الفصل 28 | من 30 فصل

رواية فراس ابن الليل الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم سلمي سمير

المشاهدات
21
كلمة
4,439
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 93%
حجم الخط: 18

تباً لعزة النفس وسحقاً لواقع لا يوجد به احتواء صادق وحب من القلب. فأصعب شيء قد يكتب عليك التعايش معه عندما تجبر نفسك على تجاهل شخص كان يعني لك العالم بأكمله، فقد كنت تراه حبيباً، واليوم لا تدري من يكون. فبكت عيوني من صدمتي به، وردد قلبي الحزين بأحتراق: كيف للقلب أن ينساكم يا من في الفؤاد والروح سكناكم. رفع رأسه ونظر إليها بذهول غير مصدق أنها أمامه. نهض من عثرته ونظر إليها بحنين وشوق وضمها إلى صدره بقوة وأخذ

يتلمس وجهها ووجنتيها وقال: "أمي أنتِ حية بجد؟ كيف؟ وكنتِ فين؟ ربتت على خده بحنان وابتسمت له بمحبة: "أيوه يا فراس حية، وهفضل حية في جلبك وجلب خيتك، أنا القوة اللي بتمدكم بالحياة، يا ولدي. خيو بن عليا كسرتك ووجعك، أنت متولدتش للضعف يا ولد عمري، أنت قوي من الله، لأنك مسخر لرسالة لسه ما انتهتش." أمسكته من كتفه وجعلته يستقيم باعتدال وقالت بجدية:

"اسمع يا فراس، أنا مت بعد ما رسالتي انتهت وجاء وقت رسالتك. موتي وموتت أهلي كان قدر ومكتوب، وإنقاذي من اللي حصل لهم كان لأجلك ولادتك، لأن على يدك هيرجع الحق لأصحابه والمغدور به هيعاود وياخد حقه، وخيتك لقاك بها قريب معاها هتخلص كل آلامك ورسالتك. ولازم تفهم إن ربنا ما وهبش ليك القوة وراجحة عقلك هباء. لأ ربنا وهبهم ليك لجل تكمل رسالتك وتنهيها بأمره هو بس." نظرت إليه بتحدي وقوة كي تشحذ همته وتشجعه على المضى قدماً في

طريقه المكتوب عليه وقالت: "ريداك تجوي أكده وتخلع ضعفك عن جلبك الجوي، واللي تهون عليه هو عليك أهون. مهرة ضعفك، لو جوتك كمل معاها لكن تكسرك تاني لاه. لو على جلبك اللي عاشجها، اخلعه وحطه تحت رجلك ودوسه عليه كي ما دوست على حياتك ووهبتها للانتجام.

أما ولدك اللي مات، أوڤاك تحزن عليه لأنه نصيبك ونعيمك في الآخرة هيكفر عنك ذنب لسه ما خبروش. اللي جاي واعِر يا ولدي لازم تستعد ليه زين. أيام شقاك قربت تنتهي والحق هيرجع والسلسال هيعود واللي اتسرق هيترد لأهله. هي دي رسالتك وسبب ولادتك من الأساس. خلي إيمانك بالله قوي لأنه هو اللي خلقك وادري بيك وبحالك.

سلام يا ولدي وخلي بالك من نفسك وجلبك أوڤاك تكسره. اللي يشتريك بالغالي اشتريه واللي يبكيك أوعاك تبكي عليه. واتوكل، الحبيب والغالي والأهل كله معاود، كله معاود." اختفت حسناء كما ظهرت. واستيقظ فراس من غفوته أو حلمه الذي لم يكن حلم، فقد رأى أمه أمامه وشعر بها كأنها معه. فهو واثق أنها رآها حقاً لأنه كان بين النوم واليقظة.

نهض من أمام المقابر آخذاً عهداً على نفسه ألا يجعل شيئاً يكسره بعد اليوم، حتى وإن كان عشقه لـ "مهرة" التي قتلت روحه وولده، وسيسعى بشدة لانتقامه الذي هدأ عنه بعد زواجه. خرج من المقابر قاصداً الجبل لكي يهرب من العودة إلى الدار حتى لا يلتقي بمن قتلت روحه. وصل إلى مقرهم. قام الغول ورحب بهم بحفاوة وقال: "هما يا ولد منك ليه أشوي خروف لسيد الرجالة، اللي أول مرة يشرفنا من ليلة الصلح." ضحك فراس من خلف قلب مثقل بالهموم وقال:

"واجبك واصل يا خويا تسلم. فين جعبل؟ كان رايد يتحدد معايا." اعترض الغول بشدة وقال بإصرار: "لأ يمين الله لتاكل معايا لوى، ده حلال يا واد العم، وكمان أنا رايدك في موضوع أهم من جعبل." تنهد فراس بقلة حيلة: "وأنا مش هوجع يمينك بس هاكل على جد نفسي، ها جهزوا الأكل على ما تجول اللي عندك." أمر الغول أحد رجاله بتجهيز الطعام وقال لفراس:

"دلوك المحلج خلص الحمد لله، والرجالة هيشتغلوا فيه من السبوع الجاي، أنا بجي هعمل إيه بعد ما خلصت اللي كلفتني بيه؟ مريدش أتوسل جوتي يا واد عمي." ابتسم فراس بمودة وربت على كتفه بشدة وقال: "ليه بتصعبها عليك يا الغول؟

أنت ريس المطاريد وكبيرهم، وهتبقى ريس عليهم في المحلج اللي مش هيمشي غير بيك. كانت دورك ما انتهتش، دا ابتدت. لو رفضت تشتغل معاهم، هيفلت عيارهم ويستسهلوا الرزق والجعدة في الجبل. وجودك على راسهم هيخبرهم إن ملهمش ردة للحرام والجبل من تاني، فهمت عليا يا واد عمي؟ طالع الغول باستغراب وقال سائلاً: "وهو معقول العمدة هيجبل اشتغل ريس عليهم وعلى كل العمال سواء مطاريد أو من أهل البلد؟ ربت على كتفه بقوة وقال:

"أنت واحد من اللي اتعفوا عنهم، واللي صار عليهم يصير عليك لكن بمجامك وسطيهم وأنت كبيرهم وحاكم لجامهم، فهمتني؟ تهللت أسارير الغول واحتضنه بقوة سعيداً بأنه سيعول نفسه من الحلال. تنهد فراس وأبعده عنه وقال: "اهدأ عليا يا واد الناس، أنا مش متحمل حد يمسنا. اجعد وابعت شيع لجعبل خلينا أخلص من الليلة دي." أمر الغول الديب وقال له: "عسعس على جعبل وبلغه إن فراس رايده هما يا خوي."

نظر إلى فراس فلاحظ صمته الحزين وعيناه الساكنة به الألم بوضوح، فسأله بقلق واهتمام: "مالك يا فراس؟ حسك حزين ومش عوايدك تبجي أكدا." أغمض عينيه لكي يحجب دمعة خائنة كادت تفر من مقلتيه وقال بشجن: "خوك ولده مات قبل ما يفرح بأنه موجود وبيُتخلق." نهض الغول وجذبه لكي يقف وضمه بقوة وربت على ظهره مواسياً:

"واه يا فراس همك ثقيل يا خوي وحامله لحالك. خابر كي بتكون صعبة أول فرحة لما تموت، كي ما مات ولدي بسبب طلقة جت فيه بالغلط وأماتيه ماتت محصورة عليه. لكني قتلت اللي قتلته لجل أطفي نار فراجه في جلبي. بس لا هديت ولا ناره انطفت ولساتي موجوع عليه، عشان كده حاسس بيك. لكن أنت بختك زين عني لأنه قضاء ربنا." شفق عليه فراس من ألم فراق ولده وشعر بمعاناته فتنهد بقوة وربت على ظهره قائلاً:

"ربنا يعوضك عنيه خير ويبرد جلبك عليه. بس هما أنت واتجوز وربنا إن شاء الله هيرضيك من كرمه." ابتعد عنه الغول وابتسم له بمودة: "خلاص يا واد عمي العمر فات ومبجاش فيه جد اللي فات، البركة فيك أنت. شد حيلك وإن شاء الله ربنا يكرمك بدل الولد عشر ويكونوا عزوتك." أغمض عينيه بحزن وحدث نفسه بألم:

"ياريت يا غول، لكن اللي جاي مش دنيتي لجل أطلب وأتمنى. العوض كان حلم ومات، حتى عشقي هخنقه جواتي لجل أنسي ألمي وشوقي لولد يحمل اسمي من حبيبة جلبي." تنهد بقوة مطلقاً أنفاسه المكتومة داخل صدره لتأخذ كسرته وأحزانه كي تخلصه منهم، وزفر بعدها قائلاً: "فين جعبل؟ مجاش لدلوك ليه؟ أنا رايد الدلي للدار مهمل مرتي لحالها." صعد الغول الطريق إلى الجبل لعله يكون أتى، لكنه لم يلاحظ شيئاً. ابتسم حين أتى الرجال بالذبيحة وقال:

"زين الأكل جهز، اجعد كل لول وبعدها نشوف فين راح جعبل." أكل فراس على مضض لكي يسد جوعه، وأثناء تناولهم الطعام حضر جعبل، فأشار إليه فراس ليشاركهم فجلس ليأكل معهم. بعد انتهائهم من تناول الطعام أمر رجاله بحمل الطعام من أمامهم وقال لفراس: "ههملك مع البو جعبل، وأبعتلك تحبس بكبابي." نهض وتركهم سوياً، فنظر فراس إلى جعبل وسأله: "خير يا جمال؟ رايدني في إيه ومالك أكده عينك زاېغة ومحتار حيرة العاشق؟ بتحب يا واد ولا إيه؟

ارتبك جعبل وضحك بتوتر وسأله بحيرة: "ليه جولتيلي يا جمال؟ أول مرة من سنين طوال مش بتجولي غير يا جعبل." ابتسم بتهكم ورد عليه: "علشان أنت مخبل، ولازم حد يفوجك ويخبرك إنك كبرت وبجيت راجل بحق، واسم جعبل ميلجش برجل زين كيفك. جولي مالك وكنت ريدني في إيه وخلص بحديثك، لأن مش رايق ليك اليوم." ابتسم جعبل بتوتر وسأله: "مالك بالك يا خوي؟ ما أنت اتجوزت اللي رايدها، ولا غياب خيتك لسه تاعبك وجالل راحتك؟ زفر فراس بحدة ورد عليه:

"خلص في ليلتك وبلاش تتوه معايا في الحديث. جولي مالك فيك إيه وريداني ضروري ليه." تنحنح جعبل وتلعثم، فنظر إليه فراس بحدة كي يحثه على الحديث فتشجع وقال بتردد: "رئيسة." وسكت. تنهد فراس بضيق: "مالها رئيسة؟ حصلها حاجة؟ انطق منجصكش واصل." ابتلع ريقه ورد عليه بإيجاز: "من ميتي ما زورتهاش وغايب عنيها. مش جولت خيتك، كي تهملها أكده من غير حماية." انتفض فراس وهب من جلسته وأمسك في تلابيبه: "انطق، في حد مسها بسوء؟

الله في سماه أطلع اللي فيا فيه." "خلص يا جمال، مالها رئيسة وفيها إيه؟ هز رأسه بالنفي، فتركه فراس وتنهد براحة فقال: "رايدها يا خوي، رايد رئيسة تكون حلالي. عيني عليها مش بتهملها، لا قادر أنام ولا آكل من يوم عشجها سكن جلبي. رابدك تحديتها وتجولها إننا من توب بعض، لا هعض فيها ولا تعض فيا بفجر وجلة نسبي. جولت إيه؟ ضحك فراس بقوة وجذبه لحضنه وقال:

"واه يا زين ما اخترت، وأنت راجل زين وتليج بيها وأنا هطمن عليها معاك. أوعدك الليلة هحددتها ولو سمعت لي، جوزك منها السبوع الجاي وعلى حسابي وهجيم ليك ليلة تحكي عنها البلد كله." تنفس جعبل الصعداء فابتسم له فراس وأكمل: "مكنتش غلطان لما جولتك يا جمال، همل اسم جعبل ده لجل الناس ما تعايرها بيه، أنت جمال واللي يجول غير أكده شج راسه وأنا في ضهرك متخافش." تهللت أساريره وأخذ يقفز ظناً بالفرحة وقبل رأسه قائلاً:

"أنت خوي ورفيجي وسندي وعزوتي يا واد عمي، الله لا يحرمني منك ويبارك لي فيك. يلا ندلو بجي لجل تروح ليها." أخذ فراس شاله ولف به رأسه وربت على ظهره وقال: "وأنا عند وعدي، هدلي من الجبل وأروح ليها هما أخلص لك حكايتك جبل ما ربنا يحكم بقضاه وأهملكم كلتكم." غامت عيناه بحزن وغضب، مما جعل جعبل يخاف عليه من القادم الذي سيكون صعب على الجميع وليس فراس وحده.

نزل فراس من الجبل برفقة جعبل وذهبا سوياً إلى دروب الغجر، قاصداً زيارة رئيسة. التي ما إن سمعت صوته بالخارج وهو يلقي السلام على من يمر عليه، اندفعت من خيمتها وجرت عليه ووقفت أمام حصانه تتأمله. وفجأة أجهشت بالبكاء. ترجل من على صهوة حصانه وأخذها تحت جناحه ودلف إلى خيمتها وأجلسها وكفكف دموعها وقال: "حجك عليك لأني هملتك، بس كنت واعي إنك بخير وما حد يجدر يمسك بسوء لأنك تحت حمايتي." ألقت رأسها على صدره

وأخذت تنتحب بشدة وقالت: "مش زعلانة منك إنك هملتني، لإن خبراك سعيد ومرتاح. لكني اشتقت ليك يا خويا، رغم إنك ما قصرت وكل ليلة جعبل راجلك بيهتم فيا لحد ما أدخل أنعس." ربت على شعرها بحنان وضمه إلى صدره بأخوة: "أخيرًا جولتي خوي، علشان عجلتي أنا عندي لكِ بشرى، بس لول لازم تخبري إنّي قصرت ونسيتك في عشقي لمراتي، وجمال كان بيهتم فيكِ لحاله لأنه رايدك." رفعت رأسها عن صدره ونظرت بتعجب: "جمال مين اللي اهتم فينا؟

والله ما كان في غير جعبل، كان كي السبع ما بيسمح لحد يجرب مني وضل جاري لحد ما أدخل خبمتي وما كان يمشي غير لما يتأكد إن نعست، الله يباركله فعلاً ونعمة الصديق والأخو. لكن جمال اللي بتجول عليه أنا عمري ما ريته ولا أعرفه." طلب منها فراس الهدوء وخرج خارج خيمتها وعاد بجمال وقال لها وهو يقدمه لها: "هو ده جمال، مينفعش تجلي منه وتجوليلي جعبل، شيفاه حمار حصاوى ولا رجل؟

والبشرى اللي عندي لكِ لأنها طمنت قلبي. فاكرة لما جولتلك بكره ربنا يرضيكِ براجل يعشقك؟ "جمال عاشجك ورايدك حلاله، جولت إيه يا خيتي؟ ارتجفت رئيسة من الصدمة وشعرت من نظرة جمال إليها بالارتباك وخافت أن ترفضه فتخسر قلب عشقها لنفسها، رغم عدم نسبها، وذلك بعد أن سلمت أمر عشقها لفراس إلى الله واستكفت بكونه أخاها. فابتسمت بوجهه وسألته: "هو أنت اسمك جمال؟ واه اسم زين ولايج عليك، بس أنا مخبراش أجولك إيه؟

رايده وجت أشاور عقلي فيه. لكن اطمن مدام فراس راضي بإذن الله هكون راضية كيفه." تقدم منها جمال وقال بشوق: "طيب ما تبشريني وتفرحي قلبي بجبولك. وواوعدك أصبر إن شاء الله العمر كله لحد ما تتشاوري حالك، ولو رفضتني بعديها والله ما هيأس من استرضائك غير لما هتكوني حلالي." تنهدت بقلة حيلة، فضغط فراس على كتفها وقال: "وافقي يا رئيسة، مش هتلاقي راجل يجدرك جدية، وكي ما جال إنك من توبه. وافقي يا خيتي وطمني قلبي عليك."

رفعت عينيها إليه ورأت حزنه الذي يتضاعف واحتارت فيه وأشفقت عليه من همها، فقالت لكي ترّيحه وأيضاً ألا تخسر جمال الذي يعشقها بجنون: "مدام هيريحك وأنت راضي أنا راضية يا خوي، ولأنك ولي أنا ههمل كل حاجة ليك واللي تجوله سيف على رقبتي." ضمها إليه بقوة وكذلك جمال وقال له: "طيب زغرطي وافرحي، زفافك عليه السبوع الجاي. وأنت يا جمال هتشورها، وتجيب ليها دهباتها كي كل عروسة بالبلد، ولا ناسي إنها في مجام خيتي، فاهمني."

أومأ له بالموافقة ونظر إليها بسعادة والفرحة تتراقص بقلبه، لتشعر رئيسة بالراحة لأنها عثرت أخيراً على شريكها الذي قبلها بخيرها وشرها وسيحمي عرضها ولن يتاجر به مثل أغلب رجال الغجر ما يتاجرون بزوجاتهم الجميلات، فأقسمت أن تكون وفية له كي تشرف أخاها التي تفتخر بمقامها لديه.

أطلقت رئيسة الزغاريد تفرح لنفسها، فجعل كل من بالخيام يخرج ويتساءل عن السبب، وحين عرفوا بأن تمت خطبتها أقاموا لها الأفراح وأصروا على أن يقضوا ليلة سمر فرحاً بها، واستمر سمرهم إلى الفجر، فتركهم فراس منهك القوى وذهب للزاوية لكي يصلي الفجر، وبعدها ظل بها يدعو الله أن يقويه على نفسه وعلى ما هو قادم، ظل هكذا إلى أن أشرقت الشمس. في دار فراس، بدأ القلق يتسلل إلى قلبها بعد خروجه غاضباً عليها، كارهاً لها.

فجلست على أحَر من الجمر، تنتظر رجوعه بفارغ صبر. كان عندها قليل من الأمل بأنه سيعود، لكي تطلب منه السماح والمغفرة بعد أن كسرته ورأت دموعه لأول مرة التي كانت هي سببها برعونتها وغباء تفكيرها، لكن ليس دموعه ما آلمتها بل وجعه وألمه المستكين في نظرات عينيه، بكلمات لم ينطقها لكن مزقت قلبه الحنون أشلاء.

أشرق النهار أن يولج ولم يعد فراس، وتعاصفت الأفكار السيئة بعقلها الذي جعله يجرحه ويشطر روحه الحزينة نصفين، بين عشقه لها وبين كرامته التي أهدرتها ورجولته وكبرياؤه الذي كسرتهم بلا رحمة. مر عليها الوقت ثقيلاً ومتعباً، ولم تعد تقوى على الانتظار أكثر من هذا. دخلت إلى غرفتها وارتدت الملث وطرحته، وقبل أن تفتح الباب لكي تخرج في رحلة البحث عنه، دخل هو من الباب، ووقف أمامها بعيون حمراء أذبلها الحزن.

نظر إليها ببرود وتحاشاها لكي يكمل طريقه دون أن يسألها عما كانت تفعله بهيئته هذا قرب الباب أو لماذا ترتدي ثيابها، أو على أين كانت ستذهب في هذا الساعة من الصباح الباكر. تركها تتخبط في أفكارها ودلف إلى غرفته دون أن يحادثها ونزع عنه جلبابه وأبدله بآخر وكذلك شاله. كان هذا دليلاً على خروجه مرة أخرى. حين رأته مقبلاً على الخروج، وقفت أمامه وقالت برجاء:

"فراس، ارجوك اسمعني ارجوك، أنا خابرة إني غلطانة، لكن ما تلومنيش لحالي، أنت كمان عليك الملامة." أزاحها بحركة من يده ليبعدها عنه وذهب إلى الباب دون الرد عليها. أمسكت ذراعه وقالت: "رايح فين ومهملني لحالي وأنا أكده؟ أنا تعبانة وريداك جاري، ده حقي عليك ولا ناسي إني مرتك وحلالك؟ خلص ذراعه منها بسهولة ونظر إليها بعيون أدماها الألم والحزن وكسرة الفؤاد وقال:

"عمرك ما كنت مرتي ولا حلالي، خلصت حكايتنا يا مهرة. كملي نفورك مني ومن مالي للنهاية واخرجي من داري. أنت بعملتك قطعتي كل اللي بيننا وما بقاش لينا عيشة تاني مع بعض." وهز رأسه بحزن ونظر إليها بتحدي وقال: "رايدا تلوميني؟

لوميني لأنه ذنبي إني عشجتك أكثر من روحي ووهبتك اسمي وجلبي وروحي. بس جبليها لومي نفسك لأنك ما حاولتِش ولا مرة تعرفيني زين. حديث بوكي عني وكرهي لي، عمى عيونك وطمس على جلبك وخلاكِ اتسببت في موت ولدي، وأنا مش مسامحك يا مهرة. ولأول مرة هجولهالك بعد ما قتلتِ روحي بيدك، لو رايدا تعاودي دارك بوكي وتطلجي أنا موافج. خلاص مبجاش رايدك." فتح الباب على مصراعيه وأكمل حديثه الحزين:

"اتفضلي الباب اهو جدامك واديكي جاهزة ولابسة خلجاتك، خطي بره ويميني هيوجع عليكِ في وجتك."

كفّت مهرة دموعها التي ذرفتها بلا توقف حسرة وندم. لقد خسرت حبها وكسرته وألمته بقسوة، بعد أن خانه ثقته بها. كيف كانت بين أحضانه ولم تعرفه جيداً وتقدره أو تصدق قوة إيمانه ونقاء جوفه من الحرام. كيف لم تحافظ على هذا الرابط الرقيق في هيئته، القوي في ترابطهم ببعضهم البعض وقطعته هي بكل استهتار ورعونة. كيف أعْمى بصره وكذبت نفسها حتى غفلت قلبه النابض بحبها وعشقه له، فكيف يؤذي الحبيب حبيبه ويأكله الحرام. كم كانت غبية، لكنها لم تقصد أو تريد أن يحدث ما حدث.

جثّت تحت أقدامه تطلب منه العفو والسماح، وفرصة أخرى تثبت لها حسن نيتها وسوء تقديرها له ولظروفه معها، وعشقها الذي جعلها تقبل به رغم كونه ابن ليل. شكها في مصدر ماله، ألا يشفع لها هذا ويجعله يتأكد أنها تحبه أكثر من نفسها ولهذا فضلت الموت على أن تصارحه وتصدم إذا كان يأكل الحرام. "ارجوك يا فراس، جلبي مش هيتحمل فراقك. سامحني لجل ربنا، بالله عليك ما تخلي غضبك مني ينسك حبك."

أخذ فراس نفساً عميقاً وشفق عليها من إذلال نفسها له، ومد يده لكي يأخذ بيدها الممدودة إليه باستجداء وقال: "قومي يا مهرة، أنتِ بتحاكي جلب أنتِ قتلته. فراس كان عايش بيكِ وليكِ وأنتِ دبحتيه. مبجاش غير جسد، من غير روح أو جلب فاضل بس تدفنيه. همليني لحالي يا مهرة وروحي لحالك. اللي بينا انتهى وللأبد. كي ما أمي ماتت قبل ما تخرج حالها، أنا زيها دلوقتي ميت ولأني مريدكِش معايا حتى في الآخرة مش هتبقي على ذمتي."

دفعها نحو الباب بقوة لكي تخرج وقال لها بكل إصرار وحزم: "مهرة، أنتِ طالعة... وضعت يدها على فمه ودخلت في موجة بكاء هستيري: "لاه، مش هتطلقني يا فراس، أنا هفضل مرتك لآخر يوم في عمري فاهم. لكن لو مصر، الله في سماه لو جولته وزعطني برات دارك لروح أرمي نفسي في الريح." أمسكها من ذراعها ودفعها إلى داخل داره وأغلق الباب ودنا منها وعيونه تقدح شرار ونار وثار عليها قائلاً: "بتحلفي عليا يا بت سمعان؟ بتهددني؟

والله وجه اليوم اللي حرمة تهدد فراس. أنتِ لو راجل كنتِ فرفتِ روحك ما بين يدي دلوقتي ورميتِ جتك في الريح." دفعها بغيظ لتقع على الدكة ووضع أحد قدميه بجوارها ونظر إليها من علياءه شزراً وأكمل ثورة غضبه عليها: "خابرة يا مهرة، عشجي ليكِ بجي فين؟

تحت رجلي. وكي ما دبحتيني وجتلتِ ولدي بسوء ظنك، أنا خلعت جلبي وحطيته تحت رجلي وهرسته ومعاه مات حبك. انطفى جوتي عشجي ليكِ ومبجتش طايجة أشوفك جدامي واصل. كي ما بيجولوا على جد العشق بيكون الكره، وأنا مريدش أشوفك تاني. جومي هملي داري واخرجي من حياتي اللي خليتها كي الجحر لكل حاجة حلوة كانت بينا والمجبور مدفون يا بت سمعان وانتهينا." أنزل قدمه أرضاً وعدل من هندامه ونظر إليها بقسوة:

"هما لمي خلجاتك وروحي دار بوكِ وورجتك هتوصلك هنكي." لم ترد عليه ودخلت إلى المطبخ وعادت وفي يدها سكين ومدت به يده إليه وقالت بعناد وإصرار:

"مش هخرج من داري غير ميتة لجل تدفني. هدفع جزاء موتي لولدي منك وهموت كي ما مات، لكن مش ههمل حياتي معاك لأنها هي والموت واحد. خد اقتلني يا فراس لو رايد تطلقني. زعلان إنك أقسمت عليّ، ومش زعلان على جلبي اللي هيموت وراك. بتجول دست جلبك ومات، طيب عيوني اللي كانت بتنور ليلك، وروحي اللي عشجتها وكانت الحلاوة في حياتك، كل ده دست عليه. طيب أعيش ليه؟

خد سيح دمي لجل تشفي غليلك وتبرد نارك على ولدك. بس ولدك اللي مات ده كان من دمي ووجعي جد وجعك. حاسس إني خونتك صح، لكن ما قصدتش واصل. بيكفي ندمني اللي بيقتلني لأني عصيت ربي ودفشت نعمته عليا." تنهد بألم وأشاح بنظره بعيداً عنها ولم يرد عليها، كأنها أصبح شخصاً آخر غير فراس الذي هام عشقاً بها وخطفها لعدم احتماله أن تكون لغيره. دارت ووقفت أمامه فرأت الشفقة في عينيه نحوها، انهارت باكية وقالت بتصميم:

"مريدش شفجتك عليّ يا فراس، رايد عشقك وحبك يا رجلي. كنت عايشة في نعيم حبك، مريدش أعيش عنيها. ياريت نظرة الكره فضلت في عينيك، كانت أهون عليّ من شفجتك. لكن دلوقتي اتأكدت إنّي مت في جلبك، لأني مبجتش أأثر فيك لا بطيب ولا رضا، لدرجة بجي اللي بينا شفقة. مدام موت بموت، أنا هخلص روحي بنفسي دلوقتي وأريحك." أخذت السكين ووضعت نصله على قلبها وتجهزت لكي تغرسه فيها كي تنهي حياتها البائسة بعد خسارتها لعشق فراس.

غامت عين فراس ببرود وحامت على صفحة وجهه بجمود ولا مبالاة، ثم ابتسم بتهكم وتركها تكمل ما تريد فعله. أدار لها ظهره وابتعد عنها مغادراً الدار دون أن ينبس ببنت شفة. وقبل أن يغلق الباب خلفه سمع صرخة قوية أطلقتها مهرة بعويل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...