لم تعد الأشياء التي كانت تستهويني في الماضي لها نفس المكانة، حتى أنني لا أكاد أصدق أنني أنا نفسي كنت غارقًا فيها. أشعر بالتقزز. أحين كثيرة أكرهني لأنني لا أملك هدفًا محددًا ولا أخطط للغد. ربما ذلك هو سر سعادتي ولعنتي. لم تعد تستهويني نزواتي، لا أقول إنني لا أحبها، لكن الرغبة خفتت.
كان عليّ زيارة والدتي بعد شهور من الغياب. والدتي التي بصورة ما تخلت عن أن تكون والدتي. تنتابني الضحكة عندما أفكر بذلك. يمكن للعائلة، الوالد، الوالدة أن يقوموا بدورهم عندما يرغبون، وأن يرفعوا أيديهم وقتما شاؤوا، وعلينا إلا أن نسلم بتلك الرغبة مدفوعين بشعور الواجب.
عندما طرقت الباب، فتحت لي تسنيم. ورغم أنني قمت بتطليقها منذ شهر، إلا أنها ترمقني بنفس النظرة. عدوها الأكبر، لكن النظرة تقول شيئًا آخر. لازالت لدي تلك المكانة في حياتها. لم تحاول أن تتزوج ولا حتى أن تبحث عن صداقات. قانعة بحياتها كتابع آليف. لطالما رغبت أن أسألها: ما الفرق الذي أحدثه طلاقها؟ لازلت كما أنت، لم تتحركي خطوة. ألا تدركين الآن أنك ألقيت ذراعك قبل الأوان، وأنه كان يمكنك المحاولة أكثر؟
والدتي لم تتطرق للماضي. كانت سعيدة بعودتي، بدا ذلك واضحًا من قسمات وجهها، من نشاطها المحموم لتحضير الطعام وإلقاء النكت السخيفة، محاولاتها المستميتة للتلميح بضرورة عودتي لتسنيم. كانت تقول إن على الزوج أن يمتلك الشجاعة للاعتراف بخطئه، وأن الاعتذار يمكنه أن يحل المشكلات.
كنت مستمتعًا جدًا بطرحها للقضية، محاولتها أن تكون محايدة، لا تميل لابنها على طليقته. كنت أسأل نفسي عن مقدار السعادة التي تغمرها في ذلك الدور، تلك الثقة التي تتحدث بها كأنها قبطان سفينة هائجة على باقي البحارة أن يستمعوا لتعليماته لتصل الباخرة لبر الأمان. كنت أستمع لها وأنا أرمق تسنيم الصامتة مثلي. لماذا لا تفهم أنها ليست القاضية هنا، وأنا أصحاب المشكلة هم الأحق بنقاشها؟
قالت والدتي، كأننا في حصة مدرسة ابتدائية وهي المعلمة التي يكن لها التلاميذ الاحترام والوقار: "ما رأيكم أن ننسى الماضي ونفتح صفحة جديدة؟ هكذا بكل سهولة تطالب تسنيم أن تتناسي كل الحماقات التي ارتكبتها في حقها، وأن أنسى أنا أيضًا أن تلك الزوجة لا تحبني ولا تكن لي أي عاطفة. كنا في مسرحية ننتظر أن يرفع المخرج يده ليتعانق المهرجان ويصفق الجمهور: "أحسنتم!
قالت تسنيم: "أنا لن أعود لعصمتك مرة أخرى. لقد نابني منك عذاب كثير. كان يعاملني كحيوانة ولا يتورع عن ضربي وتعنفي. طوال شهور لم أسمع منه كلمة لطيفة ولم يحاول أن يعتذر. فعلت كل ما بوسعي لأرضيه، لكني الآن لا أملك أي شيء لأمنحه إياه." "آه، لماذا لا تقولي الحقيقة؟ إنني حاولت أن أكون لطيفًا، لكن طريقتي لم تعجبك. إنني لم أعتذر، لكن أتيت بالكثير من الأمور التي تثبت اعتذاري؟
كنت أستمع لتسنيم. كانت حذرة، خائفة في أي لحظة أن تنفلت أعصابي. تختار كلماتها بعناية حتى لا تجرحني. قلت: "حسنًا، كل شيء واضح. لا شيء سيتغير، سأرحل." مضغت تسنيم كلماتي ببطء، تدرك أنني لم أعترض على كلماتها بإلقاء اللوم على نفسي، وأن المعضلة تتمثل في أنها رفضت العودة إلى من قبل. تفكر الآن في إيجاد مخرج ولو على حساب نفسها. قالت: "لا ترحل. إنها شقتك وبيتك، سأرحل أنا."
قلت: "لن ترحلي. هذا بيتك وشقتك. إن كان على أحد أن يرحل فهو أنا." قالت والدتي: "لن يرحل أحد. لا أنت ولا هي. ستقيم معنا في المنزل حتى نجد حلاً." قالت تسنيم بتأثر: "سأرحل أنا." قلت لك: "لن ترحلي. هل تفهمين كلماتي أم ترغبين أن أكررها؟ استكانت تسنيم. كانت في داخلها تنتظر ذلك، أن أبدي تمسكي بها حتى دون أن أصرح بذلك علانية. قالت: "وأنت لن ترحل!
ليس من العدل أن تبحث عن سكن وأنت تملك شقة ومنزل وأنا لا أمثل لك أي شيء ولست ملزمًا باحتوائي." "سأقيم في شقتنا. هل يرضيك هذا؟ قالت: "! وإذا رغبت أنا بالذهاب للشقة؟ ألم تمنحني الحق في ذلك؟ "إذا كانت رغبتك أن تقيمي بالشقة بمفردك، كل ما عليك فعله أن تعلميني من خلال والدتي، حينها سأتركها لك! "ولماذا لا تقيم هنا مع والدتك؟ "لأنك هنا، وأنا أعلم أنك لا تطيقين رؤيتي ولن أرغمك على ذلك."
تسنيم: كانت نبرته، كلماته، أفعاله مختلفة عن الرجل الذي كنت أعرفه. المتعجرف الذي يحضر فتيات ليل لشقة زوجته. إنه يحاول الآن بشتى الطرق أن يرضيني مع أنني لا أمثل له أي شيء. أن يفعل ذلك تحديدًا في ذلك الوقت رغبة في إذلالي. ها! لقد طلقتك وليس لديك حقوق عندي، لكني أمنحك شقتي ومنزلي بطيب خاطر. الشقة والمنزل ملكك أنت التي لا تعنين لي شيئًا، وأمنحك السلطة لتقرري أين أقيم!
عندما كنت زوجته وتحت سلطته، كان القرار يعود إليه وحده. لكن الآن وكل شخص له حياته، يستميت ليبرهن لي أنني سيدة قراري. إنه بطيب خاطر يمنحني مصيره لأقرره كيفما أشاء. انظري! لقد خرجتي من طوعي، لكني بمنحك سلطة أن تكوني سيدة قرارك. أنت تسيرين طوعًا نحو المصير الذي حددته لها سابقًا. كل حركة قد تبدو حماقة، كل كلمة قد تأخذ لناحية أخرى.
قلت: "لا، أنت ستقيم هنا مع والدتك. المنزل كبير. وإن كان يهمك فعلاً أنني لا أرغب برؤيتك، فإن ذلك لا يمنع أن تقيم هنا." "عندما لن أشعر بالراحة سأذهب للشقة." قال محمود بعناد: "وأنا أيضًا من حقي أن أذهب للشقة طالما أنك لست فيها." قلت: "حسنًا، لا مشكلة. المهم أن تكون جوار والدتك حتى لا أشعر بتأنيب الضمير." أحضر محمود حقائبه. كنت أنا ووالدته قد أعددنا له الغرفة التي تجاورني. حماتي أصرت على ذلك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!