيلهم هيسامحوكِ." قالت ببكاء: "مش قادرة أبص في وشهم بعد كل اللي عملته." "سيبها للزمن... الزمن قادر يداوي ويصلح بينكم." سكتوا فترة وبعدين وقفت وقبل ما تمشي قالت له: "شكرًا لحضرتك وشكرًا لوقتك." وقف أُبي وقال بابتسامة: "العفو... ممكن آخد رقمك؟ هزت راسها بالنفي وقالت: "أنا آسفة بس مش عايزة أغلط تاني."
تركته ومشيت وهو وقف يبص على فراغها ويبتسم وهو بيدعيلها بالهداية. استغفروا 🌹 ★★★★ وبعد يومين من إلحاح شادي بتعجيل زواجنا وارتباكي وحيرتي رغم استخارتي، دخلتُ إلى جمعية خيرية لأتصدق بنية أن يرزقني الله القرار الصائب بشأن هذا الموضوع وأن يبارك بحياتي القادمة. "ممكن اسم حضرتك؟ أعطتها اسمي بالكامل فنظرت لي البنت وقالت: "إنتِ لسه متبرعة بمبلغ إنتِ وأصحابك! "لأ أنا أول مرة أجي أكيد ده تشابه أسماء...
رددت الفتاة أسماء شهد وروعة وحنين وسما وشموع بالكامل مما أثار تعجبي وتساءلت هل التشابه إلى هذا الحد!!! قلت: "فعلًا دي أسماء أصحابي... مين اللي بيتبرع باسمنا؟ يتبع...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!