في بيت عبد الظاهر، بعد ذهاب منصور بيومين، قرر أن يتحدث مع نسرين. كانت نسرين تجهز السفرة. دخل عبد الظاهر غرفة الطعام وقعد على رأس الطاولة. انتهت نسرين من وضع الطعام، وبعدها جلست بجانب والدها، وبدأوا في تناول الطعام. ابتسم عبد الظاهر ابتسامة هادئة وهو يقطع اللقمة بيده: ـ العريس ده يا بنتي مش أي حد… ده منصور. وقفت يد نسرين في الهواء وهي ماسكة المعلقة، وبصت لأبوها باندهاش: ـ منصور! منصور مين؟
ـ منصور اللي جي قعد معايا من يومين… واللي مسبكيش في المستشفى لوحدك. سابت المعلقة في الطبق وقالت واتكلمت: ـ أنت متأكد إنه يقصدني أنا؟ ـ آه يا بنتي، هو أنا عندي بنات غيرك! ... وبعدين مالك مستغربة ليه كده؟ ـ مش عارفة يا بابا، أنا شوفته كذا مرة وكان بيتعامل معايا في أضيق الحدود. ـ طيب حلو، انتي عارفاه أهو، ها إيه رأيك؟ ـ مش عارفة يا بابا، أنا ماعرفوش وماعرفش حاجة عنه وطريقته غريبة أوي. ـ غريبة إزاي؟
ـ بحسه مش طايق يبصلي وبيتجنب الكلام معايا، كأنه مرتبط بواحدة وخايف يكلمني وتزعل. ضحك عبد الظاهر بصوت عالٍ: ـ يابنتي ده يدل على إنه راجل وبيعرف يعني إيه حرمة البيت وبيغض النظر. سكتت نسرين لحظة وفضلت تلف الكلام في دماغها، ثم قالت بصوت متردد: ـ بس يا بابا… الجواز مش مجرد سمعة كويسة ولا شكل جدع، أنا محتاجة أحس إني مطمنة. وإني أحس بأمان مع الراجل اللي هرتبط بيه. مد عبد الظاهر إيده وربّت على كفها:
ـ طيب لما كان معاكي في المستشفى، رغم إنه زي ما بتقولي كان بيتجنبك، إنتي مكنتيش حاسة بأمان في وجوده؟ سكتت نسرين وافتكرت وقفته معاها، وأنها فعلاً، رغم إنه مكنش بيكلمها، لكن كانت بتحس إن فيه حد مسؤول عنها. كمل عبد الظاهر كلامه: ـ تعرفي يا نسرين إنه رفض ياخد أي فلوس دفعها في المستشفى، رغم إني مقتدر وأقدر أدفع، لكن هو رفض ياخد حاجة. ـ أنا شايف إن ربنا بعتهولك… شفتي هو عمل إيه معاكي في المستشفى؟
الراجل ماسابكيش، ومحاولش يستغل الموقف وإنه يقرب منك أو يفتح معاكي كلام يحاول يقرب لك منه. اتنهدت نسرين وقالت بخجل: ـ طب افرض فضل كده على طول، حتى لو ارتبطنا، مابيتكلمش وبيتجنبني، وبعد الجواز برضه فضل ساكت كده، وقتها إيه العمل؟ ضحك عبد الظاهر بهدوء وقال: ـ يا نسرين… ادّي نفسك فرصة و خدي وقتك وفكري، بس أنا لو منك… ما ضيعتش حد زي منصور. وبعدين أنا مش بقولك اتجوزيه بكرة. اقعدي معاه واتكلمي معاه مرة واتنين وبعدها قرري.
بس وانتي بتفكري عايزك تفكري كويس إنه منصور راجل يعتمد عليه وهيصونك وهيتقي ربنا فيكي. رفعت نسرين عينيها له، وفيها خليط من الحيرة والخوف، كأنها بتحاول تشوف اللي أبوها شايفه بس مش قادرة توصله. ـ خلاص يا بابا، شوف الصح إيه واعمله. حدد معاه معاد تاني وأنا هقعد أتكلم معاه وأتعرف عليه. ابتسم عبد الظاهر برضا: ـ بإذن الله تعالى، أنا واثق إنه هيعجبك. هكلمه دلوقتي وأقوله ييجي انهارده. ـ إيه يا بابا ده! استنى على الأقل كام يوم.
ـ هتفرق في إيه يعني؟ ـ أنت عايزه يقول علينا مدلوقين ولا إيه؟ لا استنى كام يوم تاني وكلمه. ـ بس كده، حاضر يا قلب بابا. في منزل سميحة، كانت قاعدة في البلكونة وبتشرب فنجان قهوة ومشغلة أم كلثوم. قاطع شرودها صوت الباب. فتحت سميحة الباب لقت حسين واقف قدامها وبيضحك: ـ خير يا حسين، جاي ليه؟ ـ وحشتيني يا سميحة. ـ أنت هتستعبط يا حسين؟
ـ صدقيني يا سميحة، انتي وحشتيني أوي. عارفة لما طلقتك الأول كنت حاسس إني بعمل الصح، لكن بعد كده بقيت أحس إن فيه حاجة ناقصة وبقيتي تيجي على بالي كتير. ـ لا يا راجل، وكلامك ليه وإن مشيرة هي حبك الوحيد ده إيه؟ ـ غباء. كنت ضامن وجودك معايا عشان كده ماكنتش حاسس بمشاعري ناحيتك. واللي زود الوقع منصور وفارس لما سابوني لوحدي وبعدوا عني، حسين إن ضهري اتكسر. ـ ده على أساس إنك كنت بتعاملهم على إنهم ولادك ومديهم وضعهم.
ـ أنا راجل وبفكر بعقلي مش بمشاعري. لو أنا كنت مدلعهم وخلتهم ياخدوا كل حاجة بالساهل، يا سميحة، هل كانوا نجحوا وعملوا المعرض اللي عملوه ده؟ الشدة والحزم في تربية الأولاد هي اللي بتجيب نتيجة، ودي آخرت تربيتي ليهم. ـ أنت مصدق نفسك يا حسين؟ أنت عمرك حتى حضنتهم ولا قربت لحد منهم ولا حتى صرفت عليهم. ـ بحوشلهم فلوسهم وأنا يعني لو مت دلوقتي مين هيورثني؟ مش هما برضه؟
ـ اللي هيورثك ولاد مشيرة. أنا ولادي عندهم ضعف اللي انت سرقته وفضلت تبني فيه طول عمرك. يا عمرك يا حسين، ربنا رضاني في عيالي ولسه هيرضيني أكتر وأكتر ويفرحني بيهم. إنما أنت يا حسين، هتكبر وتعجز ومش هتلاقي حد يديك شربة ميه. ولادك اللي انت ما تعرفش عنهم حاجة ورميتهم وركبت ولاد مشيرة عليهم، خلاص فرصك راحت من عندهم ومافيش حاجة تشفع لك وهما مش عايزين يعرفوك تاني.
ـ لو رجعنا لبعض يا سميحة وولادك شافوني أد إيه بحبك وبعاملك بما يرضي الله، ساعتها ممكن يرجعولي تاني. ـ وأنا عمري ما أرجع لك تاني يا حسين، إلا بشرط واحد. ـ إيه هو؟ ـ ترجعلي المحل والمخزن بتوع بابا الله يرحمه، ووقتها مش بس هرجع لك، لا دا أنا كمان هخلي الولاد يشاركو معاهم. ـ وأنا أضمن منين يا سميحة إنك تنفذي كلامك؟ ـ من كلمتي يا حسين. أنا أضمن منين إنك ما ترجعش زي ما كنت في الأول؟
وبعدين ولادك، انت عارف تربيتي ليهم، عمرهم ما بياكلوا حق حد، وكانوا شايلينك رغم كل عمايلك معاهم. تخيل بقى لو عملتهم حلو ورجعتلي حقي اللي أخدته بيع وشرا لنفسك بيه بعد التوكيل العام اللي بابا الله يرحمه عملهولك، هيعاملوك إزاي. سكت حسين يفكر في كلام سميحة ومش عارف ياخد قرار. في نفس الوقت، في بيت مشيرة، كانت قاعدة بتكلم ابنها الكبير فاروق: ـ هو أخوك فين؟ ـ بيدور على شغل. ـ ليه ماصبرش؟
ما يمكن كل حاجة ترجع زي الأول وأحسن كمان. ـ إنتي عارفاه، مش بيحب حسين أصلاً وشايف إنه راجل خاين وواطي ودايماً بيتجنبه. ومكنش بيجي الشغل أصلاً. ـ واد خايب. المهم الشغل، عامل إيه؟ ـ مافيش مبيعات وأنا وعم حسين اللي بنبيع بنفسنا والبضاعة في المخازن وعلينا فلوس للتجار. ـ يعني إيه؟
ـ من الآخر كده، عم حسين ماضي على شيكات والبضاعة اللي موجودة قديمة ومنصور لعبها صح ومنزل في الأسعار أرخص مننا كمان ومعرضه عشان كبير والأسعار أقل وفي كل حاجة الناس بتروحله هو. ـ يعني كده حسين هيتداين لو ماباعش البضاعة؟ ـ بالظبط كده، ويبقى على الحديدة وممكن كمان يضطر يبيع المحلات لو ماقدرش يتصرف. البضاعة عشان يسدد فلوس التجار. ـ يا لهوي! طب والعمل؟ ـ معرفش.
ـ بقولك إيه، لو حسين قدر يقنع منصور إنه يشاركه، وقتها حسين هيرجع زي الأول. ـ طبعاً مش بس زي الأول، لا ممكن يبقى أكبر من الأول كمان ويبقى المحل بتاعنا فرع من فروعه. ووقتها حسين يقدر يشتري بضاعة جديدة. ـ وهو للدرادي مفلس ولا إيه؟ ـ انتي مش فاهمة. الأول كان معاه فلوس كتير لأنه كان بيبيع وبيسدد من المكسب. دلوقتي هو بيدفع بس الديون ومش عارف يبيع، وفي مرة مش هيبقى معاه يسدد.
ـ بقولك إيه، أنا عايزاك تاخد البضاعة دي تصرفها من غير ما ياخد باله، عايزاك تأمن نفسك وتأمني معايا على قد ما تقدر، أنت فاهم؟ ـ فاهم، والموضوع سهل. باخدها وأوزعها على تجار التجزئة، وكل ما السعر يقل هزود الكمية. ـ وهو حسين ليه ماعملش كده؟ ـ لأنهم تجار تجزئة زينا وعشان يكسبوا لازم يشتروها بسعر الجملة اللي إحنا بنشتري بيه وأقل، وبيكونوا عايزين كميات معينة. وعشان يشتروها مني لازم أنزل بسعر أقل من سعر التاجر الأصلي.
وأنا هبيعها بخسارة وهحط الفلوس في جيبي. ـ بس في الخفيف عشان ما ياخدش باله لحد ما أشوف هيعمل إيه مع منصور. في منزل سميحة، فضل حسين واقف بيفكر ومش عارف يعمل. ـ بصي يا سميحة، أنا موافق، بس عشان أنفذ لازم نتجوز الأول. ـ يبقى أنت خونتني يا حسين! خلاص اتكل على الله وانسى أي حاجة قولتهالك. ـ يا سميحة، الكلام أخد وعطا. ـ لأ يا حسين، ده كان زمان، إنما دلوقتي لأ. هفكر وأرد عليكي يا سميحة.
مشى حسين وراح لشه مع مشيرة وحكالها اللي تم بينه وبين سميحة. شكت مشيرة في طلب سميحة وموافقتها بالسرعة دي على طلب حسين، لكن ده الأمل الوحيد. كده كده حسين خسران كل حاجة، لكن لو سمع كلام سميحة، فيه أمل إنه يرجع تاني. بصت مشيرة لحسين وكلمته بخبث: ـ وافق يا حسين، وكُل عقلها وعقل ولادك بالكلام لحد ما يشاركوك. إنت كده كده خسران، عشان كده غامر، يمكن تصيب وتبقى أكبر من الأول.
ـ أنا برضو فكرت كده، خلاص بكرة هروحلها تاني وأعرض عليها مرة تانية وأقولها أني موافق. في مكتب عبد الظاهر، اتصل على منصور وبلغه موافقة بنته المبدئية وطلب منه ييجي عندهم عشان نسرين محتاجة تتكلم معاه وتتعرف عليه. وافق منصور واخد موعد مع عبد الظاهر إنه هيقابله آخر الأسبوع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!