تحميل رواية فجاءته تمشي على استحياء بقلم خلود بكري pdf
بقلم خلود بكري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جاءتني مستترة بكم درعها تمشي مشى الحرائر، ليست بالجريئة السليطة، بل بثوبها يزين نور وجهها، أعطتني أملاً أن مرادي أن أنال ما يرضي ربي هو آتٍ لا محالة، وأن الخير والحياء ما زال موجوداً في دنيانا، وأن هناك نسوة ما زلنا نلتحف برداء أمهاتنا المؤمنين، فتحدث عقلي وقتها أن ما تمناه قلبي أن يجد فتاة تنير دربي بنور حيائها تكون لي نصفاً لا ينشطر عني أبداً. تأخذني إلى طاعة الله قبل طاعة البشر تحفظ عيني من النظر فيبقى نورها يضيء الأثر. الفصل الأول محاولة إقناع بالزواج في إحدى القرى التابعة لإحدى محافظات القا...
رواية فجاءته تمشي على استحياء الفصل الأول 1 - بقلم خلود بكري
جاءتني مستترة بكم درعها تمشي مشى الحرائر، ليست بالجريئة السليطة، بل بثوبها يزين نور وجهها، أعطتني أملاً أن مرادي أن أنال ما يرضي ربي هو آتٍ لا محالة، وأن الخير والحياء ما زال موجوداً في دنيانا، وأن هناك نسوة ما زلنا نلتحف برداء أمهاتنا المؤمنين، فتحدث عقلي وقتها أن ما تمناه قلبي أن يجد فتاة تنير دربي بنور حيائها تكون لي نصفاً لا ينشطر عني أبداً. تأخذني إلى طاعة الله قبل طاعة البشر تحفظ عيني من النظر فيبقى نورها يضيء الأثر.
الفصل الأول
محاولة إقناع بالزواج
في إحدى القرى التابعة لإحدى محافظات القاهرة، وحيث تلك القرية النامية عن صخب المدن، صوت زقزقة العصافير يغرد فوق تلك الأشجار النابتة أمام تلك البيوت البسيطة بتطريزها القديم لما يشير لعمرها التسعيني، نجد ذلك المنزل بتراثه الحديث بعض الشيء يتكون من طابقين، يضم الطابق الأرضي بعض المحلات الناشئة في ذلك البيت للإيجار، وفي الطابق الثاني تحديداً كان هدوء الليل يسيطر على تلك المنازل لما تشير إليه الساعة إلى الثانية بعد منتصف الليل.
تململت تلك الفتاة في نومها بهدوء فور سماعها رنين الهاتف الخاص بها، فقامت مسرعة بخوف أن موعدها المحدد بطاعة ربها قد فات، نظرت للهاتف براحة عندما وجدت الساعة الثانية بعد منتصف الليل، حمدت الله سراً وذهبت لتتوضأ لأداء صلاة قيام الليل المحببة لقلبها قبل أذان الفجر بساعات.
أدت فرضها بمحبة وبسمة مشرقة تنير ثغرها براحة وهناء، ثم جلست على سجادتها ترتل سورة البقرة كم تفعل يومياً، فبها تجد راحتها وأمنها.
فُتح باب غرفتها بهدوء فتطلعت لها بحب وهي تقول:
"اتفضلي يا أمي، إيه اللي مصحيكي دلوقتي؟ لسه فاضل ساعة على الفجر كنت هصحيكِ."
ابتسمت لها بمحبة وهي تقترب منها قائلة بحنان:
"قلقت من نومي وعارفة إنك بتكوني صاحية في الوقت ده واخوكِ جاي الساعة ٢ من بره يا بنتي، غلبت كلام معاه مفيش فايدة."
ضحكت ملء فمها وهي تقول بقلة حيلة:
"السبب في البلاستيشن اللي فتح تحت البيت، سيبيه يلعب يا ماما."
استرسلت حديثها بحزن:
"بس ده بيمنعه من الصلاة يا رونق، وبيبعده عن طريقه، يابنتي أنا عايزاه يكون حاجة كويسة."
ابتسمت بهدوء ثم قالت بيقين:
"متقلقيش يا ماما، أنا هتكلم معاه."
تابعت حديثها بجدية:
"وانتِ يا رونق، إمتى هتفرحيني بيكِ يا حبيبتي؟ بقي عندك ٣٠ سنة وترفضي كل اللي بيجي يتقدم."
ابتلعت غصة مريرة في حلقها واسترسلت حديثها بهمس:
"أنا مش عايزة زوج والسلام يا ماما، أنا عايزة واحد عارف الدين كويس ويتقي الله عشان يتقي ربنا فيا."
قالت خديجة باهتمام:
"يا بنتي وماله محمود ابن عمك؟ قمة الذوق والأدب، وطلبك كذا مرة."
حاولت أنا أهدأ قليلاً فقالت باحترام:
"يا أمي يا حبيبتي، أنا مقلتش إنه مش كويس، بس أنا مش شيفاه زوج ليا. وبعدين طول عمرك تقولي، 'إن جواز القرايب يجلب المصايب'، وإنك مش بتحبي جواز القرايب، عشان تفضل النفوس حابة بعض، لأن أي مشكلة بتشيل النفوس من بعض."
اللمعت الدموع في مقلتيها واسترسلت حديثها بحزن:
"أنا تعبت من كلام الناس يا بنتي في الطالعة والنازلة، وانتِ ماشاء الله تبارك الرحمن مفكيش غلطة، مش عايزة حد يقول كلمة تزعلك."
اعتلى الألم قسمات وجهها فقالت:
"هي القرى كده يا أمي، كل الناس تتدخل فيما لا يعنيها."
"نصيحة مني متديش ودنك لأي حد وسيبي اللي يتكلم يتكلم، إحنا عند ربنا لينا كتير، 'وما جزاء الصابرين إلا الجبر يا أمي'."
احتضنتها بحنان وقالت من بين ابتسامتها:
"ربنا يرزقك بابن الحلال اللي يسعدك ويتقي ربنا فيكِ يا عيوني."
ابتسمت بهدوء قائلة:
"يلا يا ست الكل روحي صلي وادعيلي، وأنا اصلي وأنام ساعة كده عشان الشغل الصبح."
قبلت رأسها بمحبة وضمتها مرة ثانية إلى أحضانها:
"ربنا يزيدك يا بنتي ويرزقك من نعيمه."
رددت بهدوء:
"اللهم آمين."
ثم تابعت حديثها بجدية:
"متنسيش تتكلمي مع عادل، قولي له إن البتاع اللي بيضيع وقته فيه ده هيدمره. هو يقبل منك يا حبيبتي."
قالت مبتسمة:
"حاضر يا ماما، لما أجي من الشغل هكلمه بإذن الله."
استدارت لتذهب وهي تقول:
"ربنا يبارك فيكم وميحرمكوش من بعض يارب."
***
في مكان آخر في إحدى شوارع تلك القرية، دوى صوت أذان الفجر من تلك الزاوية الصغيرة المخصصة للصلاة.
افترش الأرض ينتظر إقامة الصلاة وبيده مصحف يرتل آيات الله في جوفه. اقترب منه رجل من أئمة المسجد يحدثه بمحبة:
"ازيك يا يعقوب؟ أخبارك إيه يا طيب؟"
ابتسم له بهدوء وهو يتصدق ويقفل مصحفه قائلاً:
"بخير يا شيخ بدر، طمني على أحوالك."
جلس مقابلًا له ثم أردف قائلاً:
"شفت ليك رؤية امبارح تبارك الرحمن، حاجة من الجنة يا رفيقي الصالح."
خفق قلبه فرحاً فقال بابتسامة زينت وجهه:
"خير يا شيخنا، أثلج قلبي."
تابع حديثه باهتمام ومحبة لذلك الشاب الخلوق:
"في الرؤية يا بني وتفسيرها إن ربنا هيكرمك قريباً بما تتمنى وسيأتي العوض من الله اللي ضيعت عمرك تستناه بصبرك وطيبة قلبك ورضاك، عشان عاوز إنسانة تعرف دينها كويس والله أعلى وأعلم."
ارتسمت ابتسامة شكر ورضا على وجهه البشوش وهو يقول بأمل:
"أتمنى يا شيخ بدر ألاقي إنسانة تساعدني على طاعة الله."
ثم استرسل بحزن:
"لأن حال البنات في عصرنا هذا يحزن ويبكي."
اعتلى الحزن قسمات وجهه فأردف بقلة حيلة:
"للأسف، النت شغل البنات، والموضة بقينا نشوف البنت نص شعرها باين، والملابس تصف أجسادهم، غير المكياج اللي بيحطوه يغير ملامحهم ده، والعيب على الأهل، مش عارف إزاي الأب بيسيب بناته تخرج كده، ولا الزوج اللي بيستحل كده."
ثم تابع حديثه قائلاً:
"ليس لنا من الأمر شيء يا رفيقي، نسأل الله أن يخرجنا منها بحسن العمل وحسن الختام."
آمن يعقوب على حديثه قائلاً ببسمة هادئة:
"يلا، قد قامت الصلاة."
بعد مدة كان قد أتم صلاته وذهب مسرعاً للبيت لأجل الذهاب إلى عمله، فدق باب البيت بهدوء.
فُتح الباب لتنظر له مبتسمة وهي تقول:
"تصلي في الحرم مع عروستك يا يعقوب يا ابني يارب."
ابتسم لها بحنان ثم أردف بضحكة:
"يارب يا ست الكل."
تابع حديثه قائلاً:
"الفطار جاهز ولا أروح أجيب طعمية من عمي محمد؟"
قالت مسرعة:
"لا حبيبي جاهز، دقيقتين وهجيبه على ما تغير هدومك."
قال بهدوء وهو يذهب في اتجاه غرفته:
"عائشة صحت تصلي يا أمي ولا لأه؟"
نجلاء بحزن لحال ابنتها:
"سيبها نايمة يا ابني، أصلها كانت بتذاكر لحد الساعة ٤."
التفت ينظر لها والحزن يلمع في مقلتيه فحاول التماسك:
"هتفضل كده لحد إمتى يا أمي؟ أنا خايف عليها، ومش راضية تخليني أساعدها."
استرسلت حديثها بيقين نابع من قلبها:
"بكرة تتعدل يا ابني، أنا هحاول أفهمها وأقنعها، وربنا يهديها ويشفيها يارب."
قال بهدوء:
"يارب يا أمي."
جلس يتناول طعامه، فتحدثت نجلاء بتساؤل:
"سألت عن البنت اللي قولت لك عليها؟"
رفع بصره براحة ثم استرسل حديثه معقباً:
"مش مناسبة ليا يا أمي، مش شبهي ولا دي الإنسانة اللي عاوزها."
قالت بقلة صبر:
"وبعدين يا يعقوب، بقي عندك ٣٥ سنة يا ابني، هنستني إيه تاني؟"
قال مبتسماً بحنان:
"وما بعد الصبر إلا جبر يا أمي، وعلى الله العوض."
تطلعت له بحسرة وخوف:
"يابني عاوزة أطمن عليكم، أبوك مات وسابني لوحدي من وأنت في تانية ابتدائي، واختك كانت لسه مولودة وأنا مريضة، وراحتي إني أشوفك متهني وأشوف ليا أحفاد يعوضوني عن سنين التعب دي كلها."
قبل رأسها بمحبة وهو يقول بحنان:
"أنتي عندي بالدنيا وما فيها يا ست الكل، وبعدين هفرحك، الشيخ بدر شاف ليا رؤية وقالي استبشر خير، دعواتك معايا بقى يا نوجه."
احتضنته وهي تهمس من وسط بكائها:
"ربنا يرزقك يا ابني ببنت الحلال اللي تنور قلبك."
ابتسم براحة وحب قائلاً:
"اللهم آمين يا أمي."
***
أشرقت الشمس لتعلن بداية يوم جديد مليء بالأمل وتحدي الصعاب. ارتدت رونق ملابسها الفضفاضة وأحكمت خمارها بإتقان ثم جذبت حقيبتها ووضعت ما يمكن أن تحتاج له وخرجت تبحث عن والدتها بهدوء وهي تنادي:
"يا أمي يا مااااااما يا ست الحبايب."
خرجت من المطبخ تقول بتحذير:
"يابنتي هتصحي أبوكِ، انتي مفيش فايدة فيكِ."
ضحكت ملء فمها وهي تمسك خدودها بمرح:
"عشان يصحى يا أمي يفطر معايا قبل ما أنزل الشغل، انتي عارفه إني مش باكل من غيرة."
"ولا أنا أقدر آكل من غيرك يا حبيبة بابا."
التفتت على أثر الصوت فركضت مسرعة تحضنه وهي تقول بمرحها المعتاد:
"حبيبي يا بابا، ربنا يخليك ليا، وأفضل كده قرفكم عادي."
يضحك ملء فمه وهو يقول بتساؤل:
"عملتي إيه في الموضوع اللي اتكلمت معاكي فيه؟"
شحب وجهها بضيق من تذكر تلك الفتاة التي تقود عقلها دوماً للجنون:
"يابابا حبيبي، أميرة بنت عمتي مش بتاعت شغل وتحمل مسؤولية، دي عاوزة تقعد في فيلا والخدامين يخدموا عليها. جت امبارح معايا الشغل كسفتني مع المديرة بطريقتها وأنا تعبت من كتر ما بنصح فيه وهي ولا هنا."
اعتلى وجهه الحزن والألم:
"أنا مش عارف أمها مساعدها على كده ليه يا بنتي، ربنا يهديها."
تنهدت بهدوء قائلة:
"يارب ويهدي عمتو سماح بجد."
تناولت طعامها على عجل، وقامت مسرعة عندما رأت الساعة دقت الثامنة صباحاً فحملت حقيبتها بهدوء وهي تقبل رأس أبيها وأمها قائلة:
"أنا ماشية عشان الباص زمانه على وصول، أستودعكم الله."
هبطت الدرج مسرعة وهي تردد ذكر الله سراً فاستوقفتها إحدى جاراتها وهي تقول بغيظ:
"ازيك يا رونق."
ابتسمت بهدوء ثم أجابت:
"الحمد لله يا خالة هدى، انتي أخبارك إيه؟"
نظرت لها من أعلى لأسفل وهي تجيب بتشفي ولؤم:
"بخير، كنت بعزمك على خطوبة روضة بنتي الليلة، ابقي تعالي شوية يمكن تصادف ويشوفك حد ويعجبيه."
نغز قلبها بألم من تلقيحها المؤذي لها فحاولت أن تجيب بهدوء:
"الف مبروك يا خالة، كان نفسي أحضر والله بس مش بحب الأفراح من النوع ده، ولا بحب إني أعجب حد في مكان مختلط، وباركِ لـ روضة كتير."
"بعد إذنك يا خالة عشان معاد شغلي."
التفت تداري دمعة هاربة من سمراوية عينيها فرددت بألم سكن قلبها:
"اللهم أعطني الصبر حتى ترضى عني وتفك كربي وتمنع عني ما يؤذي عقلي، ويمغص قلبي."
صعدت الباص الخاص بنقلها إلى العمل فبحثت بنظرها عن كرسي بجانب النافذة، أخرجت مصحفها وأخذت تقرأ في سرها لحين أن توصل.
استمعت لهمهمات النساء من خلفها عن أخبار الدنيا، منهم من تحكي كيف تعيش تعيسة في بيت زوجها، ومنهم من تحكي كيف تقضي اليوم دون أن تجد طعاماً مناسباً لصغرها، في ظل غلاء الأسعار. حمدت الله كثيراً أنها في هذا المكان الذي اختاره الله لها وأن الرضا يكمن في منبع قلبها.
توقف الباص جعلها تفيق من شرودها، ونزلت بهدوء متجهة إلى ذلك المصنع الذي يضم من الفتيات مئات أو أكثر، جميعهم يبحثون عن الرزق الحلال لكي تسير دنياهم. دلفت بهدوء ثم ألقت التحية على مجموعة فتيات يجلسن في أماكن عملهم، وضعت الحقيبة وبدأت في العمل بذهن شارد البال ودعوة في سرها وددت لو تتحقق.
***
في جهة أخرى من القرية صاحت الأم بعنف وهي تنتحب وتقول بغضب:
"يعني شمتي فيا خديجة على آخر الزمن تشمتي فيا مرات خالك."
لوت فمها بتهكم وهي تمضغ تلك العلكة في فمها يميناً ويساراً.
فتحدثت بنفور:
"عايزة إيه يا ماما؟ انتي عاوزاني أشتغل في مصنع زي رونق؟"
نظرت لها سماح بغيظ وهي تقول بحدة:
"ومتشتغليش ليا على الأقل تكفي مصاريف هدومك اللي كل شوية بتجيبيها والاكسسوارات اللي مالية أوضتك دي."
رمقتها بنظرة ملؤها الضيق ثم أردفت قائلة:
"وانتي دورك إيه؟ مش المفروض الحاجات دي انتي اللي تجيبيها انتي وبابا؟"
بلعت غصة حلقها بتوتر ملحوظ فقالت بثبات صنعته بصعوبة:
"وهو فين أبوكي؟ عايش حياته بره وسايبنا للي يسوى واللي ميسواش."
ثم تابعت بحزن وحسرة:
"حتى مش بيبعت لينا مصاريف تكفي أكل ولا شرب، وكل لما أتكلم معاه، 'معيش معيش'."
أغمضت أميرة عينها بضيق ثم قالت وهي تبرد أظافر يدها بذلك المبرد اليدوي غير مبالية بشيء:
"تلقيه متجوز عليكي هناك."
كزتها بقوة وهي تصرخ بجنون:
"قولتك ألف مرة بلاش أسلوبك ده، ما انتي طالعة له في العند والبخل."
شهقت من وسط بكائها وهي تقول بغل:
"والله تستاهلي."
هتفت بها غاضبة:
"بنت قليلة الأدب."
تركتها وذهبت إلى غرفتها فوقفت بعد مهلة تنظر لها وهي تقول بتحذير وتلك العبارات تظهر بألم في مقلتيها:
"أنا هسافر لبابا وانتي روحي اقعدي مع أخوكي محمد ومراته، على الأقل تشوفي مرات خالوا بتعامل رونق إزاي وشوفيها زارعة فيها قيم وأخلاق انتي حرمتيني منهم، ومترجعيش تلوميني."
أغمضت سماح عينيها بألم شديد وهي تبكي بحسرة:
"اللي عملته في أمي زمان بينعاد قدامي تاني دلوقتي، كان عنده حق محمد أخويا لما قالي يا هتندمي يا سماح وكل اللي بتعمليه يقعدلك."
"كثيرًا منا يفعل هذا الشيء، لقد أدركتُ أن بر الأبوين أصبح أمراً صعباً، أرى فتيات يرفعن أصواتهن على أهلهن، ويعاملنهن بقسوة، لكن ما أدركته حديثاً أن ما فعلته البنت بأمها سيعود لها في صورة مطابقة عندما تسير أماً."
"الرفق يا أحفاد عائشة وخديجة وفاطمة، وأمهات المؤمنين جميعاً الرفق بأمهاتكم حتى لو أغضبوكم يظلوا بالآخر من ربوكم وتعبوا وسهروا الليالي لأجلكم."
***
عند رونق
أعلنت الساعة عن الحادية عشرة وهو وقت "الرست" بالنسبة لهم أي وقت راحتهم بأخذ بعض من الدقائق للتوقف عن العمل.
اقتربت منها الفتيات يتبادلن أطراف الحديث. أعقبت تلك الفتاة بكبر ونفور:
"انتي هتفضلي دفنة نفسك في الشوال اللي انتي لبساه ده؟"
نظرت لها بضيق ثم أردفت قائلة بهدوء تحكمت به:
"ماله اللي أنا لبساه يا منار، وبعدين مش اسمه شوال، ثم تابعت حديثها بوضوح: 'اسمه إدناء'."
ضحكت بسخرية وهي تقول:
"شوال إدناء متفرقش في المسميات كتير، المهم إنه في الآخر شكله مش لطيف."
زفرت بضيق ثم قالت معقبة:
"عاجبني يا منار، وشايفة راحتي فيه."
نظرت له بسخط وهي تقول بنزق:
"انتِ حرة، بس لو فضلتِ كده هتفضلي طول عمرك قاعدة بايرة على المكنة دي."
ابتلعت ريقها بألم ثم استرسلت حديثها بهدوء:
"متى أراد الله شاء يا منار."
ردت فتاة تجلس بجوارهم تدعى سعاد:
"خليكِ في حالك يا منار، وبلاش كلامك اللي زي السم ده ومش أول مرة تحصل."
ثم تابعت حديثها بضيق:
"ياريت متتكررش تاني، ولا عشان رونق مش بترد عليكي بتزودي من أذيتك ليها."
نظرت لها شرزاً وذهبت تنفخ من أمامهم وهي تتمايل يميناً ويساراً.
حتى تحدثت سعاد قائلة بهدوء وحكمة:
"متشغليش بالك بكلامها يا رونق، انتي عارفها متكبرة وميعجبهاش العجب."
ابتسمت بمحبة ثم أردفت بهدوء:
"ربنا يهديها."
***
انتهى دوام عملها وخرجت للتو لتبحث عن مواصلة تنقلها للبيت. وقفت بهدوء تراقب الطريق وعيناها ترسم الأرض لشدة خجلها أن تقف هكذا. دق هاتفها معلناً عن اتصال فرفعت الهاتف وهي تجيب:
"السلام عليكم يا بابا."
رد قائلاً بمحبة:
"بخير يا رونق أيامي."
ابتسمت بهدوء وهي تخبئ وجهها:
"بحب أسمع منك الكلمة دي يا بابا، ربنا يبارك لنا فيك."
أردف قائلاً بحنان:
"ويبارك ليا فيكم يا حبيبتي."
ثم تابع بجدية:
"تعالى ليه الورشة وانتي مروحة عشان جايب لأمك أكله حلوة كده تعملها لينا على العشا."
ابتسمت قائلة بمرح:
"من عيوني يا بابا، والله يا بخت خديجة بيك."
ضحك ملء فمه وهو يقول بابتسامة:
"ماشي يا بكاشة، متتاخريش."
أغلقت الهاتف بهدوء وعلى وجهها ابتسامة عذبة من حديث أبيها الطيب معها، فحمدت الله سراً أن العوض يأتي أحياناً على هيئة الآباء، وهذا ما كان يجعل قلبها مليئاً بالرضا والنور بعيداً عن جرح المجتمع للفتاة المتأخرة في الزواج.
***
في مكان آخر وبينما كان يجلس وسط مجموعة من أصدقائه، في إحدى المقاهي المخصصة لقعدة الرجال والشباب، قال ذلك الشاب المتعجرف:
"البنت دي مش هتجيبها لبر."
ثم تابع حديثه بغل شيطاني:
"بس على مين؟ مش معاذ اللي بنت تعلم عليه."
قال شخص آخر ينفث السيجار بتلذذ:
"هتعمل إيه يعني؟"
قال مردفاً بوعيد:
"هشير الصور بتاعتها في كل مكان، هخليها تجيني ترتجي طلبي وأنا اللي هرفضها."
قهقه الآخر بضحكة عالية:
"أسد وتعملها، بس بقولك إيه متبعتلي صور القمر لما أشوفها كده."
غمز له بطرف عينيه وهو يجيب ببرود:
"افتح الشات عندك وخد أحلى صور وابعتها لحبايبك يا عم."
ابتسم بفحيح ثم أردف قائلاً بعد أن عبث بازار هاتفه وهي يتطلع لأحد الصور بإعجاب:
"لأ بس البت تستاهل الصراحة إنك هتموت عليها، لكن من غيظك إنها رفضتك عاوز تبيعها كده."
ثم تابع حديثه تساؤل:
"هو انت محبتهاش؟"
أجابه بهدوء:
"حبيتها بس مش لدرجة الحب الحقيقي، الصراحة حبيت حبها ليا، وحبيت اللي باخده منها، وأنها مبتعرفش تقول لأه لأي سبب."
ثم تابع بشر:
"بس جت عند المهم ورفضتني، بعتتلي الصور دي بطلوع الروح، بس رخصت نفسها لما عملت كده وأنا مستحيل أتجوز واحدة عملت كده."
قال شخص آخر يسمى أيمن يجلس معهم:
"يا عم مينفعش الكلام ده، يعني ترضاها على أختك؟"
نظر له شرزاً وهو يقول:
"أنا أختي متعملش كده يا أيمن."
نظر له بضيق ثم تحدث قائلاً:
"وانت تعرف إيه عن أختك؟"
ثم قال بنصح:
"يا معاذ زي ما بتخاف على أختك خاف على بنات الناس، ودي نصيحة بدل ما ترجع تعض إيدك من الندم."
"إعمل تُعمل كما تُدان تُدان."
رواية فجاءته تمشي على استحياء الفصل الثاني 2 - بقلم خلود بكري
بعد قليلًا من الوقت كانت تترجل من إحدى الباصات، فتطلعت بنظرها هنا وهناك لكي تعبر الطريق، خطت ببطء نحو مكان العمل الخاص لأبيها، فوجدته من بعيد يجلس برفقة أحد.
فاقتربت بهدوء وهي تُلقي تحية السلام.
فرد الجميع بهدوء.
ثم قال محمد والد رونق:
ـ تعالى يا حبيبتي.
أدرفت خطواتها بخجل ثم جلست على بعد منهما تفرك كفيها في توتر ملحوظ، فهي من النوع الخجول بدرجة عالية.
ابتسم لها بمحبة ثم قال معقبًا:
ـ دي بنتي يا باش مهندس يعقوب اسمها «رونق» وهي "رونق عيني اللي بشوف بيها".
رفع نظره إليهم فوجدها منكسة رأسها في خجل، فقال مبتسمًا باحترام:
ـ ربنا يبارك فيها يا عم محمد.
ربت على كتفيه بمحبة ثم قال:
ـ تسلم يا باش مهندس.
ثم نظر لها وهو يقول:
ـ قومي يا حبيبتي يلا خدي الكيس ده وديه لماما واعملوا لينا أكلة حلوة كده من ايديكم الطيبة.
ابتسمت بهدوء ثم قالت بهمس:
ـ حاضر يا أبي.
وذهبت من أمامهم مسرعة بسبب شدة خجلها وكلام أبيها عنها أمام ذلك الشاب.
تطلع إلى ظلها بهدوء وعقله شارد بتلك التي أسرت عقله دون أسباب، فهمس بداخله:
"يا رونق العينين جئتي لتنيري دربي".
ثم نظر لأبيها قائلًا:
ـ كم عمر ابنتك؟
رد معقبًا بلمعة حزن ارتسمت على وجهه:
ـ عندها يا ابني ٣٠ سنة بس لسه مجلهاش النصيب.
أردف قائلاً بابتسامة جذابة:
"لقد جاء نصيبها بدعوة طيبة".
تطلع له بعدم فهم ثم أردف قائلًا بتساؤل:
ـ يعني إيه معنى كلامك ده يا ابني عندك عريس كويس ليها.
ثم تابع حديثه قائلًا:
ـ بس دي عايزة مواصفات خاصة يا ابني وشروطها تقيلة في الزمن ده.
قال بهدوء:
ـ وإيه هي شروطها يا عم محمد؟
استرسل حديثه بجدية:
ـ عايزة واحد فيه مواصفات الصحابة يا ابني.
خفق قلبه لأول مرة بقرب لقاء مراده، فقال بهدوء:
ـ موجود يا عمي … "وسيقضي الله أمرًا كنت تحسبه مستحيلًا".
ركضت إليك مغمضة العينين
هاربة من واقع مرير
وعالم كل ما فيه يؤلمني.
رأيت بك نفسي؛ ومن دون وعي مني وقعت في شباك عشقك
ولأجلك…. لأجلك فقط وحدك كسرت قواعدي
وألقيت نفسي في بئرك بإرادتي
ظننت أنك مختلف عنهم كثيرًا.
اقتربت منك… لكن وجدتك كالسراب تختفي متى شئت
وتعود إن شئت
ويا أسفي على ما أوقعت نفسي به
وعلى ظني الذي أحسنته في مثلك.
تعددت أشكال معاناتي منك؛
والعذاب واحد!....
بكت بنحيب فور قفلها سماعة الهاتف الخاص بها للمرة العاشرة بعد المئة وهي تنتفض ذعرًا من تأكيد ظنونها.
رن جرس الهاتف فجذبته مسرعة وهي تجيب:
ـ أيوه يا معاذ كل ده على ما ترد عليا.
نفخ بضيق ثم قال غير مبالٍ بغضبها:
ـ مش فاضي في حاجة!
صمتت برهة ثم استرسلت حديثها بحزن:
ـ انت مش بترد عليا ليه؟ ولا خلاص أخذت اللي عاوزه.
ابتلع ريقه بهدوء ثم قال باستفزاز:
ـ أيوه، ويا ريت مترنيش على الرقم ده تاني لأما انتي عارفة إيه اللي هيحصل.
قالت مسرعة:
ـ انت اتجننت!
أردف بغضب ونفور:
ـ لا متجننتش انتي عملتي كده بإرادتك، وأنا ما ضربتكيش على إيدك.
هربت دمعة من مقلتيها واختنق صوتها بالبكاء فقالت هامسة:
ـ كنت فاكراك راجل وبتحبني، بس طلعت متفهمش عن مفهوم الرجولة شيء.
اعتلى الغضب قسمات وجهه فأردف بحدة:
ـ لو سمعت كلمة منك ثانية الصور دي هتروح لأخوكي وهنزلها على المواقع وابقي بقى وريني هتعملي إيه وقتها.
ثم تابع حديثه باستفزاز:
ـ سلام يا حلوة.
قفل الهاتف بوجهها. فنظرت له بصدمة احتلت معالم وجهها، صرخت ملء فمها بألم وهي تكسر كل شيء أمامها بدون وعي، كذا*ب، خا*ين، شيطا*ن، حسبي الله فيك، حسبي الله فيك وفي أمثالك.
ثم هدأت قليلًا وهي تقول بهمس ودموعها تُغرقها:
"يارب أذيقه من مر ما أذاقني".
ذهبت بخطى متثاقلة إلى البيت وقلبها يخفق بألم أن هذا الشاب كان كمينًا ليراها، وهي خطة من أبيها. فاعتلى القلق قسمات وجهها البريء وتمغص يومها بالكامل. دلفت للبيت ثم اطمأنت على والدتها، وذهبت إلى غرفتها قفلتها بهدوء، وهنا سمحت لحالها بالبكاء قليلاً لعله يريحها من مر هذا اليوم المليء بالهموم.
كانت تعلم أن هذه هي طريقة والدها دائمًا في الحديث عنها وعن حبه لها، لكن شعرت بالخجل يعتليها من ظنها أنه جاء لطلبها وما فعله أبوها كان بدافع المدح فيها أمام ذلك الشاب ليراها بمنظوره هو وليس بإرادته الكاملة.
استغفرت الله سرًا وذهبت للمرحاض، غسلت وجهها من البكاء وتوضأت لأداء فرضها. ثم بعد فترة قصيرة كان الهدوء سكن قلبها ثانيًا، فذهبت لغرفة أخيها تطرق عليها باستئذان رغم أنه يصغر عنها بعشر سنوات. فأتاها صوته الكسول أثر النوم:
ـ ادخلي يا رونق.
دلفت بهدوء وهي تقول بمرح:
ـ يا ابني انت مفيش وراك حاجة غير النوم والبلاي ستيشن!
أغمض عينيه بفعل ضوء الغرفة الذي أضاءته رونق فقال بكسل:
ـ نايم الساعة ٤ بعد العصر كنت سهران وجيت كان عندي سكشن ولسه مشبعتش نوم.
نزعت عنه الغطاء وهي تقول بحدة:
ـ صليت العصر.
تف بعفوية:
ـ هصلي لما أقوم يا رونق سيبيني نايم شوية.
جذبت الكوب من جوارها وهي ترش عليه بعض قطرات الماء قائلة بثبات:
ـ قوم صلي وبعد كده نام يا عادل ده أنا لو مكانك أتمنى متفوتنيش صلاة في المسجد خالص.
ثم تابعت بنصح:
ـ انت عارف الرسول صلى الله عليه وسلم قال إيه عن صلاة الرجل في المسجد.
نظر لها باهتمام فتساءل بجدية:
ـ قال إيه؟
استرسلت حديثها بهدوء مستدلة بحديث صحيح:
"وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في سوقه وبيته بضعًا وعشرين درجة، وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة، لا يريد إلا الصلاة، لم يخطُ".
ثم استكملت قائلة:
ـ يعني حسناتك تزيد أضعاف وكمان؛ "صلاة الجماعة واجبة وجوبا عينيا على الرجال البالغين". وانت بلغت يا عادل.
قبل مقدمة رأسها وهو يقول بمحبة صادقة:
ـ ربنا يخليكي ليا يا حبيبة أخوكي وافضل أتعلم منك.
ربتت على كتفه بحنان قائلة:
ـ المهم ماما زعلانة من سهرك في المحل اللي تحت البيت ده ومش عاجبها لعبك البلاي ستيشن ده علشان خاطري خف منه شوية وانتبه لمذاكرتك وصلاتك، ومتزعلش ماما منك.
ابتسم بهدوء وهو يستقيم ليقف مقابلًا لها ثم هتف بصدق:
ـ حاضر أتوضأ وأصلي وأروح أراضيها.
بعد فترة من الحديث مع والدها ذهب مسرعًا إلى البيت وبداخله بصيص أمل أنه وبعد طول صبره وجد مناه. دلف بخطوات متزنة إلى منزله وهو يلقي السلام على والدته قائلًا بمرح:
ـ ست الحبايب قاعدة زعلانة ليه؟
ابتسمت بخفة وهي تجيب:
ـ وحد يزعل برده وأنت في حياته يا يعقوب.
قبل مقدمة رأسها ويديها وهو يقول بمحبة:
ـ لو ربنا رزقني بزوجة فيها طيبتك يا أمي يبقى أكرمني والله ورضا.
ربتت على كفيه بحنان وهي تقول:
ـ إن شاء الله يا حبيبي ربنا هيكرمك، عشان أنت تستاهل كل الخير اللي في الدنيا ده.
ضحك بهدوء وهو يقول بمكر:
ـ الظاهر كده يا أمي دعواتك استجابت ولقيت بنت الحلال.
استقامت بوقفتها وهي تقول بفرح اعتلى قسمات وجهها البشوش:
ـ انت بتتكلم جد يا يعقوب؟
وقف مقابلًا لها ثم أردف معقبًا بمرح:
ـ جد الجد يا نوجه.
ثم تابع بجدية وأمل:
ـ دعواتك ليا يا أمي أنهم يوافقوا.
ضمته إلى أحضانها بمحبة ثم استرسلت حديثها قائلة:
ـ ومين يطول يا ابني ده أنت دين، وأخلاق، وأدب، وعلم، وجمال، اللهم بارك.
ابتسم قائلًا بمرحه المعتاد:
ـ ومين يشهد للعروسة يا أمي.
ثم تابع حديثه بتساؤل:
ـ فين عائشة؟
أشارت له بهدوء وهي تقول بهمس حزين:
ـ في أوضتها يا ابني زي ما هي لا بتحب تقعد معايا ولا تتكلم أنا مش عارفة إيه اللي جرالها؟
ربت على كتفيها بحنان وقال مبتسمًا:
ـ خلاص يا أمي أنا هدخل أشوفها.
استوقفته قائلة:
ـ خالتك زعلانة منك يا يعقوب.
التفت وهو يغمض عينيه بضيق لمعرفته السبب قائلًا بثبات:
ـ خير يا أمي؟
استرسلت حديثها بعتاب:
ـ عشان شوفت إيمان واقفة على الطريق بالليل لوحدها ومكلمتهاش ولا وصلتها.
زفر بضيق ثم أردف بهدوء:
ـ إزاي يا أمي عاوزني أقف أكلمها وتركب ورايا على الموتسكل وهي مش من محارمي!
تابعت قائلة بحزن:
ـ بس برده يا ابني مينفعش دي بنت خالتك.
أجاب يعقوب معقبًا:
ـ أهو يا أمي انتي قولتي بنفسك بنت خالتي يعني تجوز ليا ومينفعش أكلمها في الشارع ولا تركب وراي.
هتفت بتساؤل:
ـ ليه يا ابني هي مش زي عائشة؟
تابع بنبرة هادئة بعض الشيء:
ـ زيها يا أمي بس في حدود وده لمصلحتها قبل مصلحتي مش كل الناس عارفة إنها بنت خالتي وزي ما بحافظ على عائشة بحافظ عليها بردها.
اقترب منها بهدوء مجددًا وقبل رأسها قائلاً بحب:
ـ متزعليش يا أمي بس دي الأصول.
وتركها تدعو الله له سرًا وذهب إلى غرفة شقيقته.
دق على باب غرفتها بهدوء فقالت بصوت ناعس أو هي من صنعته:
ـ أنا نايمة يا ماما مش قادرة أقوم.
قال مردفًا بصوت عالٍ لكي تسمعه:
ـ أنا يعقوب افتحي يا عائشة.
ابتلعت ريقها بتوتر وقامت بخطوات متثاقلة ثم فتحت الباب بهدوء وهي تهمس له:
ـ اتفضل.
نظر لها بتمعن ودقق في ملامحها الشاحبة فقال بقلق:
ـ انتي كويسة يا حبيبتي؟
ابتسمت رغمًا عنها ثم أردفت قائلة:
ـ الحمد لله يا يعقوب.
حاول الحديث معها فارتمت بين أحضانه تبكي بخوف وألم مزق قلبها البريء، فقالت من بين شهقاتها:
ـ هو أنا وحشة يا يعقوب؟
رفع وجهها لتنظر له فقال معقبًا بحيرة:
ـ مالك يا حبيبتي!
تابعت حديثها بجدية:
ـ بسألك هو أنا وحشة يعني ليه كل الشر ده بيحصلي رغم إني مش بأذي حد، ليه الناس تأذيني؟
نظر لها بقلق اعتلى قسمات وجهه فأردف بتساؤل:
ـ فهميني مالك في إيه؟
بكت بكثرة بين يديه وصوت شهقات بكائها يملأ الغرفة بأكملها، فمسد على جسدها بحنان لكي تهدأ، فذهبت في سبات عميق وتركت له حيرة تنهش قلبه خوفًا عليها.
رواية فجاءته تمشي على استحياء الفصل الثالث 3 - بقلم خلود بكري
رواية فجاءته تمشي على استحياء الفصل الثالث 3 - بقلم خلود بكري
"الفصل الثالث "
«لقاءٌ معقودٌ برابطٍ شرعي »
حل المساء بهدوء في تلك الأيام الدافئة ما بين فصلي الشتاء والصيف، رائحة تلك الزهور المنزعةُ في شرفة المنزل تبعثُ لها الراحةُ والهدوء، قطفت إحدى أوراق النُعناع الطازج وذهبت إلى والدتُها تحضر معها طعام العشاء لحين عودة الاب من عمله فهو يمتلك ورشةٌ خاصة لتصليح السيارات.
أردفت خديجة بتساؤل :-
ـ عرفتي إن خطوبة روضة بكره
قالت بهدوء :-
ـ ايوه يا ماما ربنا يتمم لها بخير
قالت بألم :-
ـ ربنا يفرحني بيكِ يا رونق
نظرت لها بمحبة ثم قالت مبتسمة :-
ـ يارب يا ماما
تابعت خديجة حديثُها :-
ـ بكره بإذن الله اعملى حسابك نروح نبارك لها
قالت رونق بضيق غير ظاهر من حدث والدت روضة معها في الصباح :-
ـ لا يا أمي انا مش هروح ، روحي انتي باركِ ليهم ويبقي سلميلي على روضه وبارك لها بدالى.
تطلعت بها في حيرة ثم أردفت قائلة :-
ـ وأنتِ مش هتيجي ليه معايا؟
حاولت تغير مجرى الحدث لعلمها انا لو علمت والدتُها بما تحدثت بهِ جارتها معها في الصباح ستغضبُ كثيرًا فقالت بابتسامة عاليه :-
ـ بابا جه انا هروح أقابله على السلم
ركضت من أمامهم وهي تلهس ، شعرت كأنها تركضُ منذُ سنواتٍ، فكلام أمُها يؤلمُها، وكلام أصدقاؤها مؤلمٌ أيضًا، ونظرات جيرانُها مؤلمه حتى لو لم يلاحظ أحد، إلا إن كلامهم يرمي بقلبها إلا العذاب ولا أحدٌ يدري ….
" فكلمةً واحده قادره تهدمُ نفسًا، وبكلمة أيضًا قادره تُبنيها"
______'__________________
في صباح اليوم التالي اجتمع الجميع حول مائدة الطعام لتناول وجبة الإفطار فقال محمد والد رونق بهدوء :-
فى عريس هيجي النهارده يشوف رونق جهزوا البيت
ابتلعت ريقُها بتوتر وأخذت تفرك كفيها بخجل فقالت خديجة مبتسمة :-
ـ بجد يا ابو عادل و هيجي امتى
شبه ابتسامة صغيرة ارتسمت على وجهه ثم أردف بجدية :-
ـ عريس ماشاء الله فى مواصفات اللي بنتك عايزها.
خفضت رأسها خجلًا فنظر إليه والدُها بحنان :-
ـ ربنا يجعله من نصيبك يا بنتي ويجعل ما بينكم القبول
تابعت خديجة حديثُها بتحذير :-
ـ بس بلاش يا رونق الأسئلة اللي العرسان تطلع تمشى من غير رد دي يا بنتي احنا مش فى ثانوية عامة.
لا ريب أن كلام والدتُها ألمها فقالت بهدوء يصاحبه ألم حاولت تخفيه :-
ـ حاضر يا ماما
ثم استرسلت حديثُها باحترام :-
ـ بعد اذنكم عشان ألحق معاد الشغل
بعد خروجِها عنف محمد زوجته قائلًا بنبره غاضبه :-
ـ كان لازمته ايه كلامك ده يا خديجة ليه تزعلى البنت
نظرت لها بضيق ثم أردفت قائلة:-
ـ انا مش فاهمه قولت ايه غلط وبعدين ايه لازمته السؤال اللي كل مره عريس يطفش بسببه ده يا محمد .
تطلع بها بقلة حيلة ثم تحدث قائلًا:-
ـ سيبيها تختار اللي هتقدر تعيش معاه يا خديجة
واسترسل حديثه قائلًا :-
ـ الشاب هيجي هو والدته الساعة ٨ بعد صلاة العشاء لما رونق تجي خليها تجهز على الميعاد، يلا انا رايح الشغل ولو فى حاجه كلموني
_______________________
تفكرى يا امي هي ممكن توافق بيا !؟
قالها يعقوب وهو جالس مع والدته يتناولون وجبة الإفطار ،
قالت مبتسمةٌ بثقة:-
ـ إن شاء الله توافق يا ابني ، انا حاسه بفرحه وراحه كده
اعتلى القلق قسمات وجهه فأردف بهدوء:-
ـ والدها قالي إنها عاوزه واحد زي صحابة الرسول .
أومأت له بتعجب ثم قالت بعد مُهله :-
كلامك عنها بيخليني متشوقه اني أشوفها يا يعقوب
التمعت عيناهُ ببريق خاص فقال بهمس :-
هي مختلفة عن أي بنت شوفتها، حجابها فضفاض، وخجوله جدًا، وجهها خالي من أي ألوان التجميل، تحسيها بريئه كده، اول لما شوفتها افتكرت "نبي الله موسى عليه السلام "
وقصته مع بنات شعيب،
نظرت له نجلاء بتساؤل :-
ـ وإيه هي القصة دي يا يعقوب
ابتسم بمحبة ثم أردف بهدوء قائلًا :-
ـ احكيهالك يا أمي
جلست مقابلًا له تستمع إليه بإنصاتٍ فقالت بمحبةٍ صادقة :-
ـ ياريت يا ابني بحب أسمع قصص الانبياء والمرسلين
اعتلى الفرح قسمات وجهه فقال مردِفًا بحنان :-
ـ من عيوني يا ست الكل وبدأ بسرد القصةُ على مسامِعها قائلًا :
سيدنا موسى عليه السلام - كان مسافر إلى أرض تسمى
" أرض مدين "
لما وصل موسى -عليه السلام- إلى أرض مدين لقى الناس بيسقو أغنامهم الماء، باستثناء بنتين قيل إنّهما بنات شعيب -عليه السلام-
وكانوا واقفين بعيد عن الماء، فذهب سيدنا موسى يسألهم عن سبب ذلك،
فقالوا له أنّهما ينتظران الرعاة حتى ينتهوا من سقاية مواشيهم،
حتى يقوموا بسقاية أغنامهم من بعدهم؛ وذلك خشية مخالطة الرجال أو مزاحمتهم،
وقالوا له أنّهم مضطرين أنهم يعملوا كده لأن أباهما رجل مسن لا يُمكنه فعل هذا وليس لديه قدرة أنه يسقي الأغنام
استمع لهم موسى جيدًا وصمم أنه يسقي أغنامهم،
وكل ده ورد في الآية اللى الله عز وجل بيقول فيها ايه :-
قال الله -تعالى-: (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ* فَسَقَى لَهُمَا).
ثم استكمل حديثه بنبرةٍ هادئه :
ـ بعد كده البنتين رجعوا إلى أبيهم وقالوا له إن في رجُل صالح سقى لهما الأغنام ، وطلبت واحدة من أبيها أن يستأجره لرعاية الأغنام؛
وده برده بدليل الآيه اللي ذُكرت فى كتاب الله :-
قال الله -تعالى-: (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ).
استمعت له بإعجاب فاسترسل حديثه قائلًا وهو يكمل باقي القصة :-
بعد كده سيدنا شعيب والد البنتين حب أنه يشكر موسى على معروفه اللى عمله مع بناته، فأرسل إحدى ابنتيه تبحث عنه .
سيدنا موسى عليه السلام ـ بعد ما ساعدهم على سقاية الأغنام كان جالس تحت ظل شجرة يناجي الله وده دليل أيضًا بالآية الكريمة :
قال الله -تعالى-: (فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ).
اقتربت منه الفتاة بحياءٍ شديد فقالت له :
إن أبي يودّ لقاءك لأجل أن يشكرك ويعطيك أجر سقاية الغنم، وكانت تمشي على استحياء بمعنى كانت خجلةٌ ومستترة في ملابسها …
وهنا ذكرت الآية الكريمة:
حيث قال الله -تعالى-: (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا).
بعد كده سيدنا موسى ذهب للرجل والد الفتاتين وأخبره بقصته مع فرعون وظلمه، وكان دور شعيب هنا أنه بشره
بأنّه قد نجا من الظالمين لانتفاء سطوتهم على بلاده؛
ونزلت الآية دي :-
قال الله -تعالى-: (فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).
بعد كده شعيب عرض على نبى الله موسى أنه يزوجه إحدى بناته وان يكون مهرها أنه يراعي أغنامهم لمدة ثماني سنوات
وقاله إن زودتهم لعشر سنين هيكون تبرعًا منك واحسانًا.
وهنا بقى نزلت الآية الكريمة اللي بتقول :
قال الله -تعالى-: (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّـهُ مِنَ الصَّالِحِينَ).
سيدنا موسى عليه السلام وافق على العرض اللي شعيب قال عليه.
أنهى حديثة ثم أضاف مُستدلًا بالآية الكريمة:-
قال الله -تعالى- على لسانه: (قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّـهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ)
وأضاف قائلًا ببسمة هادئه :
خلاصة القصة يا أمي هي أنه سيدنا موسى عليه السلام خرج من مصر إلى مدين بعدما قتل القبطي الذي كان من آل فرعون دون أن يقصد ذلك، والتقى بفتاتين عند مورد ماء مدين فسقى لهما أغنامهما، فعادت إليه إحداهما وقد غمرها الحياء والأدب لتخبره بأنّ أباها يريد رؤيته لشكره على ما فعل، فذهب إليه موسى -عليه السلام- وأخبره بقصته مع فرعون وقومه، ثمّ قام والد الفتاتين بتزويجه إحدى ابنتيه على مهر رعي الغنم لمدة ثماني سنوات، فوافق موسى -عليه السلام.
ـ دي كل القصة الحكمة منها يا امى أنه حياء البنت وأدبها واجب عليها وعلى أهلها أنهم يربوها عليه، أكيد مش هتتجوز نبي زي موسى عليه السلام لكن أكيد هيجي لها رجل صالح زي صلاح قلبها وطهرها يا امى وده الكلام اللي بقوله لـ عائشه علطول ،
"لأن البنت دون حياء كأرض دون نبات "
ثم ختم حديثه قائلًا :-
"الحياءُ حَسَنٌ وفي النساءِ أَحسَنُ."
ابتسمت بمحبةٍ ثم احتضنه بفخر وهي تقول بدمع تملأ مقلتيها :- فخورة بتربيتي فيك يا يعقوب ربنا يزيدك يا ابنى علم، ودين وأخلاق
وحقيقي بحب أسمع صوتك في تلاوة القرآن بيريح قلبي يا ابني من هم الدنيا ووجع قلبي من فراق أبوك الله يرحمه.
ردد وراءها قائلًا ببسمة حانية وهو يقبل كف يديها:-
"اللهم امين يا حبيبتي "
___________________
انتهى الصباح بمتاعبهُ وأعماله على الجميع ، وحلت أمسيه دافئة بعنوان " ما جبر إلا ما بعد صبر "
إرتدت رونق ملابسها وهي عبارة عن إدناء فضفاض من اللون الزيتوني الغامق ولفت خمارُها بإتقان رفضت كلام والدتُها بأن تضع بعضًا ممن مساحيق التجميل على وجهها لتُغير من طلتها ، فاختارت أن تكون بطبيعتها الهادئة دون أي إضافات في ملامحها عاديه لكنها جذابة، بعد مهلة من الأنتظار ارتفع رنين الجرس الخاص بمنزلها فجلست محلها تردد بعض آيات الله سرًا لكي تهدء من توترها الظاهر بدقة على ملامحها الخجولة،
دلفت الأم خديجة بخطوات متزنة وهي تقول بفرح :-
ـ يلا يا حبيبتي الناس بره
ذهبت خلفها بهدوء وملامحها تأبى النظر لاي شيء سوء أرضية منزلهم فقالت بهمس :-
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
رد الجميع بترحاب شديد فتحدث محمد والدُها بحنان :-
ـ تعالى يا رونق جنبي هنا
قالت نجلاء بهدوء واعجاب صريح :-
تبارك الرحمن آية في الجمال يا بنتي ربنا يحميكي
رفعت عيونها باحترام وبشبه ابتسامه قالت :-
ـ شكرًا لحضرتك ده من لطفك الطيب ..
تحدث محمد بجدية وهو يقول بمرح لتلطيف الجو بينهم :-
تعالوا نقعد في الصالون ونسيبهم شويه
قام الجميع بهدوء وتركوا لهم المجال لكى يتعرفوا قليلًا على بعضهم ،
تنحنح يعقوب وهو يقول بهدوء :-
كيف حالك يا أستاذه رونق
بلعت ريقُها بتوتر وهي تجيب بخجل :-
ـ بخير والحمد لله
استرسل حديثه باحترام :-
ـ اعرفك بنفسى اسمى يعقوب مهندس ميكانيك شغال فى مصلحه حكوميه .
رفعت بصرها لوهلة وهي تقول :-
ـ تشرفت بمعرفة حضرتك
تابع حديثه باهتمام :-
ـ فى أي حاجه حابه تعرفيها عني أو أي سؤال تحبى تسأليه ؟
فركت كفيها بتوتر ملحوظ ومن ثم حاولت استجماع شجاعتها فقالت بهدوء :-
ـ حضرتك عايز تتجوز ليه ؟
تعجب من طرح سؤالها فقال بثبات:-
ـ عشان أكمل اللى ربنا أمرني بيه نصف ديني، زوجة تعيني وأعينها على طاعة الله ..
اعجبت برده فطرحت سؤال أخر :-
ـ الرسول صلى الله عليه وسلم قال حديث عن النساء تعرف معناها وهو
اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن، وكسوتهن بالمعروف..
ابتسم بإعجاب أشد لها فقال بهدوء:-
ـ أي أن نتقي الله فيهم و نعاملهم بالحسنى وان يكون الزوج صبورًا وحنون.
تابعت رونق أسئلتها بثبات :-
ـ مستعد انك تصحيني كل يوم قبل الفجر بساعتين لصلاة القيام والفجر ..
قال مبتسمًا بثقة ويقين :-
ـ هنصحى سوى لأن مش بصلى غير القيام والفجر فى المسجد
تنفست براحه وهي تقول :-
ـ ليه اخترتني أنا
قال مردِفًا بصدق :-
عشان لقيت فيكِ اللى كنت بدور عليه من سنين الحياء والأدب والأخلاق،
وهناك ما يقول "سيماهم على وجُههم "
قالت بتوتر من أثر حديثه بعدما أعلنت أخيرًا دقات قلبها تمردها على ذلك القلب المقفل بعقدٍ متين :-
ـ في أي سؤال حابب حضرتك تسأله ليا
تحدث قائلًا :-
عرفت إجابة أسئلتي من طرح أسئلتك وحقيقى هكون محظوظ لو بقيتي من نصيبي
ثم نظر لها بعمق للمرة الأخيرة وهي تنظر له بخجل فقال بهمسٍ بداخله :-
" وقعتُ أسيرًا لعيناكِ وما أنا بعاصىٍ لأتوب "
رواية فجاءته تمشي على استحياء الفصل الرابع 4 - بقلم خلود بكري
يوم جديد على الجميع. قلوب أفرحها اللقاء، وقلوب أضناها العشق.
انزوت على حالها بغرفتها ترفض كل شيء، لا طعام ولا شرب ولا حديث. تبكي بقهر على ما أوصلت نفسها به. فتحت الهاتف تبحث عن رقمه لتحدثه، فوجدت تلك الصور تحتل الصدارة بما يسمونه عاشقين السوشيال ميديا.
"ترند الموسم".
خفق قلبها ألمًا، فشعرت بوخز مؤلم يسير بجسدها الضئيل بفعل تمنعها عن الطعام لعدة أيام. تطلعت للهاتف بدهشة غير مستوعبة أنه حقيقة. فرفض عقلها تقبل الأمر، فأخذت تصرخ بعلو صوتها الذي زلزل المنزل بأكمله.
هلع قلب يعقوب عليها، فوالدته خرجت منذ الصباح لتجلب بعض الخضروات للبيت. دق على باب غرفتها بخوف، فلم يلق أي ردة فعل. ضرب الباب بعنف شديد، فتحطم لأجزاء لا حصر لها. دلف مسرعًا عندما وجدها تفترش الأرض والدماء حولها تملأ الغرفة بأكملها.
انخلع قلبه برعب، فصرخ بها لتُفيق لكن دون جدوى. حملها برفق وهو يهبط الدرج بسرعة عالية متجهًا بها لأقرب مستشفى لفحص حالتها.
اقتربت الطبيبة تتفحص الحالة بعناية، فقالت بهدوء:
- هي حاولت تنتحر ليه؟
رد يعقوب معقبًا بخوف:
- أنا مرة لقيتها بتصرخ جريت أشوفها لقيتها واقعة وزي ما حضرتك شايفها كده.
استكملت حديثها بتساؤل:
- في حاجة مزعلاها؟
قال بغير علم:
- لأ.
- بس من يومين كانت بتبكي ولما سألتها رفضت تحكي أي حاجة.
قالت الطبيبة بهدوء:
- حضرتك المريضة عاوزة كشف نفسي. هبعت لدكتورة اسمها «حسناء»، هتتكلم معاها وتحكيلها كل اللي بيحصل وهي تقدر تفهم حضرتك إيه أسباب ده كله.
انصرفت الطبيبة، فجلس مقابلًا لها. رفع كفه يلامس خصلات شعرها الهاربة بفعل عدم إحكام الحجاب عليها. فهمس بألم:
- مالك يا نور عين أخوكي؟ قوليلي إيه زعلك؟ مش كنتي دايماً تقوليلي يا يعقوب إنت نص تاني، إنت أبويا اللي مشفتهوش ولا اتهنيت بحضنه، إنت صاحبي وأخويا وكل ما ليا. ليه مبقتش تحكيلي حاجة؟
ثم تابع بحنان ليجعلها تطمئن له:
- أنا سندك اللي مستحيل يأذيكي. اتكلمي يا عائشة متخبيش على يعقوب.
كانت تنظر له بألم، ودمع يسيل برفق على وجنتيها. خفقات قلبها تضرب بعنف وخوف من كل شيء حولها.
تحشرج صوتها في حلقها، فرددت:
- عائشة اللي كنت عارفها ماتت يا يعقوب! دلوقتي لما تعرف اللي عملته هتكرهني، وأنت أول واحد هيقف ضدي لأني خالفت مبدأك.
نظر لها بحيرة وهو يتساءل:
- عملتي إيه؟
قالت ببكاء مزق قلبه:
- خنت ثقتك بيا يا يعقوب.
***
في مكان آخر.
صدح صوت صافرة القطار ليعلن عن قرب قدومه. وقفت تتمايل أمام شاشة هاتفها. ملابسها ترسم جسدها بدقة وكأنها جزءًا منه. غطى وجهها مساحيق التجميل وأبرزت مفاتنها للمارة. صوت ضحكتها العالي عبأ المكان، غير مقتصرة لتلك العيون التي تراقبها من شباب وأمهات ورجال شارفوا على عمر الستين.
لكن عقلها راودها لتكمل ما بدأت به. فقالت بصوت متصنع بدلع مقصود:
- عاوزة أعمل فيديو تيك توك هنا عشان لما أروح البيت أنزله على الإنستا.
أكدت زميلاتها قائلة بتشجيع:
- تعالي هنا الضوء هيكون أحلى.
أمسكت الهاتف ووقفت قبالتها، والأخرى تردد إحدى الموسيقى وتتمايل عليها، تبرز مفاتنها بغير حياء، وكأن ما تفعله وجب عليها وليس خارج دين المرء وحياؤه.
على الجانب جلست امرأتان يتبادلن أطراف الحديث، فقالت إحداهما بضيق:
- شايفة حال البنات يا صابرين.
التفت تنظر لها بحسرة وهي تجيب:
- دي بقت حاجة تحزن.
ثم تابعت بحزن شديد:
- تروحي فرح تلاقي البنات واقفة ترقص وتتصور، وهي بتعمل كده بكل فخر وتنزل صورها على النت اللي بيقولوا عليه ده. ولا في رقابة ولا في دين بقوا يتعلموا.
قالت رحاب بتأكيد:
- عندك حق والله. حتى بفضل أتكلم مع مريم بنتي وأقولها متلبسش بنطلون وعليها بلوزات قصيرة، بس ماشية ورا الموضة وشايفة زمايلها كلهم بيبصوا لبعض.
ثم تابعت بجدية:
- بس اللي مصبرني عليها إنها لا بتحط ميكياج ولا بتنزل صور ليها على النت، أنا مانعاها.
قالت «صابرين» بقلة حيلة:
- دلوقتي البنت اللي لابسة محتشم ومستورة في هدومها بيتريقوا عليها، واللي لابسة ضيق ونص شعرها طالع من طرحتها، ومبينة إيديها ورجليها دي بقت حلوة. وحال الأمة والناس اتبدل.
تحدثت «رحاب» بهدوء:
- ربنا يهدي بنات المسلمين يارب.
أمنت «صابرين» على دعائها وقالت بابتسامة هادئة:
- أمي الله يرحمها كانت بتقول مثل حلو أوي عن خجل البنت. كانت تقولي يا صابرين: "حياء البنت زي الوردة، لو شمها ناس كتير أو مسكتها أكتر من إيد هتفقد رونقها وريحتها".
فهماني يا بنتي.
ثم استكملت حديثها بحنان لأمها الراحلة:
- ربتني على إني وردة وعلمتني الحياء بمثلها ده، ولسا لحد النهارده بجني زرعها طرح طيب من تربيتها ليا.
ربتت على كتفيها بحنان ثم أردفت بهدوء:
- ربنا يرحم أمهاتنا جميعًا ويجعل تربيتهم لينا على الصلاح في ميزان حسناتهم.
استقامت "صابرين" بوقفتها وهي تقول:
- أنا مش مستحملة اللي البنت دي بتعمله، لازم أروح أتكلم معاها.
ذهبت إليها والضيق يرسم على وجهها، فتنفست ببطء وهي تقول:
- يا بنتي عيب اللي بتعمليه ده. بصي بعينك كده هتلاقي عيون شباب بتاكلك، وناس كبيرة تتحسر. يا بنتي مش هتجني من ورا عمايلك دي غير الهم لقلبك. البنت اتخلقت عشان تكون خجولة والخجل بيجمل مش بيوحش.
استمعت لها بضيق وهي تلوي فمها بتهكمٍ وقالت بتكبر وبنبرة وقحة:
- وإنتي مين اداكِ الحق تكلميني كده؟ أو قالك إنّي محتاجة نصايحكم؟ أنا عارفة أنا بعمل إيه ومقتنعة بيه.
لجمت الصدمة لسنها من وقاحتها، فقالت بقلة حيلة:
- يا بنتي أنا بنصحك لوجه الله. أنا شوفت فيكي واحدة من بناتي وأنا مرضاش بنتي تضيع نفسها وأقف أتفرج عليها.
نظرت لها بحنق وهي تقول بنزق:
- وأنا مش محتاجة نصايح من حد.
فار دمها بألم، فلا دين ولا حياء ولا أدب تمتلكه تلك الفتاة، فقالت بحسرة:
- أنا نصحتك لله، بس أتمنى ميفوتش الأوان وتخسري نفسك وترجعي تقولي ياريتني. ربنا يهديكي يا بنتي وينعم عليكِ بالستر.
ثم التفت لتذهب وهي تقول:
- "من قلّ حياؤه قلّ ورعه، ومن قلّ ورعه مات قلبه، ولا خير فيمن لا يستحي من الناس."
ذهبت تلك الفتاة في نوبة ضحك عالية، فقالت من وسط ضحكاتها:
- برافوا عليكي يا «حبيبة». سكتي الست ومنطقتش تانية.
تفت الأخرى بعقل شارد:
- يلا نمشي يا «إيمان». الست دي فورت لي دمي.
***
صدح صوت آذان العشاء، فتوضأت وارتدت إسدال الصلاة بمحبة للقاء ربها. وقفت بين يديه مبتسمة فرحة بعوض الكريم بعد صبر سنوات من الألم وتحمل كلمات لاذعة تبكيها. رفعت كفيها بتضرع وخشوع وهي تناجيه. انتهت من صلاة فرضها، فقامت لتصلي ركعتي الاستخارة بقلب راضٍ بقضاء الله.
دق باب غرفتها بهدوء، فأذنت للطارق بالدخول.
أدلف خطواته إليها وهو يقول بمحبة صادقة:
- بتصلي في الحرم يا حبيبت بابا؟
ابتسمت بخفة وهي تقف تقبل مقدمة رأسه قائلة:
- جميعًا يا رب يا بابا.
آمن على كلامها ثم تحدث قائلًا بتساؤل:
- إيه يا بنتي طمنيني، نرد على الراجل نقوله إيه؟
صمتت بخجل وهي تخفض بصرها بحياء، ثم قالت بهمس:
- اللي حضرتك شايفه يا بابا.
غازلها مازحًا وهو يقول:
- يعني أقوله مش موافقة؟
رفعت بصرها له بحيرة وتعجب، ثم أردفت:
- يعني حضرتك رافضه يا بابا؟
شبه ابتسامة ماكرة ارتسمت على وجهه، فقال بثبات:
- هو أنا اللي هتجوزه يا رونق؟
شحب وجهها بخجل شديد، فقالت بهمس:
- بس أنا موافقة يا بابا.
ضحك ملء فمه وهو يقول بسعادة:
- ألف مبارك يا رونق أيامي. ربنا يسعدك يا بنتي ويجعله زوج الدنيا والآخرة.
نظرت له بتساؤل وهي تجيب بحيرة امتلكتها للحظة:
- يعني حضرتك موافق؟
ابتسم بمحبة ثم أردف معقبًا:
- من قبل ما يجي يتقدم وأنا بتمناه ليكِ يا بنتي.
ثم تابع حديثه وهو يلتفت للخروج بعدما لمع الدمع في مقلتيه فرحًا له وحزنًا لمفارقتها:
- ربنا يتمملك فرحتك بخير يا رونق العينين.
"جئت أنت من زمن كنت أظنه رحل، وبعدما فقدت الأمل، جئتني زارعًا في قلبي بساتين من أمل وحياة."
« بقلمي خلود بكري »
"يؤخرها الله عليك ليفاجئك بالذي هو أحب إليك."
***
صاعقة نزلت على رأسه عندما رأى تلك الصور المرسلة على هاتفه. تفحص الهاتف مرارًا عله مخطئ، هذه ليست وردته التي رباها على يده، لا ليست هي. نظر لها بتساؤل، فوجده الدمع شارف ثانيًا في مقلتيها. حاول التماسك قليلًا ليفهم حقيقة الأمر، فقال بثبات صنعه بصعوبة:
- الصور دي بتاعتك صح؟
هزت رأسها بألم، فقالت بصعوبة وصوتها يختنق من كثرة البكاء:
- والله يا يعقوب الصور دي مفبركة. أنا عمري ما أعمل كده في نفسي ولا فيك، صدقني والله أنا مش بكذب عليك.
أغمض عينيه بوجع نغز صدره على تلك الفضيحة التي ستلاحق أسرته، ثم تنفس ببطء قائلًا:
- الصور دي كانت مع مين وفبركت إزاي؟
بلعت غصة حلقها ثم قالت بصوت باكي:
- كانت مع واحدة صحبتي في الجامعة وبعتتها لأخوها.
صمت بتعجب وهو ينظر لها بثبات ما قبل العاصفة:
- كملي.
تذكرت ما حدث في ذلك اليوم اللعين بالنسبة لها.
#فلاش باك
اجتمعت مع بعض الفتيات من قريتها الذين يدرسون معها في نفس الجامعة يتبادلون أطراف الحديث. فقالت «حبيبة» بمحبة مصطنعة:
- عائشة ابعتيلي صورتين ليكي كده عشان ماما نفسها تشوفهم.
نظرت لها بضيق ثم قالت:
- إنتي عارفة يا حبيبة إنّي مش ببعت صوري لحد.
تزكزتها الأخرى بمزاح فقالت بودّ مكذوب:
- والله ماما نفسها تشوفك، أكمني مش ببطل كلام عنك.
صمتت وهي تنظر لها، وبعد مهلة قضتها في التفكير قالت:
- تمام هبعتلك، بس بعد ما ماما تشوفهم توعديني إنك هتمسحيهم.
شبه ابتسامة شيطانية ارتسمت على وجهها ببراعة لتردف بغل:
- حاضر يا حبيبتي أوعدك.
باااااك.
كان ينظر لها ودموعها التي أغرقت وجهها، فقال بجدية واضحة:
- وبعدين؟
استكملت حديثها بشهقات عالية وهي تقول:
- بعد فترة أخوها كلمني وبعتلي الصور دي، وقعد يمدح في جمالي وإنه حبني من أول لما شاف الصور.
تحشرج صوتها في حلقها فقالت بصعوبة:
- حاولت مأضعفش، صدّيته مرة واتنين ومية والله يا يعقوب، بس قلبي وقتها اتمرد عليه في لحظة لقيتني بكلمه، وللأسف حبيته.
صمتت قليلًا وهي تنظر له بخوف من ردة فعله، واسترسلت حديثها بحزن:
- بعد كده طلب يشوفني.
اشتد بكاؤها حينها وهي تقول:
- والله رفضت يا يعقوب، رفضت.
وبعد إصرار من بعت له صورتين كمان ليه وأنا بلبس البيت.
ثم استكملت حديثها بصوت يقطع نياط القلب:
- بس هو كان أقوى مني، اتلاعب بالصور اللي معاه وساومني عليها، ولمّا رفضت عمل اللي إنت شوفته ده.
ثم قالت بكسرة أوجعت قلبها:
- بس «حبيبة» السبب هي اللي شجعته على كده عشان أنا رفضت لما هي طلبت رقمك وقالت إنها بتحبك وبتتمنى تتجوزك.
هي ردت لي الصاع اتنين يا يعقوب.
جذبها لأحضانه بحنان وقلبه يبكي بحسرة عليها وعلى ما أوصلت نفسها البريئة به. فقال بصوت خرج ببحة مؤلمة:
- حقك هيرجع والولد ده هياخد جزاته مني، هعلمه درس مينسوش أبدًا، بس ده ميمنعش إنك غلطانة يا عائشة.
"يعلمنا الله، يعلم قلوبنا، يقبلنا لو أخطأنا، ويمحي ذنوبنا حتى لو كانت كزبد البحر، فقط قف بين يديه وقل يا رب، وقتها سيمحي مر ما قد رأيت."
رواية فجاءته تمشي على استحياء الفصل الخامس 5 - بقلم خلود بكري
الثانية عشر بعد منتصف الليل خيم الهدوء على تلك المنطقة الهادئة إلا تلك المقهى التي تمكث على طرفي الحي.
اجتمع الشباب يتهامسون بضحكة عالية بعدما أخبرهم معاذ بما فعله مع عائشة.
فقال أيمن بعتاب وضيق:
- حرام عليك يا معاذ يعم أفرض اختك حصلها كده هتعمل إيه؟
نظر له بحنق ولم يجيب.
فقال شاب آخر يُدعى «علاء»:
- برافوا عليك والله قدرت تعلم على البت زمنها دلوقتي بيقولوا عليها يا رحمن يا رحيم..
ابتسم بشر وهو يقول بانتصار:
- ولسة انتم شوفتوا حاجة….
صدح صوتًا من خلفهِ يقول:
- والله انت اللي هنشوف مش هما.
التفت على آثار الصوت فوجد يعقوب يقترب منه والشرر ينذر من عينيه.
أن ميت الأن لا محاله…
لعق فمه بثباتٍ صنعه بصعوبة ليداري خوفه قائلًا:
- أهلًا أهلًا بأخو العروسه.
كور يديه بغضب ثم اقترب منه قائلًا بوعيد:
- كلمه واحده وهدفنك مكانك …
ضحك معاذ بسخرية وهو يقول بتشفي:
- عاوز ايه ؟
لكزه فى فمه بقوة فهطلت الدماء من بين شفتيه قائلًا:
- تليفونك فين ؟
جذبه الآخر من تلباب ملابسه وهو يقول بفحيحٍ عالي:
- بعينك اللي في دماغك انساه..
لكمة مرةً أخرى في صدره وهو يسحبه بعيدًا عن أعين الناظرين ليقول بقوة:
- الصور دي لو متمسحتش دلوقتي هسجنك ..
ضرب قلبه برعب فجذبه هاتفه أمام عينيه وهو يقوم بمسح تلك الصور بشكل نهائي.
فجذب يعقوب الهاتف منه وألقاه بتلك البركة المليئة بالماء وهو يقول بوعيد:
- اوع تفكر إن كده عقابك خلص انت خدت عقابك مني بس العقاب الأكبر عند ربنا وداين تدان يا معاذ.
تركه وذهب من أمامه بعدما حقق مراده بمسح تلك الصور.
وترك الآخر فى بؤرة من التفكير والخوف والانتقام تستحوذ عقله المريض بأفعاله الشيطا*نية.
***
ذهب للمسجد بعد تلك المقابلة التي أدمت نزيفً بداخل صدره فشعر إنه بحاجه للقاء الله منفردًا يشكوه له ضعفه وقلة حيلته.
توضأ وصلى ركعتين وجلس في زاوية من المسجد يرتل كلام الله بقلبٍ خاشع.
اقترب منه بدر قائلًا:
- كيف حالك يا يعقوب.
نظر له بألم شديد ظاهر على ملامحه فأجاب قائلًا:
- بخير الحمد لله يا شيخ بدر.
جلس بجواره قائلًا:
- ما لي أرى في عينيك حزن !
اعتلى الحزن قسمات وجهه فأردف بهدوء:
- والله يا شيخ قد كسرتني الدنيا في أحب ما عندي.
رَبت على كتفه وهو يقول:
- فانية يا يعقوب وكل ما نصيبُ بهِ ابتلاء وقدر.
ثم تابع بإيمانٍ:
- وما الابتلاء إلا محبةً من الله يا صاحبي.
قال برضا ويقين:
- الحمد لله فى السراء والضراء.
ثم أضاف بدمعه هاربه:
- حاسس اني مخنوق والدنيا ضاقت بي.
أوَيَرُد قائلًا بمحبة:
- "ضاقت فلما استحكمت حلقتُها فُرجت وكنت اظنها لن تفرجُ".
ـ هون عليك فالمتقي الحوض يا صاحبي…
استرسل حديثه قائلًا بتساؤل:
- سمعت إن عندك اخت وانا الصراحه شاري.
بلع غصة حلقه وهو يقول بصعوبة:
- عائشة !
ابتسم قائلًا بإعجاب:
- ما شاء الله وكمان اسمها عائشة.
تلجلج صوته بتعجب ليقول ازاي ده.
رَبت على كفيه وهو يقول بصدق:
سمعتك وانت بتصلي وتناجي الله بها، سمعتك وانت بتقول يارب قلبي اختي أجبره، وها قد أت جبرها مهرولًا إليها من غير حولٍ مني ولا قوة بل برسالةٍ من الله…
احتضنه وهو يقول بفرح أنعش قلبه:
- وانا مش هلاقي احسن منك ل عائش يا بدر.
استوقف قائلًا بغيره ومرح:
- لا استني عندك انا اللي هدلعها إن شاء الله لما تُكتب ليا.
وبعدين عايز اقولك انا معنديش حاجه اسمها خطوبه انا هكتب علطول …
رد يعقوب معقبًا بمحبة:
- وانا موافق يا بدر بس في شوية حاجات قبل ما تيجي لازم نتكلم فيها لينا قاعده إن شاء الله …
"بينما أنت غارق في قلقك يدبر الله امرك كله "
فلا تحزن.
***
حل الصباح ببسمة هنية، زقزقة العصافير فوق شباك غرفتها أضحى لها يومًا مميز بموعدٍ خاص، تلاقي قلوب من على بعد مسافات، رباطٌ قوي سيجمع قلبها بمن تمنت وصبرت.
استيقظت رونق من نومها بنشاطٍ كبير، تلك الابتسامة المرسومه على شفتيها ببلاهه زادت من جمال وجهها، فوقفت تنظر لنفسها بتلك المرآة وهي تبسم تارة وتشرد تارةً أخرى.
فاقت من غفلتها للحظة بعدما طرق أخيها الباب قائلًا بمكر:
- والله وبقينا نسرح يا رونق.
اقتربت منه تلكزه بقوة وهي تقول بتحذير من شدة خجلُها:
- وبعدين يا عادل.
ابتسم عليها قائلًا بغزل:
- لا بس في عروسه قمر كده أكادُ من فرط الجمال أذوبُ.
ضحكت ملء فمها وهي تقول بصعوبة أثر ضحكها:
- بكاش طول عمرك.
ثم تابعت بتساؤل:
- جيت امتى من المخيم بتاعك ده …
احتضنها بحنان وهو يقول:
- لسه واصل حالًا ولما ماما قالتلي جيت جري أبارك لكِ …
ابتسمت بخفه وهي تقول بخجل:
- الله يبارك فيك يا دولا عقبال ما نفرح بيك كده.
قال بمرح:
- مش لما اخلص أم الكلية دي الاول وأشتغل …
ثم تابع حديثه بمكر:
- بس بقولك المخيم كان مليان بنات ايه م…..
بتر كلامه بخوف عندما وجدها تقترب منه بنظرات لا تبشر بالخير أبدًا فركض مسرعًا وهو يقول:
- يا أهل البيت يا أهل الحارة الحقوني …..
ركضت خلفه وهي تقول بوعيد:
- والله يا عادل ما انا سيباك.
وقف وهو يلهث بقوة فقال بثبات:
- خلاص خلاص مش هقول كده تاني انا كنت بنكشك بس.
خرجت خديجة على صوت صراخهم العالي فقالت بعتاب:
- أنتم صغيرين.
خفضت رونق راسها وهي تقول بأسف:
- أنا أسفه يا امي بس ابنك عاوز علقه حلوه.
ثم قالت بجدية:
- متخلهوش يروح مخيمات تاني تبع الكلية ..
صاح بعنف وهو يقول:
- لاه هروح دي بتبقى قاعدة ايه يا ماما كلها بنا……
بتر كلماته ثانيًا عندما وجدها اقتربت منه قائلة بتحذير:
- لو سمعت كلمة تانية منك حتى لو بهزار هزعل منك جدًا يا عادل دول بنات وانا بنت واللي منرضهوش لأنفسنا ليه نرضاه لغيرنا ….
ثم تابعت حديثُها بجدية:
- هقولك كلمتين اعتبرهم من المنهج واحفظهم كويس عشان دول اللي هيدخلوك الجنة مع باقي صلاح أعمالك…
ـ غض بصرك
ـ ألزم حدود أدبك
ـ راعي الله.
"خذ كل بنت تقابلك على أنها أخت لك فإن لم تستطع أن تكون أخًا لها فكن شيئًا لا يؤذي براءتُها "
***
بعد وقتٍ مضى في ذلك اليوم ومع انشغاله الشديد في عمله كان شاردًا بها، قلبه يدعوا خفية انا تكون له، تذكر حديثُها وتلك الأسئلة التى سلبت عقله منذ أول لقاء، عيناها وسحرُها.
فهمس بداخله متمنيًا:
- ربنا يجعلك من نصيبي يا رونق العينين.
لم يكمل باقي الكلمة حتى وجد إتصال هاتفي من والدها فتح الهاتف وهو يرد السلام:
- وعليكم السلام يا عم محمد اخبار صحتك ايه.
ابتسم محمد بمحبة ثم أردف قائلًا:
- بخير يا ابني انت عامل ايه.
قال مبتسمًا باحترام:
- الحمد لله يا عمي بخير وفضل وكرم من الرحيم.
تحدث بحب قائلًا:
- ربنا يديم عليك فضله وخيره يا ابني.
قال يعقوب معقبًا:
- وإياكم يا عمي.
ابتسم بإعجاب من ذلك الشاب الخلوق فقال من بين ابتسامته الفرحه:
- إن شاء الله تيجي إنت وأهلك تنورونا يوم الجمعة بعد صلاة العشاء ..
صمت برهة وهو يقول بفرحة احتلت جسده بالكامل:
- يعني أفهم من كده إن العروسه وافقت ؟
ضحك ملء فمه وهو يقول:
- ما شاء الله ما جمع إلا ما وفق …
ضيق عينيه باستغراب فقال بتساؤل:
- قصدك ايه يا عمي.
قال محمد معقبًا:
- أصل رونق عملت زيك الصبح كده.
ثم تابع حديثه بجدية ومحبة:
- ربنا يجمعكم على خير يا ابني ويعوض طولة صبركم جبر.
أمن يعقوب وهو يقول بيقين:
- يارب اللهم امين مع السلامه يا عمي.
قفل الهاتف وعلى وجهه ارتسمت ضحكة مشرقة أضحى لها قلبه بالفرح والسرور فهمس بخفوتٍ:
" وسينقضي بلقائك كل ألمي وشقائي"
رواية فجاءته تمشي على استحياء الفصل السادس 6 - بقلم خلود بكري
وقفت تلك الفتاة تنظر له بضيق بعدما علمت فعلته الدنيئة مع صديقة عمرها.
نظرت له بشفقة وهي تراه يتغزل في كل بنت تصادفه.
احتدت نظراتها وهي تراه واقفًا بثبات، يتغزل بتلك الفتاة التي تشبه الغوازي في لبسها.
عيناه تجوب تلك الفتيات المارة بجواره بغير نضج وقلة حياء.
لم يعِ أن ما يفعله هو حربًا ستنهال عليه بالخسارة الفادحة، والندم المتأخر بغير نفع أو منفعة.
اقتربت منه بهدوء ثم تحدثت بنفور أدى صدرها لحاجته للقيء وهي تقول له:
"هل ما تفعله يريح ضميرك؟"
جابت نظراته جسدها بالكامل بتكبر وغطرسة وهو يقول:
"ومين انتي عشان تتكلمي معايا كده؟"
نظرت له بشفقة، ثم التفتت لتذهب من أمام ذلك الرجل الذي لا ينتمي لفصيلة الرجولة بشيء قط.
ثم أردفت معقبة بيقين:
"كما تدين ستُدان، وكما تفعل سيُفعل بك، وكما تؤذي ستُؤذى.
ومثلما بكيت قلوب ليس لها ذنب، سيبكي قلبك بكل الآثام ولن تستريح أبدًا."
نظر لها بغيظ وهي ترحل من أمامه تاركة أثر كلمتها ينخر صدره بقوة.
فقال بهمس بينه وبين حاله:
"أنا مالي كده ليه؟ كلامهم بيوجعني ليه؟ مش قادر أعيش مرتاح من بعد اللي عملته."
مشى بخطى متثاقلة شاردًا في كلمات يعقوب وتلك الفتاة التي مثلما ظهرت فجأة اختفت فجأة ودون أثر.
جثى على ركبتيه ثم صرخ صرخة دوى أثرها المكان بأكمله وهو يقول:
"ليه أنا مش مرتاح؟ ليه؟"
"وهل يوجد راحة في البعد عن الله وارتكاب الآثام؟"
ذهب بتثاقل إلى البيت فوجدها تجلس تتحدث على موقع خاص بمكالمات الفيديو وهي شبه عارية.
نظر لها بضيق قائلًا:
"بتعملي إيه؟"
لوت فمها بتهكم وهي تقول بحدة:
"وانت مالك يا معاذ؟"
دنى منها يجذب خصلات شعرها بغل قائلًا:
"كلميني عدل."
انتفضت بوقفتها وهي تصرخ به:
"لا انت أكيد اتجننت! من امتى وانت بتحاسبني؟"
جلس على الأرض بقلة حيلة ثم أردف قائلًا بعد أن شعر بتعب مفاجئ يسيطر عليه:
"مش عارف. من بعد الصور دي وأنا مش مرتاح. رغم إن أخوها مسحهم بس البنت دي أثرت فيا. بسمع عياطها كل يوم مش عارف أنام. هي كانت بريئة وأنا دنست براءتها."
ضحكت ملء فمها وهي تقول باستنكار:
"انت ندمان يا معاذ؟ مش معقول؟"
تطلع بها بصمت ثم نطق بخوف من القادم:
"مش عارف ليه حاسس النهاية هتكون وحشة."
"افعل ما يروق لك فالله يرى ويسمع."
انتهى من دوام عمله فخرج مسرعًا للذهاب للبيت وبداخله شعور غريب استحوذ قلبه فرحًا ورضا.
قاد دراجته النارية بسرعة عالية وكأنه طائر في سماء صافية فريدة من نوعها.
انتعش صدره بذلك الهواء الطلق وهو يسوق بحرية.
وقف أمام المنزل ثم صعد بهدوء.
دق باب البيت بطريقة مرحة.
فتحت له الباب ثم نظرت له باستغراب:
"خير يا ابني؟ بتطبل على الباب ليه؟"
احتضنها وهو يدور بها في بهو الصالة ثم أردف قائلًا:
"وافقت يا نوجه. العروسة وافقت."
نظرت له مبتسمة وهي تلقي زغروطة عالية قائلة بمحبة وحنان:
"يا ألف نهار أبيض! ألف مبروك يا حبيبي."
ثم ربتت على كتفيه قائلة:
"ربنا يسعدك يا يعقوب ويفرح قلبك دائمًا يا فلذة كبدي."
احتضنها بحنان وهو يقول:
"ربنا يبارك لنا فيكي يا ست الكل."
ثم تابع بتساؤل:
"عائشة جوه؟"
أومأت له بتأكيد ثم ذهبت لغرفتها فقد شارفت دموعها بالهطول ولا تريد أن تطفئ فرحة ابنها.
دق باب غرفتها بهدوء فأذنت له.
دلف بهدوء إليها فوجدها تضم كلتا يديها وعلى ساقيها وتبكي بنحيب.
قبل رأسها بحنان وهو يقول:
"عندي ليكي كام خبر هيفرح قلبك يا عائشة."
نظرت له بأعين دامعة وهي تهز رأسها بألم فقالت بصوت خافت:
"مفيش قلب بيفرح بعد كسره يا يعقوب."
اقترب منها بهدوء وهو يمسك بكفها:
"في يا عائشة. وهنتخطى الفترة دي سوا حتى لو كانت صعبة."
أومأت برفض وهي تبكي ثم أردفت بألم أتعب قلبه خوفًا عليها:
"أنا خلاص مش عايشة. أنا مت لحظة ما انكسرت."
ربت عليها بحنان ثم همس لها بأمل:
"بعد الكسر جبر. بعد الحزن فرح. بعد المرض شفاء. بعد الشقاء سعادة.
بعد كل ألم في راحة هتلاقيه بس لما تؤمني إن ده اختبار من ربنا عشان يشوف مدى صبرك وقوة إيمانك به."
تطلعت به بهدوء ثم همست بمحبة عندما وجدت مقلتيه تلمع حبًا وخوفًا لها فقالت بتساؤل وبنبرة بها بعض المرح:
"كنت عاوز تقولي إيه بقى؟"
قال مردفًا بفرح:
"قراية فتحتي يا ستي يوم الجمعة."
تطلعت به ببلاهة وهي تقول بحب:
"بجد! ألف مبارك يا حبيب قلبي. ربنا يسعدك يا يعقوب زي ما بتحاول تسعدني."
ربت على كتفيها بحنان وهو يقول:
"يارب يا حبيبتي."
ثم تابع حديثه بجدية:
"في حاجتين بقى ليكي."
ثم تنحنح قائلًا:
"الأول: إن الحيوان ده أنا جبتلك حقك منه والصورة دي اتمسحت نهائي من على كل المواقع والحمد لله محدش شافها لأنه كان مخصص لمجموعة معينة عشان يساومك تاني."
بنظرت له بأعين متسعة وهي تقول بعدم تصديق:
"بجد يا يعقوب؟"
قال مردفًا بصدق:
"بجد يا حبيبتي."
ثم استرسل حديثه قائلًا:
"ثانيًا: في عريس بيتقدم لك وأنا موافق عليه."
جحظت عيناها باستنكار ثم هتفت بخوف:
"عريس؟"
قال يعقوب معقبًا:
"الشيخ بدر."
كانت آخر الكلمات التي نطق بها يعقوب.
نظرت له نظرة تحمل من طيات الألم بحار أغرقت نفسها بها دون وعي، ثم سقطت مغشية عليها ترتجف بردًا في عز نهارًا أدفأته حرارة الشمس.
"عند رونق"
أخبرها والدها أنه تحدث مع يعقوب على أن تكون قراءة الفاتحة يوم الجمعة القادمة وعليها أن تجهز حالها لاستقبال الضيوف.
هتفت بحياء شديد:
"حاضر يا بابا."
قالت خديجة باهتمام:
"هنع'مل عشا يا أبو عادل؟"
قال محمد بكرم ولطف:
"أحلى أكل تعملوه وحلويات. عايز الناس تخرج من هنا مبسوطة. ده بيت كرم. خلى ربنا يكرم على بنتنا."
آمنت خديجة بمحبة وهي تقول:
"يارب ربنا يجعله في مكان خير يقابلها."
همست رونق بتساؤل:
"هو مقلش يا بابا هييجي هو ومين مثلًا؟"
قال معقبًا بحيرة:
"والله ما قال. اللي ييجي ييجي يا بنتي على راسنا من فوق."
ثم ربت على كفيها بحنان:
"المهم عندي تكوني مبسوطة يا حبيبتي."
قالت بهدوء بعدما تصبغ وجهها بحمرة الخجل:
"الحمد لله يا أبي."
ذهبت إلى غرفتها فأقدامها لم تعد تتحمل تلك الأمور التي تذهب بعقلها للخجل الشديد.
هتفت خديجة وهي تقطع خضرة السبانخ في يديها:
"واجب برده تقول لعمها ياسر حتى لو مش هيحضر بس عرفه. وقول لخالها محمود يبقوا معاك في الاتفاق."
نظر لها بمحبة وهو يقول:
"طول عمرك أصيلة يا أم رونق."
جلست تقص عليه قائمة طويلة بتلك الطلبات لتجهيز يوم قراءة الفاتحة فاستمع لها بإنصات وهو يقول بمرح:
"دي انتي عايزة سوبر ماركت على كده."
ابتسمت بخفة وهي تجيب:
"مفيش حاجة تغلى على حبيبة عيني مامتي."
بادله تلك البسمة ثم استقام بوقفته للذهاب وهو يقول بنفس راضية:
"الحمد لله ربنا يتمم لها على خير."
استوقف حديثهم دق جرس الباب فمدى محمد خطاه برفق وهو يقول:
"اتفضل."
فتح الباب فوجد أخته تحضنه وتبكي.
ربت على ظهرها وهو يقول بهلع تمكن منه:
"مالك يا سماح؟ إيه اللي حصل؟"
تحدثت بصعوبة من وسط شهقات بكائها بعدما جلست على أقرب مقعد:
"سمير طلقني يا محمد وخد بنته ورماني بره البيت. والمر بقى إن أميرة اللي مسلطاه عليا."
زفر بألم وهو يقول بمحبة لكي يطمئنها:
"وبيت أخوكي مفتوح ليكي يا سماح."
تمسكت به قائلة:
"سامحني يا أخويا. ياما آذيتك وآذيت مراتك."
قبل رأسها بحنان وهو يقول بصدق:
"عفا الله عما سلف يا حبيبتي. بطلي عياط."
قالت بصوت باكي متألم تملؤه نبرة الندم:
"افتكرت كلامك زمان لما كنت بتقولي عاملي أمك كويس يا سماح عشان هيقعدك. وأهو قاعد لي كل اللي عملته بنتي ردته ليا وأسوء كمان."
اقتربت خديجة تقول بمحبة:
"المهم إنك تتوبي وتدعي ربنا يسامحك يا سماح وتتصدقي لوالدتك وربنا يتوب علينا جميعًا."
احتضنتها قائلة بأسف:
"كنت دائمًا ظالمة ليكي وبغير وبحقد عليكي. بس انتي دايمًا سباقة بالخير يا أم عادل."
ابتسمت لها وهي تقول بحب:
"أخت الغالي وعمة ولادي. أشيلك على راسي."
سمعت رونق حديثهم فخرجت مسرعة وهي تقول بمرح:
"عمتو هنا؟"
اقتربت منها ثم قبلتها من خدها وهي تقول بحب:
"وحشتيني يا موحا."
حاربت على كفيها بحنان ثم أردفت بهدوء:
"وأنتم كلكم وحشتوني يا نور عين عمتكم."
نظر محمد لخديجة بفخر لأنها ورغم الأذية التي لحقتها من أخته إلا أنها كانت تزرع فيهم حب أقاربهم وتخفي عنهم جوانبهم المظلمة.
في مكان آخر.
مكان يملؤه الشر والكبر، حقد نما في قلوبهم فانتشر ليسكن دماء جسدهما بالكامل فأصبحوا يتجرعوا كأنه مادة من دونها يصعب العيش.
هتفت تلك الفتاة بغل وحقد:
"خطب يعقوب؟ خطب!؟"
ثم تابعت حديثها بتساؤل:
"ومين بقى سعيدة الحظ؟"
هتفت الأم بضيق:
"مش عارفة يا إيمان. خالتك قالت إنه خطبة وخلاص."
ثم قالت بحسرة:
"معرفتيش تاخدي عقله ولا قلبه يا خيبة. قولتلك ابلفيه عشان يحبك. طلعتي هبلة."
ردت عليها باستنكار:
"يعني كنتي عايزاني أعمل إيه يا ماما؟ ما أنا حاولت كتير وهو كل مرة كان بيرفض."
قالت صفية بحنق:
"أهو طار ياختي. كان عنده ورث ووحيد أمه وملوش اللي أخت. كان كله هيبقى ليكي."
ابتسمت بتشفي وهي تتذكر ما فعلوه بعائشة فقالت بمكر:
"هو رفضني أه وكسفني. بس أنا خدت حقي في أغلى ما يملك."
ضيقت صفية عيناها باستغراب وهي تتساءل:
"معنى كلامك ده إيه؟"
قالت مبتسمة بثقة وفخر:
"كسرته في أخته."
وأخذت تقص عليها ما فعلوا والأخرى تضحك بحقد دفين سينقلب عليها يومًا ما.
"واهٍ من دنيا لا يسلم فيها المرء من قريب ولا غريب."
رواية فجاءته تمشي على استحياء الفصل السابع 7 - بقلم خلود بكري
فحصتها الطبيبة بعناية، فهتفت بعد مدة قضتها في الصمت الطويل، مما أدى قلبه إلى الخوف، فقالت بهدوء يصاحبه بعض التوتر:
ـ المريضة بتعاني من ضغط معين، أو اتعرضت لصدمة قريبًا؟
خفض نظره عنها ثم أردف قائلاً:
ـ أيوه تعرضت لصدمة وضغط الفترة دي.
نحتت بهدوء ثم هتفت قائلة:
ـ للأسف أخت حضرتك اتعرضت لمرض نفسي وهو «اضطراب ما بعد الصدمة»، بجانب أنها بتعاني أيضًا من مرض نفسي آخر ويسمى في الحالة العلمية «إيذاء النفس غير الانتحاري»، ودليله أنها حاولت تأذي نفسها بقطع شرايين يدها.
صدمة وراء صدمة وقعت على رأسه، فقال بقلق:
ـ وده علاجه إيه؟
نظرت له وهي تجيب بهدوء:
ـ الاضطراب ممكن يقعد علاجه من شهر لست شهور على حسب تقبل الحالة لبروتوكول العلاج.
ثم تابعت بجدية:
ـ أما الإيذاء النفسي بيقعد فترة، وليه كذا طريقة للعلاج.
والأفضل في الحالات اللي زي دي أنها تحتجز في مصحة نفسية عشان متأذيش نفسها.
رد عليها بنبرة قلقة وخوف تجلى على ملامحه:
ـ مصحة؟ لا مستحيل نفسيتها تتعب أكتر وأنا معنديش استعداد أخسرها.
وزعت عائشة نظراتها بين الطبيبة وبين يعقوب، فهتفت بألم ممزوج بالقهر:
ـ أنا موافقة أتحجز في المصحة يا يعقوب، يعني مش هيحصل حاجة، أنا كده كده ميتة نفسيًا.
اقترب يحتضنها بخوف وهو يهمس لها بحنان:
ـ مستحيل أسمح بكده، انتي هتتعالجي وانتي في بيتك وهتبقي أحسن من الأول وأكتر.
هتفت الطبيبة حسناء بهدوء:
ـ ممكن تتعالج في البيت بس هيكون في شروط.
قال وهو يطلع بها:
ـ وإيه هي الشروط دي؟ أنا مستعد لأي حاجة.
قالت الطبيبة مسترسلة حديثها:
ـ أولًا العامل النفسي مهم جدًا وممنوع نذكر قدام المريض سبب مرضه أو أي حاجة من اللي كانت سبب في صدمته، حاليًا هي كده كده فاكرة أو عارفة، مع الوقت هتتعايش مع كل ده.
ـ ثانيًا يا عائشة احكيلي الأعراض اللي بتحسي بيها.
انزوت على حالها ببكاء وهي تنظر لهم بخوف وقلق، فخرج صوتها متوترًا:
ـ مش عايزة أشوف حد.
تطلع بها بحزن وهو يمسد على كتفيها بحنان:
ـ متخافيش يا حبيبتي أنا معاكي، اتكلمي.
صمتت قليلًا وهي تحاول الحديث بغير بكاء، فخرج صوتها مهزوزًا:
ـ أنا بشوف كل الناس مؤذية، كلهم بلا استثناء، حتى ماما معايا في البيت بحس إنها عايزة تأذيني، مش عايزة أكلم حد ولا أشوف حد، بحس إن الناس كلها بتكرهني وإني وحشة ومش مرغوب بيا.
استمعت لها الطبيبة باهتمام، فقالت بابتسامة حانية:
ـ كله هيعدي إن شاء الله.
دلت المريضة إلى غرفة الكشف، وبيدها إبرة حقنة مهدئة، أشارت لها الطبيبة بصمت وهي تحقنها بهدوء حتى ذهبت بعد مُهلة في سبات عميق.
تعجب يعقوب من هذا الأمر، فأردف قائلاً:
ـ إيه الحقنة دي؟
ردت عليه معقبةً:
ـ عشان أقدر أشرحلك مرضها بالضبط.
أومأ لها بأن تتحدث، فقالت:
ـ إيذاء النفس غير الانتحاري؟
إيذاء النفس غير الانتحاري هو محاولة من المريض أن يلحق الأذى بنفسه، عن قصد دون محاولة قتل النفس؛ فعلى سبيل المثال، لو قام الشخص بجرح جلده بغير قصد قتل نفسه، هنا يسمى هذا الفعل إيذاء النفس غير الانتحاري، أي ليس بقصد أنه ينتحر.
ثم استكملت حديثها قائلة:
ـ أشرح لحضرتك مثال.
ممكن المريض يجرح أو يطعن جلده بأداة حادة (مثل السكين أو موس الحلاقة أو إبرة).
حرق الجلد (بسيجارة عادةً).
نظر لها بخوف وهو يقول:
ـ وده فعلًا اللي عملته عائشة.
أكدت حديثه بجدية، ثم تابعت:
ليه المريض يعمل كده بقى؟ وإنه يحاول يأذي نفسه عن قصد؟
مفيش سبب واضح دائمًا، ولكن قد يكون إيذاء النفس طريقة يستخدمها الأشخاص لمحاولة:
التقليل من المشاعر التي تسبب الشدة أو المشاعر السلبية.
أو معاقبة الذات بسبب شيء يعتقدون أنهم أخطأوا في فعله.
استجابة لمشاكل في العلاقات، يعني ممكن علاقة تدمرت بين شخصين تعمل كده، أو صدمة في حاجة كانت مفكرها أمان ليها وبقت مصدر خوفها.
اعتلى الألم قسمات وجهه، فأردف بحزن:
ـ طب والمرض ده علاجه إيه؟
استقامت بوقفتها وهي تجلب إحدى الصور وتشير له قائلة:
في نوعين من العلاج عن طريق المعالجة النفسية وهما:
ـ العلاج السلوكي الجدلي:
وده بيكون من خلال جلسات أسبوعية وفردية لمدة عام، حيث يقوم الطبيب بمساعدة الشخص على تعلم كيفية ضبط الشدة.
وتاني طريقة هي العلاج الجماعي لتنظيم المشاعر:
يساعد هذا العلاج الشخص على إدراك الانفعالات السلبية وتقبلها.
وده اللي حضرتك هتعمله معاها في البيت مع بعض الأدوية اللي هوصفها للحالة.
ومع الوقت والعلاج المريض يتعافى تمامًا، ولكن مهم جدًا الالتزام بمواعيد مراجعة الطبيب، وتكون كل شهر تقريبًا عشان أتأكد إن الحالة بتتحسن.
أومأ لها بالموافقة وهو يقول:
ـ شكرًا لحضرتك يا دكتور على المعلومات دي، وبإذن الله شهر أحبها لحضرتك.
أخذها وذهب للبيت بعدما شعر إنها ارتاحت قليلًا، فهمس لها بحنان وهي تغط في نوم عميق:
ـ لو الدنيا كلها رفضتك أنا هنا عشان أقبلك بعيوبك وبتعبك، لو وقفت الدنيا كلها قدامي.
اليوم هو الموافق الثلاثاء في أيام الأسبوع، فات يومين على تلك الأحداث، تابعت رونق أيامها بدعاء كل اليوم أن يكون اختيارها هو الصواب.
طلبت من عملها إجازة بضعة أيام لتحضر لهذا اليوم الموعود، خرجت من بوابة المصنع وهي تذكر الله على تلك المسبحة التي ترتديها في إحدى أصابع يدها.
اقتربت من ذلك المحل الذي يعرض ملابس الزي الشرعي، دلفت بهدوء وهي تنظر هنا وهناك، وقعت عيناها على إدناء فضفاض من اللون النبيتي الهادئ، أخذته بين كفيها تتفحصه بعناية، ثم اقتربت من تلك الفتاة وهي تقول لها:
ـ هشتري الإدناء ده، ممكن أقيسه.
أشارت لها على مكان البروفات وهي تقول بكل أدب:
ـ هناك يا فندم، تحت أمرك، نورتي المحل.
ابتسمت لها بخفة وهي تقول:
ـ شكرًا للطفك الطيب.
ثم ذهبت لتلك البروفة وارتدت ذلك الرداء الذي سلب عقلها لشدة براحته وهدوئه، فقالت بابتسامة عذبة:
ـ جميلة جدًا القصة دي، هشتريه.
خرجت بهدوء ثم ذهبت لتحاسب الكاشير بعدما انتقلت خمارًا يتماشى معه.
في طريقها وجدت رجلًا يبيع تسالي الحرنكش، فأسرعت إليه مبتسمة وهي تقول بهدوء:
ـ السلام عليكم يا عمي، لو سمحت عايز بـ 50 جنيه حرنكش.
قال الرجل مبتسمًا بمرح:
ـ حرنكش حرنكوش واللي ياكله مينسوش.
ابتسمت في سرها وهي تتذكر أيام الطفولة عندما كانت تبقي مصروفها لتشتري به هذه الفاكهة المحببة لقلبها.
مشت بخطى متثاقلة تتذكر تلك الأيام المريرة وكيف مر القحل المر عليها، سنين من عمرها قضتها بين حنان الأهل وظلم المجتمع، لكن إيمانها بالله كان قد بنى في قلبها حاجزًا متينًا من إضلال عقلها عن السخط على أمر الله، فحمدت الله سرًا وهي تقول: "ولسوف يعطيك ربك فترضى".
"عند يعقوب"
دلت نجلاء إلى غرفة عائشة بغضب بعدما أخبرها أحد جيرانها عن تلك الصور، فقالت بحدة وهي تنزع عنها غطاءً التي تندثر خلفه من حدة البرد رغم حرارة الجو في ذلك الوقت:
ـ إيه الصور دي حقيقة؟
ارتاعت من أثر صوتها العالي، فقالت ببكاء:
ـ والله مظلومة يا أمي.
جذبتها من شعرها بغضب وهي تقول:
ـ بقالي أكتر من شهر مش بتروحي جامعتك وقافلة على نفسك طول اليوم، كنت مفكرها أنه التعب اللي بيجيلك كل سنة بسبب حزنك إنك مشوفتيش أبوكي، لكن طلعتي عاملة فضيحة.
دلف يعقوب على أثر الصوت، فقال بعتاب:
ـ مش كده يا أمي، فيه إيه لكل ده؟
ردت عليه معقبةً بغضب:
ـ فيه إن أختك عاملة فضيحة.
فهم مقصدها، فقال بثبات:
ـ عارف يا أمي وعائشة مظلومة.
نظرت لها بألم وهي تقول:
ـ دي تربيتي فيكي تكسريني وسط الناس.
قبل يعقوب رأسها بحنان وهو يقول بجدية:
ـ مفيش الكلام ده يا أمي، أنا جبت ليها حقها وهي ملهاش ذنب في اللي حصل.
غضبت منه، فقالت بحدة:
ـ أنت كمان بتدافع عنها وهي غلطانة وبتجيبيلنا العار.
تنفس ببطء شديد وهو يحاول التماسك، فقال معقبًا:
ـ كل ده كان مؤامرة من صحبتها وإيمان بنت خالتي يا أمي، وأنا سكت عشان خاطرك، لكن بلاش تجرحيها، عشان هي حتى لو غلطانة عرفت غلطها، لكن الدور على اللي قتل القتيل ومشى في جنازته.
ثم أخذها للخارج وبهدوء وحكمتها فهم ما تعاني منه عائشة، وبعد قرابة الساعة من الرفض والغضب، حنى قلبها لفلذة كبدها، فدلت بخطى متألمة إلى غرفتها ثانيًا.
نظرت لها عائشة بكسرة وهي تنتحب من شدة البكاء:
ـ والله يا أمي سامحيني، أنا غلطانة، حقك على راسي.
رق قلبها لها، فاحتضنتها ببكاء وهي تهمس لها:
ـ حقك عليا أنا من كل أذية يا نور عيني.
ارتفع رنين الهاتف، فنظر للاسم ووجد اتصالًا من "بدر" يخبره بموعد حضوره اليوم، فرد يعقوب بهدوء وهو يرحب به:
ـ تشرف في أي وقت يا شيخ بدر.
ابتسم الآخر بمحبة وهو يقول:
ـ شرفك الله بالنظر لوجهه الكريم يا يعقوب.
قفل الهاتف بشرود وهو يفكر حاليًا كيف سيخبره بذلك الأمر المعقد.
دلت إلى غرفتها بهدوء وهو يقول بمرح:
ـ الجميل قاعد لوحده ليه؟ لسه زعلانة من كلام ماما؟
شبه ابتسامة خافية ظهرت على محياها وهي تقول:
ـ عادي يا يعقوب، بحب أقعد لوحدي بقرأ قرآن وأسبح الله عشان ربنا يقبل توبتي، وخلاص ماما عندها حق تغضب وأنا مش زعلانة منها.
قبل مقدمة رأسها بحنان وهو يقول بفخر:
ـ هيقبلها يا حبيبتي عشان هي من قلب صادق النية.
ثم أردف قائلًا بخوف من رفضها:
ـ بدر جاي النهارده عشان خاطري، اطلعي اقعدي معاه، ولو رفضتي مش هغصبك.
التَمَسَت الرجاء في عينيه، فقالت بهدوء:
ـ حاضر يا يعقوب.
ربت على كفيها بحنان ثم التفت ليخرج من الغرفة قائلًا:
ـ ربنا يراضي قلبك يا عائشة.
رواية فجاءته تمشي على استحياء الفصل الثامن 8 - بقلم خلود بكري
في مكانٍ آخر احتله الظلام الدامس صرخت تلك الفتاة بقوة وهي تتوسل له:
ـ حرام عليك انت مش بني ادم انت شيطان.
اقترب منها يجذب ملابسها من على جسدها بعنف وهو يقول بفحيحٍ عالٍ:
ـ معاذ لما يعوز حاجه مينفعش يتقال له.
انزوت على ذاتها بخوف وهي تقول برجاء:
ـ ابعد عني بالله عليك يا أخي أنا إمرأة متزوجة لا تفضحني.
عمت الشهوة عينيه فاقترب أكثر منها ثم جذبها إليه بعنف وفعل كل ما حرمه الله.
دنا منها بعدما أخذ ما يريد ثم حذف عليها بعض النقود وهو يذهب قائلًا:
ـ جتيني بمزاجك ومشيتك بمزاجي.
نظرت له بأعين باكية وهي تقول بوعيد:
ـ حسبي الله فيك الله المنتقم الجبار.
ثم رددت ثانيًا:
ـ الله المنتقم الجبار.
***
دقت الساعةُ الثامنة بعد صلاة العشاء ودق معها جرس الباب.
فتحت يعقوب وهو يقول بمحبة:
ـ اتفضل يا شيخ.
نادل بهدوء غاضًا بصره وهو يلقي التحية:
ـ السلام عليكم يا أهل البيت.
ابتسم يعقوب فردد قائلًا:
ـ ربنا يجعلك من أهله يا بدر.
جلس بهدوء بينما قفل يعقوب الباب وهو يقول بجدية:
ـ الأول عاوز اتكلم معاك في كام نقطة قبل ما تقابل عائشة.
أومأ برأسه قائلًا:
ـ وانا سامعك.
أخذ يقص عليه كل شيء تعاني منه عائشة وبعد قرابة النصف ساعة قال يعقوب:
ـ دلوقتي انا قولتلك كل حاجة حابب تكمل هدخل اجيب اختي دلوقتى رافض ده حقك وهشيلك فوق راسي برده.
أردف بدر به ثم عقّب:
ـ انا دخلت البيت ده شاري ومش هخرج منه غير وانا واخد اللي اشتريته.
ابتسم يعقوب بإعجاب فقال بتساؤل:
ـ من كل قلبك وعقلك موافق؟
نظر له بهدوء ثم أردف بثبات:
ـ نادي العروسة.
خرج يعقوب فوجدها تجلس في غرفتها وهي شاردة باكية.
مسح دمع عينيها بحنان وهو يقول:
ـ يلا يا حبيبتي.
ذهبت بخطى متثاقلة وهي تخفض بصرها حتى أجلسها يعقوب على قرب مسافة منه فقالت نجلاء بابتسامة عذبة:
ـ نورتنا يا ابنيه.
هز رأسه بشكر وهو يقول:
ـ بنورك يا امي.
أردف يعقوب قائلًا:
ـ تعالي يا امي معايا بره.
رفعت نظرها له بعتاب بغمز لها بهدوء أن تطمئن.
تنحنح بدر قائلًا:
ـ كيف حالك يا آنسة عائشة.
توترت وهي تجيبه:
ـ الحمد لله.
قال مردفًا بهدوء:
ـ عايزه تعرفي حاجه عني يا عائشة.
رفعت بصرها له وهي تقول بهمسٍ:
ـ انا مش موافقه.
تعجب من طريقة ردها فقال بتساؤل:
ـ ليه!؟
تحدثت قائلة بحسرةٍ أدمت قلبُها:
ـ عشان انا مستهلش إني أتجوز رجل زيك.
صُدم من حديثُها وهو يقول:
ـ ازاي بقي ده انتي ست البنات كلها.
نظرت له بأعين لامعة بتهديد هطول البكاء ثم أردفت قائلة:
ـ انا مستحيل أظلمك معايا صدقني.
اقترب من مقعدها وهو يقول بجدية:
ـ وانا موافق رغم كل حاجة.
التمست الصدق في عينيه فقالت بهدوء:
ـ كل حاجة!؟
أردف معقبًا:
ـ يعقوب حكى لي كل حاجة وأنا قابل وهنتخطي كل ده سوى بس اديني فرصة اكون في حياتك.
بلعت غصة حلقها ثم قالت بهدوء:
ـ اللي فيه الخير يقدمه ربنا يا شيخ.
ثم ذهبت من أمامه مسرعة وهي تتنفس ببطء بعدما شعرت بسحب الهواء من على رئيتها.
بعد قليل من الوقت ودع يعقوب بدر على وعد بالرد عليه بعد يومين بإذن الله بالقبول أو الرفض.
***
بعد مرور ثلاثة أيام وفي صباح ذلك اليوم الموعود وهو يوم الجمعة.
ارتدت رونق ملابسها ببسمة هادئة وهي تجوب الغرفة ذهابًا وايابًا لشدة خجلُها فأخذت تردد بعض آيات الله في جوفها.
فُتح باب غرفتها بهدوء فنظرت لوالدتُها وهي تقول:
ـ خير يا ماما.
احتضنتها بمحبة وهي تهمس ببكاء:
ـ فرحتي بيكي متتوصفش الحمد لله يا نور عيني.
بادلتها نفس الحضن وقالت بمحبة:
ـ ربنا يخليكي ليا يا امي.
ثم تابعت حديثُها بتساؤل:
ـ الضيوف حضروا.
ابتسمت خديجة بمحبة وفرح فهتفت سماح بجدية:
ـ من بدري ومعاهم المأذون.
ارتعش جسدها للحظة فرددت بصدمة:
ـ المأذون؟
قالت خديجة بطيبة وحنان:
ـ خير البر عاجله يا حبيبتي.
"من جاءك من ترضاه دينًا وخُلقًا فزوجوه".
خرجت بتوتر وهي تغض بصرها عن الجميع فهمست لها خديجة:
ـ روحي اقعد جنب حماتك.
أومأت برأسها وذهبت بهدوء تجلس جوار نجلاء وعائشة.
فقالت بصوتٍ خافت:
ـ كيف حالك يا امي.
تتمت على كفيها بمحبة صادقة وهي تقول:
ـ بخير يا حبيبتي.
ثم أشارت على عائشة قائلة:
ـ دي عائشة أخت يعقوب الصغيرة والوحيدة يا بنتي.
تحدثت رونق بمحبة:
ـ وهتبقي اختي برده.
ثم أردفت قائلة:
ـ ولا عندك مانع.
ابتسمت لها بخفة وهي تقول بهمس:
ـ إن شاء الله.
اقتربت سماح ترحب بهم بمحبة صادقة فقالت رونق بابتسامة عذبة:
ـ دي عمتو سماح.
رحبت نجلاء بها باحترام فهتفت سماح قائلة:
ـ خدتوا نور بيتنا والله يتمم بخير وتروح تنور حياتكم.
ابتسمت رونق بخجل فقالت خديجة بمحبة:
ـ هتبقى نور عيني زيها زي عائشة ويعقوب في العلاوة.
تحدث الرجال في أمور الزواج وتلك الاتفاقات المبنية على العادات والتقاليد فتحدث محمد والد رونق بصوتٍ عالٍ:
ـ نقرأ الفاتحة.
رفع الجميع كفهم وأمنوا في صوتٍ واحد.
شرع المأذون في تحضير ورق الزواج والجميع ينتظر بفرح اعتلى وجههم لتلك الزيجة.
بعد قليل من الوقت وضع المأذون كف يعقوب ومحمد وبدأت في مراسم عقد القران.
فرفع صوته قائلًا لوالد العروس:
ـ قول ورايا: "زوجتك ابنتي، وموكلتي البكر الرشيد «رونق محمد اسماعيل» على سنة الله وعلى كتاب الله وعلى مذهب الإمام أبى حنيفة النعمان وعلى الصداق المسمى بيننا".
ثم أكمل محمد قائلًا:
ـ إبنتي وحبيبتي أم أبيها، ضحكةُ أيامي ورونق عيناي، الصديقة والحبيبة، أطعمتني من برها الشهدُ، وشرفتني بين الرجال، الخجولة وفي خجلُها الماسُ يتلألأ، الصبورةُ وقت المحن، والراضيةُ وقت البلاء، الحكيمة في وقت الضيق، والطفلةُ وقت الفرح، أعطيك فلذة كبدي بقلبي وروحي فلا تشقيها ولا تبكيها واجعلها عزيزةٌ كريمة.
استكمل المأذون حديثه قائلًا:
ـ قول يا يعقوب.
ـ قبلتُ الزواج من موكلتك الآنسة «رونق محمد اسماعيل» على سنة الله على كتاب الله وأعاهدُك أمام الله وأمام الجميع أن أعمالُها معاملةً حسنة.
ـ قولوا وراي: "بارك الله لهما وبارك عليهما وجمع بينهما في خير".
مسح الجميع أعينهم من أثر البكاء على حديث محمد والد رونق فاقترب منه تحضنه بمحبة وهي تقول بسعادة غامرة:
ـ ربنا يخليك ليا ويباركلي في عمرك يا أبي.
سلمت على الجميع وعلت الزغاريد البيت والحارة بأكملها.
***
جلست بجوار وهي تفرك كفيها فقال بابتسامة جذابة:
ـ مبارك عليا انتي يا "يا مُنية العينين …يا رونق عتمتي".
نظرت له بحياءٍ شديد أدى لتصبغ وجهها بحمرة الخجل فقالت بهمس:
ـ بارك الله فيك.
ثم تابعت حديثُها بتعجب:
ـ بس ليه خليتها خطوبة وكتب كتاب علطول مش ممكن تغير رأيك.
نظر بعمق إلى عيناها وهو يقول:
ـ كده احسن نتعرف على بعض من غير مسافات ولا ذنوب عشان تحل النظرات بيننا وكده افضل.
ضحكت بخفة فقال بهمس:
ـ "ضِحكتُكِ صارت مسكني وملاذي".
خفضت بصرها عنه فجذب كفية وهو يقول:
ـ الصراحة انا حبيتك من أول مرة شوفتك فيها ومكنتش هقدر استحمل فترة خطوبة والكلام ده.
همست له بخفةٍ قائلة:
ـ كده افضل.
عمق النظر في عينيها فقال بعشق تسطر بدقةٍ في قلبه وهو يغمز لها بطرف عينيه:
"ماكنتُ اؤمن بالعيون وسحرها حتى زارني بالهوى طيفُ عيناكِ".
***
في مساء اليوم التالي.
قاد يعقوب دراجته النارية وذهب لجلب بعض الأشياء من مستلزمات البيت.
كان الطريق مزدحم بالمارة فوقف بجانبه في انتظار مرور بعض السيارات.
روّت له من بعيد ملامح فتاة تصرخ وتنادي فمدّ الخطى إليها وهو يمعن النظر فوجد مجموعة من الشباب تحاول التعدي عليها.
ذهب مسرعًا في محاولة لتخليصها فوجد أحد الشباب يُزيح عنها وشاح رأسها ويقوم بالتقاط بعض الصور وهي تصرخ بعلو صوتها.
ركض مسرعًا نظر له أحد الشباب وهو يصيح بالباقية أن يفروا هربًا.
دنا منها فالتقط حجابها يعطيه لها وهو يقول:
ـ انتي بخير يا آنسة؟
رفعت بصرها لها فتخشب جسده وهو يقول:
ـ إيمان!
استقامت بوقفتها تسند حالها على إحدى جذوع الشجرة بجوارها وهي تقول:
ـ الحمد لله إنك جيت من غيرك مكنتش عارفه ايه اللي هيحصلي.
نظر لها بهدوء وهو يقول:
ـ كويس انك بخير يلا عشان اوقفلك تاكس تروحيت.
نظرت له ببكاءٍ ثم أردفت قائلة:
ـ هتسيبني لوحدي في وقت زي ده.
خفض بصره عنها ثم قال بحدة بعض الشيء:
ـ وايه اللي مخرجك بره بوقت زي ده؟
قالت برجاء:
ـ خلاص وصلني البيت.
تتنفس ببطء وهو يقول بتماسك:
ـ مينفعش تركبي ورايا على الموتسكلي.
قالت بهدوء:
ـ انت ليه بتعاملني كده يا يعقوب انا بنت خالتك وزي اختك.
نَفذ صبره فقال بغضب ألجم لسانها عن النطق:
ـ اختي اللي اتفقتي عليها انتي وصاحبتك ودمرتُها ولا اختى اللي لعبتوه عليها لعبتكم القذرة بقلوبكم المريضة.
ثم استكمل حديثه بنبرةٍ هادئة بعض الشيء:
ـ اللي حصلك دلوقتي كان رد حق ودعوة مظلوم وده مش شماتة لاه دي يقين بقدر الله.
كان ممكن اسيبك للكلاب دي بس انا مرضهاش روحي يا إيمان وارجعى لربنا وتوبي وادعي ربنا يسترك عشان الفضيحة للبنت عار بيلازمها ويوقف حالها.
أوقف لها عربة خاصة ونظر لها نظرة أخيرة وذهب تاركًا لها ضميرُها يأنبُها ودمعه احتلت مقلتيها بألم وندم.
رواية فجاءته تمشي على استحياء الفصل التاسع 9 - بقلم خلود بكري
أتى بدر لزيارة يعقوب بعدما أخبره أثناء صلاة العشاء أن يحضر لتناول الشاي معه.
دلف بخطوات متزنة إلى صالة المنزل ثم جلس بوقار وهو يوجه حديثه ليعقوب:
"خير يا يعقوب، أقلقتني."
يضحك ملء فمه وهو يقول بتعجب:
"انت مش كان ليك طلب عندنا يا شيخ؟"
تسعت عيناه فأردف مسرعًا:
"وافقت!"
غمز له بطرف عينيه وهو يجيب:
"لأ ده أنت واقع واقع."
لكزه بخفة وهو يقول بسعادة:
"والله يا يعقوب لاحطها في نن عنيا وانسيها كل وجع عاشته."
ربت على كتفيه قائلًا ببسمة حانية:
"وانت راجل يا بدر وعارف انك هتصونها."
اقتربت تتهادى في مشيتها تخفض بصرها تارةً وترفعه تارةً، فقال يعقوب بمرح:
"خلاص يا عائشة بدر بقى من أهل البيت وكتب الكتاب الخميس الجاي إن شاء الله."
رفعت بصرها له وهي تقول:
"متأكد من قرارك ده؟"
أومأ رأسه بالموافقة قائلًا:
"جدًا."
تابعت حديثها بحزنٍ وحسرة على ما صار لها:
"بس انا مش حلوه."
بتر حديثها قائلًا:
"متقوليش على نفسك كده، كلنا بنغلط، الأنبياء نفسهم غلطوا وتابوا، يا عائشة متمسكيش لنفسك حبل المشنقة، انتي نويتي التوبة وخلاص يبقي تمحي الماضي بعملك الخالص لوجهه الله."
هتفت بألم:
"ليه مُصِر عليه بالدرجة دي؟"
نفس ببطء شديد وهو يتحاشى النظر لها:
"كلها أيام وأجاوب على كل أسئلتك."
***
في صباح اليوم التالي، أجري محمد إتصالًا هاتفيًا علي يعقوب. فنظر للهاتف بضحكةٍ خافتة وهو يُجيب:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته."
"كيف حالك يا أب؟"
رد محمد بمحبة ظاهرة:
"بخير يا ابني."
تنحنح قائلًا بهمس:
"ورونق عامله ايه؟"
ابتسم محمد وقال بمكر:
"كويسه يا حبيبي قاعدة جنبي بتسلم عليك."
خفق قلبه بشدة فقالت بصوتٍ خافت:
"سلمها الله من كل سوء."
قال محمد معقبًا:
"إن شاء تيجي تتغدى معانا النهارده وتبقى تاخد رونق وتخرجوا شوية."
تهللت أساريره وهو يقول بفرح ظهر بصوته:
"إن شاء الله يا عمي."
تابع محمد حديثه قائلًا وهو يعطي الهاتف لها:
"خد رونق معاك كلمها."
ارتعشت يدها وهي تمسك بالهاتف فقالت بهدوء:
"ازيك يا باشمهندس يعقوب؟"
زوى بين حاجبيه بمكر قائلًا:
"بتقولي لزوجك باشمهندس!"
ثم استرسل حديثه:
"هي حلوه منك بس ممكن تقولي يعقوب عادي."
خفضت صوتها بخجلٍ:
"حاضر."
صمت برهة ثم أردف قائلًا:
"رونقي تحب تروح فين؟"
همست بحياءٍ:
"أي مكان تحب."
ضحك بسعادة ثم أردف بمكر:
"أنا أي مكان معاكي هحبه."
بلعت غصة حلقها وهي تجيب بخجل:
"طب هجهز شوية حاجات على ما تيجي."
أوقفها عندما شعر أنها تودّ أن تقفل، فقال بغرام:
"مُنذُ رؤيتي عيناكِ نَسيتُ بها الحُزن الذي أصابني."
أقفلت الهاتف ببسمة بلهاء وهي تضع يدها على قلبها في محاولة فاشلة منها لتهدء من تمرد تلك النبضات، فصمتت وهي تهمس بداخلها:
"كنت أظن أن قلبي لن يلوذَ بالحبِ يومًا، لكن حين إلتقيتُ بك لوهلة وقعت أسيرة لقلبك، بغير حولٍ مني ولا قوة دقت طبول قلبي لتعلن عن حبي الأزلي لك، فما ظنكَ ماذا أنا فاعلةُ الآن؟"
***
صاحت بعلو صوتها تصرخ بقهر، انزوت في ركن غرفتها تبكي. قالت صفية بغضب زلزل المنزل بأكمله:
"فضحتينا خلاص، سيرتنا بقت على كل لسان، صورك على تلفونات البلد كلها، والكل بيبصلي بشماته، القتل فيكِ مش حرام، افتحي الباب ده وأخرجي."
وقفت وراء الباب وهي تقول بغضب:
"انتي السبب يا أمي مترميش الوام عليا."
"لا عمرك قولتي صلي، ولا البسي واسع، ولا نقي أصحابك، ولا خافي من ربنا، طول عمرك مربياني إن الحاجة اللي مخدهاش بالذوق أخدها بالعافية، علمتيني الكره والحقد والشر زرعتيه فيه، ودلوقتي جاي تلوميني، لاه يا ماما انتي السبب ولو حد فينا هيندم يبقي انتي."
جلست محلها وهي تهتف ببكاء:
"كنت عاوزه اشبعك مكنتش عايزه امنعك من حاجه، كنت بعوض غيبة ابوكي بعد ما سابنا واتجوز واحده تانيه، عملت كل ده عشانك."
شبه ابتسامة ساخرة ارتسمت على وجهها فقالت:
"علشاني؟ انتي خلاص دمرتيني، شوفي بقي بنتك اللي بقت سيرتها على كل لسان هتقعدلك زي أرض البور لا زرع ولا طرح."
ثم تابعت بألم:
"انتي عمرك ما خدتيني في حضنك وطبطبتي عليا."
بكت بحسرة مما أوصلت بهِ ابنتُها، فتحدثت بهمسٍ:
"سامحيني يا بنتي."
"الراجل اللي كان عايز يتجوزك انا هكلمه يجي خلينا نداري الفضيحة دي."
أغمضت جفنيها بوجع، نغز قلبها بشدة وهى تُجيب:
"ماشي يا ماما خليه يجي."
***
أدى يعقوب صلاة العصر في المسجد ثم قاد دراجته وسار في الطريق نحو بيتها. فأوقفته عجوزًا في منتصف الطريق:
"يا بني قف وانظر لي."
وقف أمامها بتعجب فقالت بابتسامة عذبةٌ:
"في الدنيا يا ولدي الصالح والطالح."
"إن كنت من الصالحين فقد فُزتو، إن كنت من الطالحين فقد خَسِرت."
نظرها لها بدهشةٍ وهو يتساءل:
"ما معنى حديثك يا خاله؟"
أردفت وهي تقول:
"إن كنت من الصالحين يا بنى فأنت: مقبول، مستور، محبوب، خير، مستقيم، إلخ."
"أم الطالح يا ولدي فهو: شخص فاسد الخلق وفاحش الإثم."
نظر لها بتعجب ثم أردف سؤاله:
"وماذا رأيتي فيا يا خاله؟"
ابتسمت بخفه وهي تقول:
"والله يا بني سماهم على وجوههم، وهذا ما أوقفتك لأجله."
"رزقك الله الهنية والعيشةُ السوية، واطعمك من شهد الدنيا والآخرة حلالاً طيبًا مباركًا فيه."
"إذهب يا ولدي في رعاية الله."
ارتسمت ابتسامة على خدهُ وهو يقول:
"حفظكِ الله يا خاله."
***
بعد قليل وصل يعقوب إلى منزل زوجته فألقي السلام وجلس بجوارها وهو يقول:
"اشتقنا للنور يا رونق، عتمتي."
ابتسمت بخفه وهي تجيب بخجل:
"ربنا يجعل حياتك كلها نور يعقوب."
يعقوب نظر لها بمحبة بعدما نطقت اسمه بغير ألقاب، فقال مبتسمًا:
"انتي كل حياتي."
تنحنح والدها وهو يدلف للجلوس معهم فقال مرحبًا بهِ:
"ازيك يا ابني اخبارك ايه؟ والدتك وعائشة؟"
أردف معقبًا:
"بخير والحمد لله يا عمي."
"ثم تابع كنت بقول تيجوا تشوفوا الشقة عشان نبدأ تجهيزات فيه."
تحدث محمد بصدق:
"مش هنختلف يا ابني."
ابتسم بهدوء وهو يقول بمحبة:
"إن شاء الله يا عمي."
"ثم استرسل حديثه قائلًا: بإذن الله كتب كتاب عائشة يوم الخميس هستناكم تشرفونا."
بارك بمحبة بالغة وهو يدعوه لتناول الطعام فتنحنح بحرج، فقالت خديجة بحنان:
"الظاهر اكلي واكل رونق مش عجبينك يا يعقوب."
ابتسم بخفه ثم أردف قائلًا:
"تسلم ايدك يا أمي الاكل زي الفل."
ربتت على كفيه بمحبة وهو تقول:
"بألف هنا."
تحدث عادل بمرح:
"بقولك ايه يا نسيبي ما تيجي تلعب معايا دور بلايستيشن تحت، وإن خسرتك تديني الموتوسيكل بتاعك لفة."
ضحكت رونق بصوتٍ عالي بعض الشيء، فنظر لها بشوق انزرع في قلبه لها من أول لقاء، فأردف بهدوء:
"وانا موافق بس اشوف ضحكت رونق علطول."
همست له بحياءٍ وهو تقول:
"شكرًا."
غمز لها بطرف عينيه قائلًا:
"على ايه؟ في جمايل هتترد كمان شويه."
قال عادل ثانيةً:
"يعني هتلعب معايا صدقني، هوصي عليك رونقه هي بتسمع كلامي."
لكزته في زراعهُ وهي تقول:
"ده من امتى الكلام ده؟"
ابتسم بمكر قائلًا:
"من وانتي صغيره انتي متعرفيش الكلام ده، انا اللي اعرف بس."
ضحكت ملء فمها وهي تقول:
"ماشي يا عادل لينا قاعده."
أعجبه حديثهم وحبهما الشديد لبعضهم، فإستأذن والدها وأخذها وذهب. جذب كفها بين راحتيه ثم أردف يتساءل:
"تحبي تشاركيني روكب دراجتي المتوضعه ولا نروح مواصلات."
خفضت بصرها وقالت بهدوء:
"اللي انت عايزه مش هتفرق."
غمز لها بطرف عينيه قائلًا:
"عندك حق طول ما انتي معايا مش هيفرق اي حاجه."
ركبت خلفه وعندما أسرع قليلًا تمسكت به، فابتسم بفرح أنه وأخيرًا فاز بها وبقلبها ونال ما تمنى وصبر لأجله.
بعد مدة قليلة وصل إلى كافيه هادئ بتلك المدينة التي تعتبر مركز قريتهم، جلس مقابلًا لها قائلاً ببسمة مشرقة:
"تعرفي يا رونق انا كنت فقدت الامل إن ألاقي اللي أرضها دينًا وخُلقًا بس ربنا كرمني بيكي."
"عشت طول عمري أرفض كتير لحد ما انتي وقعتي في طريقي."
أردفت بهدوء:
"يجمع الله قلبين لهم نفس النية."
ثم تابعت بتساؤل:
"عائشة عامله ايه؟ حسيتها تعبانه يوم كتب الكتاب."
اعتلى الألم قسمات وجهه وأخذ يقص عليها كل شيء، فقالت بأسف وحزن:
"لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، ربنا ينتقم منهم."
رد يعقوب معقبًا:
"يارب اللهم امين."
ثم تابع حديثه بمحبة وهو يمسك بكفها قائلًا بنظره عاشقة:
"رونق انا حبيتك مش عارف ازاى فى وقت قصير بس بجد حبيتك."
ابتسمت بخجل ثم صمتت قليلًا، فأردف قائلًا:
"أحبك، لا أدري كيف وأين، كل ما أعلمه أن روحك هي روحي وهذا يكفي."
بلعت غصة حلقها بتوتر، فأخذ كفيها بين يديه وهو يقول بعشقٍ:
"حبيت فيكي براءتك وجمالك الهادي، وانك عاديه مش متصنعه."
نظرت له بأعين دامعة من فرط الخجل قائلة:
"بس انا مش بالجمال ده كله."
نظر بعمق إلي عيناها قائلاً بهمس:
"لم أرى فيكِ جمالاً كما تظنين، لكن وجدت الجوهر، وبدأتُ للتو في حبي الأزليّ، لعينيكِ أسِرتي، ولروحكِ خطفتي."
ابتسمت بخجلٍ فحاولت تغيير الحديث فقالت:
"ده كله شعر حفظته."
قال معقبًا:
"لاه كتبته من أجل عيونك يا فاتنتي."
رواية فجاءته تمشي على استحياء الفصل العاشر 10 - بقلم خلود بكري
صرخت ملء جوفها عندما رأت مقاطع الفيديو الخاصة بها على برامج صنع هذه الفيديوهات. قد فبركت لمقاطع يظهر جسدها فيها عاريًا، فأخذت تكسر كل شيء وهي تصرخ بجنون.
دلت أمها سريعًا ترى ما الأمر، فوجدتها هكذا. جذبت الهاتف لترى ما به عندما انتبهت للصوت، فشهقت بفزع وهي تقول بحدة:
ـ ياما حذرتك يا حبيبة، قولتلك طريقك كله غلط في غلط. تكبرتي وعاندتني، شوفتِ آخرتها؟ فضحتِينا. ربنا ياخدك ويغسلني من عارك.
صرخت بها بعنف وهي تقول:
ـ بره، اطلعي بره. محدش له دعوة بيا. أدي عمايل ابنك، قعدتلي أنا.
نظرت لها الأم بحسرة وهي تقول:
ـ استعريتوا مني ومن ضعفي وإني ست عاجزة على كرسي. ومشيتو في الطريق الغلط. عايزين يحصلكم إيه؟ تعبت كل يوم وأنا بنصح فيكم. أخوكِ كان بيمد إيده عليا، وإنتي تعالي صوتك. متزعلوش بقي من عقاب ربنا.
خرجت من الغرفة ببكاء أغرق وجهها. فقفلت حبيبة الباب بغضب وهي تبكي قائلة:
ـ خلاص، ادمرت. هخرج إزاي دلوقتي قدام الناس؟
جاءتها تلك الفكرة بأن تخلص حالها من الدنيا، فأخذت جرعة زائدة من تلك الحبوب الممنوعة لحالتها، ومن ثم وقعت وفارقت روحها الدنيا.
دق على الباب بعنف عندما رأى تلك الفيديوهات، فذهب مسرعًا إلى البيت وبداخله وعيد بقتلها.
دق الباب بعنف، وعندما لم يجد ردًا، ضرب الباب عدة مرات، فوجدها تفترش الأرض بسباتٍ عميق. صرخ بها مرات وحركها بعنف فلم يجد ردًا. تحسس نبضها فوجدها قد فارقت الحياة.
جلس على الأرض يبكي بنحيبٍ بعدما دمرها ودمر حاله، لكن بعد ماذا.
يا ظالم لك يومًا.
***
اليوم الموعود.
جاء يوم الخميس بثقل عليه، فهو يحبها منذُ زمنٍ وكان يدعوا الله بها سرًا. ارتدى سترته وصلى ركعتين لله وذهب إلى بيتها برفقة بعض أقاربه، فهو يتيم الأبوين.
كانت عائشة تجلس مع رونق تتبادل معها الحديث. وبعد محاولات من رونق أن ترتدي ذلك الفستان الفضفاض، وافقت على مضض.
دلف يعقوب بهدوء قائلاً:
ـ يلا يا حبيبتي تعالي.
تمسكت به وهي تقول:
ـ أنا خايفة.
ربت على كفيها بحنان ثم أردف قائلاً:
ـ متخافيش، اطمئني. الله معنا، ومن معه الله لا يسكن قلبه خوفًا أبدًا.
جلست برفق بجوار بدر وعيناها تجوب الغرفة خجلًا وألمًا.
أتم المأذون عقد القران فقال بصوتٍ عالٍ:
ـ بارك الله لهما وبارك عليهما وجمع بينهما في خير.
فاقت من شرودها على مباركات الجميع. وبعد فترة من المباركات والتهنئة، جذبها يعقوب برفق لتجلس مع بدر على انفراد بعض الوقت.
جذب كفها إليه وهو يقول بمحبة:
ـ مبارك يا عائشة.
نظرت له بخجل ثم همست:
ـ الله يبارك فيك.
ـ دلوقتي أقدر أجاوبك، أنا أصرت إني اتجوزك ليه؟
تطلعت بهِ بتساؤل، فأردف معقبًا:
ـ عشان حبيتك ومن زمان، مش من دلوقتي. كنت بصلي قيام الليل عشان أدعي ربنا بيكِ إنه يجمعنا في حلاله. والحمد لله ربنا جمعني بيكِ. أيوه اختلفت الأسباب، لكن في الآخر بقيتي ليا.
نظرت له بأعين دامعة وهي تقول:
ـ بس أنا مش جميلة لدرجة حبك دي ومستاهلش وهتعبك معايا.
همس لها بحنان:
ـ أنتي جميلة كفلسطين، وأنا متعب كوطن عربي يريد النصر بها.
أغمضت عينيها بألم، لا شك أنها شعرت بخفقة قلبها، لكن همست:
ـ مش هقدر أديك حاجة.
اقترب يحاوط خدها بحنان وهو يقول:
ـ مش عاوز حاجة أكتر من إنك تعطيني فرصة أكون معاكي. أنا قابلك كده بعيوبك قبل مميزاتك. بدونك أشعر أنني لا شيء حقًا، أما بوجودك أشعر بكل شيء أنا أملكه.
ثم تابع حديثه بجدية قائلاً:
ـ سيبي الأيام تجمعنا يا عائشة.
بكت بكثرة، فاقترب يحاوطها بحنان، فشددت من التمسك به عندما شعرت براحةٍ تغمرها بقربه المحلل لها.
***
في الخارج.
همس يعقوب لـ رونق قائلاً يتغزل:
ـ بس انتي حلوة النهاردة كده ليه؟
زوت حاجبها وهي تقول بحزن مصطنع:
ـ وقبل كده مكنتش حلوة؟
ابتسم بإعجاب على دهائها ثم أردف قائلاً:
ـ أنتِ الحلو اللي حلى مُر أيامي.
ابتسمت بخجل وهي تقول:
ـ ربنا يبارك ليا فيك.
همس لها قائلاً بغمزة:
ـ هسمعكِ قلبي وهو يُغني: العمر كل كان مرًا، أصبح حلوى بوجودك.
اعتلى الخجل قسمات وجهها، فأصبح بحمرة الفراولة، فقال برجاء:
ـ مفيش كلمة حلوة ليا بقي.
همست لها بعد برهة من الخجل والتوتر وهي تقول بهمس:
ـ في الحسن كنت أنت يوسفي، وفي الحُب كنتُ لك ليلي.
قالت جملتها وذهبت بعيدًا عنه، فتنفس ببطء وهو يقول بسعادة:
ـ الحمد لله على ما أعطاني من كرمه وجوده وفضله.