في اليوم التالي استيقظ مبكرا وأخذ شور سريع وارتدى بدلته الرمادي الفاتح والتي كانت تحبها هيام فهو يبدو وسيما جدا في هذا اللون كما كانت تقول له ونزل سريعا ليتناول الإفطار. سألته السيدة: حتى تغدى هنا النهاردة ولا في المكتب؟ فأجاب ضاحكا: لااااا من النهاردة خلاص مش هتغدى إلا في المكتب. فردت مستغربة: إشمعنى؟ فقال:
آه صحيح ما احنا من مدة مش بنرغي مع بعض فكرة الغدة اللي أتغدتها عند عم شوقي من مدة وقولتلك إن واحدة قربته هي اللي كانت تعمل الأكل وكان تحفة. أيوة صحيح فكرة، طب وده دخل إيه؟ ما هي المدام دي أنا جبتها المكتب وهي اللي هتعملي من النهاردة إن شاء الله الغدا بدل ما أروح وأجي أو أطلب دليفري. اللي يريحك المهم عندي تكون مبسوط. لالا الحمد لله دا أنا مبسوط أوي أوي اليومين دول يلا سلام.
وركب سيارته متجها إلى الشركة على الفور وهو يسوق بسرعة على غير عادته وفعلا وصل مبكرا عن كل يوم واتجه على الفور لغرفة البوفيه. طرق خفيفا على الباب لتقول هي: ادخل. ففتح الباب ليجدها ملخومة بين كومة من الأكياس الكثيرة. صباح الخير يا رفعت بيه، معلش بقى امبارح يادوب شطبنا والصبح جبت كل حاجة وقولت أرصها براحتي بقى. بس تعرفي إن الأوضة بقت تحفة أنا بفكر أجيب مكتبي هنا جنب البوتاجاز. لم تتمالك نفسها وانفجرت في الضحك.
هااا حتغديني إيه النهاردة؟ آه صحيح نسيت أسأل حضرتك تحب تقولي كل يوم أطبخ إيه ولـ.... فقاطعها على الفور قائلا: لاااااااااا أنا مليش في الحاجات دي أنتي اللي هتعملي حاجة من سكات. ثم سكت فجأة وظهر على وجهه الحزن. رفعت بيه هو أنا قولت حاجة تزعلك؟
لا أبدا بس افتكرت المرحومة ولدتي لما كنت أدلع عليها وأنا صغير زي كل الولاد وأقول إن الأكل ده مش عاجبني كانت الله يرحمها تقولي اللي أعمله كله من سكات وتقول الحمد لله في ناس كتير تتمنى يكون عندها اللي عندك ما تخليش النعمة تزول من بين إيديك. الله يرحمها ويحسن إليها، عندها حق في كل كلمة شكلها كانت ست حكيمة وعقلها كبير.
فعلا وعشان كده والدي كمان كان بيحبها جدا طول عمري ما كنتش بسمعه بينديها إلا بأنور عيني عشان كده هما كمان ما طولوش في الدنيا هو مات وهي بعده بكام شهر. إيه ده احنا قلبناها حزن كده ليه على الصبح؟ قالت على الفور: على فكرة عندي ملحوظة بسيطة. إيه؟؟؟ حضرتك واقف تتكلم معايا بقالك 45 دقيقة. إيه بتقولي إيه 45 دقيقة وقفة ترغي معايا دا أنتي مخصوم منك يومين. أنا طب وأنا ذنبي إيه حضرتك أنت اللي كنت بتحكي ذكرياتك.
تقوليلي اتفضل على مكتبك، موركش شغل ولا إيه يا أستاذ، أنا مش فضيالك بوضع بيتي الجديد. فأجابت سريعا: اتفضل على مكتبك موركش شغل ولا إيه يا أستاذ أنا مش فضيالك. لم يجد ما يفعله غير أنه انطلق يقول وهو يخرج سريعا: حاضر حاضر. واستدارت هي لتكمل عملها وهي تضحك. بعد دقائق قليلة أحضرت له القهوة. شكرا يا مدام ندى. العفو يا رفعت بيه وهمت بالانصراف سريعا حتى تنهي مهمتها في المطبخ. وقبل أن تفتح الباب سمعته يقول:
على فكرة بتغدي الساعة 4. حاضر إن شاء الله حيكون الغدا جاهز الساعة 4. وغادرت سريعا. هي مالها دي مستعجلة كده ليه، آه صحيح بتوضب باقي الحاجة ما أنا عطلتها أوي الصبح يلا نشوف حتغديني إيه أول يوم. وانهمك رفعت في عمله إلى أن سمع طرقات خفيفة على الباب فقال: ادخل. دون حتى أن يرفع رأسه من الأوراق. دخلت ندى تقول له: ها أحضر لحضرتك الغدا ولا لسه؟ إيه ده هي الساعة 4. أيوة وحضرتك ما رنتش الجرس ولا حاجة قولت أدخل أسألك.
معلش الشغل أخدني آه جهزي الغدا دا أنا جوعان من الجوع وما كنتش واخد بالي، ابقي حطي الأكل على تربيزة الاجتماعات دي. حاضر. استنى أنتي دخلتي منين؟ منين إزاي يعني؟ من إيهو باب؟ من باب المكتب ده هو في باب تاني؟ أيوة أنا فاتح باب إيهو ده من البوفية عليا على طول ولا هتلفي كل ده بالأكل؟ آه طب أحسن كده وأنا أقول الباب التاني ده إيه. طب يلا بقى بطلي رغي وهاتي الأكل. حاضر. ثواني وحضرت ندى الغداء ثم اتجهت إليه وقالت له:
اتفضل حضرتك. فقام على الفور واتجه لمكان الغداء ليجد ما لم يتوقعه أبدا. إيه ده أول القصيدة كفر كده؟ انزعجت ندى انزعاجا شديدا وأجابت على الفور: إيه يا رفعت بيه مش بتحب الملوخية؟ مش بحبها دا أنا بموت فيها بس ما كنتش متخيل إني آكلها هنا في مكتبي وطازة وبالريحة اللي تجنن دي في يوم من الأيام. حرام عليك خضتني والله فكرت إنك مش عجبك الأكل. استنى كده وأخذ لقمة من طبق الملوخية، ليصيح بعدها:
لالا دا مش كلام دي ما تتغمسش بالعيش دي عوزة تتشرب. فلم تتمالك نفسها وانفجرت في الضحك وتركته وانصرفت. ولم يشعر هو بشيء فقد كان غارقا في الطعام الذي أمامه وأهم صنف الملوخية والتي كان يحبها كثيرا بالإضافة أنه ولوهلة أحس أنها نفس طعم الملوخية التي كانت تطبخها له والدته فشعر بسعادة بالغة لم يشعر بها من زمن بعيد.
وعلى الساعة السادسة طلب من ندى كوبا من الشاي وبعدها بدقائق وجدها أمامه تحمل صينية الشاي وبجانب الكوب طبق عليه قطع من الكيك. إيه ده!!!!! أنا قولت أجيب مع الشاي حتتين كيك كده أحسن ما تشرب الشاي لوحده. وده كيك إيه؟ كيك برتقال. أنتي اللي عملاه؟ أيوة. طب لما أدوق كده.
أخذ رفعت قطعة من الكيك وقطم منها قطمة ليشعر بشعور غريب جدا أغمض على إثره عينيه ورجع بخياله إلى أكثر من 15 سنة عندما كانت تعد له والدته كيك البرتقال وبنفس هذه الرائحة الذكية وبنفس هذا المذاق الرائع ولم ينتبه إلا على صوتها وهي تصيح به: رفعت بيه رفعت بيه في حاجة ولا إيه هي الكيك فيها منوم ولا إيه؟ فتح رفعت عينيه وعلى وجهه ابتسامة جميلة وقال:
لا أبدا الكيك ده طعمه بالظبط اللي كانت أمي الله يرحمها بتعملهولي، هو ده بس كل الكيك ولا في تاني؟ لا فيه لسه جوا. طب حطي الباقي في علبة وحخده معايا وأنا رايح. حاضر ثواني وأكون مجهزة لحضرتك بس ياريت ما تخضنيش تاني كده. ما أنتي اللي كل شوية تفاجئيني بحاجة محصلتش ومدهشة ولذيذة و -بس بس لحسن أنا كده ممكن أتغر وأطلب ضعف المرتب مثلا. انفجر رفعت في الضحك وقال وهو يأخذ رشفة من كوب الشاي: يع الشاي وحش أوي أوي. وهو يبتسم.
آه لما جت سيرة الزيادة في المرتب بقى الشاي وحش. فرد على الفور بالضبط كده. لينفجر الاثنان في الضحك ثم تركته وانصرفت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!