عندما سألت، تقدم لك واحد في عمر الأربعين. قالت: "رفضته، هعمل إيه بواحد في الأربعين؟ دا واحد ميت! أحس عمر الأربعين عمر بلا كرامة، عمر مائع أكثر من الأزم. وإلا كيف بواحد في الأربعين أن يشعر أنه طفل، أو أنه على وشك الموت؟ غريبة هي الحياة التي لا تجمعنا بمن يشبهنا إلا تحت التراب.
من بين النار المشتعلة، أنقذ ناصر أولاد العمده علي النزاوى، أنقذ حريمه، ولم يبالي بالنار التي أحرق أجزاء من جسده. فقد كانت يده محترقة ومهترئة عندما خرج من بيت العمده. قبض رجال العمده على ناصر. إنه قاتل العمده ومشعل الحريق. أوسعوه ضرباً، لكن الشرطة حضرت بسرعة، إنه بيت العمده وليس بيت آخر. وقفت سيارات الإطفاء وقذفت خراطيم المياه على البيت المحترق، ونجحوا في إخماد الحريق بعد ربع ساعة.
لم ينج العمده، مات داخل بيته محترقاً. واقتيد ناصر إلى قسم الشرطة متهماً بقتل العمده بطلق رصاصي قبل أن يشعل الحريق في المنزل، كما أكد الشهود، رجال العمده. ورجل عنده رجال يشهدون زوراً ويزيفون الحقائق لا يستحق الحياة. لكنها ربما تكون الحقيقة. ربما ناصر أطلق الرصاص على العمده وأشعل النار عندما دخل لينتقم من العمده. ولم يكن داخل القرية سير إلا خبر موت العمده. فقد ظن البعض أن العمده لا يمكن أن يموت.
شخص مثله يستحق ميتة تليق به، ميتة معتبرة تخلد حياته التافهة المليئة بالمظالم. داخل قسم الشرطة، أجبر خاطر على نزع قناعه. ولم يطق ضابط الشرطة النظر في وجهه. "أنت شيطان، مستحيل تكون إنسان." لكن المخبر السري لا يفرق بين شيطان وملاك. فكل من يدخل القسم لابد أن يضرب، ثم يأخذ القانون مجراه. أي عنصر يهرب من الإهانة ستكون سبه في وجه السلطة. في قسم الشرطة، أنكر ناصر إطلاق الرصاص على العمده وإشعال الحريق في بيته.
وبعد أربعة أيام، قال تقرير الطب الشرعي أن العمده قتل برصاصة قبل أن تحترق جثته. والبندقية التي ضرب بها كانت سليمة والبصمات عليها. لم يلحق بها ضرر ولم تحترق. كانت تحت جسد العمده محمية من النار، كأنه في لحظاته الأخيرة أبى إلا أن يأخذ المجرم عقابه، فأحتفظ بالبندقية سليمة. في النيابة، سمح وكيل النيابة لناصر بارتداء قناعه. وكان هناك محامي وكلته زهرة للدفاع عنه.
وجهت النيابة لناصر تهمة قتل العمده مع سبق الإصرار والترصد، وتم تحريز سلاح الجريمة. "سأخرجك من هنا،" همست زهرة في الممر الواصل بين حجرة وكيل النيابة وسيارة الترحيلات. "لن تقبع في السجن أكثر من عشرة أيام. ومع أول جلسة في المحكمة، طلب المحامي، محامي ناصر." أخذ بصمات ناصر وطابقها مع البصمات الموجودة على البندقية التي أكدت التحقيقات أنها سلاح الجريمة.
تم أخذ بصمات ناصر، وبالطبع لم تتطابق مع البصمات الموجودة على سلاح الجريمة. انتفت تهمة القتل عن ناصر. وبعد تأكيد الشهود من أهل القرية رؤية ناصر ينقذ أطفال العمده وحريمه، كانت تهمة إشعال الحريق مشكوك فيها. خرج ناصر من قاعة المحكمة بكفالة عشرة آلاف جنيه. وكانت زهرة في انتظاره داخل سيارة والدها مع والدها ووالدتها نرجس وميمي. "أنا لازم أرجع القرية،" همس ناصر بقلق وخوف. كانت أول مرة يركب فيها سيارة بعد سيارة الترحيلات.
قبضت زهرة على يده وصرخت: "اسكت يا ناصر! "اسكت يا أخي! وطوال الطريق، حل صمت كئيب لم يقطعه سوى شهقات زهرة ودموع ناصر. حتى وصلا بيت زهرة. "أريد أن أجلس مع ناصر بمفردنا لو سمحتم." سمح لها والديها بالجلوس مع ناصر. "انزع قناعك يا ناصر." "لم تعد مضطر لإخفاء وجهك بعد الآن." لم يسمح لها ناصر بنزع قناعه أو حتى لمسه. "ليس الآن." "لست مستعد يا زهرة."
حدقت زهرة في وجه ناصر. "أعرف الآن لماذا أنقذت أولاد العمده، ولما سمحت ليديك أن تحترق، وكيف حافظت على البندقية التي تحمل بصماتك سليمة رغم الحريق." "أنت ماكر يا ناصر، كنت تعرف أن احتراق يديك سيضيع البصمات ولن تتطابق أبداً. ربما أنا الوحيدة التي فكرت في ذلك. كنت حريصاً على سلامة البندقية من أجل براءتك." "لكن، كيف عرفت أني أختك؟
"عرفتك من أول نظرة،" همس ناصر، "عندما سمعت أن هناك طبيبة جديدة في الوحدة الصحية، ذهبت لرؤيتك، ومع أول نظرة عرفتك." "ليه يا ناصر خبيت علي الحقيقة؟ "ليه مجريتش وخدتني في حضنك؟ "خفت عليك، كان لديك حياة كاملة، لم أرغب أن يصيبك مكروه. إذا كان العمده عرف أنك أختي، كان سيقتلك." ثم أضاف ناصر: "أنا مشوه بوجه بشع، أنا شيطان يا زهرة." "هش، اصمت،" همست زهرة، "تعالى هنا." ثم غرقا في حضن طويل دامع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!