الفصل 29 | من 40 فصل

رواية فراشة المقبرة الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
18
كلمة
769
وقت القراءة
4 د
التقدم في الرواية 73%
حجم الخط: 18

كانت الخطوات الثقيلة لزهرة تدق الأرض الصلبة، عينها مشتعلة بغضب لم يهدأ رغم تحذيرات زوجة سالم التي سارت خلفها، خائفة، مترددة، تحاول أن تثنيها عن هذه المواجهة الجنونية. "دكتورة زهرة، بالله عليك... دي نار! نار مش هتعرفي تطفيها! لكن زهرة لم تلتفت، لم يكن بوسعها أن تصمت، أن ترى هذه المرأة تُسحق تحت سلطة رجل لا يعرف الرحمة، رجل ظن أن كل شيء وأي شيء مباح له.

وقفت أمام بيت العمدة، كانت الأضواء لا تزال مضاءة، والصمت المخيف يحيط بالمكان. أخذت نفسًا عميقًا، ثم رفعت يدها ودفعت الباب بقوة حتى كاد ينخلع من مكانه. اقتحمت الدار دون تردد، صوت صرختها الحادة اخترق الجدران: "علي النزاوي! اطلعلي حالا!

تحرك رجال العمدة بسرعة، بعضهم نهض من مقاعده في فناء الدار، وآخرون تقدموا نحوها بحذر، غير معتادين على رؤية امرأة تقتحم المكان بهذه الطريقة، إنها حتى لو كانت طبيبة أو عالمة فإنها امرأة في نهاية الأمر. "العمدة فين؟ " ارتفع صراخ زهرة وسط نظرات رجال النزاوى الغاضبة. خرج العمدة من داخل المجلس، يربت على عباءته السوداء، عيناه كانتا هادئتين، لكنه ابتسم ابتسامة بطيئة وهو يراها واقفة هناك، غاضبة كالعاصفة. "يا سلام...

الدكتورة زهرة بنفسها مشرفانا في البيت." كان صوته ناعمًا، متلاعبًا، لكن زهرة لم تهتم بذلك، تقدمت نحوه بخطوات ثابتة، حتى كادت تصل إليه، وقالت بحدة: "إنت عارف أنا جاية ليه، فبلاش لف ودوران! رفع العمدة حاجبيه وكأنها أدهشته، ثم ضحك بخفوت وهو يقول: "من شايف إنك داخلة بعنف أكتر من اللازم." ثم ألقى نظرة بطرف عينه على زوجة سالم جعلتها ترتعش. صاحت زهرة: "سبها في حالها، بصلي أنا اللي بكلمك."

لمعت عينا العمدة بلون داكن، وكأنه استمتع بالتحدي الذي أمامه، لكنه لم يُظهر غضبًا، فقط اقترب منها ببطء وقال بنبرة خافتة: "إنت فاكرة نفسك مين يا مرة؟ فاكرة إنك تقدري تدخلي بيتي، وتتكلمي بالطريقة دي من غير عقاب؟ لم تتراجع زهرة، بل رفعت رأسها وقالت بوضوح: "مش هسيبك تستغلها! مش هسيبك تظلمها أكتر من كده!

وقف الرجال في المكان مشدوهين، لم يكن أحد قد رأى امرأة تتحدث مع العمدة بهذه الطريقة من قبل، وكأنهم لم يصدقوا أنها ما زالت واقفة على قدميها. العمدة ابتسم ببطء، ثم استدار وأشار بيده إشارة خفيفة، فجأة، أحاط بها الحراس من كل الجهات. "كتفوها." صرخت زهرة: "متقدرش تعمل كده، البلد فيها قانون فيها شرطة، إنت مش الحاكم بأمره." رفع العمده علي النزاوى حاجبه: "الحاكم بأمره ده مش هو اللي أجبر الشعب المصري ياكل الملوخية."

لم يتلقى علي النزاوى رد من رجاله. شعرت زهرة بالقبضات الخشنة تمسك بذراعيها، حركتها العنيفة لم تفدها، كانوا أقوى منها بكثير، صرخت: "إبعدوا عني! إبعدوا! لكن صوتها ضاع بين ضحكة العمدة، الذي استدار نحو زوجة سالم المرتجفة، أشار إليها بأصابعه وكأنه يستدعيها كحيوان أليف. صرخت المرأة برعب، جثت على الأرض ممسكة بأطراف عباءته، تبكي بحرقة، تتوسل: لكنه لم يكن يستمع، لم يكن يرى أمامه سوى ما يريد.

أما زهرة، فقد كانت تكافح بين أيدي الرجال الذين قيدوها بقوة، ضغطوا ذراعيها للخلف، شعرت بألم شديد في مفاصلها، صرخت بكل ما أوتيت من قوة: "يا جبان! إنت جبان! لو راجل بجد، سبني وواجهني بنفسك! لكن العمدة لم يلتفت إليها، فقط التفت إلى رجاله وقال ببرود: "خلوا الدكتورة تتفرج... يمكن تتعلم." ثم أمسك بيد المرأة بعنف، جذبها بقوة حتى كادت تقع، وبدأ يسحبها إلى الداخل، رغم صراخها، رغم استغاثاتها التي ملأت المكان.

أما زهرة، فقد ظلت تصرخ... لكن أحدًا لم يستمع إليها. "ورحمة أمي يا علي النزاوى لدفعك الثمن." أغمضت زهرة عينيها لم تقو على تحمل ما يحدث، كانت المرآة التي جلست أمامها زهرة تعرض كل شيء بالبطيء. تقيأت زهرة أكثر من مرة كادت روحها أن تزهق وهي تسمع صرخات المرأة واستغاثتها. "خدوها على القبو وأدبوها." أمرهم علي النزاوى بعدما انتهى من المرأة. "البت دي لازم تتعلم تحترم العمده."

جر الرجال زهرة نحو القبو وقيدت في سقف الغرفة. رفع أحد الرجال سوطه أمام عيني زهرة المرتعبة. ومع أول جلدة عاد الألم إلى جسد زهرة، عادت الذكريات التي حاولت دفنها. يد الحارس التي جذبتها من تحت السرير. الأقدام التي تسير بين جثث عائلتها ثم وجه علي النزاوى. وهو يعتدي عليها، يعتدي على طفلة لم تكمل عامها الحادي عشر. توقفت زهرة عن الصراخ، أعصابها لم تعد تنقل الألم إلى جسدها، كانت تشم رائحة جسدها المحترق.

تلك الليلة في ذلك البيت كان علي النزاوى الذي قتل كل عائلتها. واصل الرجال جلدها حتى تقطع قميصها. عندما توقفت عن الصراخ ظنوا أنها ماتت. توقفوا عن الضرب وركضوا على العمده الذي أمرهم ينقلوها بسرعة دون أن يراهم أحد إلى الوحدة الصحية. ثم بعد ذلك غير أوامره، ألقوها في حديقة الوحدة الصحية الخلفية، واحترسوا أن لا يراكم أحد. "طيب وهند يا سعادة العمده زوجة حامد؟ دا هي اللي استنجدت بيها وشافت كل حاجة."

"خلوها تحصل جوزها يمكن توحشته بنت تفيدة." أمرهم العمده بلا اهتمام. همس أحد الحراس: "والدكتورة يا كبير؟ اديها طلقتين في نفوخها، إحنا مش محتاجين وش ووجع دماغ." أومأ العمده علي النزاوى برأسه للحارس الذي ابتسم وانطلق خلف الرجال.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...