ربما علينا أن ننتبه أن الحياة ليست عادلة، وأننا نشعر أحيانًا كثيرة بقسوتها، وأننا نتسرع في الحكم على تصرفات بعض الأشخاص الذين يقعون معنا في نفس الحفرة الملطخة بالمآسي. كانت باقة الورد الحزينة تزبل، إنها تحتاج لماء، إذا لم أمنحها ستموت. أرهقني ذلك الشعور أن أشاهد جريمة قتل أمام عيني دون أن أحاول منعها، لكني اتخذت قراري ولن أتراجع عنه. بعض المواقف تستحق التضحيات، وهذه اللفافة اللعينة ألم يهشمها منذ ساعات؟
كيف تثني لها أن تلتئم مرة أخرى بتلك السرعة. تركت كل شيء على حاله، جلست حتى أصابني الملل. أيقنت أنه لن يعود كما كان مرة أخرى، وأن اللحظة المواتية للاتفاق رحلت بعيدًا، وأن علي أن أتوقع أيامًا عديدة من الجفاء المتزمت. عاد منتصف الليل، كنت قد تعمدت النوم بغرفتنا، لكنه نام بالصالة. استيقظ باكرًا، لم يوقظني وذهب لعمله. إنه يعاقبني على موقفي البارحة، لكني لست غاضبة منه. إن حياتي القادمة ستسير بتلك الوتيرة القاحلة.
فاجأتنا والدته بزيارة قبل عودته من العمل، كانت تعلم أن ابنها بالعمل، قصدت ذلك. تحدثت مرة أخرى عن رغبتها بطفل. سألتني أن كنت اتبعت نصائحها وتخليت عن حبوب منع الحمل. قبل أن أرد، طرق زوجي باب شقتنا. لم أفرح بحضوره أكثر من تلك المرة، عليه أن يواجه اتهامات والدته ولست أنا. قالت والدته: "جيد أنك أتيت، يوجد أمر علينا أن نناقشه". دافع زوجي، اختلق مبررات، لكن حماتي كانت مصرة حتى أنها شرعت في البكاء. حينها قال
كلمته التي دمرت كل شيء: "ماذا أفعل؟ زوجتي الجميلة لا ترغب بطفل الآن، تخشى على جسدها من التشوهات." حينها لم أتمالك نفسي، أطلقت كل الكلمات التي كنت أحبسها. جعلت أصرخ بلا مهادنة أنني لا زلت عذراء بكر، وأنا ابنها هو السبب، يحضر كل ليلة فتاة جديدة يضاجعها على سريري. هل تتوقعي أن أنجب طفلًا من تلقاء نفسي؟ لم يفتح زوجي فمه، انهارت حماتي أمام تلك الاعترافات، أغمي عليها.
حملناها للمشفى، وكانت المرة الأولى التي ألمح فيها دموع زوجي، حتى أنني أشْفَقتُ عليه، ولمت نفسي لإظهاره بتلك الصورة البشعة. ظللنا ثلاثة أيام لا نحدث بعضنا، كنا كالغرباء. فعل زوجي كل شيء من أجل والدته، لم يتوقف عن البكاء حتى فتحت حماتي عينيها، وطمأنه الأطباء أنها بخير. عندما حاول رؤيتها، طردته خارج الغرفة. صرخت أنه ليس ابنها، وأنها لم تعد راغبة قط في رؤيته، أن مجرد رؤية وجهه تقتلها.
رحل زوجي، وكانت تلك آخر مرة أراه خلال الشهور القادمة. عشت مع حماتي، والتي رغم غضبها من ابنها، إلا أنها سرعان ما شعرت بالشوق إليه. حتى أنا، رغم كل جرائمه في حقي، شعرت بافتقاده. كنت أتذكر كل شيء حدث بيننا، وأتندر على تلك الأيام التي كنا نتصارع خلالها.
كانت شقتنا فارغة، لم يقطن بها زوجي ولا مرة منذ كنا في المشفى، تأكدت من ذلك من حارس البناية. تدهورت الحالة الصحية لحماتي، حتى أنني فكرت بالذهاب لمقر عمله لأطلب منه أن يزور والدته لأنها تشتاق إليه وتفتقده. تلك الفكرة التي سرعان ما تحولت لفعل. كان يوم ثلاثاء عندما ذهبت لمقر عمله، سألت عليه، طلبت من أحد العاملين أن يخبره أن زوجته تنتظره بالاستراحة.
كان زوجي قد فقد نصف وزنه، بدا نحيفًا ومنهكًا، أصفر الوجه كأن الدماء رحلت من جسمه. ترجيته أن يعود من أجل صحة والدته التي تتدهور. استمع إلي بصمت، ثم رفع وجهه لتتلاقي عيوننا، ثم سألني: "هل ترغبين أنت بعودتي؟ قلت: "من أجل والدتك نعم." قال: "أنا أسألك أنت، هل ترغبين بعودتي؟ قلت: "لا، أنا لا تعنيني عودتك في شيء. إنها والدتك أنت والقرار قرارك."
قال: "حسنًا، يبدو أن الأمور ستمضي مثلما قدر لها أن تمضي. سأعتق من رفقتي إلى الأبد." لما لاحظ الجزع على وجهي، قال: "لا تقلقي، لن أطردك من الشقة، يمكنك أن تعيشي فيها، أن لن أعود لهناك مرة أخرى." قلت: "شكرًا لك." قال: "لكني سأعيش مع والدتك." ثم أردف: "والآن وأنت تدركين أنك لست مضطرة للعودة لمنزل والدك كما هددتك أكثر من مرة، وبدون ضغوط، هل ترغبين بالانفصال عني؟ "أن أطلقك؟
صدمتني كلماته، وجدت كل ما أرغبه أمامي، إلا أنني لم أشعر بالسعادة كما كنت أعتقد. كان ينتظر ردي، وكان علي أن أتخذ القرار الذي لطالما حلمت به. قلت: "إذا كنت فعلاً تعني كلماتك، ولن تطردني من الشقة أو تضغط علي للرحيل، فأنا أرحب بالانفصال عنك. أنا لم أرَ ولا يوم سعيد معك." تنهد بآسف، ثم قال: "أنت طالق."
ثم أردف: "سيصلك كل أول شهر مبلغ من المال يكفي احتياجاتك، لن أتوقف عن إرساله حتى تقرري الزواج من آخر، حينها يمكنك أن تعيلي نفسك." قلت: "ووالدتك؟ قال: "أحقًا أنت مهتمة بوالدتي؟ قلت: "نعم، بصورة لا تتخيلها." قال: "سأحضر لزيارتها، لكنه لم يحدد يوم." عدت لشقة حماتي بمشاعر متضاربة، خليط من السعادة، الانعتاق، والأسى. قلت لها: "أنا محمود سيحضر لزيارتك في أقرب فرصة." تهلل وجهها من الفرح،
وقالت: "ربما أتت اللحظة التي تعود خلالها كل الأمور لوضعها الطبيعي، أنت ومحمود." قلت: "لن يحدث ذلك، محمود طلقني."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!