الفصل 29 | من 30 فصل

رواية فراس ابن الليل الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم سلمي سمير

المشاهدات
21
كلمة
4,126
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 97%
حجم الخط: 18

منذ هجرك وأنا لم أعد أرى للكون أيّ ألوان، ولا أسمع أصواتاً سوى نبضات قلبي المتسارعة التي تهمس باسمك في كل دقة. أنام لأراك تضمني إلى دفء أحضانك كما كنت تفعل دومًا، لكن حين أستيقظ أجدني وحدي أنتظرك دون أن أملّ. لكني سأظل في انتظارك حتى صفاءك يا من ملكت قلبي. ضحك فراس بسخرية من إقدامها على تهديدها بقتل نفسها. خرج وأغلق الباب خلفه. لم تمر ثوانٍ وفتح الباب مرة أخرى. وقبل أن يخطو خطوة، هتفت مهرة بجزع:

"فراس، ورحمة الغالين عليك، لا تطلقني. ما أقدر أتنفس من فكرة أنك ما راح تكون رجلي." سبل جفنه بغموض ورد عليها باقتضاب: "حاضر يا مهرة، مش هطلقك. رايدة تفضلي على ذمتي؟

وماله، هخليكي على ذمتي. بس الدار هتكون سجنك اللي اخترتيه بكيفك. مش هتخرجي منه كي ما أنتِ رايدة غير ميتة. هبجى عليكِ مش لجل العيش والملح اللي ما كان بيننا، ولا بسبب سوء أفعالك وظنك. لكني لأني خطفتك وضيعت عليكِ أنك تتجوزي اللي يكسب ثقتك، وتأكلي وتقولي وتحملي طفلة وتحافظي عليها بفرحة من غير ما تسألي من فين رزقه. لجل غلطي في خطفك، هبجى عليكِ وهتضلي بداري، لكن مش هتكوني مرتي ولا أنا رجلك، وما راح أجتمع بيكِ تاني ولا أنام على فرشتك. لو يرضيكِ، جولي الدار قدامك. عيشي فيها كي ما تريدين، وأنا ربنا بقدرني على الحياة معاكِ."

هزت رأسها باستسلام وقالت: "موافقة إني أضل مرتك، حتى لو هتحرم من حنانك وعشقك، أحسن ألف مرة من فراقك والبعد عني. بس رايدة أسألك عن حاجة، رغم أني خايفة من ردك، لكن رايدة أعرف. أنت صح كنت هتهملني؟ أقتل روحي؟ ضحك بتهكم من خلف ستار حزنه الذي تغلغل بداخله. فدنا منها وأمسك يدها وضغط عليها وقال:

"يدك ضعيفة ومهزوزة، مش قوية على ضربة سكين. وعينك حية وبتلمع بالحياة، مش ميتة لجل تقدر تقتلي روحك بالساهل. والأهم من كل ده، اللي حرمت تاكل الحرام خوفًا من الله، رغم عشقك لي كي ما بتقولي. مستحيل تقتلي روحها وتبجي كافرة، وتجابل وجه رب كريم وهي عاصياه. أظن جاوبتك على سؤالك." دفعها برفق وأدخلها الدار وأكمل قائلًا بحسم: "ادخلي دارك وجهزي لجمتك من مالي على ما أعود. مرت وهيب هتجيب لك كل اللي أنتِ محتاجاه ورايداه بزيادة."

ثم رفع سبابته في وجهها محذرًا: "رجلك ما تخطيش بره الدار. ولو خرجتي هتبجي طالق مني وحرمانه عليّ ليوم الدين. بابك ما يتفتح لحد، وما يدخل أحد داري في غيابي، حتى لو أبوكِ. وأنا راح أخبر أنعام تحط لك طلباتك على الباب. أهلاً بكِ في سجنك، وعيشي فيها لحد ما ربنا يأذن بموتك تخرجي منه. أو بكيفك، لو خرجتي بدون إذني ووجع يمين الطلاق عليكِ. أو ميتة، وعلى جبرك. أو أرملة بعد ما تتحرري مني."

ارتجف جسدها بشدة وصارت قشعريرة قوية في أوصالها. ضرب رجف قلبها وامتصت روحها على ذكر أن تكون أرملة له. فوضعت يدها على فمه تسكته وقالت بحرقة وعيونها تذرف الدمع بغزارة: "بعد الشر عليك يا ضي عيني. إن شاء الله أنا فداك يا روح قلبي. وحياة أختك وغلاوتها عندك ما تقولها تاني. مش حمل خسارتك يا فراس، بيكفي اللي ضاع." رفع يدها عن فمه وأبعدها عنه، وغامت عيناه بحيرة وتهكم على عشقها الواضح له، قائلًا:

"بينة صح جربتي العشق واتكويتي بناره، كي ما انكويت أنا بيه سنين من لهفة وشوق لكِ. لكن خسارة. عشقتيني بعد حبك ما مات في قلبي، وبقيتي كي الغريبة عنه." وأخذ نفسًا عميقًا وزفره بحدة وقال محذرًا: "ادخلي يا مهرة، وأوعاكِ تخالفي وعدك معايا هالمرة كمان. أنا خلاص ما عدت باجي على حاجة بعد سوء ظنك فيا وموت ولدي وكسرة قلبي منكِ. سلام."

خرج وتركها وحدها تعنف وتلوم نفسها على سوء ظنها به، ورضت بأن تظل زوجته، رغم تأكيده على هجره لها. لكن ما رأته في عينيه من حنان إليها جعلها ترتاح وتطمئن بأنه سيأتي يوم ويصفح عنها وتعود إلى أحضانه من جديد. خرج فراس على عمله وبداخله إحساس بالحنين إلى من حرم نفسه منها لقسوتها عليها وظلمها له. ظل يعمل بجد وتحمل فوق طاقته حتى ينسى قلبه المثخن بجراح الغدر وعدم الثقة. كان يهلك نفسه حتى لا يشعر بألمه الداخلي الذي يمزقه أشلاء.

لاحظ كبير العمال تكالبه على نفسه بافتراء، فذهب إليه وربت على كتفه المدمي وقال له: "مالك يا ولدي؟ خبرك شديد وعفي، لكن اللي بتعمله ده بيجتلك. أنت لسه موجوع على مراتك وولدك اللي مات." ابتسم له فراس بجزع:

"أنا موجوع من الدنيا كلها يا ريس. عرفان مخبرش حكمة ربنا من عذاب روحي وفراق أهلي وغدر أحبابي آخره إيه. واهملنا لنفسي أحسن ما أقسي على اللي مني وغاليين على قلبي، رغم وجعهم وخيانتهم. لفه لي كل الشغل اللي عندك، أنا هكفيك واللي رايد تدفعه ادفعه. خلاص بقى ما عدش فيه فرجة." أخذ الملحف من على كتفه وأنزل الأحبال الذي يجر بها الأحمال وضمه إلى صدره وقال بحنان أبوي:

"لا يا ولدي، أنت مش محتاج تهلك روحك لجل قلبك يرتاح من الألم. أنت محتاج الدنيا تطبطب عليك وتصالحك." أبعده عن حضنه ونظر إليه بعيون تحمل نفس ألمه: "زمان قسيت على اللي مني وقلبي مات لحاله بعديها. أوعاك تفكر القسوة على النفس هتدي لروحك. لا، اللي منك هما فراس. صالح دنيتك بنفسك وارضى باللي انقسم ليك. وأوعاك تبعد عن روحك لأنها جوهتك وملك الخلق اللي أحن عليك من نفسك."

"اغضب، ازعل، بس خلي حلمك يتغلب على غضبك وارحم نفسك بحضن بيحبك. لو جت الفرصة لجل تجمعكم بيه تاني، أوعاك تهملها وتقسي على روحك بيدك. وإن شاء الله لجل صبرك ورضاك الله هيعوضك خير. عنيهما غير خلجاتك وروح دارك. أدب مراتك وهي جارك. أوعاك تبعدها عن عينك، كثرة الجفا بتجسي القلوب وبتموتها يا ولدي."

ابتسم له فراس برضا وأخذ منه أجرته وارتدى ثيابه واستقل القطار للعودة إلى بلده. وطول الطريق يتذكر دموعها ورجاءها ورضائها بأن تظل بداره على مفارقته. فتنهد وقال: "هفتح لك قلبي يا مهرة، لكن بعد ما أتأكد أن عشقك لي هو اللي بيحرك روحك، مش ندم لخسارتك ولدي اللي قلتي بظلمك. وربنا يصبرنا لما أنظر آخرتها معاكِ يا بت الخوجة." عاد إلى الدار منهك القوى، ليس من العمل لكن من الألم والشوق إلى أحضانها التي كانت تهون عليه قسوة الزمان.

دخل من الباب، فراها أمامه كأنها تنتظره. ابتسمت له وقالت: "حمد الله بالسلامة يا سيد قلبي. نورت دارك ودنيتك." نظر إليها ومنحها شبه ابتسامة ساخرة ودخل غرفته. لحقته دون أن تظهر له حزنها من عدم رده عليها. وفتحت ضلفة خزنة الملابس وأخرجت طقمًا داخليًا نظيفًا وقالت: "خد، أنا جهزت لك الحمام. اتسبح على ما أحط الوكل. أنا عملت لك وُكل هتاكل صوابعك وراه."

سبل عينيه ببرود، و بداخله انتعش أمل عشقها في قلبه من جديد، لكنه رفض الاستسلام. قبل أن يشعر بأنها ستتحمل قسوته عليها، قبل أن تقسو عليها الحياة ويحملها تربية ابنه منها إذا رزقهم الله بالذرية. وحدها بعد قضاء ربه. ترك يدها الممدودة وتمدد على الفراش ووضع الوسادة فوق رأسه. ابتسمت بحزن لهذا القلب الحنون الذي حولته بغبائه إلى جلمود صخر وقسوته عليها. جلست بجواره وأبعدت عن رأسه الوسادة. فنظر إليها شزراً وجذبها، فمنعته وقالت:

"متعاندش حالك. أنا ما طلبتش منك غير راحتك. قوم اتسبح وكل لقمة وهخليك تنعس وترتاح من خلجتك." جذب منها الوسادة وضعها على رأسه وقال بحدة: "ماليش نفس وما أريدش أتسبح. واخرجي بره الأوضة، خلينا ننعس. لا أخرج بره الدار كلها وأريحك مني." لم تستسلم مهرة وعاودت جذب الوسادة من على رأسه وقالت:

"قوم يا فراس، مش صغير أنت لأفعالك دي. اتسبح وكل وانعس. وخروج بره الدار مش هتخرج. أنت تعبان وشجيان. جتك محتاجة ترتاح، مش تقسي على حالك بسببي." قام وجلس وجذب الوسادة منها وألقاها أرضًا بغضب وأمسكها من ذقنها بحدة: "بلاش يا مهرة تجوليلي أعمل إيه أو ما أعملش إيه. أنا حر في حالي. لو مش عاجبك عندك باب الدار، همليني وروحي لحالك."

نهضت من جواره وفتحت خزينة الملابس، فظن أنها استسلمت لإرادته وستغادر الدار كما طلب. شعر بالنار تشتعل فيه، لكنها ابتسمت حين رآها تخرج منشفة وتلقيها على ملابسه: "أنا هخرج أحط الوكل وبراحتك. لكني ما راح أحط لقمة في خشمي إلا لما تيجي وتاكل معايا، ويارب أموت لجل ترتاح." لم يعير كلامها اهتمامًا وتمدد ثانية على الفراش بارتياحية. خرجت لتفعل ما قالت.

ابتسم فجأة ونهض آخذًا ما أخرجته من ثيابه ودلف إلى المرحاض، فلاحظ رائحة البخور تعطر المكان، مع وجود إناء مملوء بماء دافئ مما جعله يتحمس للاستحمام. بعد ما انتهى ارتدى ثيابه، وخرج لتزكي أنفه برائحة طعامها الشهي. جلس دون كلام معها وأخذ يأكل في صمت. أخذت قطعة من الدجاج وقربتها إلى فمه. حدق فيها ونهض فجأة تاركًا الطعام. جذبت يدها لكي يعود ويكمل طعامه وقالت بحزن:

"طيب، خلاص اجعد. حرمت. بس افتكر أن رغم خوفي منك وظلمك لي، كنت باكل من يدك." لم يرد عليها وأكمل أكله وحمد ربه ونهض. وقبل أن يدخل إلى غرفته سألها: "راح أهمل لك الأوضة وأروح الأوضة الثانية أنعس فيها. يا ريت ما تجيش ورايا، أنا تعبان." نهضت مسرعة وأمسكت يده لكي توقفه: "لا، ادخل أنت انعس على فراشك. أنا اللي جابرك عليّ، فهادخل أنعس في الأوضة الثانية. متقلقش، مش هدخل عليك تاني. بس ممكن طلب وما ترفضهوش، وحياة الغاليين عليك."

تنهد فراس بقلة حيلة: "جولي طلب إيه تاني؟ ما طلباتك بتيجي كتير." ابتسمت بحزن ألمه وجعله يشعر بالحنين إليها، فقالت: "ممكن أدخل أطيب العلامات اللي في ظهرك، لجل ما تلتهب. أظن جربتني في علاج جرحك اللي طاب من يوم علاجته." هز رأسه بعنف رافضًا أن تلمسه، إلا أنها ظلت تترجاه. وحين لم يفلح الأمر بكت ودخلت إلى الغرفة الأخرى.

دخل فراس غرفته وتمدد على الفراش وأخذ يتململ عليه. لم يحتمل أن ينام وأنفاسها وحرارة جسدها بعيدة عنه. لكن أبى على كرامته أن يخضع لسلطان حبه، فأغمض عينيه بقوة وتخيلها بين أحضانه وابتسم لهذا الإحساس وغفى أخيرًا. استمر الحال هكذا بينهم أسبوع، وبدأ اليأس يتسرب إلى قلب مهرة في أنها خسرت عشق فراس لها، كأنه تبخر من قلبها.

أما فراس فأصبح يخاف من أن يعود إلى أحضانها الذي اشتاق إليها فتكسره. واتخذ بينهما سور من عدم الثقة، لا يعلم من سيتجرأ ويتخطاه لكي يوصل ما انقطع. إلى أن أتى يوم زفاف رئيسة على جعبل. عاد يومها فراس من عمله مبكرًا على غير عادته ودخل يتسبح دون أن يطلب منها، وارتدى جلبابًا جديدًا وربط رأسه بشاله الأسود، فكان كالبدر ليلة تمامه. رغم الحزن الذي أسكن عينيه وفؤاده، وجعل ملامحه باردة وحادة بشكل مخيف.

حين رأته مهرة هكذا، تركت ما كانت تفعله من تجهيز الغداء لها ودنت منه وسألته بقلق: "على فين أكده؟ جيت بدري. جولت يمكن تعبان وهتريح شوية لحد ما أخلص الوكل، لكنك اتسبحت ولبست وبقيت كي العريس ليلة عرسه ودلوقتي خارج. ممكن أعرف على فين أكده؟ ضحك بسخرية ونظر إلى عينيها بقوة لكي يستشف رد فعلها: "رايح لرئيسة الليلة ليلة عرسها وفرحتي عندك مانعة." هزت رأسها بحزن وأسبلت عينيها لكي تبتلع دموعها:

"مبارك حجك يا ولد عمي. بس هتجيني هنا ولا أسست لك دار تانية؟ وليه ما جلتش؟ كنت جهزت لك وكله زين." غامت عيناها وشعر بأنها ستهوي أرضًا إن غادر وتركها بلوعة قلبها عليه. شفق قلبه على من جرحته وقال: "لو رايدة تيجي تعالي. البسي وحصليني. هستناكي. كنت رايد أبدر لجل أتمم على كل حوايجها، لكن مش مهم. على الأقل تكوني جنبها وتوعيها تخلي بالها من جعبل جوزها."

رفعت عينيها إليه وتنفست بقوة وغامت عيناها. لم تشعر بنفسها إلا وهي تهوي بين يديه مغشيًا عليها. حملها فراس قبل أن تسقط أرضًا وأدخلها غرفته ومددها على فراشه ونظر إليها بشوق وقال: "واه، معقول يا مهرة عشقتيني ولا كرامتك وجعتك لما حسبتِ هيكون لكِ شريكة؟ ضرب على وجنتيها برفق، ففتحت عينيها ونظرت إليه وبكت على صدره بحرقة وقالت من بين دموعها:

"وحياة كل غالي عندك يا فراس، ما تجهر قلبي عليك. خابره إني غلطت في حقك وليك حق تأديبي وتتزوج اللي ترضيك وتقدرك، لكن الضرة مرة يا خوي." ابتسم فراس بتهكم ورد عليها بحدة: "متخافيش يا مهرة، كل النساء ماتت بعيني من سنين من يوم عشقتك ما تمنيت غيرك متاع فراشي ودفاها. وخلاص اللي فات مش هيعود تاني والعمر مش مقسوم ليا أعيشه لجل أظلم غيرك بأنها تكون أرملة. بيكفي ظلمي ليكِ."

"انعسي أنتِ دلوقتي، لو مقدرة ما تجيش معايا. وأنا مش هتأخر. هزفها على عريسها وأجي أتغدى معاكِ. بس اسمعي ليها، عليكي واجب أبقى روحي وباركي لها." عدل هندامه واستعد للانصراف، فجذبته مهرة إلى حضنها فجأة وقالت:

"اشتقت لك يا فراس. أنا راضية وموافقة على ظلمي، كي ما جلتها زمان. كنت ناظر العشق في عيوني قبل ما قلبي يبوح بيه. أيوه، ورضيت بيك من أول يوم. كنت عاشجة لهفتك عليّ ومراجبتك ليا. أجولك ليلة خطوبتي على سميح، دعيت ربنا تعود وتخرب الجوازة، لكني ما تخيلتش تخطفني وبعديها أبجي مراتك. بجيت أبيع نفسي على حساب قلبي اللي عاشجك. أبعدك عني عن إتمام جوازنا، لكن كنت بحضنك بعيش في جنة حنانك وعشقك. سامح روحك وسامحني يا فراس، واديني فرصة أداوي بيها جرح قلبك. مني خلاص مش متحملة فراقك أكتر من كده."

أبعد يدها التي تطوقه واستقام بجدية: "انعسي يا مهرة، بينك تعبانة بجد. أنا مش هتأخر عنيكي. سلام." خرج دون أن يرد رجاءها أو يوعدها بعودتها إلى أحضانه. لكن مهرة لم تترك فرصة زفاف رئيسة تمر دون محاولة لرد زوجها إلى عشه. سيكون سعيدًا لها وسينسى حزنه مع فرحته، وهذا أفضل وقت تنفذ به إلى أحضانه من جديد.

خرج فراس والبسمة تعلو محياه. لقد ضمته لصدرها وشعر بحرارة ودفء أحضانه. كم تمنى أن يظل بداخلهم، لكن التزامه نحو رئيسة منعه من أن يستسلم إلى الخضوع لسلطانها عليه. ذهب إلى خيام الغجر ورأى رئيسة بفستان زفافها الأبيض. قبل رأسها، وقد سعد بإشراق وجهه. وظل ملازمًا لها إلى أن بدأت زفتها إلى جمال الذي كتب كتابها، وكان فراس وكيلها. وذهبا بهم إلى داره وقال له: "خيتي، أمانة عندك يا جمال، اتجي الله فيها." مال على رأس

رئيسة وقبلها وقال بحنان: "مبارك يا خيتي. هجيلك بكرة أبارك لكِ وأهنيك. يلا ادخلي دارك، وأوعديني من الليلة هتكوني طوع أمر جوزك جمال." أمسكت يده بقوة وقالت: "بالله عليك ما تهمل الدار قبل ما أرفع راسك وأفرح بخيتك وشرفها المنصان كي ما كنت بتجول عني." ابتسم بثقة وأنزل يدها ودفعها إلى داخل الدار وقال: "أنا واثق فيكي. هما يا جعبل، سلمني أمانتي لجل أفرح وأرفع راسي بشرف الغالية."

ضحك جعبل وتهللت أساريره بأن رئيسة ستمنحه نفسها عن طيب خاطر سعيدة وراضية به كزوج لها. حملها ودلف إلى الدار. وبالخارج انتظر فراس مع بعض رجال الجبل الذي حرصوا على حضور زفة جعبل على عروسه. ولم تمر دقائق وخرج جعبل بمنديلها وأعطاه لفراس أمام الجميع: "أخذه فراس وربطه على رأسه وأطلق عدة طلقات نارية لتسمع رئيسة صوت الطلقات وتبكي فرحًا بأنها نالت رضا ربها وأخاها فراس وستسعى بإخلاص لكي تنال رضا زوجها عليها." الذي دخل إليها

وضمه إلى صدره بحنان وقال: "نورتي داري وحياتي يا نورة دنيتي. مبارك يا رئيسة." دفنت رئيسة رأسها بجوف صدره واستقبلت حياتها معه بهناء. عاد فراس إلى الدار، دخل والفرحة تتراقص على محياه. دلف إلى غرفته فرأى مهرة ما زالت في فراشه. هم أن يخرج فنادته: "فراس." استدار إليها فاشتعلت القنديل ورآها بثياب نوم جميلة وقالت: "يعني فرحان لخيتك وهتيهمل مراتك لحالها؟ مش مشتاق لأحضانك ودفاك يا فراس؟ فك شال رئيسة من على رأسه وقال لها:

"راح أهمل لك الأوضة تنعسي فيها. جولت لك وهأقول لكِ سابج. مش هتكوني لي تاني، خلصنا يا مهرة." قبل أن يخرج نادته بصوت باكي: "لا يا فراس، عاود لفرشك. أنا راح أروح سجني اللي اخترته بنفسي، بعد ما هملت لي حرية الاختيار. بس قبل ما أخرج رايدة أجولك إنك كسرتني ووجعت قلبي، لكني مسامحاك. تصبح بالخير." هم بالخروج فأمسكها من يدها، وقال بريبة: "متخرجيش يا مهرة، اطلعي انعسي. راح أغير خلجاتي وأجي جنبك."

اتسعت ابتسامتها وهمت أن تحتضنه، لكنه أدار لها ظهره ونزع ثيابه عنه. سبقته إلى الفراش وانتظرته ينتهي من نزع ثيابه. كانت تتهيأ لاستقباله متوقعة أنها سامحها وسيمنحها فرصة أخرى لعلاقتهما. لكنه أطفأ القنديل وتمدد على الفراش وأولاها ظهره وقال:

"خابر إنك بتتخلعي لما تنعسي لحالك وبحس بيكي طول الليل خايفة. انعسي جاري، مش شرط تهملي فراشي لجل نفترق. كي دلوقتي صح، بيني وبينك شبرين، لكنها كي البحور مبعدا بيتنا. تتمسي بالخير يا مهرة يا بت سمعان." ضغط على فكه بغيظ حين سمع نحيبها المكتوم ولام نفسه: "صح، مشتاق لكِ وكنت رايدك، لكن مش بكيفك. يا مهرة، اشمعنى النهاردة؟ ولا غيرتك من رئيسة خلاكِ تتمني أحضاني كي ما هي بين أحضان جوزها دلوقتي؟ يارب عيني على نفسي."

أما مهرة فزاد نحيبها وبكاءها على نفسها وحالها. لقد فارقها وهو بجوارها، فكان هذا أصعب مما تتخيل. أن تكون معه على فراش واحد وتُحرم منه كانها ليست معه. كم صعب الهجران من عاشق ذاب عشقًا ذات يوم ومات عشقه. هنا تملك اليأس منها وتأكدت أن فراس قتل حبها في قلبه ومات عشقها فيه وشيع إلى مثواه الأخير. مر بها الليل بين ألف سؤال وسؤال بينهم، وسيطرت أزمة عدم الثقة التي أقامت حائطًا عاليًا أصبح من الصعب تخطيه.

ومر اليوم التالي كالعادة، استيقظ فراس قرب الفجر وحرص على ألا يقلقها وارتدى ثيابه بعدما أدى فرضه، وذهب بعدها إلى عمله. وقرب العصر عاد إلى الدار. دخل وتوقع أنها بانتظاره كم اعتاد بعد هجره لها، لكنها لم تكن في انتظاره. هرع إلى غرفته باحثًا عنها. لم تكن موجودة، فدلف إلى المطبخ لعلها تجهز طعامه، لكن لم يكن لها أثر، أو حتى قامت بطهي طعامه كما كانت تفعل.

شعر بألم مبرح يجتاحه مع قبضة قوية اعتصرت قلبه. لم يصدق أنها أقدمت على ذلك، لقد خرجت وحررت نفسها منه. هان عليها عشرته وثأرت لكرامته منه بهجرها له. صار وحيدًا، محرومًا من الحنان والأمن والثقة التي هدرتها مهرة بيدها. وبعد أن سامحها وكان في أشد الاحتياج إليها، لكنه كان بانتظار الوقت المناسب، لكي يتأكد من أنها ستتحمل قسوة الحياة من بعدها إذا تحملت قسوته. لكن أين قسوته عليها؟ ألم يأكل من يدها ونامت بجواره على فراشه؟

لماذا استعجلت؟ لأنك غبي يا فراس. مهرة اتعودت تاخد منك ولما ضنيت عليها وأهملتها، أهملتك. جلبك خرجت بره الدار ووجعت يمين الطلاق عليك. هملتك ورجعت دار أبوها. انساها. دوس على قلبك واقتل عشقك ليها، موت كي ما أنت ميت، وانسي حياتك لأنها مش ليك. خلاص، ما لك غير أختك وأنت. جامك خليهم قدام عينك. جلس بتهالك على الدكة وأخذ نفسًا عميقًا وصرخ بألم حاد يمزق نياط القلب: "آه آه آه يا قلبي…؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...