الفصل 1 | من 25 فصل

رواية فارس من الماضي الفصل الأول 1 - بقلم ايمان البساطي

المشاهدات
15
كلمة
1,832
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 4%
حجم الخط: 18

في مطار القاهرة، أُعلن عن هبوط الطائرة الآتية من إيطاليا إلى أرض مصر. خطى أولى خطواته إلى هذه الأرض التي تركها منذ أن كان في سن المراهقة. ترك ذكرياته، أصدقاءه، عائلته، والأهم! حبيبته ورفيقة دربه. استفاق من شروده، أخذ يتنفس بعمق قبل أن يستقل سيارته التي كان ينتظره بها السائق بالخارج من لحظة وصوله، وذهب إلى وجهته. في مكان آخر حيث أصوات الموسيقى العالية، مكان يلتقي فيه الشباب، ويُدعى (النادي الليلي)

، يجتمع فيه شباب أولاد العائلات الراقية. كانت تصدح صوت موسيقى صاخبة، وفي منتصف ساحة الرقص تتمايل رنيم. نعم رنيم البحيري (ابنة صاحب أكبر شركات البحيري للاستيراد والتصدير، وعمها رمزي البحيري الذي تولى إدارة الشركات بعد وفاة أخيه محمد البحيري والد رنيم، وتزوج أم رنيم؛ لكي يتولى مسؤولية رنيم ابنة أخيه الوحيدة)

. كانت رنيم تتمايل مع رفيقها على أغنيتهم المفضلة، يرقصون عليها كل ليلة وكالعادة يلتف حولهم أصدقاؤهم، يصفقون ويشجعونهم على الرقص بحماس. صاحت رنيم بصوت عالٍ وهي تتحدث بثقل بسبب المشروب: -خلاص يا شباب تعبت. أمسكها زياد من رسغها (رفيقها التي كانت ترقص بصحبته) وسار بها إلى طاولتهم، وتحدث وهو يميل على أذنها. تحدث زياد: -رنيم إنتِ شربتِ كتير النهاردة، هروّحك إزاي كده وعمك هيسكت لو شافك كده؟ نظرت إليه رنيم بنصف

عين مفتوحة وتحدثت بسخرية: -عمي! عمي زمانه مرتاح مني دلوقتي، وبعدين لو ما كانش عايزني أبقى كده، ما كانش سمح إني أخرج معاك، وهو عارف كويس إحنا رايحين فين، ويبعت السواق كل ليلة ياخدني من هنا. نظر زياد إليها، وجدها قد غابت عن الوعي، زفر بضيق، وحاوط خصرها بيده، رفع يده الأخرى لكي يسند رأسها على صدره.

وصل إلى وجهته، وفتح باب سيارته، وخطى خطوته إلى الداخل، ألقى نظرة على المكان، حتى وقع بصره عليها، استغفر ربه في سره، كي يهدأ حتى لا يلكم هذا الشاب الذي تضع رأسها على صدره. خطى إلى الداخل، وتحدث بصوت رخيم: -زياد باشا أنا السواق تبع الهانم، رمزي باشا بعتني آخد الهانم على البيت. تحدث زياد باستغراب: -أنا أول مرة أشوفك! مش أنت السواق اللي دايمًا بتيجي هنا وتاخد رنيم على الفيلا؟ توتر الشخص وتحدث بسرعة:

-أنا لسه متعين جديد يا باشا. تحدث زياد: -ماشي اسبقني افتح باب العربية، وأنا هجيبها. حمل زياد رنيم برفق، وذهب خلف السائق، وضعها بالمقعد الخلفي للسيارة وأغلق الباب برفق. انطلقت السيارة بسرعة حتى ابتعدت عن المكان. أعلن هاتفه عن وصول رسالة، كان محتواها (لقيتها؟ ... نظر في هاتفه، ثم أوقف السيارة، واتصل بالشخص. دقائق وفتح الخط أتاه صوت الشخص بلهفة: -عملت إيه طمني لقيتها... السائق: ... أتاه صوت مرة أخرى: -معتز أنت كويس؟

ما بتردش ليه؟! أخيرًا تحدث معتز: -أنا كويس يا زين بس مخنوق شوية، ما كنتش حابب ألاقيها كده رغم إني كنت عارف، عارف هلاقيها فين وبتعمل إيه. تحدث زين بشفقة إلى صديقه: -معلش يا معتز عارف إنها هتبقى فترة صعبة عليك، بس أنت أقوى من كده، أنت لازم تبقى جنبها، وتحاول ترجعها، ترجع رنيم حبيبتك، وصديقة طفولتك. معتز: -عارف يا زين، بس اللي بفكر فيه دلوقتي هدخل الفيلا إزاي دلوقتي؟ وبصفتي إيه؟

أنا قابلت التيييييت اللي كانت معاه، واضطريت إني أقوله إني السواق الجديد عشان أعرف آخدها. تحدث زين بحماس: -مش عارف أقولك إيه يا صاحبي! سكت دقيقة، ثم صاح بصوت عالٍ: -لقيتها يا معتز لقيتها. معتز بغضب مصطنع: -إيه يا زفت أنت براحة، ودني ما بتعرفش تتكلم بصوت واطي شوية. أتاه صوت زين وهو يضحك: -آسف آسف، اتحمست شوية. ابتسم معتز وتحدث: -ها قول أعمل إيه؟ زين:

-بص يا معتز أنت أول ما توصل عند الفيلا، نادي على حد من الحرس يدخلها الفيلا، ولو حد سألك عن السائق قول ما شفتهوش، وإنك صديقها، ولما لقيتها تقلّت في الشرب جبتها على طول. معتز بانفعال: -نعااااام!! أنت عايزني أسيب الحرس يشيلوها؟ مش كفاية أول ما شفتها مع الحيوان ده، ما عرفتش أنا باقول إيه، وادعيت إني سواق عشان آخدها، أنا مش عارف لولا الشخص اللي بيبلغني بتحركاتها ده، كنت هأعمل إيه. تحدث زين بإحراج:

-ما جاش في دماغي غير الفكرة دي، وبعدين يا معتز ما هو ما فيش حل تاني، إيه هتاخدها وهتدخل الفيلا كده، وهتعرف تقابل عمك أنت لغاية دلوقتي بتخطط هتدخل العيلة إزاي؟ ثم تابع حديثه بفضول: -صحيح يا معتز مين الشخص ده اللي بيبعتلك كل تحركاتها، ووصلتله إزاي؟ وأنت بقالك تسع سنين بعيد عنهم. تحدث معتز باستفزاز: -ده شخص عزيز عليا أوي، وأقرب شخص ليا أنا ورنيم، بس هو مين ملكش دعوة واقفل بقى. رد عليه زين بغيظ قائلًا:

-ماشي يا معتز ليك يوم، سلام.

أغلق معتز الخط، وألقى نظرة على النائمة في الخلف، نظر إلى وجهها التي تصبغه بمستحضرات التجميل، وشعرها المفرود حولها، وبعض الخصلات على الوجه. أزاح ببصره عنها وهو يستغفر ربه، يعلم أنه لا يحق له النظر والتمعن فيها، أرجع رأسه إلى الخلف، يستند على مقعد القيادة، وعاد بذاكرته إلى الماضي، عندما كان يبلغ من عمره السابعة عشر عامًا. كان يجلس في غرفته مع أصدقائه، يلعبون ألعاب صبيانية، ولعبتهم المفضلة بلاي ستيشن. كانت الغرفة تملأها المرح، وأصوات صيحاتهم يصاحبها التشجيع، وبعضهم الغضب. أتاهم صوت طرق على الباب، كاد أحد أصدقائه يهم بفتح الباب، قفز معتز مسرعًا:

-استنى يا أمجد هأفتح أنا. كان يعلم من الذي يطرق الباب، فتح الباب وتحدث معتز: -عايزة إيه يا رنيم؟ هتفت رنيم بغيظ: -والله يا سيدي معتز! يعني سايبني لوحدي وبتلعب مع صحابك، أنت وعدتني إنك هتعلمني أركب عجل، وأنا مستنياك في الجنينة بقالي ساعة.

ضحك معتز على ابنة عمه المراهقة التي تبلغ من العمر ثلاثة عشر عامًا، فهي مصرة على تعلم ركوب العجل؛ لأنها تراه يتسابق مع أصدقائه بمهارة، وتريد أن تتشارك معه في اللعب. فرنيم ومعتز ليس أولاد عم فقط، بل أصدقاء مقربين جدًا، ولكن تفرّق أولاد العم؛ لأسباب سوف نكتشفها في الفصول القادمة. هتف معتز وهو يكتم ضحكته: -حاضر يا رينو، ساعة وأصحابي يمشوا عشان بنلعب بلاي ستيشن. نظرت إليه رنيم بغيظ وهي تهتف بغضب: -يا رب تخسر يا معتز.

ثم أولته ظهرها راكضة إلى أسفل. ضحك معتز ولف إلى غرفته؛ لكي يكمل لعبه مع أصدقائه. فاق من شروده، ونظر أمامه، وقاد بسيارته إلى منزل رنيم. وصل معتز إلى منزلها، رآه الحارس وأتى عليه، ألقى نظرة إلى الخلف وجد رنيم. هتف الحارس يسأله: -أنت مين؟ ورنيم هانم جاية معاك ليه؟ فين السواق؟ تحدث معتز: -أنا صديق رنيم. وأخبر الحارس كما قص عليه زين. تمتم الحارس في خفوت: -تمام يا باشا. وفتح باب السيارة، وحمل رنيم إلى داخل الفيلا.

استمعوا إلى رنين جرس، أسرع رمزي بالنزول إلى أسفل؛ فهو رأى الحارس من شرفة الغرفة المطلة على الحديقة وهو يحمل ابنة أخيه. فتح الباب وأسند ابنة أخيه ورحل الحارس في صمت. ركضت والدة رنيم على الدرج وهي تتحدث بغضب: -مش معقول كده يا رمزي! مش كل يوم البنت ترجع كده، بنتي ما عادتش صغيرة، أنت عارف لو حد من الصحافة شافها كده هيحصل إيه؟ زفر رمزي وقلب عينيه في ملل وهتف:

مش هنخلص يا إلهام من الاسطوانة دي، قولت لك كام مرة أنا عارف أنا باعمل إيه، سيبها تعيش سنها، دي بنت أخويا، وأنا أدرى بمصلحتها ولا إيه؟ نظرت إليه إلهام، نظرة فهمها جيدًا، وتحدثت: أنت عارف كويس إن محمد أخوك لو كان عايش، ما كانش دا بقى حالها. نظر إليها رمزي بغضب، وصعد بابنة أخيه إلى غرفتها، لحقت به إلهام وصعدت إلى غرفتها هي ورمزي، دقائق ودخل رمزي، أغمضت عينيها، وهي تعلم ما سيحل على رأسها الآن، أمسكها رمزي من خصلات

شعرها وهو يتحدث بغضب: أنا كام مرة قلت لك ما تجيبيش سيرة محمد أخويا قدامي؟ صرخ مرة أخرى وهو يسألها: انطقي كام مرة نبهتك؟ تحدثت بشهقات وعينيها تزرف الدموع: كتير يا رمزي، قلت لي كتير، بس دا أبو بنتي ومش هتقدر تغير الحقيقة دي، ولا هتقدر تغير إنك طول عمرك بتكره أخوك وبتغير منه. صاح رمزي بكره: أنا آه باكرهه، وهفضل أكرهه، ومش بس كده هدمر بنته، بنته اللي صبر سنين لغاية أما جات الدنيا. ثم تابع حديثه بسخرية:

كان بيأمني عليها قبل ما يموت، وأنا مش هاخليه مرتاح في تربته، أخدتك منه وهحرق قلبك وقلبه على بنته، أنا دلعت بنتك مش حبًا فيها، دا عشان أوصلها للمرحلة دي، ولسه هاخليها أسوأ من كده. ثم تركها وغادر الغرفة، جلست تبكي بشدة على حالها وحال ابنتها، وهي لا تدري ماذا تفعل، نهضت لكي تتوضأ، وتناجي ربها أن يحفظ لها ابنتها، وتدعو لها بالهداية، انتهت من أداء فرضها وأخذت تقرأ في كتاب الله حتى غفت مكانها.

في غرفة رنيم فتحت عينيها، وتأوهت بشدة بسبب آلام رأسها من كثرة الشرب، قامت بتكاسل تنادي: دادة حليمة يا دادة. دخلت سيدة بشوشة الوجه، في العقد الخامس من عمرها وهي تهتف بابتسامة: صباح الفل والورد يا ست البنات، مالك يا بنتي أنتِ تعبانة يا رنيم؟ هتفت رنيم بخوف وبخجل: معلش يا دادة ممكن تعملي لي فنجان قهوة، أصل شربت كتير امبارح. تحدثت بسرعة: بس والنبي يا دادة ما تزعلي مني، أنا عارفة إني وعدتك إني هاسهر بدون ما أشرب. تحدثت

دادة حليمة بنبرة حادة: براحتك يا هانم، أنا ما ليش الحق اعترض، تؤمري بإيه؟ هتفت رنيم بحزن: دادة عشان خاطري بلاش تعامليني كده، أنتِ عارفة غلاوتك عندي، بلاش الطريقة دي. ثم تقدمت منها وعانقتها بشدة، وهي تقبل رأسها: أنا آسفة والله هاحاول أبطل بس ما تزعليش مني. ترقرقت الدموع في عينها وهي تتوسل إليها. نظرت دادة حليمة نظرة حانية إليها وهي تقول:

رنيم يا حبيبتي أنا عمري ما أزعل منك، أنتِ بنتي اللي ربنا ما أرادش إني أخلفها أنا خايفة عليكي، عايزاكي ترجعي رنيم بنتي اللي ربتها، اللي ما كانتش بتسيب فرض ربنا أبدًا، إيه اللي حصل لك بس بعدتِ عن ربنا ليه يا رنيم؟ نظرت إليها رنيم في صمت دامعة العينين، وتوجهت إلى الحمام وأغلقت الباب، نظرت إلى نفسها في المرآة، وتحدثت في نفسها وعيناها تزرف الدموع: حقًا لماذا أصبحت هكذا، لم أكن يومًا مستهترة، لم أفوت فرضًا، ماذا حدث؟

أزالت رنيم دموعها وهمت لتستحم، في الخارج رفعت دادة حليمة يديها تدعو ربها بالهداية إلى رنيم، فهي تعتبر رنيم مثل ابنتها، ثم توجهت إلى المطبخ لكي تعد كوب قهوة لرنيم. عند معتز، كان قد استيقظ معتز على صوت أذان الفجر -كالعادة

-وقام بتأدية فرضه، وقراءة ورده اليومي في كتاب الله، وقام بتأدية تمارينه الرياضية، فمعتز شخص رياضي، كما أن مكوسه في إيطاليا، لم يؤثر على تربيته ولا دينه، فكان معتز طالب متفوق في الثانوية، فدخل كلية الطب، وتخرج منها حاصلًا على تقديرات مشرفة، وعمل كطبيب نفسي، وتعرف على زين صديقه، فزين مصري الجنسية أيضًا، ولكنه سافر إلى إيطاليا، لكي يدرس الطب هناك، وعمل معه في المستشفى، وأصبح زين صديقه المقرب، فزين شخص مرح، على عكس معتز،

هادئ لا يتحدث كثيرًا، لم يكن لديه أصدقاء كثيرون بالجامعة، كان يقتصر على معرفة الزمالة فقط، جلس معتز يقرأ في كتبه المفضلة، كتب علم النفس، انتهى من كتابه، حتى بدأ في متابعة بعض سجلات المرضى الخاصة به، فهو سوف يتابع عمله عن بُعد، حتى ينتهي من المهمة التي جاء من أجلها، انتهى من عمله ورفع رأسه إلى الوراء يستند على كرسيه، يفكر ماذا سوف يفعل، كيف سيلتقي برنيم مرة أخرى؟

كيف سيدخل إلى منزلها دون أن يعرف أحد هويته؟ أخذ يفكر ماذا سوف يفعل، لو علم عمه رمزي بوجوده في مصر، الأكيد أنه سوف يدمر كل مخططاته، فهو كان يفعل ما بوسعه لمكوس معتز في إيطاليا، وعدم عودته إلى مصر، نهض معتز بعدما علم ماذا سوف يفعل، أخذ هاتفه وقام بالاتصال على الرقم المسجل بهاتفه. فتح الخط وأتاه صوته النعاس: عايز إيه يا معتز على الصبح، هو أنا مش هارتاح منك ولا راحمني في إيطاليا ولا في مصر. تحدث معتز:

زين أنت اسم عيلتك إيه؟ وقلت لي قبل كده إنك عندك شركة استيراد وتصدير في مصر، بتديرها وأنت في إيطاليا. أه فعلًا وبانزل كل فترة مصر، أباشر الأعمال بنفسي بس أنت بتسأل ليه؟! وبعدين دي مش شركتي لوحدي أخويا شريك فيها. هتف معتز: هو أنت مش بتعرف تجاوبني وخلاص، لازم تنزل زن على وداني بأسئلة كده، عمومًا جاوبني بس على سؤالي وهافهمك، وأخوك دا اسمه إيه؟ أنت عمرك ما كلمتني عنه. تحدث زين: اسمي يا عم زين الحديدي، وأخويا...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...