الفصل 39 | من 40 فصل

رواية فراشة المقبرة الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
22
كلمة
824
وقت القراءة
5 د
التقدم في الرواية 98%
حجم الخط: 18

كان على نرجس أن تعد غرفة جديدة لناصر، وكان الأمر مربكًا في البداية لأنه رجل غريب سيعيش بينهم، لكن من أجل عيون زهرة كل شيء يهون. إنها ابنتها الوحيدة وناصر قطعة منها. ورغم التخبط في مواعيد الوجبات ورفض ناصر الانضمام إلى المائدة وحرصه على تناول طعامه بمفرده داخل غرفته، إلا أنها كانت تشعر بشيء غريب تجاه ناصر. شفقة مشوبة بحزن، إلا أنها احترمت رغبته في البعد عنها وعن الخادمة، والحديث بالكاد لزكريا والد زهرة الذي كان يمهد لعلاقة تجمعه مع ناصر. فقد كان ناصر حريصًا وخجولًا أكثر من اللازم.

كان واضحًا أن ناصر اكتفى من العالم ويريد أن يقضي بقية حياته بمفرده في سلام. لقد كانت المرة الأولى التي يلمس فيها ظهره سرير مريح وغرفة مغلقة لا تهب فيها الريح الباردة. حتى أنه نام لمدة يومين كاملين فور وصوله، حتى اضطرت زهرة لإيقاظه شكًا منها أنه مات.

ثم اعتاد ناصر أن يجلس في الحديقة بمفرده معظم النهار دون مضايقة أحد، اللهم ميمي التي أصيبت بالعمى في آخر أيامها. ربما تبدلت ملابس ناصر بأخرى جديدة اشتراها له زكريا، لكنه ظل كما هو، وحيدًا معزولًا، غير قادر على الاختلاط بالعالم. فمنذ زحفه وهو طفل صغير عاري الجسد ونصفه محروق، يصرخ صرخات تصل حدود السماء دون أن يساعده أحد، كأنه منبوذ. لقد واصل الزحف ليلتها مثل كلب كسيح ينتقل من حقل لحقل. كان مجرد طفل يصرخ باسم أبويه

وإخوته. كان عمره في الحادية عشر حينها، ورغم أن جروحه تعفنت وتقيحت وأكلت من جسده، لم يمد له أحد يده. لقد عاش لشهور طويلة معتمدًا على بقايا الأكل التي يجدها صدفة في الطرقات. إنه يتذكر أول مرة قصد فيها منزل جيرانه ليطلب خبزًا عندما سرقت المرأة عفريت شيطان.

من وقتها وهرب إلى الجبل بعيدًا عن الناس. هل يمكنني أن أجلس معك؟ همس زكريا قبل أن يجلس. فيه موضوع مهم عايز أكملك فيه.

توقع ناصر الأسوأ، لكن الرجل بدا ودودًا ولطيفًا. لقد كنت خائفًا على زهرة من بعدي. أعرف أنها أختك، وأنني لست والدها الحقيقي، لكن فكرة تركها بمفردها في هذا العالم بدت مأساوية أكثر من اللازم. الآن أنا مطمئن، لقد أزحت حملًا كبيرًا من فوق كتفي يا ناصر. سيكون لدى زهرة كتف تتكئ عليه ويوفر لها الأمان. أعرف أنك عانيت أكثر من اللازم، لكن على الحياة أن تمضي. أنا لا أطلب منك أن تخرج للشارع، لكن على الأقل أن تختلط بعائلتك الجديدة. فأنا بمثابة والدك، من فضلك امنحني هذا الشعور.

أنا شخص ملعون، ألا تفهم؟ لا يستطيع أحد أن ينظر إلى وجهي دون أن يتقيأ. أتريد أن يأتيك كابوسي كل ليلة؟ يا ولدي، قبل أن تأتي زهرة، كنت أتمنى أن أسمع كلمة "بابا". لا يمكنني وصف شعوري أول مرة قالت فيها زهرة "بابا". لقد تعلمت أن أرضى بالقليل يا ناصر، وأنا لا أطالبك بتغيير نفسك، بل أطالبك أن تتحدث معي. انظر بنفسك، هناك امرأتان تتحدثان طوال الليل والنهار. ورجل مسن على وشك الموت يجلس بمفرده.

تحدث معي يا ناصر، لا تترك رجلًا عجوزًا يشعر بالوحدة، لأنك تعرف ذلك الشعور. سنخرج معًا. سنذهب للمقاهي والشركة وكل مكان. ارتدِ قناعك أو من دونه، لكن كن معي من فضلك. بدا ناصر مترددًا عندما حرك يده المحترقة، لكن زكريا قبض على يده وأحس بارتعاشتها. وبعد يومين، شوهد ناصر يجلس مع زكريا يلعبان الطاولة داخل المجلس، ويجلس معهم على مائدة الطعام. ثم بدأ ناصر يترك نفسه لتجارب زهرة العلمية التي كانت تعمل على تجربة لشفاء جروحه.

داخل منزل زهرة، وبين أدواتها الطبية والبحثية، قررت أن تجرب طريقة جديدة لعلاج الحروق التي تملأ جسد ناصر، خاصة بعد فشل العلاجات التقليدية في تحسين حالته بشكل كاف. كانت نظريتها قائمة على تحفيز تجديد الأنسجة المتضررة عبر مزيج من العلاج بالخلايا الجذعية والعلاج بالضوء الحيوي، وهي تقنية طورتها بناءً على أبحاث متقدمة في ترميم الجلد.

بدأت زهرة بتنظيف الحروق بعناية، مستخدمة محلولًا مطهرًا لا يسبب تهيجًا، ثم قامت بتقشير الطبقة الميتة برفق لتوفير بيئة نظيفة تساعد على امتصاص العلاج. استخرجت زهرة خلايا جذعية مشتقة من الأنسجة الدهنية، وهي نوع من الخلايا لديه قدرة عالية على التجدد والتكيف. بعد معالجتها في وسط مغذٍّ، قامت بحقنها في المناطق المحترقة بجرعات دقيقة، مستخدمة تقنية المايكروإبر لضمان توزيع متساوٍ وتحفيز إنتاج الكولاجين.

وضعت زهرة جهازًا صغيرًا يصدر أشعة ضوئية ذات أطوال موجية محددة فوق المناطق المصابة. كان هذا الضوء يحفز نشاط الخلايا الجذعية، ويعزز تدفق الدم، ويقلل من الالتهاب. شعرت بأمل حقيقي وهي تراقب تفاعل جلده مع الضوء، حيث بدأ الاحمرار يخف تدريجيًا.

بعد أولى الجلسات، لاحظت زهرة أن الحروق بدأت تظهر علامات تعافٍ أسرع من المتوقع. الجلد لم يعد قاسيًا كما كان، والخلايا المتجددة بدت أكثر نشاطًا. كان ناصر يراقب بصمت، لا يعبر عن الألم أو الراحة، لكن نظراته كانت تخبرها أنه يلاحظ الفرق. بالنسبة لزهرة، لم يكن هذا مجرد علاج لندوب ناصر، بل كان اختبارًا علميًا قد يغير مستقبل علاجات الحروق.

لكن السؤال الذي راودها: هل يمكن لهذا العلاج أن يداوي الحروق الأعمق التي لا تُرى على الجلد؟ وبينما كانت التجربة تأتي ثمارها، كانت العلاقة بين ناصر وزهرة تطورت لدرجة كبيرة. وكان هناك حدث هام عندما أمرت زهرة ناصر أن يظل داخل غرفته مغطى بالشاش يخضع لعلاجها الفريد. بعد عشرة أيام قضاها ناصر في رحلة وحبس انفرادي، وقفت زهرة ونرجس وزكريا على باب غرفته. اليوم ستظهر نتيجة التجربة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...