مر أسبوع، وكان حسين يتصل بسميحة يومياً. في البداية كان يتكلم معها مرة واحدة، ومع مرور الأيام أصبح يتصل بها أكثر من مرة في اليوم. شعر منصور بجانب في حسين لم يكن يراه من قبل، كأنه يتعرف عليه لأول مرة. بدأ يستمع منه قصصاً عن أولاده، قصصاً يسمعها لأول مرة. كانت سميحة تحكيها بطريقة تجعله كأنه يعيش معهم. بدأ الحنين تجاه أولاده يكبر. كانت سميحة حريصة على أن تعلق حسين بأولاده وتحسسه كم كانوا يحبونه ووقفوا بجانبه.
مر أسبوع آخر. خلال هذا الأسبوع، كان فاروق يومياً يأخذ بضاعة من المخزن ويوزعها على تجار التجزئة بسعر أقل من سعر الجملة. بدأ حسين يلاحظ أن البضاعة تقل في المخزن، وعمل جرداً، ووجد فعلاً أن البضاعة ناقصة. وقف في وسط المخزن لا يعرف ماذا يفعل. فتح كاميرات المراقبة، ووجد أن الذي يفعل ذلك هو فاروق. شعر وقتها بوجع في قلبه. كيف لفاروق أن يفعل ذلك؟
هو ما قصر معهم في شيء. بدأ يقارن بين منصور وفاروق، وكيف أنه لم يكن يأخذ باله من الفرق. حتى عندما كان منصور يعمل معه في المحل، كان دائماً مليئاً بالزبائن. وفي نفس الوقت، لن يستطيع أن يقول لمنصور لأنه يعرف أنه سيشمت فيه. طيب، لماذا يفعل فاروق ذلك؟ هذا بدل أن يكون سندي، يعني تربيتي طلعت هباء. قرر أنه سيذهب إلى البيت، وبعدها سيواجه فاروق أمام أمه.
وفعلاً، وصل حسين إلى البيت وكان فاروق يشاهد التلفزيون. نادى عليه، وبعدها نادى على مشيرة. "تعالي يا مشيرة، تعالي شوفي ابنك بيعمل إيه." "في إيه يا حسين؟ مالك عامل دوشة كده ليه؟ وماله ابني عمل إيه؟ "البيه بياخد البضاعة من المخزن من غير ما يقول لي. شوفي بقى بياخدها يوديها فين وبيعمل بها إيه." "تقصد إيه إن ابني حرامي؟ لأ، احاسب يا حسين، خد بالك من كلامك." "أمال اللي عمله ده اسميه إيه؟ تكلم فاروق ببرود.
"والله أنا شغال بقالي شهر أهو، ولحد الآن ما قبضتش. وماما بتشتكي من قلة المصاريف. جرى إيه لما آخد كام حاجة من المخزن وأبيعها وأصرف بها على البيت، وآخد منها مرتبي. هو جزاتي إني ما رضيتش أكلمك عشان ما أحرجكش." "إيه رأيك بقى يا حسين في اللي بيعمله فاروق ده؟ بدل ما تقوله شكراً، بتطلعه حرامي؟ مش كفاية شكلك اللي عجز مرة واحدة ده؟
مشيرة نظرت إليه ب نظرة فهم حسين ما تلمح له مشيرة. وللأسف، هو مش قادر ياخذ قرار يعمل إيه. يطرده من المحل؟ ولا يتقبل الأمر؟ وكلام مشيرة منطقي، أنه يريد أن يصرف على نفسه وعلى البيت، ويسيب الوضع كما هو عليه. قرر حسين أنه سيسيب الوضع لحد ما يحاول يرجع أولاده تاني. ووقتها سيفعل ما يريدون، حتى لو سيطرد فاروق.
خرج حسين من البيت واتصل بسميحة ليفضفض معها. كانت سميحة تسمع دائماً ولا تعلق. وكل ما حسين يحكي مع سميحة، يحس براحة أكثر. يرجع لمشيرة، يحس بضغط منها لأنه لم يعد قادراً على تلبية رغباتها المادية والجسدية. بدأ حسين يتعلق بسميحة، وبدأت سميحة تحس بذلك. وكان إحساسها هذا يغذي بداخلها غرور الأنثى التي بداخلها.
كانت سميحة تحس بانتصار هادئ كهذا، انتصار من النوع الذي يبرد ن*ار كانت مولّ*عة بداخلها سنين. كل مرة حسين يتصل بها بصوته المكسور، كانت تحس أن وجعها يهدأ، وأن جرحها القديم يلتئم شيئاً فشيئاً. فرحانة، آه، بس فرحة غريبة... فيها شوية شماتة وشوية وجع، كأنها تأخذ حقها بعد سنين قهر. كل كلمة حنين منه كانت بالنسبة لها رد اعتبار، كأنها تقوله من دون أن تتكلم: "شُفت؟
اللي كنت بتكرهه بقى محتاجه." كانت تحس بقوتها، تحس أنها استعادت كرامتها، التي كانت قد ركنتها بسبب أولادها.
في الجهة الأخرى، كلم منصور عبد الظاهر وحدد معه موعداً ليتقدم رسمياً لنسرين. وافق عبد الظاهر على الموعد. وبالفعل، قال منصور لوالدته الموعد وأنهم سيذهبون للتكلم رسمياً. جهزت سميحة نفسها وقررت أنها لن تقول أي شيء لحسين إلا عندما يتفقون على كل شيء. هي تعرف كم أصبح حسين يرغب الآن في مصالحة أولاده وإعادتهم. وأكثر شيء سيؤلمه في وقت كهذا عندما يتجاهله أولاده، ومش بس كده، لا، يأخذ خاله بدلاً منه.
وصلوا جميعاً إلى بيت عبد الظاهر. رحب بهم عبد الظاهر، وجعل ابنته تحضر عشاءً فاخراً لهم. وافقت نسرين رغم استغرابها من طلب والدها، ولكن من داخلها كانت تريد أن تظهر لمنصور كم هي ست بيت شاطرة. قبل العشاء، قرر صالح أنه سيبدأ الكلام وطلب يد نسرين. "إحنا جايين انهارده نطلب إيد الآنسة نسرين لابننا صالح." "ونعم النسب يا صالح." "إحنا جاهزين ومستعدين لطلبات العروسة."
"طلباتنا أننا عايزين بنتنا تعيش مرتاحة مع واحد يصونها ويأخذ باله منها." تكلمت سميحة بود. "بنتك يا معلم في مقام بنتي، وما تقلقش عليها أبداً مع منصور. هياخذ باله منها أكتر من نفسه." "ده العشم يا ست سميحة. أنا واثق في تربيتك." وبعدها لحق نفسه وقال: "المعلم صالح الله يرحمه ربى عياله كويس، وما شاء فعل. صالح طالع لأبوه، مش بس اسم، لا وفعل." أومأ الجميع برأسهم. "طيب، أنت برضوا قول طلباتك، وإحنا تحت أمرك."
"أنت عارف إن نسرين بنتي الوحيدة، وأنا عايش لوحدي. عايزهم يعيشوا معايا هنا." تكلمت سميحة بجدية مصطنعة. "طيب، وإيه؟ ما يعيشوش معايا أنا؟ شعر عبد الظاهر بفراشات تطير داخل قلبه، والضحكة نورت وجهه. سميحة قاعدة قدامه وبتهزر، لسه حلوة زي ما هي. سميحة في منتصف العقد الرابع من عمرها، لكن شكلها يبدو أصغر، ولسه شباب. "واحد يا ست سميحة، بإذن الله. واحد." (اتقل يا حاج، هتبوظ جوازة بنتك.)
ضحكوا كلهم على هزار سميحة وعبد الظاهر، اللي ظاهرياً يبدو عادياً. عدى الوقت، وانتهوا من كل التفاصيل. وطلب منصور من عبد الظاهر أن الخطوبة يكون معها كتب كتاب. اتصدمت نسرين، وكانت سترفض، لكن موافقة والدها وضعتها أمام الأمر الواقع. انتهوا من الحديث، وبعدها قعدوا على السفرة، وبدأوا في تناول الأكل. وأعجبت سميحة بالطعام. "الله، الأكل حلو أوي يا نسرين. أنتِ اللي عاملاه ولا جايبة حاجة جاهزة؟ "لأ، أنا اللي عاملاه يا طنط."
"معقول! لا بجد تسلم إيدك." تدخل منصور في الكلام، وكان يصفها بفخر. "نسرين يا ماما خريجة اقتصاد منزلي، وبتحب الأكل. ومش بس كده، بتعرف تعمل شغل البيت، وكمان بتفصل." "ما شاء الله، تبارك الله. لا، برافو عليكي يا نسرين، بجد شاطرة." انتهى الطعام، وقررت سميحة أن تساعد نسرين. ورفضت نسرين في البداية، لكن سميحة أصرت. "يا طنط، حضرتك ريحي. أنا هعمل كل حاجة." "وأنتِ فكراني عجوزة ولا إيه عشان أنا مخلفة الحيطة اللي بره دي؟
لا، ما يغركيش، أنا بس اللي اتجوزت صغيرة." "ربنا يديكِ الصحة يا رب. أنتِ فعلاً شكلك صغير." "بس حما إنما إيه؟ "أكيد سكر." هههههه. "أنا عايزكي تعتبريني زي مامتك يا نسرين. أما مخلفش بنات، هعتبرك بنتي. ولو في يوم منصور زعلِك، تعالي قولِ لي فوراً. وصدقيني لو غلطان، هجيب لك حقك." حسن نسرين باطمئنان أكثر بعد كلام سميحة، وقررت أنها لن تعترض على كتب الكتاب.
انتهى العشاء، وشربوا القهوة، وبعدها حددوا موعد كتب الكتاب والخطوبة بعد شهرين. انتهى اليوم، وذهب منصور وأهله لبيتهم، وانصرف صالح لبيته. وقرر فارس أنه سيصطحبه. وصلت سميحة بيتها، وبدأت تتكلم مع منصور. "أنا ارتحت لها يا منصور. البنت شكلها طيبة وعاقلة." "بإذن الله هتحبيها أكتر لما تتعاملي معاها." "أهم حاجة إنك أنتِ اللي تحبها وتكون مالية عينك يا منصور. سامع؟ تكون مالية عينك."
ضحك منصور على كلام والدته. وبعدها دخلت سميحة غرفتها، وبصت للتليفون، لقت مكالمات كتير من حسين ورسائل. ابتسمت سميحة وقررت أنها ستتجاهله بقية اليوم، وفضلت سايبة الموبايل على وضع الصامت. في اليوم التالي، استيقظت سميحة، ووجدت هاتفها لا يتوقف عن الرنين. وأخيراً ردت عليه. "آلو." "آلو يا سميحة، أنتِ كويسة؟ والعيال كويسين؟ "الحمد لله يا حسين، كلنا كويسين." "ما كنتيش بتردي امبارح ليه؟
أنا قلقت عليكم وجيتلكم، بس ما لقيتش حد في البيت." "كنا بنخطب لمنصور." "إيه؟ إزاي يحصل كده وما حدش يعرفني؟ للدرجة دي يا سميحة، الولاد كرهوني." "دي نتيجة عمايلك يا حسين." "منا قلت لك هرجع لك كل حاجة ونتجوز تاني، وأنتِ اللي رافضة. وأنا مش فاهم ليه؟ "حسين، أنت فاكر إن المحل والمخزن فارقين معايا؟ أنا ولادك وأخويا صالح مش مخليني محتاجة حاجة." "طيب، ليه بتعملي كده؟
خليني أكلم منصور وأرجع له طيب كل حاجة، ونرجع تاني لبعض. وأنا موافق إني أشتغل صبي في معرض منصور." "كل حاجة بوقتها يا حسين." "هو ليه يا سميحة؟ أنا حاسس إنك بتماطليني." "أنا فعلاً بماطلِك يا حسين."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!