تحميل رواية فراشة المقابر بقلم اسماعيل موسي pdf
بقلم اسماعيل موسي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
قال إنه سيتزوجني تلبية لرغبة والدته والتي كانت صديقة والدتي قبل وفاتها. كنت أعيش أوقاتاً صعبة مع زوجة أب لا ترحم ولا تتوقف عن اختلاق المشاكل، كنت مستعدة للتخلي عن أي شيء للخروج من المنزل حتى لو كان زواجاً على الورق. كنت أعرف والدته وكانت تحبني، سأعيش معها في مكان واحد وهذا كافٍ جداً بالنسبة لي، المهم أن أهرب من زوجة والدي المتسلطة التي دفعت والدي لضربي أكثر من مرة. كان عرساً كبيراً الذي نظمه لنا، لم أكن أتوقع ذلك خاصة بعد كلماته التي كان يصر على تكرارها: "أنا لا أحبك وتزوجتك شفقة بوالدتي المريضة...
رواية فراشة المقابر الفصل الأول 1 - بقلم اسماعيل موسي
قال إنه سيتزوجني تلبية لرغبة والدته والتي كانت صديقة والدتي قبل وفاتها.
كنت أعيش أوقاتاً صعبة مع زوجة أب لا ترحم ولا تتوقف عن اختلاق المشاكل، كنت مستعدة للتخلي عن أي شيء للخروج من المنزل حتى لو كان زواجاً على الورق.
كنت أعرف والدته وكانت تحبني، سأعيش معها في مكان واحد وهذا كافٍ جداً بالنسبة لي، المهم أن أهرب من زوجة والدي المتسلطة التي دفعت والدي لضربي أكثر من مرة.
كان عرساً كبيراً الذي نظمه لنا، لم أكن أتوقع ذلك خاصة بعد كلماته التي كان يصر على تكرارها: "أنا لا أحبك وتزوجتك شفقة بوالدتي المريضة".
انتهى العرس وركبت سيارته، قبل أن ينطلق بنا سألته: "أين والدتك؟" كنت أتوقع أن تذهب معنا للمنزل.
قال: "لن نعيش مع والدتي بل في شقة منفصلة بعيدة عنا".
لم أتخيل ذلك، لكن لم أتمكن من الرفض.
وصلنا شقتنا، بدلت ملابسي وارتديت قميص نوم، كان حينها في الحمام ينظف نفسه.
انتظرته في الصالة، عندما خرج رمقني بازدراء، ظل يحدق بي حتى كدت أبكي.
قال: "لن المسك، ماذا تظنين نفسك فاعلة؟"
قلت: "لا شيء، أنا آسفة".
قال: "لست زوجتي بالحقيقة، إياك أن تنسي ذلك، حتى لو جمعتنا شقة واحدة لا تظني أنني أعتبرك زوجتي".
قضيت تلك الليلة أبكي، ألوم نفسي على ما فعلته.
حرصت في الأيام اللاحقة أن أرتدي ملابسي كاملة، أن أقوم بواجباتي المنزلية، أغسل، أكنس، أطبخ ولا أفتح فمي.
لم تكن تعجبه أي طعام أصنعه، وكان أحياناً كثيرة يهشم الأطباق ويلقي بها على الأرض.
تحملت كل ذلك، كان يقضي وقتاً طويلاً في العمل وكنت أجد راحتي خلال تلك الساعات.
لكن هذا اليوم مختلف، حضر زوجي برفقته شابة جميلة، أجمل مني مرات كثيرة، ترتدي ملابس غير محتشمة.
رحبت بالضيفة وصنعت الطعام، جلسا على الطاولة ولحقت بهم بعد أن انتهيت.
أشار لي بيده أن أنصرف ولا أجلس معهم.
ألجمني الخجل وصعقت من تصرفه، دلفت لغرفتي، أغرقت رأسي في الوسادة وبكيت من المهانه والذل.
قلت: "عندما تنصرف تلك الفتاة سأطلب منه أن أقضي بعض الأيام مع والدته".
لكن الفتاة لم تنصرف، طلبني بعد أن انتهى من الطعام وأمرني أن أنظف الطاولة.
سحب الفتاة خلفه نحو غرفة نومنا وأنا أتابعه بذهول وأغلق الباب.
وأنا أنظف الأطباق كنت أسمع تأوهها وقلبي يتقطع، في غرفة نومي وعلى سريري تتم خيانتي تحت عيني.
صككت أذني، تحملت حتى انتهى منها، خرج بعدها من الغرفة بينما ظلت الفتاة راقدة في غرفتي.
بعد أن نظف نفسه، التقيته، قلت: "أنا غير موافقة على ما يفعله، حتى إن كنت زوجته على الورق، فهذا لا يسمح له بإحضار عاهرة إلى الشقة، يمكنه أن يفعل ما يشاء لكن خارج بيتي".
استمع بصمت حتى انتهيت، ثم دون كلام تلقيت صفعة قوية على وجهي.
قال: "لقد لممتك من الشارع، أنقذتك من زوجة أبيك".
لف شعري على يده وأسقطني أرضاً، مسح بي البلاط وهو يجرني نحو باب الشقة.
فتح الباب وصرخ: "إذا لم تعجبك طريقتي، اذهبي لزوجة أبيك، سترحب بك وتشيلك من على وجه الأرض".
كان يضغط علي، كانت عودتي لمنزل والدي مستحيلة، سيطردني للشارع خاصة بعد أن ساءت علاقتي به واتهمته بظلمي بعد العرس.
صرخ: "ارحلي".
تيبست في مكاني لم أتزحزح، إلى أين أذهب؟ سألت نفسي وكان الجواب: لا مكان!
"احمدي الله أني أؤويك في شقتي ولا تفتحي فمك مرة أخرى حتى لا ألقي بك إلى الشارع".
صمت، مخذولة، مهزومة، منكسرة.
صفعني مرة أخرى وأمرني أن أذهب لغرفتي.
وأنا داخل غرفتي سمعت صوت الموسيقى، ضحكاتهم وهم يرقصون.
كان الليل قد حل، لكن الفتاة لم ترحل، باتت في شقتنا تلك الليلة في حضن زوجي.
كنت أتقلب على سريري والنار تأكلني، لماذا تمرغني الحياة في الوحل؟ ماذا فعلت ليحدث لي كل ذلك؟
حاولت أن أصل لهاتفه لأستنجد بوالدته، فمنذ زواجي لا يسمح لي زوجي باقتناء هاتف.
لكن الهاتف كان بجواره ولا يمكنني الوصول إليه دون أن يلاحظني.
في الصباح، قبل ذهابه للعمل، وكأنه أدرك ما أفكر به حذرني.
قال: "إذا أخبرت والدتي أي كلمة سأطلقك مثل كلبة، ولن تفلح كل محاولات العالم بمنعي عن طردك".
"ضعي لسانك داخل فمك، قلت لك من البداية أنا لا أعتبرك زوجتي وقبلت بذلك".
قلت: "نعم وافقت، لكن كنت أتوقع أن أعيش مع والدتك لأخدمها؟"
قال: "هناك خادمة تعمل على راحة والدتي، أنت لن تبارحي الشقة إلا بمزاجي. هل تفهمين؟"
"لا توقظي يارا ولا تزعجيها، وإياك أن تشتكي منه، إذا طلبت أي شيء عليك تنفيذه، أي شيء، هل تفهمين؟"
قلت: "حاضر".
استيقظت يارا بعد الظهر، كنت جالسة في الصالة أقضم أظافري.
لم تحييني، أخذت حماماً ساخناً وطلبت أن أعد لها الغداء.
طلبت وجبة خفيفة حتى لا تؤثر على حميتها الغذائية.
أذعنت لها، أعددت الطعام وجلست أعد الدقائق والساعات حتى ترحل.
لكن يارا جلست أمام التلفاز، كانت تتحرك في الشقة كأنها ملكها، تدخل غرفة وتخرج من أخرى حتى غرفتي دخلتها.
هاتفها زوجي وعرفت أنه كان يسألها عن سلوكي معها حيث كانت تقول: "كله تمام، لا خالص مفيش والله".
بعد هاتفها زوجي وردتها مكالمة أخرى، لم ترد عليها أمامي بل في غرفة النوم وأغلقت باب الغرفة عليها.
كل ذلك الوقت ولم نتبادل ولا كلمة.
قالت موجهة الكلام لي: "أنا مضطرة للرحيل، عندما يعود مودي أخبريه أني رحلت". كان اسم زوجي محمود وكانت تدلعه.
قلت: "لن أخبره شيء، هاتفه أنت وقولي له ما تشائين".
تقيأت ابتسامة وعاينتني لدقيقة ثم تركتني ورحلت.
عندما حضر زوجي سألني عنها، قلت: "لا أعرف أين ذهبت، طلبت مني أن لا أزعجها".
قلت: "ما كل ذلك الفجر؟ إنه لا يعتبرني زوجته فعلاً، بل لا يعتبرني إنسانة أصلاً".
تناول الطعام الذي أعددته بقرف، هشم الأطباق، لم أتحدث، نظفت كل شيء ودلفت لغرفتي حزينة.
صرخ من خلفي: "إلى أين؟"
قلت: "سأجلس في غرفتي".
قال: "يا ابنة، هل سمحت لك؟"
قلت: "لا، لكني أفعل ذلك دوماً، أتركك على راحتك؟"
رواية فراشة المقابر الفصل الثاني 2 - بقلم اسماعيل موسي
علي راحتي يا أبنة الوس.
أن تطيعيني، ليس معني أنك تفعلين ذلك دومًا، أو أنني لسبب ما لم أنتبه أني موافق.
أمرني.
تعالي، أمسك ذراعي بغضب، جذبني نحوه، حدق بي باستهانة.
كنت أعرف أنه غاضب جدًا، وأنني بكل الطرق سأعاقب وأضرب حتى تنتهي نوبة غضبه أو ينهك أيهما أقرب.
قلت بسرعة معتذرة:
أنا آسفة، معك حق، كان يتوجب علي أن أستأذن.
فلت ذراعي وظل محدقًا بي، قال بعد طول صمت:
أنتِ إنسانة جبانة، تكتمين الكلمات خوفًا مني، تعيشين أحقر حياة ولا تتذمرين.
دني مني.
شد أذني، همس:
أعلم أنكِ تكرهيني، لا تطيقيني، تتمنين موتي، لكن خوفك يمنعك من إبداء استيائك.
أفرجت شفتاه عن ابتسامة انتصار، رفع يده وأشار إلي بالانصراف.
قبل أن أجلس على سريري طلبني مرة أخرى، أمرني أن أصنع له كوب شاي.
كان وقتها يحاول الاتصال بيارا لكنه لم يتلقى رد.
رَزَع الهاتف على الأريكة، رفض صنية الشاي بقدمه.
تمتم: وحياة أمي لا ربّي.
انحنيت أمامه أنظف الزجاج المكسر، ظللت دقائق وعندما انتهيت رأيته يحدق بجسدي بتركيز.
نهض من مكانه، بدل ملابسه بسرعة كأنه يهرب وغادر المنزل.
ما أن صك الباب حتى ابتلعت أنفاسي، هدأ زعري، تمددت على الأريكة لا تفارقني نظرته عندما كان يحدق بجسدي.
تراه كان يفكر في؟
أمتلك جسدًا رشيقًا وأمتلك بعض الجمال، نهضت من مكاني وقفت أمام المرآة.
هل يعقل أنني أعجبته؟
بعد ساعتين هاتفني، أمرني أن أحضر الطعام، طلب أصنافًا بعينها.
قلت: بعضها ليس موجودًا.
أمرني أن أشتريها من السوق وأعود بسرعة.
أقسم عند حضوره إذا لم يكن الطعام جاهزًا سيعلقني من قدمي مثل ذبيحة.
كانت أول مرة أنزل فيها الشارع منذ ليلة عرسي، كنت مستمتعة بكل شيء، حتى الشمس بدت لي رائعة على غير عادتها.
اشتريت كل شيء بسرعة، فكرت بالهرب لكن ليس لدي مكان أقصدُه.
ثم إن تلك النظرة منحتني الأمل أنه من الممكن أن يفكر بي بطريقة أخرى غير كوني خادمته المنكسرة.
مدفوعة بذلك الأمل صنعت الطعام بسرعة.
قبل حضوره بدلت ملابسي، وتزينت.
مع أول طرقة لباب الشقة فتحت.
اندفع للداخل يجذب خلفه فتاة ترتدي لبسًا رياضيًا، نحيفة وأنيقة للغاية، نصف مترنحة تضحك.
كان شعرها على شكل جديلة طويلة حتى الخصر، قرط أزرق في أذنيها.
حملقت بالفتاة مذهولة.
لما طال وقوفي، سألني بسخرية:
تعجبك؟
استدركت نفسي بسرعة، دلفت للمطبخ، رصصت الأطباق على الطاولة، هممت بالمغادرة لغرفتي.
طلب مني البقاء معهم.
جلست على المقعد المجاور للفتاة ورأيت بعيني كيف يمازحها دون خجل.
تحطمت آمالي وأنا التي كنت أظن أن نظرته تغيرت نحوي أخيرًا.
كنت شاردة عندما قال:
تبدين أنيقة اليوم، هل يمكنني معرفة السبب؟
اندفعت الكلمة على طرف لساني لكني ألجمتها، قلت بأدب:
إذا كان لا يعجبك هندامي يمكنني أن أبدله.
قال:
أنتِ باردة جدًا، لم لا تثورين؟ تغضبين، تنفجرين، تصرخين، تحطمّين الأثاث؟
قلت وأنا مطرقة ناحية الأرض:
لا يوجد شيء يستحق ذلك.
صرخ بغضب:
لا تغارين علي؟
قلت بنبرة واطئة:
أعرف أنك لا تعتبرني زوجتك ولست مهمة بحياتك، أنا لا شيء بحياتك، لماذا أغار برأيك؟
زعق:
انصرفي من أمامي بسرعة، من حسن حظك أن مزاجي رائق اليوم.
قبل الفتاة على شفتيها ثم أردف:
ولا رغبة لي بتكdering.
دلفت لغرفتي بلا مبالاة، ألوم نفسي على أفكاري الحالمة.
بدلت ملابسي، ارتديت قميص نوم قصير، رقدت على سريري وأغمضت عيني.
سددت أذني حتى لا أسمع أصواتهم وغفوت نصف ساعة.
بعدها فتحت عيني على يده يمررها على ساقي العارية، بزعر نهضت.
قلت: أنا آسفة، غفوت.
تجرأت وسألته: كم مضى من الوقت؟
قال باستياء: نصف ساعة.
قلت وأنا أغطي نفسي بالبطانية: انتهيت بسرعة؟
رمقني وأنا أستر جسدي، ابتسم وقال: أجل.
جلس بالصالة يشاهد التلفاز، دخلت غرفة النوم لأرتبها، وجدتها كما هي، لم تستعمل.
ابتسمت، فكرت، السرير لم يستعمل، مضت نصف ساعة فقط.
تلك الفتاة لم تعجبه.
ثم تذكرت مداعبته لساقي، قلت: معقولة يفكر بي فعلاً؟
جعلت أمر من أمامه كثيرًا، أذهب للمطبخ وأعود، أزرع الغرف ليس من أجل شيء لكن في محاولة لدفعه للكلام إذا كان هناك ما يرغب بقوله.
لم يعرني أدنى انتباه، مهملة أنا جدًا في عقله، كل مرة أمنح نفسي أملًا أصفع بشدة وأتلقى عقابًا.
بالعادة أجلس قربه حتى أسمعه إذا طلب شيئًا، أنا في غنى عن شتائمه ولومه وضربه.
لكنه تلك الليلة كان هادئًا ولم يحاول تعنيفي.
يسمح لي.
وعندما قصدت غرفتي للنوم قال:
لا، الليلة ستنامين جواري في غرفة النوم.
أصغيت لأمره، رقدت على السرير لكن بعيون مفتوحة، خائفة، مرتعبه، راغبة، متشككة، سعيدة، حزينة، أفكر ما يمكن أن يحدث.
دلف للغرفة، صك الباب.
إطفاء النور، رقد على السرير، أولاني ظهره وحاول النوم.
رواية فراشة المقابر الفصل الثالث 3 - بقلم اسماعيل موسي
لا أعرف ما يعني ذلك، مرتبكة، متوترة، أسأل نفسي: هل علي النوم فعلًا؟
مضجعي على جنبي، أخاف أن أعدل جسدي فيعنفني أو يظن شيئًا آخر، وأنا لا أرغب بأي شيء منه.
لماذا يصر علي تعذيبي بتلك الطريقة؟
كان يوجعني ضربه، وتكسرني إهاناته، لكني الآن أعاني أكثر!
بت أعتقد أنه يبتكر طرقًا جديدة لمعاقبتي، ينجح كل مرة في ذلك.
لكن هذه المرة أنا راقدة غير قادرة على الحركة.
سأقضي ليلتي دون نوم!
أسمع أنفاسه منتظمة، ينام الرجل على أي وضع وفي كل حال.
فليرحمني الله الذي منحنا القلوب الرقيقة!
ماذا سيحدث يعني؟
بدلت رقدتي، أضطجعت على ظهري، كنت مستعدة لأي شيء غير أن أنام دون أن أحرك جسدي، فليضربني على الأقل، بعدها سأذهب لغرفتي وأتمكن من النوم.
لم يتحرك، ظلت أنفاسه ثابتة بلا أدنى انفعال.
رمقته وهو نائم بسلام، تحسبه ملاكًا.
كيف يأتيه قلب أن ينام وهو يعلم أنه يعذبني؟
فلتحل عليك اللعنة زوجي العزيز وتلتهمك كوابيس مظلمة تجعلك تصرخ!
قال دون أن يبدل رقدته: لماذا أنت مستيقظة؟
قلت: لا أستطيع النوم بتلك الطريقة!
قال: اذهبي لغرفتك إذًا، بالغد ستزورنا والدتي، احرصي أن يكون كل شيء تمام؟
تنهدت بعمق، نهضت واستلمت سريري، نمت.
لا أتخيل أبدًا أن أنام دون أن أقلب جسمي.
فتحت عيني من النجمة، نظفت الشقة حتى لمعت، حضرت الطعام وانتظرت بسعادة أن تطرق حماتي باب شقتنا.
قبيل الظهر حضرت حماتي، كانت سعيدة جدًا لرؤيتي وكنت أنا أكثر سعادة.
عاملني بأدب في حضورها، كان يقول: زوجتي العزيزة، زوجتي الطيبة، زوجتي الجميلة!
أحملق به بغضب: لماذا لا يكون هكذا طوال الوقت؟ إذا فعل قد أغفر له كل إهاناته!
تناولنا الطعام.
تركني مع والدته نحكي ونضحك.
عندما اقترب موعد رحيل حماتي شعرت بالحزن، تمنيت أن تظل معنا أكثر لكنها رفضت.
بعد أن رحلت والدته أخبرني أنه سيغادر المنزل ولن يعود إلا متأخرًا.
سمح لي ذلك الجلوس على راحتي، أبكي، أشاهد التلفاز، وأضحك.
سرعان ما تبدل حالي للتعاسة، أفكر فيما يفعله طوال ذلك الوقت، وكيف يجد سعادته في تلك الأشياء المقرفة التي يفعلها.
أقول لأصبر نفسي لكنه تغير.
طلب مني أن أنام بجواره، عاملني باحترام أمام والدته ولم يعنفني.
عندما طرق باب الشقة كنت نائمة لكني فتحت الباب بسرعة، عندما يكون خارج المنزل أنام مثل قطة بعين واحدة!
دلف للداخل، معه فتاة أخرى لم أرها من قبل.
شعرت بطعنة في صدري، كل مرة يثبت لي أنه لعيم، أحمق، لن يتغير.
تركته وذهبت لغرفتي مباشرة، فليفعل ما يحلو له، لكن لن أتقبل إهانات أخرى منه!
أغمضت عيني، ربما يحدث مثل المرة السابقة وترحل الفتاة بسرعة.
نمت، لم يوقظني تلك المرة ولم أفتح عيني إلا في الصباح.
كانت غرفة النوم مفتوحة غير منظمة كأنها شهدت معركة.
تزوجي راقد بطمأنينة.
هشمت طبقًا في المطبخ، افتعلت جلبة لأوقظه، سيغضب الآن، يضربني، يصرخ في وجهي.
لكنه وضع الوسادة فوق رأسه ولم يفتح فمه.
لم أتوقع ذلك، رغم غضبي كنت سعيدة بتلك المكاسب الصغيرة، أنا سيدة المنزل وأحدث ضوضاء، وزوجي لا يفتح فمه.
دبت داخلي الثقة، وتعاملت بكل ارتياحية كأنني سيدة المنزل فعلًا.
قلت: لن أحضر طعام الإفطار، عندما يستيقظ لن أركض نحوه، كأني لا أراه!
ثم فكرت: أليس علي أن أبدو مرتبة ومنظمة كي أنال إعجابه؟
جهزت طعام الإفطار، طهوت أصنافًا عديدة ولذيذة، بدلت ملابسي بأخرى أنيقة، طالعتها أمام المرآة، وجلست أنتظر.
استيقظ قريب الظهر، لم يحييني، دلف للحمام، نظف نفسه، بدل ملابسه، رمق الطعام على الطاولة ومرر نظره عليه ثم غادر دون كلام.
كأني كنبة أو مقعد قديم.
كل يوم كنت أمقته أكثر، يقتل كل محاولاتي قبل أن تولد.
على الأقل احتفظت ببعض الكبرياء ولم أطلب منه أن يتناول طعامه مثلما أفعل كل مرة.
وضعت لقمة في فمي لألتهمها، لم أجد لها طعمًا ولا مذاقًا، ألقيت كل الطعام في سلة الزبالة وحاولت أن أشغل نفسي بأي شيء لكن لم أفلح.
ثم سمعت طرقات على باب الشقة، فرحت، أفرجت شفتاي عن ابتسامة، قلت: لم يطق بعدي.
فتحت الباب دون أن أنظر في العين السحرية، كنت أرتدي قميص نوم أحمر، اصطدمت بوجه شاب ثلاثيني يرتدي زي سباك وقفازات في يديه.
أغلقت الباب في وجه الشاب بسرعة وأنا ألهث من الرعب.
قال الشاب: أنا آسف سيدتي، كنت أتوقع أن يكون صاحب البناية قد أخبرك أن هناك تسريب في مواسير المياه وعلينا أن نعاين كل شقق البناية لنجد العطب ونصلحه!
قلت: لم يخبرني أحد بشيء، كان عليه أن يهاتف زوجي.
قال الشاب بفراغ صبر: هاتفيه أنت يا سيدتي، لدي أعمال أخرى علي إنهائها!
قلت: لا أمتلك هاتف، اطلب من صاحب البناية أن يهاتف.
معقول؟ لا تملكين هاتف؟
لم أرد عليه، كنت واقفة خلف الباب مرتعبه لا أعرف ما علي فعله!
أول فكرة طرأت في بالي أن أبدل ملابسي.
لكن باب الشقة انفتح وقبل أن أصرخ رأيت زوجي يدلف للداخل، من خلفه الشاب.
ركضت نحو غرفتي وأغلقت الباب من الداخل، كنت أسمع صوتهم يتحدثان عن تسريب أغرق الشقة في الطابق الثاني.
عاين الشاب شقتنا ولم يجد العطل عندنا.
سمعت الباب يُصك، لكن لم أغادر غرفتي حتى صرخ بأعلى صوت طالبًا حضوري.
رواية فراشة المقابر الفصل الرابع 4 - بقلم اسماعيل موسي
خرجت من غرفتي مزعوره من تلك النبره التي غابت في الأيام السابقه !
إندفع نحوي، لف شعري في قبضته، ماذا كنتي تفعلي بقميص النوم مع الشاب؟
هالتني الكلمه الغير محتشمه التي اندفعت من فمه بلا مشاعر، ألجمتني وهي تخترقني، لم ارد
قبل أن استدرك نفسي تلقيت الصفعه الأولي، أنطقي !!
سري الألم ملتهب في وجهي، قلت، كنت واقفه خلف الباب، رأيت بنفسك !
كيف أصدق ذلك، مممم، وصفعني مره أخري، ما علاقتك بذلك الشاب؟
أقسمت من الرعب انني اول مره أراه في حياتي!
ضم قبضته ولكنني في معدتي، يعني تكذبي؟
الاول تقولين اول مره أراه؟
منذ لحظه قلتي كنت واقفه خلف الباب؟
مزيد من الضرب قد يدفعك للأعتراف بتلك العلاقه الأثمه، اسقطني أرضآ وجلس فوقي، ثني ذراعي وانهال علي بالصفعات حتي ادمي وجهي.
اريد الحقيقه يا مره؟
اقسم انني ساقتلك
أقسمت مره اخري، رويت ما حدث بالضبط
تمتم اممم وواصل صفعي، لماذا فتحتي الباب قبل أن تتأكدي من هوية ذلك الشخص؟
ما الذي يدفعني لتصديق انك لم تكوني في حضنه؟
انهارت مقاومتي، رحت انتحب بشده، تركته يضربني بكل قسوه
قلت كلمه واحده
انا لا يمكنني أن اخون زوجي، لست تلك الفتاه ولن اكون كذلك ابدآ !
انطفأت شهوة الضرب في عروقه، ركلني بقدمه كدميه وتركني اتوجع
ظلتت جوار الجدار متكوره ابكي، يمكنني تحمل اي شيء إلا شكه بي
بعد أن بدل ملابسه، سأل أين الطعام؟
لماذا لم تجهزي الطعام
كان يستعد لضربي مره اخري، اتقيت ضرباته بيدي، بكيت
قلت عدت فجأه ولم أملك الوقت، معتذره قلت انا اسفه!
لماذا تضيعين الوقت؟ انهضي واصنعي الطعام، دلفت للمطبخ سخنت الطعام واضفت بعض الأصناف الجديده
وقفت جوار الطاوله انتظر اوامره، راح يلتهم الطعام بشهيه، لا يأكل بتلك الطريقه الا انسان انعدمت مشاعره
رؤية وجهك تسحق شهيتي، اذهبي نظفي نفسك
مسحت الدماء من علي وجهتي، بدلت ملابسي الملطخه بالدم، صنعت له كوب شاي ودلفت لغرفتي.
سمعته يتحدث في الهاتف بسعاده، كان يحكي ما حدث لأحداهن، وسط الكلام قال، بالطبع لا !
انها إمرأه قبيحه وغبيه لكن لا تفعل ذلك، لو كانت لدي ذرة شك واحده لقتلتها.
اه
اجل
نياها، نياها
الليله سأنتظرك، انا مشتاق لك يارا لا تتأخري
تركت كل الكلمات الوقحه التي تفوه بها، لم تعنيني خيانته المرتقبه
كل ما فكرت به وكان يعنيني، أنه لا يشك في
تبسمت لذلك الخاطر، زوجي لا يمكنه ان يشك في، أنه يثق في كلامي
ثم قلت انه معذور، ما فعله قد يفعله اي رجل يغار على زوجته
ابتسمت مره أخرى متمتمه انه يغار على!
اذا كان يغار على فهذا يعني انني امثل له شيء ما !!
لمت نفسي ووبختها، كيف لم افطن لذلك؟ كيف افتح الباب بتلك الملابس، انا حقا غبيه مثلما قال.
خرجت من الغرفه رغم اوجاعي كنت مستعده لأنفذ اي شيء يطلبه مني.
جلست بالصاله اراقبه يبدل قنوات التلفاز، كالعاده لم ينظر نحوي، كنت أعتدت لا مبلاته نحوي ولم تعد تغضبني
قلت الان سيطلب مني تجهيز الطعام طالما ان هناك فتاه قادمه اليه
لكنه لم يفعل، ظل صامتآ وقتلني صمته
لما طال سكوته قلت، هل ترغب منى تحضير طعام؟
رمقني بقرف، قال لا، لا أرغب باي شيء منك
حتي والنار متقده في جوارحي ألمني ذلك أكثر
اذا كنتي ترغبي بالذهاب لوالدتي حتي انتهي فأنا لا امانع !
دون تفكير قلت سأذهب
اخرج رزمه من النقود ألقاها على الطاوله، قال في أحال فكرتي ان تبتاعي شيء!
اخذت النقود ودلفت لغرفتي، بدلت ملابسي بسرعه، ارتديت عبائه سوداء ثم خرجت الي الصاله، وقفت أمامه وقفه عسكريه
لديك ملاحظات سألته؟
رمقني كلي، أبتسم، قال لا
انطلقت بي سيارة الأجره، كنت ارمق الماره والطريق بأعجاب طفل يخرج لأول مره مع عائلته.
لم تفتني نظرات سائق سيارة الأجره التي كان يصوبها نحوي والتي كانت تغتصبني كلي
أشحت وجهي لخارج النافذه ولم تلتقي نظراتنا ولا مره، رحبت بي حماتي بطريقه محببه، كانت سعيده جدآ بزيارتي وأصرت ان نتناول الطعام سويآ.
أخذنا الكلمات، لكن كنت احس بوخزات ضيق خلال صدري حتي انني شردت في ما يفعله زوجي تلك اللحظه ولم يوقظني إلا سؤال حماتي
وهي تضع يدها على بطني
متي سأتمكن من اللعب مع حفيدي؟
رواية فراشة المقابر الفصل الخامس 5 - بقلم اسماعيل موسي
باغتني سؤالها، شلني. أدركت أن كل مبرراتي لن تقنعها ما دامت لا تقنعني. قلت: "كل شيء قسمة ونصيب، سيحدث إن شاء الله."
"ذهبتِ لطبيب؟"
رأسي يدور، ماذا أقول؟ أجبت: "لا، محمود لا يرغب بذلك، يقول إن الوقت لا يزال باكرًا لإنجاب طفل."
"تأخذين حبوب منع حمل؟"
قلت: "نعم."
قالت: "يا عبيطة، قد لا يرغب الرجل بإنجاب طفل، لكن بالنسبة للمرأة فأنا حياتها لا تكتمل دون أطفال. اسمعي كلامي، لا تأخذي تلك الحبوب مرة أخرى، لا تخشي ابني، إذا فتح فمه أقسم لك أنني سأوبخه."
بعد ذلك، طوال تلك الجلسة ظللت صامتة. كلما تخيلت بطني منتفخة بطفل، ابتسمت. ألن يكن ذلك رائعًا؟
ودعت حماتي، حملت زيارتها وقصدت شقتنا في الطريق. أوقفت السائق دقيقة أمام واجهة محل فخم، بعدها انطلقت نحو منزلنا.
يارا تبهرني في كل مرة، ليس لأناقتها شديدة العناية بها، بل من تلك الحركات غير المتوقعة التي تأتي بها كل مرة! لطالما أخبرتني أنها لا تحبني، لكنها تتقبلني كشيء غامض وجميل في حياتها. رغم أن تنورتها التي قبضت على جسدها النحيف بدت مغرية، إلا أن لهفتي عليها، اشتياقي لها رحل ما أن احتضنتها. انتفت كل رغبة للبقاء بجوارها.
تملصت منها، قلت: "إن كأسًا قادر على تبديل مزاجي." صببت كأسًا ليارا، وآخر لي. قربت كأسها من كأسي، "في صحتك!"
حتى تلك الكلمة لم أشعر بصدىها المعتاد. نحيت كأسي جانبًا، لم ألمس كأسها. بدت لي خيانة، جريمة عظيمة أن يقبل كأسها كأسي.
رقدت يارا على الأريكة بغنج. كان رأسي يؤلمني، غير قادر على التفكير فيما أرغب به. فما سعيت نحوه رحل مع زوجتي، ما فائدة أن أضاجع غيرها طالما رحلت؟
اقتربت، طالبتني يارا. رأيت ذلك عدائيًا جدًا. كنت مرغمًا على مداهنتها حتى لا تغضب. قلت: "أنا مرهق جدًا يا يارا!"
لم تتفتح زهرتها بعد، تراني غير جدير بها الآن. حدثتها عن العمل، عن الحياة، عن مخاوفي. ملت يارا أخيرًا، رحلت!
جلست في كون صامت، لم أسمع أي شيء إلا صوت عقلي الباهت. صور التلفاز تتغير، أشعر بملل قاتل، سئيم. أحدق بالساعة كل دقيقة.
لماذا تأخرت؟ حان موعد وصولها.
من أين أتت تلك اللهفة الفاضحة؟ كيف تطلب من شخص لا يطيقك، مقتنع أنك سعيت لنفيه من حياتك؟ طالبته بالرحيل، أن لا يتأخر، أن يظل جوارك، وإذا تأخر تلومه؟ شخص لم يرى منك سوى الجفاء أن يحبك رغم كل مساوئك.
لكنها تأخرت فعلاً، فرحة بقضاء وقتها بعيدًا عنك، أنت الخائن الذي يضاجع غيرها على فراشها تحت أعينها!
وصلت تسنيم أخيرًا، بعد أن فقدت كل أمل بحضورها، بعد أن رحلت لهفتي وتوقي لرؤيتها. كانت محملة بالأكياس، تحتضن مغلفًا أحمر مربوطًا بقماشه.
قالت: "مرحبًا، أصرت والدتك أن تحملني بكل تلك الأشياء من أجلك."
لم أرد. تركتها تفرغ محتويات الأكياس قبل أن أناديها، أسألها لماذا تأخرت؟
قالت بنبرة صادقة: "لم يمضِ سوى ساعتين، ثم كنت خائفة أن أعود في وقت غير ملائم."
"لما امتعض وجهي؟" أردفت تسنيم زوجتي معتذرة: "آسفة، لم تحددي لي وقتًا للرجوع؟"
اقتربت منها، بدت في عيوني جميلة جدًا. زعقت: "اللعنة على الوقت! عليك أن تكوني موجودة هنا عندما أرغب بذلك!"
قالت: "كيف أدرك ذلك؟"
"أنت غبية جدًا ومقيته يا فتاة!"
راحت تنتحب ونزلت دموعها تجري. صرخت: "لا تبكي!" وصفعتها على وجهها!
لم تتقِ صفعتي بيدها، حتى عندما صفعتها مرة أخرى لم تحمِ نفسها. كانت تخفي شيئًا خلف ظهرها، العلبة المغلفة بالقماش الأحمر.
واصلت صفعها، لم ترفع يدها. كانت تدافع عن تلك العلبة كأنها أثمن مقتنياتها.
التهمني الغضب، العداء. لكمتها في معدتها، ركلتها بقدمي. ترنحت، سقطت أرضًا، صامتة لا تتكلم. وازنت جسدها حتى سقطت على ظهرها. لم تتقِ السقطة بيدها، بكامل ثقلها وقعت على ظهرها ويديها تحتها. صرخت من الوجع وسمعت طقطقة عظامها.
اصطدمت رأسها بالبلاط. كل ذلك ولم تترك اللفافة. لم أفلح في إيجاد مبرر لمحاولتها إخفاء تلك اللفافة خلف ظهرها. واصلت انتحابها وهي على الأرض.
نهضت وهي تترنح وسارت تجاه غرفتها، صكت على نفسها الباب. بدأت ثورتي تخور.
انتظرتها تخرج مثل كل مرة، لكنها لم تفعل. كان مضى نصف ساعة وأنا جالس أحدق بالعلبة. أشعلت لفافة تبغ والفضول يلتهمني، مرتع ب جدًا من فكرة تناول تلك العلبة وفتحها، بدت لي لغم سينفجر في وجهي ويحول جسدي لأشلاء.
إن أكبر مخاوفي قابعة داخل تلك العلبة اللعينة على مقربة مني. أدرك أن قلبي وضميري سيتقطعان عندما أنظر داخلها.
تناولت اللفافة، فتحتها. كانت بداخلها ساعة أنيقة ماركة سواتش مهشمة تمامًا، مربوطة بشريط مرسوم عليه وردة لونها.
كل النقود التي منحتها لتسنيم زوجتي ابتاعت بها ساعة، لم تدخر منها شيئًا لنفسها.
لم أطق سماع بكائها الذي كان يرعبني. بدلت ملابسي وغادرت المنزل.
رواية فراشة المقابر الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسي
ليس هناك واقع عميق، غامض، ومظلم أكثر من حياتي التي لا أفهمها كيف تسير ولا إلى أين تمضي، ملطخة بالهزائم وثوبي طويل أجره خلفي حتى انحنت أكتافي، ظهري يئن من الألم، أزحف على قدمين معطوبتين وساقي تترنح، أجر ماضي طويل كله انكسارات وخسائر في طريق مظلم يغطيه ضباب يتنزه في مواسم عمري، تتساقط روحي من خلفي أوراق جافة يكنسها الريح خيباتي لوحة تعنون كتاب كله مآسي، أتنفس، بصدر مختنق عشعشت الكآبة كلاب تنبح داخله، الطريق طويل ولا نقطة ضوء في أخره.
إن الأمور تسير عكس ما رغبت به تماماً، بهذا الغباء، الطيبة، تحتل موقعها بجداره كضحية، لا يمكنني تحمل ذلك، لا، لا، لست مستعد لتجربة أخرى تقتل ما تبقى من روحي، فسأقاتل بكل صرامة، ومثابرة أن أحفظ ما تبقى مني، لا أفهم لماذا كل ذلك الإصرار أن تحملني كل ذلك الألم؟
ألا تدرك أنني أتألم أصلاً؟ لا يمكنني أن أغفر لها تلك الأوجاع التي عادت لتنضح في ضميري، لطالما عملت على قتل كل تلك المشاعر الفضائلية ولن أسمح بعودتها مرة أخرى حتى لو اضطررت للقتل.
إن تعاد الكرة، أن أعاني مرة أخرى لم أحسب لذلك ولست مستعد لإعادة خلق الماضي، فلتذهب للجحيم إذا كانت هي وحدها زوجتي من تفعل ذلك.
تسنيم
مخرج؟ هكذا دون أن يعتذر، دون أن يتحدث إلي، كنت راضية بكلمة واحدة لكن حتى هذه ضن بها علي، لن تنبئني الشفقة تجاهه مرة أخرى، لن أحاول خلق مبررات، أنا الملامة، أنا وحدي المسؤولة عن ما آلت له حكايتي، كم كنت غبية عندما ظننت أنه يملك قلب سيقدر ما أفعله من أجلي.
أنا التي دفعته لكل ذلك الغضب، كان قد حدد مكاني في حياتي، مهملة، خرقة، رضيت بذلك لكني أفعالي كانت تفضحني، لا يمكن لشخص غيري أن يتحمل أقداري، أن يعيش حياتي ويتألم عوضاً عني، فليفعل ما يرغب به، لن أبالي أبداً، أن أكون ودودة معه مرة أخرى أمر مستحيل.
لكنه يفعل ما يرغب به دون أي مهادنة، دون أدنى مراعاة لشعوري، لملمت بقايا الساعة، هديتي، التي كانت سبب في كل ما تلقيته من صفعات، تأملتها كانت جميلة، ملفوفة في قماشة حمراء، لكنها تحطمت بلا ذنب مثلي تماماً، لو كانت تلك الساعة تملك لساناً، ألن تصرخ في وجهه اتركني؟
وضعتها في صندوق خشبي قديم أحتفظ فيه بما تبقى من ذكريات والدتي.
جلست على السرير متكورة حزينة، بقلة حيلة، أفكر لازال الوقت مبكراً، أسأل نفسي ماذا لو عاد معتذراً؟
عندما طرق الباب فتحت الباب بسرعة متجنبة أي ذريعة من قبله لاختلاق حديث، لن أبعث في نفسه الشفقة تجاهي، إذا كان سيفعل شيء عليه أن يكون نابعاً من داخله ولن أمنحه مبرراً!
دلف لداخل الشقة وحيد، اهتز قلبي طرباً على الأقل مراعاة لشعوري لم يحضر معه أي فتاة!
رمقني كلي بتركيز، كان واقفاً في مكانه يحملق بي، صككت الباب الذي لا ذنب له بعنف وجلست على الأريكة.
محمود !!
بداخلي كومة من الكلمات تتصارع لتنبت على شفتي، أرمق تسنيم التي على غير عادتها صامتة، ساكنة بلا حراك، أنتظرها أن تزرع الشقة، أن تحطم فنجاناً أن تهشم طبقاً، أن تتفوه بأي كلمة حمقاء تزيح عن كاهلي حمل الكبرياء.
أقلب قنوات التلفاز، أتعمد أن أفعل ذلك بسرعة، أعلم أنها تهوى الأغاني القديمة، أغيظها، أتركها لحظة ثم انتقل لقناة أخرى، لا تمتعض تسنيم، يا حمقاء امنحيني سبباً واحداً لأقتل تلك المشاعر المنجرفة تجاهك بقوة إعصار.
تسنيم
اجلس يا وغدي الجميل بلا حراك، تصنع لا مبالاتك، لن أركض نحوك ككلبة أليفة.
سأخدمك، أتحمل إهاناتك، لكنك لا تلمح بعيني نظرة الهزيمة التي ترضيك.
لماذا يحملق بي هكذا؟ ألا يكفيه ما فعله بي منذ ساعة؟ بماذا يفكر ذلك الشرير؟
المس خدي، لازالت أصابعه مطبوعة على جلدي، يندفع شعور الغضب داخلي، أترك مكاني وأدلف للمطبخ.
أعددت له الطعام، رصصته على الطاولة ثم غادرت لغرفتي.
ناداني تسنيم؟
دون أن أرد مشيت ناحيته، قال تناولي طعامك معي؟
أفكر ما علي فعله؟ أول مرة يطلب مني أن أرافقه على الطعام.
أرمق نظرته المتجبرة.
أقول لا لن آكل.
أعود لغرفتي، أرهف سمعي عله يصرخ مثلما يضربني بصوت مرتفع.
تناولي طعامك معي؟
لم يفعل.
بعد أن انتهى من طعامه وأنا أنظف الطاولة حكيت له ما حدث مع والدته التي تطالبني بطفل، طلبت منه أن يجد حلاً، أن يجد مبرراً يرضيه ويزيح عن كاهلي عبء الرد.
ابتسم، قال خدعة حبوب منع الحمل رائعة، سأكرر ذلك لوالدتي، أنه ليس الوقت المناسب لإنجاب طفل، والدتي طيبة ستصدقني.
ثم أردف، أنتِ حقاً لعينة ماكرة.
أنت تراني هكذا فعلاً؟ هذا ما أمثله لك؟ ماكرة، لعينة؟
ماكرة بطريقة تعجبني.
قلت على الأقل هناك شيء يعجبك بي.
اقترب مني حتى شعرت بأنفاثه، قال أجلك.
كان على وشك أن يفتح فمه، كنت قريبة جداً من أن أنال اعترافه، أشاح وجهه للناحية الأخرى وبصق.
رواية فراشة المقابر الفصل السابع 7 - بقلم اسماعيل موسي
تحولت كل المبادرات لصمت وفقدت رونقها. لم أعد أرغب برؤية تسنيم تزرع الشقة جيئة وذهاباً، ولا حتى أسمع تحطيم الفناجين والأواني لتخلق حديثاً. انمحت الرغبة التي كانت تجرفني منذ لحظة لأحتضانها، لعصرها بين ذراعي، لتقبيلها. انتابني شعور بالنفور، التقزز من كل تلك العواطف الحميمية التي هبت فجأة داخلي، تلك الجماليات التي ترحل ما إن نستخوز عليها. لطالما حرصت طوال حياتي على الاستمتاع بروعة البدايات التي تقتلها قبلة.
في الجامعة حيث كنت أدرس، كان لدينا زميل لا تربطني به صداقة، كان اسمه محمد من الجيزة. كان أبيض الوجه، أنيق الملبس، ذلك النوع الذي يصادف إعجاب الفتيات دوماً. سرعان ما استطاع بسهولة أن يشكل صداقات مع الفتيات اللاتي كان بعضهن يعجبني. لطالما شعرت بالمقت على ذلك الوغد الذي كان يمتلك الجمال والجرأة التي تنقصني. لكني سرعان ما استطعت في العام الدراسي التالي أن ألتصق ببعض الفتيات. لم أكن حبيباً بالطبع، لكن كانت لدي خططي الماكرة الكافية للاندساس وسط تلك العصبة. حينها أدركت أن الجمال لا يعني كل شيء، أن بعض الفتيات تستهويهم صفات أخرى.
إحدى الفتيات أخبرتني بكل فخر أنه تقدم لخطبتها أكثر من عشرين شاباً. كدت أفطس من الضحك. على وشك أن أقول إنني مضطر لمرافقتها من أجل صديقتها، لكن جدياً، لا يمكنك أن تخبر أي فتاة بالحقيقة مهما كانت دوافعك، ولا أن تقتل الفرع الحالم في حياتها. إنها ذات العيون الخضر، وهذا كافٍ جداً.
حتى أجمل الجميلات الأكثر غروراً، أتتني الفرصة لأتعرف عليهن. لكني أنا نفسي الذي كنت شديد اللهفة، لم أركض خلف تلك العلاقات. كان الماضي دوماً يراقبني، وأنا شديد الوفاء للماضي. من أعرض عني مرة بقصد أو دون قصد، سأرد له الصفعة.
كانت جرأتي بدأت تتشكل، وإن كنت لازلت أحتفظ ببعض الخجل. فأنا لم أخض محادثة جدية مع فتاة إلا بعد سنوات، وكانت من خلال الهاتف. كنت حبيس أفكاري، يغزوني شعور بالفقر، وإنني لست ندّاً. محبوس بين فصاحتي وتلك الأفكار الغريبة التي أخلقها. شعور بالفشل كان يتملكني كلما حاولت الخروج من القفص، من تلك الزنزانة. أن أقول لفتاة: "أنا معجب بك" أو "أحبك". لم أتجرأ على ذلك أبداً، وإن كنت أدعي بين أصدقائي أنني أمتلك عشرات الحبيبات. أقول ذلك بكل فخر دون أن أتحدث عن طبيعة علاقتنا، أن ولا واحدة منهن تراني حبيباً، وأن أحاديثنا مائعة لا معنى لها، وأنها لو استمرت لعشرات السنين لن تخلق حالة شعورية غير التي أتخيلها. كأنني بتلك الحيل التي فتحت لي طريق التعارف، حكمت على نفسي أن أظل في تلك المكانة، المهرج الصحفي الذي يمتلك كارنيه صحفي لجريدة صفراء لا يعرف عنها شيء. تلك الحالة التي لم أستطع الفكاك منها، والتي وافقت رغبتي، لقناعتي أن ذلك مكاني، وأنني إذا خرجت منه سأختنق مثل سمكة على اليابسة، مكتفياً بتلك المكاسب الظاهرية التي جملت صورتي في عيون أصدقائي ونفسي أيضاً بمرور الوقت.
إن المحاكاة التي صغتها، بين شاب وفتاة، لم تتعد حدود الآنية المتمثلة في تقبل حديث الآخر والنعيم برفقته. لم أفهم معنى أن أقول لفتاة إنها تعجبني، ولا ما التالي لتلك الكلمة. كيف أصيغ تلك التعابير التي أشاهدها في التلفاز وأسمعها في الراديو؟ لم تكن تنقصني الكلمات، فمنذ الثانوية العامة وأنا أمتلك دفتراً دونت خلاله كل عبارات الحب وقصائدها وقصصها، آلاف الكلمات التي ظلت حبيسة رغم توالي السنين. وإن كنت أشعر بتلك الكلمات وأتأثر وتكاد عيني تدمع، إلا أن الطريقة التي أعبر بها كانت تعوزني.
كنت أملك التعابير التي تمكني من مدح فتاة، مغازلتها، إبهارها، لكن الجرأة كانت تنقصني، الثقة أيضاً. هذه الطريقة التي رسمت بها حياتي، لم أفلح في التنصل منها خلال الجامعة.
بدل ملابسه وخرج مرة أخرى. أعلم أنه بطريق رجوعه سيحضر فتاة جديدة. أعلم أنه يرغب بصفعي، معاقبتي بلا كلام. سيحضرها وتقول عيناه: "أنت السبب. كان بإمكانك أن تتنازلي مثلما تفعلين دوماً". حينها ربما كان الحال سيتبدل. سيقبلها ويقول: "انظري يا حمقاء، كيف ضيعتِ الفرصة".
لا يدرك أنني تغيرت، وأنني لا أعد أفضلاته فرصة. أنني لا أؤمن إلا بالحب الذي يعترف بالندية، الذي يتساوى فيه الحبيبان في المشاعر والقيمة. غير ذلك لن يعد حباً، ستكون رغبة ما إن تنتهي تفرغ قيمتها.
يمكنه أن يأخذني بالقوة، لكنه لن يحصل على قلبي. لكن حتى هذه، لا يسعى خلفها. إنه يعمل بكل جدية على إذلالي. أنه يفعل ذلك، يستمتع به. لكني أيضاً أستمتع بمقاومتي.
لم يستغرق بقاؤه بالخارج سوى نصف ساعة. خاب توقعي تلك المرة. حضر بمفرده، يحمل لفافة وباقة ورد جميلة أكاد أشم رائحتها.
كنت أجلس على الأريكة يقتلني الفضول والفكر. جلس على المقعد ولم ينطق بكلمة. كان مشتتاً وشارد. يدور اللفافة بين يديه بتيه، يرمقني كل لحظة. أشيح وجهي بعيداً عنه.
ترك اللفافة جواره، قال: "لماذا تجلسين بكل ذلك البعد؟"
قلت: "أنا مرتاحة!"
قال: "من فضلك اقتربي، اجلسي جواري!"
لم يغريني ذلك التبدل في الحالة. كان ما عانيته في الشهور الماضية قتل كل النوايا الحسنة تجاهه.
قلت: "إن مرتاحة هنا!"
قال: "من فضلك؟" ولوح العلبة بين يديه.
قال بنبرة متبرمة: "لقد تناولت طعامي منذ ساعة".
ثم رمقني بنظرة عتاب واردف: "كوب شاي سيكون كافياً جداً".
كنت أركض نحو المطبخ لا أسير، مبهوراً بتلك النبرة العطوفة، ذلك البرق الطارئ الذي حمل رسالته.
"من فضلك؟"
تذكرت الكلمة، تذوقتها، مضغتها، ابتلعتها روحي.
قلت: "مزيد من العناد يا فتاة، التصميم سيبدل حاله. لا تنجرفي الآن خلف ألعابه. لقد نالك منه الكثير. عليه أن يتعلم أنك لست سهلة. وأنك إذا كنتِ تحملتِ ضرباته، نزواته وخياناته، فذلك ليس لرغبتك به، وإنما لأنك لا تملكين مكاناً آخر تذهبين إليه."
أعددت كوب الشاي. فور عودتي، لاحظت أنه يمسك باقة الورد بين يديه. فعلت كل شيء بسرعة دون أن أنظر إليه. وضعت الصينية على الطاولة وتراجعت للخلف نحو أريكتي.
قلت: "تحتاج شيئاً آخر؟"
قال: "لأدخل لغرفتي". تغمرني السعادة. أن أرد له الصاع صاعين. عليه أن يشرب من نفس الكأس. فلتتعفن وروده، كل أشيائه الجميلة.
الآن يفكر. تندلع الحرائق في صدره. لم يتوقع أبداً أن تلك الضعيفة المنهزمة التي لا تملك إلا قول "حاضر"، تستطيع المقاومة والصمود.
سيصرخ الآن، يزعق، يدافع عن كبريائه. سأتحمل كل صفعاته دون دمعة واحدة.
طال الوقت ولم يطلبني كالعادة ليعنفني. قلت: "سأرى ماذا يفعل". قصدت الحمام ورمقته بطرف عيني.
كان نائماً على الأريكة يحتضن باقة الورد. العلبة على صدره وعيناه مغمضتان.
عدت لغرفتي مرة أخرى. ما إن رقدت على السرير حتى سمعت باب الشقة يصك.
رواية فراشة المقابر الفصل الثامن 8 - بقلم اسماعيل موسي
ربما علينا أن ننتبه أن الحياة ليست عادلة، وأننا نشعر أحيانًا كثيرة بقسوتها، وأننا نتسرع في الحكم على تصرفات بعض الأشخاص الذين يقعون معنا في نفس الحفرة الملطخة بالمآسي.
كانت باقة الورد الحزينة تزبل، إنها تحتاج لماء، إذا لم أمنحها ستموت. أرهقني ذلك الشعور أن أشاهد جريمة قتل أمام عيني دون أن أحاول منعها، لكني اتخذت قراري ولن أتراجع عنه.
بعض المواقف تستحق التضحيات، وهذه اللفافة اللعينة ألم يهشمها منذ ساعات؟ كيف أنسى أن تلتئم مرة أخرى بتلك السرعة.
تركت كل شيء على حاله، جلست حتى أصابني الملل، أيقنت أنه لن يعود كما كان مرة أخرى، وأن اللحظة المواتية للاتفاق رحلت بعيدًا، وأن علي أن أتوقع أيامًا عديدة من الجفاء المتزمت. عاد منتصف الليل، كنت قد تعمدت النوم بغرفتنا، لكنه نام بالصالة. استيقظ باكرًا، لم يوقظني وذهب لعمله.
إنه يعاقبني على موقفي البارحة، لكني لست غاضبة منه. حياتي القادمة ستسير بتلك الوتيرة القاحلة.
فاجأتنا والدته بزيارة قبل عودته من العمل، كانت تعلم أن ابنها بالعمل، قصدت ذلك. تحدثت مرة أخرى عن رغبتها بطفل، سألتني إن كنت اتبعت نصائحها وتخليت عن حبوب منع الحمل.
قبل أن أرد، طرق زوجي باب شقتنا، لم أفرح بحضوره أكثر من تلك المرة، عليه أن يواجه اتهامات والدته ولست أنا.
قالت والدته: "جيد أنك أتيت، يوجد أمر علينا أن نناقشه."
دافع زوجي، اختلق مبررات، لكن حماتي كانت مصرة، حتى أنها شرعت في البكاء.
حينها قال كلمته التي دمرت كل شيء:
"ماذا أفعل؟ زوجتي الجميلة لا ترغب بطفل الآن، تخشى على جسدها من التشوهات."
حينها لم أتمالك نفسي، أطلقت كل الكلمات التي كنت أحبسها، جعلت أصرخ بلا مهادنة:
"إنني لا أزال عذراء بكر، وأنا ابنها هو السبب، يحضر كل ليلة فتاة جديدة يضاجعها على سريري."
"هل تتوقعي أن أنجب طفلًا من تلقاء نفسي؟"
لم يفتح زوجي فمه، انهارت حماتي أمام تلك الاعترافات، أغمي عليها.
حملناها للمستشفى، وكانت المرة الأولى التي ألمح فيها دموع زوجي، حتى أنني أشْفَقتُ عليه، ولُمْتُ نفسي لإظهاره بتلك الصورة البشعة.
ظللنا ثلاثة أيام لا نحدث بعضنا، كنا كالغرباء. فعل زوجي كل شيء من أجل والدته، لم يتوقف عن البكاء حتى فتحت حماتي عينيها، وطمأنها الأطباء أنها بخير.
عندما حاول رؤيتها، طردته خارج الغرفة. صرخت: "إنه ليس ابنها، وأنها لم تعد راغبة قط في رؤيته، إن مجرد رؤية وجهه تقتلني."
رحل زوجي، وكانت تلك آخر مرة أراه خلال الشهور القادمة. عشت مع حماتي، والتي رغم غضبها من ابنها، إلا أنها سرعان ما شعرت بالشوق إليه. حتى أنا، رغم كل جرائمه في حقي، شعرت بافتقاده. كنت أتذكر كل شيء حدث بيننا وأتعجب من تلك الأيام التي كنا نتصارع خلالها.
كانت شقتنا فارغة، لم يقطن بها زوجي ولا مرة منذ كنا في المستشفى. تأكدت من ذلك من حارس البناية. تدهورت الحالة الصحية لحماتي، حتى أنني فكرت بالذهاب لمقر عمله لأطلب منه أن يزور والدته لأنها تشتاق إليه وتفتقده.
تلك الفكرة التي سرعان ما تحولت لفعل. كان يوم ثلاثاء عندما ذهبت لمقر عمله، سألت عليه، طلبت من أحد العاملين أن يخبره أن زوجته تنتظره بالاستراحة.
كان زوجي قد فقد نصف وزنه، بدا نحيفًا ومنهكًا، أصفر الوجه كأن الدماء رحلت من جسمه.
ترجيته أن يعود من أجل صحة والدته التي تتدهور. استمع إلي بصمت، ثم رفع وجهه لتتلاقى عيوننا، ثم سألني:
"هل ترغبين أنت بعودتي؟"
قلت: "من أجل والدتك، نعم."
قال: "أنا أسألك أنت، هل ترغبين بعودتي؟"
قلت: "لا، أنا لا تعنيني عودتك في شيء، إنها والدتك أنت والقرار قرارك."
قال: "حسنًا، يبدو أن الأمور ستمضي مثلما قُدّر لها أن تمضي. سأعتق من رفقتي إلى الأبد."
لما لاحظ الجزع على وجهي، قال: "لا تقلقي، لن أطردك من الشقة، يمكنك أن تعيشي فيها، إنني لن أعود لهناك مرة أخرى."
قلت: "شكرًا لك."
قال: "لكني سأعيش مع والدتك."
قلت: "الآن وأنت تدركين أنك لست مضطرة للعودة لمنزل والدك كما هددتك أكثر من مرة، وبدون ضغوط، هل ترغبين بالانفصال عني؟"
"أن أطلقك؟"
صدمتني كلماته، وجدت كل ما أرغب به أمامي، إلا أنني لم أشعر بالسعادة كما كنت أعتقد.
كان ينتظر ردي، وكان علي أن أتخذ القرار الذي لطالما حلمت به.
قلت: "إذا كنت فعلاً تعني كلماتك، ولن تطردني من الشقة أو تضغط علي للرحيل، فأنا أرحب بالانفصال عنك، أنا لم أرَ ولا يومًا سعيدًا معك."
تنهد بأسى، ثم قال:
"أنت طالق."
ثم أردف: "سيصلك كل أول شهر مبلغ من المال يكفي احتياجاتك، لن أتوقف عن إرساله حتى تقرري الزواج من آخر، حينها يمكنك أن تعيلي نفسك."
قلت: "ووالدتك؟"
قال: "نعم، بصورة لا تتخيلها."
قال: "سأحضر لزيارتها، لكنه لم يحدد يومًا."
عدت لشقة حماتي بمشاعر متضاربة، خليط من السعادة، الانعتاق، والأسى. قلت لها:
"أنا محمود سيحضر لزيارتك في أقرب فرصة."
تهلل وجهها من الفرح، قالت: "ربما أتت اللحظة التي تعود خلالها كل الأمور لوضعها الطبيعي، أنت ومحمود."
قلت: "لن يحدث ذلك، محمود طلقني."
رواية فراشة المقابر الفصل التاسع 9 - بقلم اسماعيل موسي
لم تعد الأشياء التي كانت تستهويني في الماضي لها نفس المكانه، حتي أنني لا أكاد أصدق انني انا نفسي كنت غارق خلالها.
أشعر بالتقزز.
أحيان كثيرة أكرهني لأنني لا أملك هدف محدد ولا اخطط للغد.
ربما ذلك هو سر سعادتي ولعنتي.
لم تعد تستهويني نزواتي، لا أقول انني لا احبها، لكن الرغبه خفتت.
كان علي زيارة والدتي بعد شهور من الغياب.
والدتي التي بصورة ما تخلت عن ان تكون والدتي.
ينتابني الضحك عندما أفكر بذلك.
يمكن للعائله، الوالد، الوالده أن يقومو بدورهم عندما يرغبون، وان يرفعو ايديهم وقتما شأو، ومع علينا الا ان نسلم بتلك الرغبه مدفوعين بشعور الواجب.
عندما طرقت الباب، فتخت لي تسنيم.
ورغم انني قمت بتطليقها منذ شهر إلا انها ترمقني بنفس النظره، ان عدوها الأكبر.
لكن النظره تقول شيء آخر، لازالت لدي تلك المكانه في حياتها.
لم تحاول أن تتزوج ولا حتي ان تبحث عن صداقات.
قانعه بحياتها كتابع آليف.
لطالما رغبت ان اسألها ما الفرق الذي أحدثه طلاقها؟
لازلت كما انت لم تتحركي خطوه.
الا توقني الأن انك ألقيت ذراعك قبل الأوان وانه كان يمكنك المحاوله أكثر؟
والدتي لم تتطرق للماضي، كانت سعيده بعودتي.
بدا ذلك واضحا من قسمات وجهها، من نشاطها المحموم لتحضير الطعام وإلقاء النكت السخيفه.
محاولاتها المستميته للتلميح بضرورة عودتي لتسنيم.
كانت تقول ان علي الزوج ان يمتلك الشجاعه للأعتراف بخطأه، وان الأعتذار يمكنه ان يحل المشكلات.
كنت مستمتع جدآ بطرحها للقضيه، محاولتها ان تكون محايده لا تميل لأبنها علي طليقته.
كنت اسأل نفسي عن مقدار السعاده التي تغمرها في ذلك الدور.
تلك الثقه التي تتحدث بها كأنها قبطان سفينه هائجه علي باقي البحاره ان يستمعو لتعليماته لتصل الباخره لبر الأمان.
كنت استمع لها وانا ارمق تسنيم الصامته مثلي.
لماذا لا تفهم انها ليست القاضيه هنا وانا أصحاب المشكله هم الأحق بنقاشها؟
قالت والدتي كأننا في حصة مدرسه ابتدائيه وهي المعلمه التي يكن لها التلاميذ الاحترام والوقار:
ما رأيكم ان ننسي الماضي ونفتح صفحه جديده؟
هكذا بكل سهوله تطالب تسنيم ان تتناسي كل الحماقات التي أرتكبتها في حقها، وأن انسى انا أيضآ ان تلك الزوجه لا تحبني ولا تكن لي اي عاطفه.
كنا في مسرحيه ننتظر ان يرفع المخرج يده ليتعانق المهرجين ويصفق الجمهور.
احسنتم!
قالت تسنيم:
انا لن أعود لعصمته مره اخري، لقد نابني منه عذاب كثير.
كان يعاملني كحيوانه ولا يتورع عن ضربي وتعنيفي.
طوال شهور لم اسمع منه كلمه لطيفه ولم يحاول ان يعتذر.
فعلت كل ما بوسعي لأرضيه لكني الأن لا املك اي شيء لامنحه اياه.
قلت:
اه، لماذا لا تقولي الحقيقه؟
انني حاولت أن أكون لطيف لكن طريقتي لم تعجبك.
انني لم اعتذر لكن أتيت بالكثير من الأمور التي تثبت اعتذاري؟
كنت استمع لتسنيم، كانت حذره، خائفه في اي لحظه ان تنفلت اعصابي.
تختار كلماتها بعنايه حتي لا تجرحني.
قلت:
حسنا، كل شيء واضح لا شيء سيتغير سأرحل.
تمضغت تسنيم كلماتي بطراوه تدرك انني لم اعترض على كلماتها بالقاء اللوم على نفسي، وان المعضله تتمثل انها رفضت العوده الى من قبل.
تفكير الأن في إيجاد مخرج ولو علي حساب نفسها.
قالت:
لا ترحل، إنها شقتك وبيتك، سأرحل انا.
قلت:
لن ترحلي، هذا بيتك وشقتك ان كان علي احد ان يرحل فهو انا.
قالت والدتي:
لن يرحل احد، لا انت ولا هي، ستقيم معنا في المنزل حتي نجد حلا.
قالت تسنيم بتأثر:
سأرحل انا.
قلت:
لك قلت لن ترحلي، هل تفهمي كلماتي ام ترغبي ان اكررها؟
استكانت تسنيم، كانت في داخلها تنتظر ذلك، ان ابدي تمسكي بها حتي دون أن اصرح بذلك علانيه.
قالت:
وانت لن ترحل!
ليس من العدل ان تبحث عن سكن وانت تملك شقه ومنزل وانا لا امثل لك اي شيء ولست ملزم باحتوائي.
سأقيم في شقتنا، هل يرضيك هذا؟
قالت:
! واذا رغبت انا بالذهاب للشقه؟
ألم تمنحني الحق في ذلك؟
قلت:
اذا كنت رغبتك ان تقيمي بالشقه بمفردك، كل ما عليك فعله ان تعلميني من خلال والدتي حينها سأتركها لك!
قالت:
ولماذا لا تقيم هنا مع والدتك؟
قلت:
لأنك هنا، وانا اعلم انك لا تطقين رؤيتي ولن ارغمك علي ذلك.
تسنيم
كانت نبرته، كلماته، أفعاله مختلفه عن الرجل الذي كنت أعرفه.
المتعجرف الذي يحضر فتيات ليل لشقة زوجته.
انه يحاول الان بشتي الطرق ان يرضيني مع انني لا امثل له أي شيء.
انه يفعل ذلك تحديدا في ذلك الوقت رغبة في اذلالي.
ها، لقد طلقتك وليس لديك حقوق عندي لكني امنحك شقتي ومنزلي بطيب خاطر.
الشقه والمنزل ملكك انت التى لا تعنين لي شيء وامنحك السلطه لتقرري أين أقيم!
عندما كنت زوجته وتحت سلطته كان القرار يعود اليه وحده، لكن الأن وكل شخص له حياته يستميت ليبرهن لي انني سيدة قراري.
وانه بطيب خاطر يمنحني مصيره لأقرره كيفما اشاء.
انظري لقد خرجتي من طوعي لكني بمنحك سلطة ان تكوني سيدة قرارك انت تسيرين طوعآ نحو المصير الذي حددته لها سابقآ.
كل حركه قد تبدو حماقه، كل كلمه قد تأخذ لناحيه أخري.
قلت:
لا انت ستقيم هنا مع والدتك، المنزل كبير.
وان كان يهمك فعلا انني لا أرغب برؤيتك فأن ذلك لا يمنع ان تقيم هنا.
قالت:
عندما لن أشعر بالراحه سأذهب للشقه.
قال محمود بعناد:
وانا ايضا من حقي أن اذهب للشقه طالما أنك لست فيها.
قلت:
حسنا لا مشكله، المهم ان تكون جوار والدتك حتي لا أشعر بتأنيب الضمير.
أحضر محمود حقائبه.
كنت انا ووالدته قد اعددنا له الغرفه التي تجاورني.
حماتي أصرت علي ذلك.
رواية فراشة المقابر الفصل العاشر 10 - بقلم اسماعيل موسي
روحي تختنق، أشعر بها ضامرة، كئيبة، تلك الشرنقة التي قدت نفسي نحوها، أنا أكرهها!
ليس هناك شعور مؤذٍ أكثر من البقاء بين سيدتين لا تستطيع التحدث إليهم براحة، أن تخضع كل كلمة للمراقبة، إنها ليست حياة، بل سجن.
حول زوجي سطح المنزل لباحة. هناك وضع أريكة في إطلالة مميزة على الشارع، طاولة من خشب الزان لبنية اللون، مقعد جلدي مريح. على الطاولة رصت مجموعة من الكتب، وجهاز يبث الموسيقى ليلاً.
يقضي كل وقته على سطح المنزل، لا يهبط إلا للنوم أو لتناول طعامه. لازلت أدعوه زوجي رغم انفصالي عنه، رغم أني لا أطيقه ولا أدرك الدافع الذي عجل بي الصعود للسطح لأرى كيف يقضي وقته.
أنه لا يلاحظني أو هكذا يبدو، وأن كنت أوثق أنني لا أتنق من أجله، لكن لا مبالاته بدت لي غير مرحب بها، غير مهمة أيضاً.
لكني أحتقره لتصدير تلك المشاعر العدائية تجاهي والتي يصر رغم انعدام الدافع من إظهارها. لم نعد زوجين، نحن الآن مجرد شخصين ناضجين وعليه أن يعاملني بطريقة مختلفة.
أبدل ملابسي كالعادة قبل خروجه، وأحرص كل مرة أن أخرج وهو يتناول طعام إفطاره. لا يمكنه أن يسألني عن السبب حتى من باب الفضول، لكن من ناحية أخرى عليه ذلك، نحن نقطن نفس المنزل. لو تجرأ وسألني لقلت له ببساطة أنني أبحث عن عمل حتى يمكنني أن أعيل نفسي والبحث عن سكن خاص بي، أن أصفعه بتلك الحقيقة التي توضح له أنني لست مسرورة لعنايته بي وغير مرحب به.
لكن حتى تلك المتعة حرمني إياها، أن يراني أنثى قادرة ومسؤولة تبحث عن حياتها الخاصة، مصرة على تحقيق ذاتها التي قتلها من قبل بقصد وتخطيط.
شعور أنه لازال يراني فتاة منكسرة، خاضعة، ذليلة، مثلما الماضي عندما اجترني من منزل والدتي يقتلني.
كنت أبحث عن عمل بكل جدية ومثابرة، مستعدة لتقبل أي عمل يجعلني أشعر بكيونتي. أتسلق النهار بطوله على محلات الملابس، المطاعم، الشركات، ولا أعود للمنزل إلا بعد رجوعه.
قبله حتى لو تغيرت رغباتي، طرقي، الشوارع التي أمشي بها والأشخاص الذين أتحدث معهم كانت غايتي كل مرة أن أعود متأخرة، متأخرة جداً حتى يشعر بالاستياء لكنه ليس مبالياً ولا يراقب حركاتي. أضحت رغبتي بالانتقام منه مرهقة لكن ضرورية.
نجحت في الحصول على عمل في وكالة لبيع المنازل. كنت أعمل تحت أمرة فتاة نفس عمري خفيفة الظل ومرحة. لم تبخل علي بالنصح، وأشربتني أسرار العمل بكل تفاني وأمانة.
جعلت تصطحبني لملاقاة العملاء، كيفية التحدث إليهم وإبرام العقود.
أتذكر اليوم الذي أبرمت خلاله أول صفقة وكنت حتى هذه اللحظة لم أصرح لحماتي عن طبيعة عملي، لكن ذلك اليوم كنت سعيدة جداً. تلقيت عمولة جيدة جداً مكنتني من ابتياع هدايا لحماتي، ملابس وطعام، الكثير من الأشياء الجميلة والرائعة.
كان محمود حاضراً عند عودتي. هو نفسه الذي تقدم نحوي بمساعدتي بحمل الهدايا والتي رحت أفرغها أمام حماتي بكل فخر. الآن فقط لاقيت نفسي.
كنت قد أحضرت هدية من أجله، ويا للغرابة كانت نفس الهدية التي مزقها من قبل بكل برودة أعصابه.
تلقى هديتي بكل فرحة، وتمنى لي عمل ناجح. قلت: ألن تفتحها؟
لم تفتني تلك المأساة أبداً، كيف كنت أقاوِمُه وأنا أتلقى صفعاته في محاولة مستميتة لعدم إتلاف العلبة. كنت مصرة على تذكيره بقدر الحماقة والظلم الذي تعرضت إليه بسببه.
فتح العلبة، أخرج الساعة وهو يبتسم. وضعها في يده، رمقني بطرف عينه بنظرة جعلتني أذوب خجلاً. قال: شكراً لك.
تلك الطريقة النظامية التي يتبعها دوماً جزء من تفاصيله التي حفظتها عن ظهر قلب.
نهض من مكانه ورغم إدراكي قدرته على ابتياع ساعة أثمن منها إلا أنه حرص على الوقوف أمام المرآة وهو يبتسم. كان ممتناً فعلاً، لم يفتني ذلك.
كان العمل يشغل كل وقتي، كنت حريصة أن أثبت نفسي، أن أرتقي وتكون لي وكالتي الخاصة. كنت أفعل ذلك بسعادة ولم يكن ينغص علي إلا أنني أفعل كل ذلك من أجله هو حتى لو كان من أجل الانتقام.
جعلته محور حياتي في أوقات نجاحاتي وانكساراتي، تلك المشاعر اللعينة التي كانت تحطمني، وأسألني كثيراً: ما الجدوى من كل ذلك؟
ينام محمود في الغرفة المجاورة لي بعد أن توقف عن نزواته، وإن كنت أجهل بصورة قاطعة السبب!
وحتى ولو كنت أنكر كنت أتمنى أن يكون فعل كل ذلك من أجلي أنا وحدي وليس لشيء آخر.
يفصل بيننا جدار، لكني كنت أشعر بنفسي عارية أمامه. عندما كنت أرقُد في الظلام كان ذلك الجدار ينمحي وأراه يتقلب على سريره. نفس الجانب المواجه لي، حتى أنني كنت أسحب الغطاء على جسدي، أسمع سعاله، أحفظ حركاته. الآن سينام، بعد دقائق سيشعر بالأرق. الآن يجلس على طرف سريره يدخن لفافة تبغ وهو يحلق بجسدي الغاطس تحت بطانية قشتالية. كانت تلك اللحظة تصيبني بالارتباك.
آه كان الوغد يقتل أفكاري حتى أنني كنت أحياناً أحاول إغراءه وهو يدخن، أبادل رقدتي، أزيح الفراش، ليراني أنثى جميلة.
استقرت أحوالي في العمل، لكن صداقاتي كانت منعدمة، فأنا لا أملك إلا صحبة رفيقتي لورا. أتنزه معها، أهاتفها، أدعوها للعشاء ونسهر معاً.
لورا أيضاً كانت وحيدة مثلي، كانت لها علاقة فاشلة انتهت بأن خلعت زوجها وتخلت له عن كل حقوقها. في كل علاقة فاشلة كل ما يهم الرجل النقود، بينما تكون المرأة مستعدة للتخلي عن كل شيء للفكاك من تلك العلاقة المؤذية.
عندما أخبرت لورا أني طليقي وضع الشقة تحت تصرفي وأنني أعيش معه في نفس المنزل وأن والدته منحتنا نفس الحقوق لم تصدقني. قالت لورا بمزاح: كيف لوغد حقير مثله أن يكون بمثل تلك الرجولة؟
تلك الرجولة، لم أفكر أبداً أن محمود رجل، أو أن ما فعله يجعله رجلاً في عيني، لكن لورا كان لها رأي آخر.
وغد، حقير، لكنه رجل، تلك التعقيدات الوصفية التي حيرتني. قالت لورا بعدما توطدت علاقتنا: متى سأقابل ذلك الوغد الحقير، بشع المظهر؟
لطالما كانت لورا مقتنعة أن لزوجي مظهر بشع. كانت تقول: لديه شارب كث، أصلع بعض الشيء وإن كان له شعر فإنه غير مهذب وكرشه فوق سرته، عيونه غائرة وتخين. بالنسبة لها كانت تلك الصفات ترافق الأشخاص الشريرين، مسقطة مظهر زوجها على كل رجل خسيس ولم أفلح أبداً بإثنائها عن رأيها.
كانت تصر على تلك المقابلة والتي كنت أؤجلها مراراً وتكراراً. رغم كل مساوئه التي أعرفها وتعرفها لورا كنت خائفة أن أفقد تلك الحليفة. لم أكن أفهم بعد لما كل ذلك الحرص على قتل أي فرصة لذلك اللقاء، فأنا لم أعد راغبة به. لكني وإن كنت أنكر، فأنا غير مستعدة لفقدان وجوده في حياتي بتلك الصورة المهملة، مقعد أنيق، لوحة جدارية، غير مهمة لكنك لا تستطيع التخلي عنها.
أصبحت حججي ومبرراتي غير مقبولة بالنسبة للورا وبالنسبة لنفسي. بالنهاية تم تحديد اللقاء. أخبرت حماتي أنني دعوت صديقتي لتناول العشاء معي. كنت أعلم أن محمود سيكون حاضراً لكني لم أوجه له الدعوة.
فتحت حماتي دفترها، كانت حريصة أن أبدو في أحسن صورة أمام صديقتي. كتبت أنواع الأطعمة التي أحبها وتحبها لورا. هذه المرأة التي اعتبرها والدتي لم تترك لي اختيار إلا أن أحبها.
طلبت من محمود الذي كان قد حضر للتو، أن يحضر معه باقة ورد. قال: حاضر دون أن يسأل عن السبب.