الفصل 1 | من 30 فصل

رواية فراس ابن الليل الفصل الأول 1 - بقلم سلمي سمير

المشاهدات
31
كلمة
1,580
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 3%
حجم الخط: 18

دخل العمدة بصحبة ولده الكبير عواد وينادي على زوجته بصوت جهوري قوي: "يا فوز أنت يا فوز فينك يا حرمه." تجري عليه مهرولة وتقبل يده بخنوع وتقول: "تحت أمرك يا عمدة خير يا سيد الرجالة." طالعها باشمئزاز ورد عليها بنفور: "الله يسامحك يا عمي بليتني بمره عكرة، بجولك إيه يا مرة؟ ولدك عواد مجبل على مصر من بكرة، الحمد لله جبلو أوراقه في المدرسة، وهيعيش في دار منصور بيه مع ولده. رايدك تجهزي له شنطته وحوايجه. مريدش حاجة تنجص."

صمتت زوجته فوز من ولدها واحتضنته وجرت الدموع في عينيها لفراق ابنها الوحيد وقالت: "هتجدر على فراجه يا عمدة، هيهون عليك متنضروش كل يوم؟ دفعها بعيدًا عن ولده بغلظة وصاح فيها: "اتجنيتي يا مرة، مش راجل أنا لأجل أخاف على ولدي من الغربة اللي هتنشف عضلاته وتخليه راجل يجدر يحل محلي في العمودية. بجولك إيه، هملي ولدي أربيه كي ما أنا رايد، وأنتِ ربي بناتك يا أم البنات. مرة مجنونة ومخبلة صوح."

نظرت فوز إلى ابنها بحسرة وألم حزنًا على فراق ولدها الذي أعطاها الله لها فنصرها على زوجها قبل أن يتزوج بأخرى لكي ينجب الولد بعد أن أعطاه الله منها خمس بنات. ضمته إلى صدره وبكت بحرقة وقالت: "على عيني يا نضري أفارقك لكن حكم بوك أمر عليا، وعلى رجبتي، بس خلي بالك من نفسك واوعاك وبنات مصر." أخذه إلى غرفته لكي يرتب شنطة سفره. وأثناء ذلك دخل الغفير فودة مهرولًا على العمدة صائحًا بفزع:

"الحج يا حضرت العمدة بيت سويلم النار والعة فيه للجومحدش جادر يطفيها واصل." انهض العمدة من على الدكة التي كان يجلس عليها ويصيح فيه بغضب عارم: "آه منك يا بو، مفيش مرة تدخل عليا بخير أبدًا، إيه اللي ولع داره وفين أولاده الثلاثة؟ حد خرج منهم ولا من ولادهم ولا لأ؟ هز رأسه بأسف وقال بحسرة:

"لآه يا حضرت العمدة، كلهم لسه بالدار، شكلهم اتخنقوا وماتوا قبل النار ما تدق في أعواد القصب اللي على السطح، وفي ثواني الدار كلها ولعت فجأة تحتاني، الله يرحمهم." ضرب العمدة يده كف بكف وقال بحزن: "لا حول ولا قوة إلا بالله، يعني الحاج سويلم وأولاده بدر ونعمان وفاروق ماتوا كده بحريمهم وأولادهم؟ جولي وبهائمهم ماتوا هما كمان ولا هربوا من الحريق؟

طالعته الغفير فودة باستحقار لأنه خائف على البهائم ولم تهتز له شعرة لموت أكثر من ١٥ فردًا. أشاح بنظره بعيدًا عنه بحزن حتى لا يلاحظ العمدة نظرات الاستحقار التي في عينيه ويقوم بطرده. ورد عليها ساخطًا: "البهائم هربت، لكن فطست بعد ما خرجت من الدار. المهم دلوقت اتصل بالمركز ييجوا يطفوا الحريق ليحرج كل الدور اللي جاره." ثار عليه العمدة محتدًا:

"آه يا غفير المصايب، أنت عمال تتحدت والنار لسه والعة، لف لي التليفون اتصل بالمركز." لم الغفر كلهم وخرج الناس من الدور اللي حواليهم مناقصين حد يموت تاني. دخل الغفير وأتى بالتليفون للعمدة الذي اتصل بالمركز وأبلغهم بسرعة حضور المطافي لإنقاذ البلد من الحريق الذي حرق دار بكل من فيها. بعد أكثر من ثلاث ساعات حضرت المطافي لكن كانت النار خمدت بمساعدة أهل البلد، وبدأوا يخرجون جثث المتوفين.

وكان عددهم أربع رجال: سويلم وأولاده الثلاثة، وثلاث نساء هم زوجاتهم، و٧ من الأطفال هم أولادهم تتراوح أعمارهم بين السنة والعشر سنوات. نظر أهل البلد إلى العائلة التي مات كل من فيها في غمضة عين ولم يبق منها لا كبير ولا صغير. لكن الغريب كان اختفاء جثة أحدهم. ولخوفهم من الإصابة بأن تنهار عليهم الدار، تركوا مهمة البحث عن الجثة المفقودة لرجال المطافي.

دخل رجال المطافي للبحث عن الجثة الأخيرة التي لم يعثر عليها أحد، وهي لطفلة في عمر الزهور لم تظهر بعد. ظلوا طوال الليل يبحثون إلى أن انهارت الدار وأصبحت كومًا من الرماد وفقد الجميع الأمل في العثور على طفلة من الأطفال لا يعلمون من هي ولا ابنة من فيها.

لكن مع شروق الشمس كانت المفاجأة بانتظار الكل. عادت فهيمة الدلالة ومعها حسنة ابنة بدر التي كانت معها بالبندر تبتاع لها ولأخواتها بعض الثياب. ما إن اقترب من الدار التي أصبحت كوم تراب إلا وصرخت الفتاة الصغيرة التي أصبحت بين ليلة وضحاها يتيمة الأبوين والأهل وبلا مأوى.

كان ظهور حسنة ابنة بدر سبب لانقشاع الحزن الذي خيم على كل من في البلد من كبير إلى الصغير بسبب نجاتها من النهاية المروعة لأهلها. وأشفق عليهم الجميع. وأمام أنها أصبحت مقطوعة ليس لها من يرعاها، عرض المأمور الذي حضر ليحقق في الحادث بأن يأخذها العمدة إلى داره، لأنه هو ممثل الأمن والأمان بالبلد.

كان دخولها دار العمدة بداية الذل التي كتبت على يدها وستنتهي أيضاً على يداه بعد سنوات. كانت حسنة فتاة هادئة بطبعها، ولأنها كانت أكبر أحفاد سويلم الذي كان يوليها اهتمامه وحبه لم تعرف شيئًا عن الخدمة بالدار. ما إن وطئت رجلها دار العمدة وأخذتها فوز خادمة لها ولبناتها، كان يأتي عليها الليل وتصرخ من الألم والوجع بسبب الخدمة طول اليوم، فضاعت ملامح براءتها ونظرتها وجفت يداها. وبعد ما كانت تستيقظ على يد أمها الحنون، أصبحت تستيقظ على ضرب مبرح على أجزاء جسدها الضعيف.

مرت السنوات وأصبح عواد ابن العمدة طالب الإعدادية الذي كان يأتي في الصيف فقط للزيارة ملازمًا للدار لا يريد مغادرتها إلى مصر للدراسة. وذات ليل بعد أن خلد الجميع إلى النوم، أنهت حسنة أعمالها في الدار، وذهبت إلى حظيرة المواشي لكي تضع لهم الماء قبل نومها كما تفعل كل ليلة.

بعدما أنهت كل أعمالها جلست تأخذ بعض أنفاسها المتعبة على المصطبة، لتتفاجأ بيد توضع على فمها تكتم صرختها وتسحبها إلى غرفة التبن ويلقي بجسدها الضعيف بداخلها. يحاول الممسك بها تجريدها من ملابسها لكنها تقاومه بضراوة فألقي بها أرضًا بعد أن عضته لتتخلص منه. نظرت إليه برعب وكان الظلام حالك فلم تتبين ملامحه. وقبل أن تصرخ لتستغيث بأحد، يهجم عليها ويقطع ملابسها المهلهلة لتصبح عارية أمامه لكي يفترسها.

إلا أنه بدل أن ويسلبها شرفها يقع بجوارها كالثور الواقع في سوق البهائم. وتشعر بيد حنونة تمتد لها بغطاء يسترها وصوت يقول: "قومي يا بنت الأشراف، محدش يقدر يمسك بشر، طول ما ربنا سترك وأنا شاهد عليكي إنك حرة." نزلت دموعها كالانهار وارتمت في حضنه وقالت برجاء:

"مرت العمدة مطيقانيش وبتجولي إني صبية عن بناتها وولدها مش مهملني لحالي. ودلوقتي المجرم اللي كان رايد يفضحني ويهتك ستري، الله لا يسيئك يا غفير فودة، خدني دارك، وأنا هعيش خدامة تحت رجليك، بس اعتجني من الذل اللي بنظره من مرت العمدة وبناتها وولدها اللي رايد ينهش عرضي ويفضحني." طالعها الغفير الذي كان شاهدًا على وفاة جميع أهلها بنظرات حائرة وقال بحزم: "هاخدك داري بس...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...