في إحدى المنازل القديمة بإحدى الأحياء الشعبية، استيقظت فاطمة على صوت أمها وهي تناديها بصوتها الجهوري: "بِت يابطة يامنيلة على عينك اصحى يلا يابت ياختي عليا وعلى الهم اللي أنا فيه. كل يوم سهرانه لوش الصبح على الموبايل اللي من يوم ماجابته وهي مش جايه قدام." تململت فاطمة في نومها وأجابت على صوت أمها: "حاضر ياما صحيت اهوه." "ومسيتك كحلي ياروح أمك." أجابتها وهي تمصمص: "مش من أول اليوم كده ياما." أجابتها فاطمة بصوت ناعس:
"لسه الساعة 3 العصر. وخالتك بعتتلك بتها أمل 5 مرات عشان تلحقي تودي الهدوم للست بتاعت الفيلا." "يالهووووي اتاخرت أوي. وسعي ياما كده." هرعت بالدخول للحمام واستحمت وارتدت ملابسها القديمة ذات الألوان الباهتة لغسلها المتكرر، وقامت برفع شعرها الأسود الطويل على هيئة ذيل حصان مناسب لطول شعرها، ووضعت مطول رموش (ماسكارا) مما جعل عينيها تبدو أجمل وأجمل مع لونهما العسلي الفاتح. خرجت من المنزل وذهبت أمها إلى شرفة المنزل لتودعها:
"خلي بالك من نفسك يابت يابطة ومتتأخريش عليا." ذهبت مسرعة لمنزل خالتها، والذي لم يكن يفصلها عن منزلها سوى شارعين. دلفت إلى منزل خالتها التي كانت بمثابة أم ثانية وصديقة لها ومخزن لأسرارها. "صباح الفل يازوزو." قالتها فاطمة بمرح. "زوزو إيه ياختي كل ده نوم. الست مستنياكي تديها الفستان عندها حفلة كبيرة أوي في الفيلا بتاعتها." "حفلة إيه دي ياخالتو؟ " تحدثت فاطمة متسائلة.
"بتقولك ابنها الكبير رجع من أمريكا. بس حتة واد يابت يابطة ربنا يحميه لشبابه." "وانتي شوفتيه ياخالتو؟ "دي أمّه مالهاش سيرة إلا هو. طول ما هي قاعدة مازن راح مازن جه. مازن طلع الأول في الكلية. وبتتكلم عن أدبه وأخلاقه." "هييييح." "هيييح إيه يابت يلا ياختي اتاخرنا على الست."
ذهبت فاطمة مسرعة باتجاه الموقف وركبت إحدى السيارات للذهاب لإحدى المناطق الراقية التي تقطن بها فريدة هانم، زوجة رجل أعمال من أهم رجال الأعمال في الدولة، والذي توفي قبل أعوام تاركاً لأولاده ثروة كبيرة. فكان لديه ولدين، أحمد الكبير والذي يعمل كدكتور، ومازن الذي اختار أن يدرس التجارة بأمريكا، وكان يشبه والده كثيراً في شخصيته، فكان دوماً عنيداً، وابنته سمر التي كانت تدرس الإعلام وهي فتاة مدللة.
وصلت فاطمة لمنزل السيدة فريدة، ضغطت على جرس المنزل باستعجال. فتحت لها الحاجة فتحية، والتي تعمل كخادمة في منزل فريدة هانم. "بطة وحشاني أوي يابت. اتاخرتي أوي. جهزنا كل حاجة ودكتور أحمد راح يجيب أخوه. اطلعي بسرعة للست هانم مستنياكي." أومأت لها وهرعت بالصعود لغرفة فريدة، والتي ما إن رأتها حتى وبختها بشدة قائلة: "ليه يافاطمة كل التأخير ده؟
ابني في الطريق جاي. طب كنتي ركبتي تاكسي وأنا حاسبتك عليه. لولا إني بحب إيد خالتك في الخياطة كنت اشتريت جاهز وخلصت نفسي أحسن." شعرت فاطمة بالإهانة لأنه لم يكن لديها مال لأجرة التاكسي الباهظة. ابتعلت غصة بحلقها وأجابتها بثبات: "معلش يافريدة هانم. شوفي بس الفستان بإذن الله يعجبك." "أما إن أشوف ياستي. أنا قلت لخالتك حاجة على ذوقك عشان هي معاها مقاساته."
وما أن سمعت فاطمة تلك الجملة حتى شعرت بالتوتر، لأنها هي من اختارت الألوان، فخالتها لم تستطع الذهاب لسوق القماش. نظرت فريدة إلى الفستان بانبهار قائلة: "الله الله على إيدك ياست عزة." شعرت فاطمة بارتياح بعد سماع كلماتها. ثم قامت فريدة بالنداء لفاطمة لمساعدتها على ارتداء الفستان قائلة: "تعالي يافاطمة اقفلي السوستة." انصاعت فاطمة لأمرها وساعدتها في ارتدائه. "إيه رأيك يافاطمة؟ " تحدثت فريدة متسائلة.
"تحفة عليكي ياست هانم. ونبي هتتحسدي." قهقهت فريدة عالياً على جملتها. دلفت سمر إلى الغرفة قائلة: "ياترى فيري بتضحك على إيه." ثم نظرت إلى فاطمة باستنكار، ثم استطردت حديثها قائلة: "انتي لسه ياماما بتتعاملي مع الخياطة دي. مش عارفة عجبك فيها إيه. دي بئية أوي." وما أن همت فاطمة بالرد عليها، نظرت فريدة لابنتها بقوة قائلة: "أنا بحب إيدها في الخياطة وكمان هي فاهمة ذوقي في اللبس. وبعدين أنا اللي بلبس ياسمر مش انتي."
نظرت سمر لفاطمة شرزاً ثم خرجت من الغرفة. "معلش يافاطمة بنتي سمر ليها ذوقها في اللبس. انزلي انتي خلي فتحية تحطلك أكل وخذي منها الحساب. وسايبالك معاها مبلغ كده ليكي. دلعي نفسك. بايه ياستي بكام طقم حلو. سمعت إنك خلاص الأسبوع الجاي الجامعة بتاعتك ها. دخلتي كلية إيه صحيح؟ "هندسة ياهانم." "ماشاء الله. مكنتش أعرف إنك شاطرة كده." "ربنا يخلي حضرتك." أجابتها فاطمة وهي تبستم ابتسامة جذابة.
"سلميلي على عزة وأنا هكلمها عشان محتاجة شوية حاجات." ذهبت فاطمة وهي تمشي كالخيل، تتمايل ويتمايل معها شعرها بنعومة. نزلت الدرج وهي رافعة رأسها بعزة، فكانت دوماً تشبه الخيل لطولها وقوامها الممشوق، كما تشبهها خالتها دوماً. ذهبت في اتجاه المطبخ وهي تنادي: "توحا طنط فتحية يلا هاتي الفلوس عشان همشي." "طب كلي الأول." "لا خليني أمشي بسرعة. لسه هشتري حاجات." "طب خدي." وما أن أخذت منها المال حتى سمعت أصواتاً خارجاً.
تحدثت فتحية بمرح: "باين كده مازن بيه جه. تعالي لما نطلع نسلم عليه." وما أن ذهبت للخارج حتى رأت شاباً طويلاً عريض المنكبين يزين وجهه غمازتين، شعره أسود فاتح. حتى انحبست أنفاسها. قالت محدثة نفسها: "إيه الصاروخ ده. ده لو عزة شافتك هتتطلق وتتجوزك." أفاقت من شرودها وهو يتقدم إليها ينظر لعينها بانبهار واضح للجميع متسائلاً: "محدش هيعرفني يا جماعة. قريبتنا دي ولا إيه؟ تدخلت سمر ساخرة:
"قريبة مين دي. دي بت اخت الخياطة بتاعت ماما دي. شكل قريبتنا برضه." نظرت لها فاطمة وقد تجمعت الدموع في مقلتيها. ذهبت مسرعة قبل أن تنفجر في البكاء.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!