صباح الخير يا رفعت بيه. صباح الخير يا ندى. وضعت صينية القهوة أمامه وهو منشغل في عمله، لكنه انتبه إلى أنها لم تنصرف. في حاجة؟ بصراحة يعني، لما لقيتك مبسوط امبارح، محبتش يعني أقولك على موضوع كده يزعلك. خير، في إيه؟ أصل يعني، بالنسبة لعزومة امبارح دي. آه، مالها؟ في الحقيقة، النهاردة حتقضيها جبنة وزيتون. ليه إن شاء الله؟ فقالت ببساطة شديدة: ماهو العزومة بتاعت امبارح خلصت مصروف الشهر. فانفجر وبأعلى صوته: إيه؟
نعععععععععععععم! أحنا في الشركة ومش حلو الصوت العالي، على فكرة، وحتلم علينا الموظفين. هو مش حضرتك اللي كنتي عازماهم ولا أنا سمعت غلط امبارح؟ لا، عدّاك العيب. أنا اللي عزمتهم، بس على حساب حضرتك. ينهارك مش فايت. طب وحنقضي بقية الشهر إزاي؟ دا إحنا لسه في نص الشهر يا هانم. لأ، ما في مفاجأة تانية عاملاها لحضرتك. خير. وسكت قليلاً ثم أكمل: يا جالبة الخير.
هو حضرتك يعني لو وافقت ليا على إجازة أسبوع، حتبقى كده وفرت أسبوع، والأسبوع التاني تقضيه جبنة وزيتون برضه. انزعج رفعت بشدة لطلب الإجازة، ولكن لم يبدِ لها انزعاجه هذا. ندى، إنتي عاوزة أسبوع إجازة؟ أيوة. ليه؟ في حاجة؟ آه، يعني حضرتك، إحنا في الصيف، وأبيه، قصدي الأستاذ شوقي، حجز لينا أسبوع في فندق في مطروح. وإنتي عاوزة تسافري معاهم؟ أيوة، يعني مليش نفس أصيف زي الناس اللي بتصيف دي. طب وأنا والغدا بتاعي؟
باقي، اتغدى في بيتكم، لأن كده كده مفيش أكل هنا. طب والقهوة؟ أفضل أسبوع من غير قهوة؟ ربنا يخلي لك عم صبحي، واهو تسترجع أيام زمان كده. أيوة كده. طب إيه رأيك؟ حمضي بالرفض على إجازة أبيه شوقي لما يجي لي. طب ليه؟ غلاسة بقى، مش أنا مدير غتت؟ مين قال كده؟ وحدة معندهاش دم. طب خلاص بقى، ما يبقاش قلبك أسود، فوتها لي المرة دي. بس بجد، أسبوع كتير، أنا اتعودت على وجودك هنا. ده أسبوع حيطير هو، وأرجع لك تستفزني زي ما أنت عاوز.
يعني مصممة؟ بجد، نفسي أغير جو، حقيقي والله. طب خلاص، عشان خاطرك حوافق ع الإجازة، وتروحوا وترجعوا بالسلامة إن شاء الله. مر الأسبوع سريعًا، وتفاجأت ندى في آخر يوم بصراف الشركة يتصل بها ليخبرها بأنه يريدها أن تمر عليه لأمر هام، فذهبت له على الفور لتجده يخرج لها ظرفًا ويعطيها ورقة لتوقع عليها. إيه ده؟ رفعت بيه أمر لك بمكافأة. فوقعت على الورقة وأخذت الظرف وعادت إلى مكتبه، فطرق طرقات خفيفة ليقول هو: أدخل.
إيه ده يا رفعت بيه؟ ده اللي هو إيه؟ هو حضرتك أمرت لي بمكافأة؟ هاه؟ تقصدي المكافأة؟ هو مش حضرتك رايحة تصيفي؟ قولت يبقى معاكي مبلغ كده بسيط عشان لو احتاجتي حاجة، مش كفاية طلعة الرحلة على حساب الراجل الغلبان؟ بس أنا معايا فلوس والحمد لله. فقال وكأنه تذكر شيئًا هامًا: أقولك، اعتبريهم مكافأة بعزقة المصروف، وإني حقضيها نواشف باقي الشهر. آه، إن كان كده، أنا ممكن أقبلهم. بقى كده.
هو كده. الحمد لله يارب، إني حرتّاح منها أسبوع. أشكرك يارب. شكرًا يا رفعت بيه. ثم قالت على استحياء: رفعت بيه، أنا يعني ممكن أستأذن بدري النهاردة لو ممكن يعني. كمان مش كفاية، وخدتي أسبوع إجازة. خلاص، بلاش، أنا آسفة. طب خلاص، أنا كده كده اتغديت، ومش فاضل غير ساعتين، فممكن تروحي مع السلامة يا هانم. بجد، أنا متشكرة أوي أوي لحضرتك. وانصرفت سريعًا وهو معلق نظره عليها وقلبه يقول: "حتوحشيني".
في اليوم التالي، توجهت عائلة شوقي ومعهم ندى إلى مطروح للاستمتاع بالإجازة. وعلى الجانب الآخر، مر يوم الجمعة على رفعت طويل، كئيب، فقد جلس يتذكر الجمعة الماضية وكيف كان البيت يعج بالفرح لوجود إخوته وأزواجهم وأطفالهم، والضحكات التي كانت تملأ أركان البيت... وندى، نعم، هي السبب الأساسي في جمال هذا اليوم. وتذكر أنه غدًا لن يراها ولن يستمتع بفنجان القهوة ولا الغداء من يدها. ليفيق من سرحانه على صوت دادة سيدة.
سبحان الله، اللي يشوف البيت الجمعة اللي فاتت ما يشوفهوش النهارده. عندك حق يا دادة، أنا لسه كنت بفتكر الجمعة اللي فاتت والضحك والمهرجانات اللي كانت في البيت. هي ندى سافرت النهارده خلاص؟ إيه ده؟ عرفتي منين إنها مسافرة؟ ماهي عدت عليا امبارح عشان تسلم عليا قبل ما تسافر. آه، عشان كده استأذنت بدري امبارح. أيوه، دي بنت حلال مصفى، ربنا يكرمها ويرزقها بابن الحلال اللي يقدرها.
ونظرت له بخبث لترى وقع كلامها عليه، لتجده غارقًا في سرحانه. إيه يا رفعت بيه، اللي واخد عقلك يتهناه؟ بقولك إيه يا دادة، ما تقومي كده تعملي لنا اتنين شاي في الخمسينة كده طيب. طيب، وقالت وهي تنصرف بصوت واطئ وبغيظ: يارب تفهم بقى. في اليوم التالي، ذهب رفعت إلى مكتبه وأخرج أوراقه وملفاته وهم بأن يبدأ في العمل، إلا أنه دون قصد وقع نظره على باب البوفيه ليتمنى في نفسه أن تدخل عليه الآن وفي يدها صينية القهوة. إيه يا رفعت؟
خلاص ما بقتش قادر تستغنى عنها؟ فأجاب على نفسه ولأول مرة: فعلاً، عاملة فراغ كبير في الشغل. فراغ بس؟ يعني مش وحشاك؟ أسكت، أسكت، يلا، ورانا شغل كتير. وانهَمَك في عمله حتى لا يفكر بها، إلى أن انتهى يوم العمل وعاد إلى البيت، فوجد نفسه لا يطيق الجلوس بالبيت، فتصل بشادي كي يخرجوا سوياً لأي مكان. يعني أنت فاضي دلوقتي؟ نخرج كده؟ طيب، حفوت عليك دلوقتي، يلا سلام. أغلق شادي الهاتف وقال: ماله ده؟
شكله زهقان ومضايق على الآخر. على العموم، أديني حقابله وأعرف منه كل شيء دلوقتي. ارتدى رفعت ملابسه سريعًا وخرج على الفور، وفي منتصف الطريق أعطى لـ شادي رنة على موبايله كي يكون جاهزًا حتى ينطلقوا سريعًا بمجرد وصوله. وصل رفعت إلى عمارة شادي ليجده منتظره أمامها. شادي، تعالى سوق أنت، أنا مش فايق أسوق. لأ، مش بعرف أسوق غير عربيتي. خلاص، هسيب عربيتي هنا، وناخد عربيتك، ولما نرجع أبقى أروح بيها.
ماشي، تمام. يلا، حطلعها من الجراج، وحط بتاعتك بدالها. وابدلوا العربات، ثم انطلقوا على الفور. هاه، تحب تروح فين يا رفعت بيه؟ مش عارف. بقولك إيه؟ ما تلف بينا كده شوية بالعربية. ماشي، زي ما تحب. مالك كده؟ شكلك مش عاجبني. إيه مزعلك؟ مفيش، بس حاسس كده إني زهقان النهاردة، مش عارف ليه. وكان قد مر وقت ليس بالقصير على ركوبهم السيارة والسير بها، وبعد أن كان رفعت يتحدث إليه، سكت فجأة وبدأ عليه التركيز الشديد في شيء ما.
في إيه يا ابني؟ أنت مركز كده ليه؟ في المراية اللي جنبك. شادي، العربية الكحلي اللي ورانا دي، ورانا من أول لما مشينا من عندك. معقولة يا رفعت؟ يمكن بيتهيألك. لأ، أنا متأكد. خلاص، أتأكد أنا كمان. وبدأ شادي يدخل يمين في يسار، ويهدئ تارة ويسرع أخرى، إلى أن تأكد تمامًا أن هذه السيارة تتبعهم، وانتبه سائق السيارة الأخرى أنهم قد لاحظوه، فأسرع بسيارته فجأة إلى أن وصل بجانبهم تمامًا وخبط سيارته في سيارتهم مرتين.
فقال رفعت على الفور: مجنون ده ولا إيه؟ وفجأة فتح زجاج السيارة الأخرى، فنظر شادي ليرى من يكون هذا الذي يتبعهم. فقاله: أنت! ولم يمهله، فأخرج مسدسًا وصوبه إليه، فدفعه رفعت على الفور حتى لا يصيبه، فاستقرت الطلقة في صدره، فأخذ شادي يصرخ في فزع. رفعت! رفعت! وهو غير منتبه للطريق، فاصطدمت السيارة بشجرة كبيرة جدًا، فصمت كل شيء.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!