قد عم الليل وجلس الجميع في حديقة المنزل ما عدا حليمة وداليا. ابتعدت آية قليلًا عن معتز ورنيم لتركهم يتحدثون براحة. اقترب منها زياد وجلس بجانبها، وجدها ساكنة يبدو عليها الحزن، تحدث إليها: -مقولتليش مبروك على إني هخطب. تحدثت آية بهدوء: -مبروك. نظر لها زياد وقال: -باين عليكي مش مبسوطة. التفتت له آية بقليل من العصبية: -وهكون مش مبسوطة ليه؟ ما تروح تخطب أنا مالي.
ابتسم زياد ابتسامة جانبية وجلس الاثنان بصمت يتطلعان إلى النجوم في السماء. عند رنيم ومعتز، كانا جالسين أيضًا بصمت حتى فاجأته رنيم بسؤالها: -معتز، أنت ليه عايز تخطبني بالسرعة دي؟ أجابها معتز وهو ينظر إلى عينيها بعمق: -عشان بحبك. توردت وجنتها وهربت بعينيها بعيدًا عن عينه التي تنظر إليها وقالت: -برضه مش سبب. تعجب معتز من ردها وقال: -مش سبب إزاي! قالت رنيم ببعض الخجل:
-يعني إنك تحبني مش كفاية، في حاجات كتير أنت رافضها فيا وأنا عارفة، إنك تحبني ومش متقبل أي حاجة فيا يبقى مش هنقدر نكمل. ابتسم معتز على تفكيرها وقال: -مين قالك إني مش متقبل حاجة فيكي؟
ما فيش إنسان كامل من كل الصفات الكويسة، كلنا عندنا عيوب وكلنا نملك أخطاء، بس الصح إننا نعترف بالغلط ونحاول نغيره، كل اللي طالبه منك فرصة نقرب من بعض، نفهم بعض، وعارف إن كان كلام جارح في ميت طريقة أحسن من كده كنت أنصحك، بس أنا بجد بحبك وعايز آخد بإيدك لطريق الصح، موافقة ندي لبعض فرصة. شعرت رنيم بمدى خوفه عليها. أومأت له رنيم بخجل دلالة على الموافقة. فرح معتز كثيرًا بموافقتها وقال بسعادة: -بكرة هكلم عمك أطلب إيدك منه.
لم تجبه رنيم فقط اكتفت بأن تبتسم له. لم يود معتز الضغط عليها، يعلم أنها خجلة الآن. نهض وقال لها: -أنا همشي دلوقتي، وهكلمك بالليل. اقترب من زياد ونهض هو الآخر لكي يغادروا. أخبره معتز أنه سيتقدم لخطبة رنيم بالغد. فرح زياد كثيرًا وقام باحتضانه وقال له بسعادة: -مبروك يا معتز. قال له معتز: -الله يبارك فيك يا زياد، عقبالك.
اقتربت آية من رنيم وجدتها جالسة شاردة والابتسامة مرسومة على شفتيها. رفعت رنيم عينيها وجدت آية واقفة تنتظر أن تخبرها عن سر هذه الابتسامة، قالت رنيم بسعادة: -آية، معتز هيطلب إيدي بكرة من عمي رمزي. تفاجأت آية من هذه السرعة وقالت بسعادة وقد تناست حزنها: -بجد يا رنيم، ألف مبروك يا حبيبتي. عانقتها رنيم بسعادة وطلبت من آية أن تبقى معها هذه الليلة، اعتذرت آية بهدوء ووافقت رنيم على مضض أن تذهب.
صعدت رنيم لغرفتها وقلبها يخفق بسعادة. اقتحمت غرفتها داليا والسيدة حليمة. جلست داليا بجانبها تحضنها وقالت لها بحنان أم: -ألف مبروك يا حبيبتي، ربنا يسعدك. وقالت حليمة بدموع: -كبرتي يا رنيم وبقيتي عروسة. قالت رنيم بضحكة: -هو معتز لحق قال لكم؟ نهضت رنيم وتحدثت بابتسامة: -يا داده، معتز لسه هيكلم عمو، وفي خطوبة لسه. أنتي شيفاني ماشية من البيت؟ أنا قاعدة على قلبكم.
ضحكت حليمة واحتضنتها. غادرت داليا وحليمة الغرفة لكي ترتاح رنيم قليلًا. عند آية، بقيت مستيقظة جالسة تعبث بهاتفها. قامت بالدخول على الحساب الشخصي لزياد على الفيسبوك. ظلت تنظر إلى صوره، كم هو يبدو وسيمًا، هادئًا. ظل عقلها يفكر وتقول بداخلها: كيف سيتزوج بأخرى وهي احتفظت بحبها له في قلبها سنة كاملة؟ لم يعلم أحد بهذا الحب، أخفته عنه وعن الجميع. قالت لنفسها:
-يبدو حقًا أنك أخطأتي يا آية بهذا الحب. لن يتغير زياد، ولن يكون لكي. يجب أن تستيقظي من هذه الأوهام التي عشتي بها وتنظري إلى الحاضر، هو لن يكون لكي، سيصبح لغيرك. ظل عقلها يكرر كل هذه الكلمات. نزلت دموعها بدون إرادة منها. نظرت إلى صورة كادت تخرج من حسابه، ضغطت بالخطأ إعجاب على صورته. انتبهت لما فعلت، شهقت بخضة، وقامت بإزالة الإعجاب وحظرت حسابه بسرعة حتى لا يستطيع الدخول إلى حسابها ويعرف من قام بوضع إعجاب له.
أغلقت هاتفها وقامت لتتوضأ وتدعو ربها أن يريح قلبها. كان زياد متسطحًا على فراشه ممسكًا بهاتفه، ظهرت على شاشة هاتفه رسالة لتنبيه بأن أحدًا قام بوضع إعجاب على صورته، ضغط على هذه الرسالة لم يستطع الدخول، علم أن هذا الشخص أزال الإعجاب وقام بحظره، استغرب لما فعل الشخص المجهول بالنسبة له هكذا، أغلق هاتفه واستعد للنوم لكي يرتاح بعد هذا اليوم. لم يستطع معتز النوم، زفر بقلق وقال لنفسه:
"في إيه بقا مش عارف أنام، ماهو مش هينفع كده يا معتز، عندك شغل كتير بكرة." نظر إلى الساعة المعلقة على الحائط وجد الساعة الثالثة والنصف قال لنفسه: "أذان الفجر قرب، قوم كده اجهز للصلاة بلاش كسل."
نهض معتز وتوضأ، خرج يصلي ركعتين قيام ليل، وأخذ يدعو أن يوفقه الله، ويهدي له رنيم وتصبح أقرب إلى الله، انتهى من صلاته وأمسك المصحف الشريف يرتل بعض آياته التي تبعث الراحة والطمأنينة في النفس، سمع أذان الفجر، أغلق كتاب الله، ووضعه بجانبه، قبل أن يخرج من المنزل لكي يؤدي صلاة الفجر في المسجد جاء في عقله رنيم، أمسك بهاتفه وقام بالاتصال عليها وانتظر أن تجيبه... كانت رنيم غارقة في النوم، قلقت من نومها على صوت هاتفها،
أمسكت بهاتفها بنعاس وقالت: "في إيه يا معتز، حصل حاجة بتتصل ليه دلوقتي؟ ابتسم معتز وقال: "بتصل علشان تقومي لصلاة الفجر، قومي وبلاش كسل." قالت رنيم بنعاس: "معتز هبقى أصلي لما أصحى تاني، أنا دلوقتي هموت وأنام ومش قادرة أفوق." تحدث معتز بحده: "رنيم قومي صلي، ده أحسن وقت للصلاة وكمان صلاة الفجر في وقتها ثوابها كبير جدًا متفوتيش الثواب ده." انصاعت رنيم لحديثه وقالت له: "خلاص يا معتز هقوم أصلي." ابتسم معتز وقال لها بحنان:
"ماشي يا حبيبتي تقبل الله منك، هقفل دلوقتي هنزل أصلي في المسجد." أنهى معتز الاتصال، وضعت رنيم هاتفها بجانبها لتعاود النوم مرة أخرى، دقائق قليلة ونهضت لم تستطع النوم، شعرت بالذنب، قامت وتوضأت وبحثت عن شيء يناسب الصلاة لم تجد، زفرت بغضب من نفسها، وخرجت تبحث عن شيء بغرفة أمها، طرقت باب الغرفة بهدوء، كانت داليا انتهت من صلاتها لتوها، فتحت باب الغرفة ووجدت رنيم، تحدثت داليا بقلق: "أنتِ بخير يا رنيم؟ ابتسمت
رنيم بحرج وقالت لوالدتها: "كنت عايزة حاجة ألبسها تناسب الصلاة." سعدت داليا كثيرًا لطلبها ولم تود أن تسألها عن هذا التغير حتى لا تنحرج، أعطتها داليا إسدال للصلاة، أخذته رنيم منها وغادرت لغرفتها، دعت داليا لابنتها بالهداية.
دخلت رنيم غرفتها وارتدت إسدال الصلاة، وقفت مقابل المرآة، لكي تضبط حجابها، دققت النظر أعجبت بنفسها، فكم كان يزين وجهها، تذكرت مظهرها عندما كانت ترتديه في السابق ادمعت عينيها على ما فعلته بنفسها، وابتعادها عن ربها، وضعت رنيم سجادة الصلاة وشرعت في بدء الصلاة، أخذت تقرأ آيات الله، سجدت لربها وهطلت دموعها تتسابق في النزول، وبدأت تدعو ربها وتقول:
"يا رب اغفر لي، أنا عارفة إني ذنبي كبير، سامحني يا رب وقربني إليك، اغفر لي أخطائي اغفر لي." بكت بكت بصوت، وظلت تدعو ربها، انتهت رنيم من الصلاة، وهي تشعر براحة كبيرة لم تشعر بها من قبل، خلعت إسدالها، وصعدت على فراشها لكي تنام بسلام.
استيقظت بنشاط في الصباح، نهضت وهي تشعر بشيء غريب بداخلها، لا تعلم ما هو لكنها تشعر كأنها خفيفة كالفراشة، غسلت وجهها وارتدت إحدى الملابس التي طلبتها بالأمس، فكان فستان أبيض طويل يصل إلى كاحلها، ذو أكمام طويلة، ويغطي رقبتها، قامت بالاتصال على آية، لكي يذهبا إلى شراء الملابس، هبطت لأسفل وركبت سيارتها، لكي تذهب إلى آية ويذهبا معًا.
بداخل مبنى كبير مخصص لشراء الملابس، دخلت آية ورنيم لقسم المحجبات، انتقت آية بعض الفساتين الطويلة لها ولرنيم، وانتقت رنيم بلوزات واسعة ذات أكمام وبناطيل واسعة، وقد ساعدتها آية في ذلك، التفتت خلفها وجدت ألوان الحجاب الجميلة بألوانها الزاهية، وقفت أمامهم وأخذت ما يلزمها، سألتها آية بحيرة: "رنيم أنتِ هتتحجبي! أجابتها رنيم بابتسامة:
"مش عارفة يا آية، إمبارح لبست الحجاب حبيت شكله أوي، وحسيت باختلاف جميل زي زمان لما كنت بلبسه، أنا هخليهم عندي، يمكن يجي الوقت فعلًا اللي ألبسه فيه." فرحت آية جدًا لأن رنيم تفكر في الأمر وقالت: "إن شاء الله يا رنيم الخطوة دي تكون قريب جدًا، كلامك بجد بيفرحني أوي." قالت رنيم بتذكر: "صحيح أنا مش هاجي الشركة انهارده." قالت آية بتعجب: "ليه يا رنيم؟ أجابتها رنيم:
"في حاجات كتير لازم أعملها انهارده، أولًا الدريسنج روم لازم حد ياخد كل الملابس اللي فيها، لإن مش هلاقي مكان للملابس الجديدة، وأنا مش حابة أشوف أي حاجة منهم تاني وأفتكر أنا كنت بلبس إيه." تحدثت آية بابتسامة: "براحتك يا حبيبتي." انتهت الفتاتان من الشراء ووضعتا حقائب الشراء في السيارة وانطلقت رنيم وآية بسعادة، تحدثت آية بمرح وقالت: "الإحساس اللي عمري ما بندم عليه هو إني أدفع فلوسي كلها وأنا بعمل شوبنج."
قالت رنيم بمرح مماثل: "بيغسلني من جوا الإحساس ده." ضحكت الفتاتان وأكملت رنيم طريقها، أوصلت آية إلى منزلها، وأكملت رنيم طريقها إلى بيتها بحماس لكي تجرب الملابس الجديدة التي انتقتهما هي وآية بحرص شديد. وصلت رنيم إلى منزلها وحملت حقائبها وصعدت إلى غرفتها، وضعت الحقائب على الفراش، سمعت أصواتًا بالأسفل، علمت أنهم أتوا، نزلت مسرعة إلى أسفل، وجدت دادة حليمة تقول لها: "مين دول يا رنيم بيقولوا إنك أنتِ اللي طلبتيهم يجوا هنا."
تحدثت رنيم بابتسامة: "دول مؤسسة يا دادة للتبرعات، أنا كلمتهم عشان هياخدوا كل الملابس اللي فوق." شهقت دادة حليمة وتحدثت: "هتتبرعي بهدومك كلها يا رنيم؟ قالت رنيم: "هفهمك بعدين يا دادة، سيبيهم دلوقتي يشوفوا شغلهم." رحبت بهم رنيم وأشارت لهم على مكان غرفتها بالأعلى.
صعدوا للأعلى برفقة رنيم، بدأوا عملهم يجمعون الملابس بحرص ويضعونها في صناديق، بعد ساعتين انتهوا من جمع أغراض رنيم، وشكروا رنيم على تعاونها معهم، نظرت رنيم إلى غرفة ملابسها الشبه فارغة فلا يوجد بها إلا القليل من الملابس، صعدت إليها داليا وحليمة وقالت داليا باستغراب: "في إيه يا رنيم، أنتِ فعلًا اتبرعتي بكل هدومك؟ تحدثت رنيم وهي تجلس على فراشها بإرهاق:
"آه يا ماما أنا فعلًا عملت كده، أنا إزاي ما خدتش بالي قبل كده من لبسي وانجرفت ورا الموضة وخلاص، الحمد لله فوقت." وأشارت إلى حقائب الشراء الموضوعة بجانبها وقالت بسعادة: "اشتريت لبس جديد بمساعدة آية، أنا فرحانة بيه جدًا، حاسة إني طفلة صغيرة فرحانة بهدوم العيد." اقتربت منها داليا واحتضنتها بسعادة: "ربنا يسعدك يا حبيبتي، أنتِ فرحتي قلبي يا رنيم بكلامك ده." قالت حليمة بمرح:
"بركاتك يا معتز يا ابني، عمل اللي قلبي وجعني معاكِ من الكلام فيه." نهضت رنيم وقالت: "ساعدوني بقا أرتب حاجاتي، أنتم شايفين الغرفة ما فيش حاجة مكانها." أفرغوا ثلاثتهم الحقائب وبدأوا تعليقهم وسط مزحات رنيم وحديث حليمة العفوي، وإبداء داليا إعجابها بملابس رنيم الجديدة، انتهوا أخيرًا من تعليق الملابس وترتيب الغرفة، وقفت رنيم تنظر إلى ملابسها الجديدة وألوانها المريحة للنظر برضا تام، وقالت رنيم: "أنا خلاص تعبت، وهموت وأكل."
قالت حليمة: "بعيد الشر عليكي يا حبيبتي، حالًا هنزل أجهز الغدا." وغادرت حليمة مسرعة لأسفل. أما داليا ورنيم جلستا يتسامران في عدة أحاديث، فكانتا تتحدثان بسعادة، لا تعلم رنيم متى كانت آخر مرة جلست بها مع والدتها هكذا يتحدثون في مواضيع مختلفة، فكانت حياتها وسهراتها تأخذ كل وقتها، و بالأصح التي كانت تعتقدها حياة، انتهتا من حديثهما وهبطتا إلى أسفل، تناولوا طعامهم في هدوء، انتهت رنيم من طعامها، واستأذنت لتصعد لترتاح قليلًا.
قالت حليمة: "أنتِ عارفة يا داليا أحلى يومين قضتهم في البيت ده من سنين كان إمبارح وانهارده." قالت داليا بتعجب: "ليه بتقولي كده يا حليمة؟ قالت حليمة بصوت منخفض: "عشان المخفي اللي اسمه رمزي مش في البيت." ضحكت داليا وقالت: "عندك حق والله، شايفة البيت هادي إزاي، أنا مش فارق معايا غير إني شايفة بنتي سعيدة ومبسوطة، أستحمل أي حاجة عشان سعادتها دي عندي بالدنيا كلها يا حليمة." قالت حليمة بحنان:
"ربنا يخليكم لبعض يا داليا، ويهدي رنيم، أنتِ متعرفيش أنا مبسوطة عشانها قد إيه، أنا لو كان عندي بنت كانت هتبقى في غلوة رنيم عندي كده." قالت داليا بحزن: "ليه كده يا حليمة، رنيم دي بنتك زي ما هي بنتي، ده أنتِ كنتي بتهتمي بيها أكتر مني، وأنا عارفة إن رنيم روحها فيكي، بتحبك كأنك أمها بالظبط، مش عايزة أسمع منك كلمة زي بنتي دي تاني." قالت حليمة بتأثر: "تعيشي يا داليا طول عمرك بنت أصول وعمرك ما الفلوس والعز غيروكي أبدًا."
*****
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!