قعدت روعة جنب عبيدة على الأريكة وهي بتبص له وبتبص للشاش اللي محاوط رأسه بخوف وشفقة، كان بيبص لها وهو ساكت، وهي كمان كانت ساكتة. لما طال صمتها قام من جنبها ومشي خطوتين، فانحلت عقدة لسانها وقالت بقلق وبارتباك: "عـ.... عبيدة" التفت ليها، فبصت له وبعدين طأطأت رأسها للأرض وقالت بدموع: "أأأ... أنا خوفت أوي عليك" سألها بمكر: "خايفة عليا ليه؟ مش كنتِ زهقانة مني!
مسحت دموعها بكلتا يديها وهي تقف أمامه بارتباك وقد ارتفع معدل تنفسها وزادت خفقات قلبها، قالت بصوت مبحوح مدافعة عن نفسها: "لا مش زهقانة منك والله... أنا... أنا بس متلخبطة والظروف اللي جمعتنا ما كانتش مناسبة وده اللي مخليني قلقانة ومتوترة" وضعت يدها على فمها وبكت مجددًا وهي بتكمل بنبرة مرتعشة: "لكن والله بحاول أتعود عليك وبحاول أقنع نفسي بيك بس مش عارفة ساعات ببقى عايزة أتطلق وأرتاح...
كرمش جبينه رافعًا حاجبيه لأعلى وقال بأعين متسعة وبنبرة معاتبة: "تتطلقي!!! هو إحنا لحقنا نتجوز عشان نتطلق يا روعة! مسحت دموعها ثم أنفها بحركة تشبه الأطفال ثم أطرقت رأسها لأسفل بحرج. اقترب منها ومسك كلتا يديها بيديه مستطردًا بابتسامة: "طيب اديني فرصة وافتحي قلبك اللي أنا واثق إنه هيكون بيت فيه... حاول يخفف من توتر الجو فداعب خدودها وهو يقول: "هقولك فكرة حلوة جربيني فترة مش جايز أعجبك!
كانت بتبص له بعمق، لما التقت عينها بعينه شعرت بحرارة مشاعرها اللي بتحاول جاهدة إنها تخمدها لمجرد شوية معتقدات غريبة في دماغها اتزرعت جواها من والدها اللي معاملته لوالدتها كجارية بتنفذ الأوامر بدون نقاش! فكانت دايمًا بتقول لنفسها إنها مش عايزة تبقى شبه والدتها! أخفضت بصرها وهي بتسأل نفسها هل هي صح ولا بتغلط في حق نفسها وفي حقه؟! أخرجها من أفكارها صوت عبيدة اللي قال بابتسامة ودودة وبصوت رخيم: "افتحي بقى يا عزيزتي"
التفتت له وقالت بدون تفكير: "أفتح إيه؟! غمز لها قائلًا: "افتحي قلبك" استرسل بمرح: "دا أنا الحب يا بت افتحي لي" طالعته للحظة وابتسمت على مرحه الدائم سحبت يديها منه بقوة فعبست ملامح عبيدة لأنه حس بصد للمرة الثانية من ناحيتها، لكنه اتفاجأ حين ألقت نفسها بين أحضانه وحاوطت ظهره بذراعيها، وهي تردد بصوت متحشرج باكية: "والله خوفت عليك أوي" حاوطها بذراعيه وهو بيقول بابتسامة وفرحة:
"دا أنا هتضرب على دماغي كل يوم طالما بيجيب معاكِ سكة كده" مسحت دموعها في هدومه فقال بابتسامة: "روعة... روعة" بعدت عنه وهي بترد: "نعم! "لأ حركة مسح الدموع في هدومي دي روعة مش بنادي عليكِ" ضحكا وقاطعهما رنات هاتف عبيدة فنفخ بضيق، وقال بضجر: "هو ده وقته؟! مين الغتت ده!! عادت روعة للخلف وأخذت الهاتف من فوق الطاولة وهي تنظر لشاشته ورددت اسم المتصل باستغراب: "توأمي!! أومأ عبيدة رأسه وهو يقول:
"أيوه هو الغتت فعلًا دا شادي... أخذ هاتفه منها ورد على شادي اللي كان بيقوله إنه ماشي وعايز يسلم عليه، فخرج من الشقة وهو بيطلب منها انتظاره دقيقة لتكملة حديثهما. دخلت روعة تتوضأ وتصلي وهي مبتسمة وراضية وبتتمنى ربنا يهدي قلبها. وبعدما وصل شادي لبيته طلب رقمي ليحدثني ككل ليلة، وبعد السلام وبعض الكلام اللي ملوش لزمة قال: "إوعي يا شهد الكام بوكس اللي أخدتهم في وشي ولا الكام رجل اللي في بطني يأثروا على علاقتنا"
كنت رافعة كتفي لأعلى لأسند هاتفي على أذني وواقفة في المطبخ أضع الجبن بالخبز لتجهيز عدة سندويتشات بالإضافة لكوباية لبن بالكاكاو. معروف طبعًا إن الشتا للأكل والنوم والحب برضه وليس للدراسة مطلقًا!! المفروض يبدلوا الإجازة الصيفية بالإجازة الشتوية ويريحونا شوية. مضغت الطعام وأنا بقول: "لا ما تقلقش أنا واثقة إن جواك سبايدر مان بس هو نايم... فاهمة أنا الحوار ده" "تعجبيني وإنتِ فهماني ومركزة كده يا نن عيني" سكت شادي
فبلعت الطعام وقلت بحيرة: "تعرف إن أنا محتارة في شخصية منه دي ودائمًا بسأل نفسي سؤال هو إحنا ممكن نكون ظالمينها؟! طيب لو هي وحشة وشريرة وظالمة ليه دائمًا ناجحة يعني ليه ربنا موفقها وليه مش بتتعاقب! "بصي يا شهد يقول النبي ﷺ: إنَّ الله لَيُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته... الله أعلم يمكن يكون عقابها لسه جاي في الدنيا ويمكن في الآخرة ويمكن تتوب وترجع عن اللي بتعمله... "صح عندك حق... قال شادي بنبرة لينة اعتدت عليها
وقت محاضراتنا الليلية: "طيب مش هنبدأ محاضرتنا بقى ولا إيه! نزلت كتفي وسكت الموبايل بإيدي وأنا بقول: "كل ده ولسه ما بدأناش إحنا بقالنا ساعة بنتكلم" شادي بابتسامة: "لأ إحنا عايزين ندخل في لُب الموضوع... قلت بضحكة مستهزئة: "لُب ولا سوداني" ضحك وقال: "بايخة بس أي حاجة من بوقك زي السكر... المهم أنا محضرلك كلمتين كده نبدأ بيهم المحاضرة.." أخذت قضمة أخرى من السندويتش وقولت: "اتفضل المايك معاك" تنحنح وقال بنبرة إلقاء الشعر:
"بحبك موت هو إنتِ مين زيك... قلبي اللي فيكِ بيموت بيقولك إزيك" ضحكت على كلامه اللي مش بيفشل في استخراج الضحكة من قلبي وقولت: "الحمد لله تمام إزيك إنتَ؟! ضحك وهو بيقول: "إيه رأيك في الجملة دي؟ شوفتها على ظهر توكتوك وأنا مروح فحفظتها... عشان تعرفي يا شهد إني بحضر كويس مش زيك مش بتذاكري"
ضحكت وفتحت الثلاجة عشان أحط علبة الجبنة اللي كانت في حجم الموبايل قمت حطيت الموبايل في الثلاجة وحطيت علبة الجبنة على وداني وحملت كوباية اللبن بالكاكاو في إيدي ودخلت أوضتي. كنت مستغربة شادي سكت ليه!! أخذت رشفة من اللبن وقلت: "ألو.... ألو... روحت فين؟! لو علبة الجبنة بتنطق كانت قالت عليا مجنونة والحمد لله إنها لا تعقل ولا تتحدث وشكرًا لله إن أمي نايمة.
لما طال الصمت نزلت علبة الجبنة وبصت لها بصدمة للحظات وكأني بقولها "إنتِ مين وجيتِ هنا إزاي؟! ولما استوعبت الموقف جريت أجيب شادي أقصد الموبايل من الثلاجة. "يا شهد... يوووووه... يا بنتي روحتِ فين؟ كان صوت شادي اللي بينادي عليا بقاله فترة أخذت الموبايل من الثلاجة وقلت من وراء ضحكاتي: "معلش... معلش... اتلخبطت بس.." كنت تايهة مش عارفة كان مالي ولا إيه اللي جرالي! هو بعينه بغباوته الحب!! خرجت من أفكاري على صوته:
"طيب يا عسل الوقت اتأخر هسيبك بقى والواجب النهاردة تدريب عضلة لسانك على نطق كلمة بحبك يلا قولي ورايا بحبك... سكتت وأنا مبتسمة فأكمل بنبرة لينة يعكر صفوها حزنه: "لسه برضه صعبة على لسانك مش عارفة تقوليها؟ قال بنبرة مرحة وبابتسامة شعرت بها في نبرته: "طيب يا ستي اتدربي عليها يومين كمان... تصبحي على خير" تنهدت بعمق وقلت: "وإنتَ من أهل الخير" ولما قفل حسيت بتأنيب ضمير فكتبت له على الواتساب:
"بحبك بس لساني بيتكسف ينطقها لكن ممكن أكتب عادي اسمعها بقلبك بقى" قرأها وكتب: "يكفيني أن نطقت بها عيناكِ... تصبحين على خير يا كل حياتي" ابتسمت وأنا بقرأ رسالته مرة واتنين وعشرة إلى أن تركت الهاتف من يدي وأنا أتنفس بارتياح شادي دا غريب جدًا أحيانًا أحس إنه عاقل وأحيانًا أشوفه تافه بس بعترف إني حبيته بعقله بتفاهته وبمرحه بكل حاجة...
كنت دائمًا أقارنه بعصام لكن توبت وعرفت إني برهق مشاعري في حاجة حرام، طيب وليه لما قدامي الحلال.. دائمًا أسأل نفسي ليه البنت تدخل نفسها في دائرة الحب والانتظار! ليه تعلق قلبها بشخص وتدعي به ليل ونهار وهي قلقة! ليه تبحث بنفسها عن الحب وتجري وراه لما ممكن تصبر وتستناه وهو يجي لحد عندها! ليه تتعب قلبها وتسلمه لواحد الله أعلم مدى صدقه لأن الخفايا لا يعلمها إلا الله!
وكأن البنت بتخرج قلبها وتقدمه للشاب، فياخده الشاب ويرفعه لفوق قوي ويرجع يمسكه ويرفعه تاني ويرجع يمسكه ويفضل يكرر الخطوة وهي طول الوقت خايفة لقلبها يتكسر والله أعلم بالنهاية... وبعدما صلت روعة خلفه ركعتين كان يلح في طلبهما، جلست على سجادة الصلاة فاستدار بكامل جسده ليجلس قبالتها ويطالعها بابتسامة، ثم أعطاها ظهره مرة ثانية واستلقى واضعًا رأسه فوق فخذيها. أغلق عينه وهو يقول: "مضايقك ولا حاجة؟! لو مضايقك أقوم"
قالت بارتباك: "لـ.. لأ عادي مش متضايقة" فتح عينه وبص لها وهو يقول بجدية وبابتسامة: "لما عرفت إنك ما كلمتنيش ولا بعتي لي صورك سألت عنك وبدأت أتابعك وعرفت إنك بنت محترمة وملتزمة وحلوة... "حلوة أوي وزي القمر." قال آخر جملة بعد أن فتح عينيه وتأملها بحب وإعجاب. مسك يدها ومرر راحتها على وجهه لتتلمس ملامحه، ثم منبت لحيته القصيرة. ارتبكت وانتزعت يدها منه وهي تقول بحدة لتخفي توترها: "إيه! إيه اللي بتعمله ده؟!
نظر لها وقال بمرح: "الحق عليا بدفيلك إيدك المتلجة دي! قالت بنرفزة: "أنا بحبها متلجة، إوعى بقى قوم." أغلق عينيه وقال بعناد: "مش قايم، أنا هنام كده." ارتفع صوت رعد صادر من السماء فشعر بانتفاضة جسدها، فتح عينيه وهو يردد: "سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته.. اللهم لا تهلكنا بغضبك وارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين." طالعها بحب وهو يقول: "هتخافي وأنا جنبك، أي عقل هذا عزيزتي؟ ابتسمت ولم ترد فقال:
"يلا بقى ندخل ننام." خفق قلبها بعنف، ولتهرب منه ككل ليلة قالت بارتباك: "لأ... أنا هقعد شوية أقرأ الورد القرآني بتاعي." علم أنها ما زالت تهابه فلم يشأ أن يضغط عليها، نهض واقفًا وقال: "اللي يريحك يا حبيبتي... تصبحي على خير." تنهدت بارتياح وهي تودعه في تلك الليلة مرددة: "وأنت من أهله." وبعد ساعة دخلت الغرفة تسير على أطراف أصابعها، نظرت إليه وهو نائم وتلمست الشاش حول رأسه بشفقة، ثم استلقت بجواره وهي تدعو الله أن يحفظه.
*** في اليوم التالي بعد انتهاء المحاضرات خرجت "منه" من الجامعة ووقفت تنتظر "آدم" الذي كان يأخذها من الكلية كل يوم مثلما كان يفعل مع "سما". "منه" كانت تتألم من نظرات الطلبة المتقززة والساخرة منها لسالف علمهم بقصة حب سما وآدم. فجميع الطلاب ينفرون منها، أصبحت وحيدة أكثر من ذي قبل ومنبوذة وكأن بها وباء معدي والجميع يهرب منه. ركبت جوار آدم بالسيارة وهي عابسة الملامح، فسألها: "مالك يا منوش؟ "مفيش حاجة بس... بس مصدعة شوية."
قبض على يدها بحنان وقبلها وهو يقول: "ألف سلامة عليكي يا حبيبتي." ارتسمت ابتسامة واهية على شفتيها وسحبت يدها ولم ترد. لم تكن على راحتها بصحبته ولا تتقبل غزله ولمساته تشبه الجمر، تحرق بروحها وكأنه تأنيب الضمير الذي بدأ ينغصها منذ فترة. وصلت رسالة لهاتف آدم ففتحها، كان محتواها:
"منه هي اللي كانت مفبركة محادثات سما، ومش بس سما دي عملت كده في كل أصحابها، دي بنت مريضة نفسيًا، ولو مش مصدقني شوف موبايلها والإسكرينات اللي عليه قبل ما تمسحها، وخد جولة في الفيس كمان، ربنا يعينك على الصدمة." عاد آدم ينظر لـ منه بتمعن لبرهة فقالت: "فيه إيه يا آدم بتبصلي كده ليه؟! هز رأسه بالنفي مرددًا: "لا مفيش."
انطلق بالسيارة ولم يصدق أو يكذب الرسالة لكنه أخذ يتذكر كل ما حدث ويربط الأحداث، وأخيرًا قرر الانتظار إلى أن يصلا لبيتها ويأخذ هاتفها بأي حجة ويفتشه. ***** "شايفة يا شموع أنا قلبي بيوجعني قوي، حاسة إني حد ضربني بخنجر في نصفه فقسمه نصفين." قالتها "سما" ببكاء وهي بتبص على منه اللي راكبة مكانها جنب آدم، طبطبت عليها وقالت: "متزعليش يا سما، ربنا يرزقك باللي أحسن منه." كملت شموع:
"البت دي أصلًا كانت ماشية مع أخويا وبتكلمه وفجأة عملت له بلوك واتخطبت لـ آدم، وأخويا من لما عرف وهو شايط وشكله مش هيسكت." مسحت "سما" دموعها وقالت: "ربنا ينتقم منها." نظرت "شموع" حولها ثم قالت لـ سما بخفوت: "طيب أقولك على سر... منه كانت عايزة تنتقم من شهد وتصورها وهي من غير هدوم عشان تمسك عليها ذلة... عشان شهد كانت بتعمل أكونتات فيك وتكلم ولاد وتبعث لهم صورها وصور أصحابها وفي الآخر لبستها في منه."
شهقت سما بصدمة وقالت: "شهد!!! معقولة!!! يعني شهد هي السبب في اللي أنا فيه؟! شموع بجهل: "مش فاهمة إزاي السبب في اللي أنتِ فيه؟! "أنا حد عمل فيا كده برضه وبعت صوري لشباب وبعدين بعثهم لـ آدم... ده ممكن تكون منه متفقة معاها أصلًا، الحقودة الخاينة دي." قالت سما آخر جملة بدموع وهي تضغط على أسنانها بغيظ، فقالت شموع: "لأ معتقدش منه تتفق مع شهد، دول مش بيطيقوا بعض...
وأصلًا أنا كمان شهد عملت فيا كده بس أخواتي جابوا لي حقي منها ومن أهلها." سما بصوت متحشرج وبإصرار: "والله العظيم ما هسكت، هو أنا يعني مليش أخوات!! والله ما هسكت." *** "أنا مش عارفة البت دي عايشة كده إزاي، ده أنا لو مكانها كنت موتت بحسرتي... دي بجحة." قلتها وأنا واقفة في البلكونة ببص على "منه" اللي داخلة مع "آدم"، كنت لسه داخلة من الكلية وكانت روعة واقفة على يميني وحنين على شمالي وبناكل لب.
اجتمعنا عشان نذاكر ونظبط المحاضرات اللي أخدناها عشان متتراكمش علينا. روعة بلامبالاة: "متشغليش بالك يا شهد... يلا نذاكر." قعدنا على الطاولة وفتحنا الكتب وجنبنا كيس اللب، نقزقز واحدة ونقرأ كلمة بدون أدنى تركيز لحد ما شوفت عبيدة داخل مع شادي، وقفت وابتسمت فقالت روعة: "شكلها مفهاش مذاكرة يا جماعة... أنا هقوم أجهز الغدا مع ماما." وقفت حنين وقالت بندم: "يا ريتني ما جيت معاكم، كنت متأكدة إنكم مش هتذاكروا!! قلت:
"هنذاكر يا بنتي لسه بدري! مش أنتِ هتباتي معايا يبقى هنذاكر بالليل." جلست حنين مجددًا وقالت: "ماشي زي بعضه... هقعد ألعب في الفون شوية على ما تخلصوا." *** وبعدما تناولا شادي وعبيدة الغداء، قال عبيدة: "مش عارف الواد رحيم ده عايز إيه ومجاش ليه أصلًا! شادي بحيرة: "مش عارف موضوع إيه المهم ده... وبعدين كنا اتقابلنا بره بدل الإحراج ده... زمان الحجة حماتي بتقول هو هيقرفنا كل يوم ولا إيه!!
"لا يا أبو نسب أمي بتحبك، وبعدين من إمتى بقيت حساس كده ما أنت كل يوم هنا إيه الجديد." رن جرس الباب وفتح عبيدة فدخل رحيم وهو بيقول: "يا مرحب بالكريم وبمفاجآت رحيم... عبيدة بابتسامة: "يا مساء السعادة والسكر الزيادة." دخل "رحيم" وهو بيستنشق رائحة الطعام وبيقول: "أنا شامم ريحة محشي... أنتم اتغديتوا ولا لسه هتتغدوا؟ "اتغدينا بس هنعطف عليك ونأكلك." قالها عبيدة وهو يتجه لغرفة الضيوف ويتبعه رحيم وهو يتنحنح بصوت عالٍ ويقول:
"أحم... اللي كاشف رأسه يغطيها يا أهل البيت." وبعد السلام جلس رحيم قصاد شادي وعبيدة المنتظرين لحديثه اللي مش بينطق بيه، فقط يطالعهما بابتسامة قال عبيدة بضيق: "ما تقول يا ابني موضوع إيه المهم." التفت رحيم حوله وبعدين بص لـ عبيدة وحمحم وهو بيحك أرنبة أنفه: "مش لما أتغدى الأول، هاتوا لي طبق محشي." وبعد ما اتغدى وتناول الشاي واتجمع كل البيت زي ما طلب، واتفاجئ بوجود حنين بل تراقص قلبه بسعادة لرؤيتها، قال عبيدة بنفاذ صبر:
"ها إيه الموضوع المهم اللي مجمعنا عشانه." أخرج رحيم من جيبه عدة مصاصات وقام بتوزيعها عليهم وهو بيقول بمرح: "ها إيه رأيكم في المفاجأة؟ عبيدة بدهشة: "مصاصات يا رحيم!! هي دي المفاجأة والموضوع المهم جدًا اللي مجمعنا عشانه؟ رحيم: "لأ طبعًا المصاصات دي جايبها عشان مدخلش عليكم بإيدي فاضية." ضحك شادي وقال بسخرية: "ليه يا أخويا رايح تزور عيال أختك!! ضحكنا كلنا وقال رحيم:
"المهم الموضوع اللي جمعتكم عشانه بخصوص العلقة اللي أكلناها مع بعض." كلهم انتبهوا له مترقبين باقي حديثه إلا أنا كنت بحاول أكتم ضحكتي والمشهد بتاع رحيم وهو بيوزع المصاصات بيتردد في مخيلتي. جاهدت كتير عشان مضحكش وكل ما أفتكر شكل رحيم وهو بيوزع المصاصات أضغط على شفايفي جامد. فجأة طلعت الضحكة من قاع بطني وحاولت أكتمها في حلقي وأنا بضغط شفايفي جامد لكن ضغط الضحكات اللي جاي من القاع كان عالي.
فانفرجت شفتاي بابتسامة واسعة وصدر صوت ضحكاتي الأشبه بانفتاح باب حديدي قد صدأت مفصلاته وتهدل لأسفل فكان يحتك بالأرض مصدرًا صوت مزعج. سكتت وأنا حاطة إيدي على بوقي لما كلهم بصوا عليا، كنت محرجة جدًا، لكن زال حرجى وتعالت ضحكاتي لما كلهم ضحكوا للمرة الثانية. *** "أنتِ طالق... طالق يا منه." "لا يا آدم متقولش كده أنا بحبك والله... أ... أ... أ... أنا مظلومة." "أنتِ مش مظلومة أنتِ كذابة." "لأ... متظلمنيش أنت كمان...
آدم أنا مقدرش أعيش من غيرك. قالت بحدة: وأنا مقدرش أعيش معاك! حاولت منه استعطافه وهي تلعن نفسها على غبائها؛ لأنها لم تحذف المحادثات مع أخو شموع ولا الإسكرينات الخاصة بشموع وسما، وفوق هذا الملف الشخصي الزائف اللي بتتكلم منه شباب آخرين واللي شافه آدم. قالت باستعطاف: طيب اهدي أنا آسفة والله هتغير عشانك بس متسيبنيش. قال بحسرة وندم: يا خسارة يا منه... أنا إزاي كنت مخدوع فيك كده! أنا زي ما أكون كنت أعمى وفتحت.
قالت ببكاء وكلمات مختنقة: آدم... متسبنيش بالله عليك. هز رأسه باستنكار وهو بيدير ظهره وبيمشي، فصرخت منه بانهيار: والله حبك هو الحاجة الوحيدة اللي مكذبتش فيها. التفت آدم ليها وقال: دا مش حب دي أنانية... أنا خسرت حب حياتي بسببك... أنتِ نار بتحرق كل اللي يقرب منها. خرجت والدتها من مطبخها وهي بتقول بخوف: إيه يا حبايبي بتتخانقوا ليه؟! آدم بحدة ونبرة مرتفعة: بنتك كذابة وخاينة... دي آذت كل أصحابها... دي آذتني أنا شخصيًّا.
مسكت منه ذراعه واعترفت في لحظة ضعف: أيوه أنا عملت كل ده بس والله هتغير... لا أنا... أنا أصلًا اتغيرت حبك غيرني... أنا مظلومة يا آدم... متسبنيش... والله هتغير عشانك. قالت آخر جملة برجاء، فأطلق آدم ضحكة كالزفرة ساخرًا منها ومن حديثها، وقال لوالدتها: أنصحك تاخديها لدكتور نفسي دي مش ممكن تكون طبيعية. سحب آدم ذراعه من منه بقوة وفتح الباب وخرج. ولما استوعبت منه اللي حصل جثت على ركبتيها وهي تقول ببكاء وبنبرة مرتفعة بانهيار:
أنا مظلومة... كلكوا ظلمتوني. بل هي من ظلمت نفسها. ضمتها والدتها بحسرة على حالتها وهي تنوي أن تعرضها على طبيب نفسي. وقبل ما يركب آدم سيارته وقف قدامه أخو شموع اللي كانت منه بتكلمه وقال بنبرة هادئة تناقض الابتسامة الساخرة والنظرات الحادة اللي بتشع من عينه: يا راجل مستنيك من بدري اتأخرت كدا ليه؟! آدم باستغرب وجهل: نعم! أنت مين؟! ابتسم الشاب وهو يضم قبضة يديه ويقول باستخفاف: حالًا يا باشا هعرفك بنفسي.
لكمه الشاب في وجهه وتبادلوا الهجمات واللكمات وتصاعدت أصوات الناس المتجمعة لفك المشاجرة، والشاب يمسك آدم من ياقته ويأبى أن يتركه. وفي ظل ذلك الشجار وقف شاب بالدراجة النارية الخاصة به، وجواره ثلاث دراجات أخرى كل واحدة تضم ثلاث من الشباب، وصاح بنبرة مرتفعة: يا شهد... اطلعيلي واسمعي اللي هقوله قدام الناس دي كلها.
في ظل ضحكاتنا العالية ومزاحنا اللي مش بيخلص سمعنا صوت خناقة في الشارع وبعديها صوت حد بينادي عليا فأدركت إنها مصيبة جديدة من مصايب منه اللي شكلي مش هخلص منها. بص عبيدة وشادي ورحيم من الشباك وبعدين بصلنا وقال بجدية: خليكوا هنا محدش يطلع بره. مسكت أمي إيد عبيدة وهي بتبص على جرح رأسه وبتقول: يابني دا أنت جرحك لسه متعافاش عشان يتعملك واحد تاني. متقلقيش يا ماما إن شاء الله مفهاش جرح ولا حاجة ادعيلنا يا حبيبتي.
في الوقت ده افتكرت أغنية جرح تاني وهو أنا لسه صحيت من الأولاني بس طبعًا مكنش وقت للضحك. فتح عبيدة الباب وقبل ما يخرج ألقى نظرة على رحيم اللي قاعد بيبص للسقف وعامل نفسه مش واخد باله، فقال عبيدة وهو رافع إحدى حاجبيه: إيه يا كابتن رحيم مش جاي ولا إيه؟! قال رحيم: مش أنت قولت خليكوا هنا محدش يطلع بره. جذب شادي رحيم من ملابسه وجره معاه ورحيم بيقول ببكاء مصطنع: هو المحشي ده لازم يتاخد قبله أو بعده علقة ولا إيه!! دفعه
شادي أمامه ورحيم بيقول: براحة يا عم وكله بالأدب. وبعد ما نزلوا مقدرناش نستحمل ووقفنا في البلكونة نشوف اللي بيحصل، أشارت حنين للشاب اللي واقف جنب الدراجة النارية وقالت: دا أخو سما. أشارت روعة للشاب الآخر اللي ماسك في آدم وقالت: ودا أخو شموع. قلت بنبرة مرتعشة: يارب استر يارب. قالت أمي بصوت مرتفع ومقهور: والله العظيم لو حصل حاجة لأخلع الشبشب وأروح أنصره على دماغ منه وأمها دا كانت جوازة سواد يا إبراهيم.
في الوقت ده طلعت منه من البلكونة اللي قصادنا وهي باين عليها البكاء ووقفت تتفرج وأمي بتدعي عليها. انقسم الناس في الشارع لجزئين: جزء بيسلك آدم من إيد أخو شموع، وجزء تاني بيهدي عبيدة وشادي. دفع عبيدة الشاب وهو بيقول بحدة: نعم! عايز إيه من أختي. عايز أقولها كلمتين وهمشي. وقف شادي في وجه الشاب وقال بنرفزة: يعني إيه تقولها كلمتين، هو البيت مفهوش رجالة تتكلم معاهم بأدب!
نظر رحيم لأعلى على حنين وكأنه بيقول في نفسه لو اتضرب هيكون شكله وحش قدامها المرة الثانية، ولو هرب هيكون شكله أبشع. أخرجه من أفكاره الشاب اللي سحب خنجره ووضعه على عنق شادي وهو يقول: اخرجي يا شهد وإلا مش هيهمني حد. عبيدة بعصبية: في إيه يا عم هو إحنا في غابة ولا إيه! سيب الراجل. وقف رحيم أمام الشاب وهو بيقول بهدوء: يا أخ بالأدب... خلينا نتفاهم بالأدب إحنا ملناش في قلة الأدب. لف شاب آخر ذراعه ليضع خنجر
على عنق رحيم وهو بيقول: اهدي كده واثبت يا عم المؤدب. رحيم برجاء: الله الله الله... يا أسطى... يا أسطى أنا معرفهمش أنا جاي هنا بالغلط... أصل أنا بمشي وأنا نايم فسيبني أروح لأمي أكمل نوم. تجاهل الشاب كلماته، فرفع رحيم رأسه لفوق يبص على حنين اللي واقفة مرعوبة وحاطة إيديها على فمها وقال بنبرة عالية: ابقي فكريني لو طلعت سليم أقولك حاجة مهمة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!