الفصل 32 | من 40 فصل

رواية فراشة المقبرة الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
23
كلمة
597
وقت القراءة
3 د
التقدم في الرواية 80%
حجم الخط: 18

في اللحظة التي دوى فيها صوت الطلق الناري، أدركت زهرة أن الفرار لم يصبح خيارًا، وأن الوقت قد نفد. لم يكن أمامها سوى انتظار مصيرها، لكن فجأة، ومن العدم، جاءها الصوت الهادئ العميق الذي أصبح مألوفًا لها. "انزلي بسرعة يا دكتورة." قبل أن تستوعب، شعرت بيد قوية تمسكها وتسحبها إلى الأرض. جسدها يشعر بالألم، لكن الشاب الذي أنقذها لم يسمح لها بالبقاء طويلاً. سحبها خلفه بسرعة، مستخدمًا العتمة كدرع يخفيهما عن الأنظار.

كانت أنفاسه ثابتة رغم التوتر، بينما كانت أنفاسها متقطعة، مليئة بالخوف والرعب، ومن قبضة يده الحديدية. "إزاي عرفت إنهم هنا؟ " همست، بالكاد تتحكم في ارتعاش صوتها. "مش لازم يظهروا عشان أعرف إنهم هنا." رد بهدوء، وكأن ما يحدث مجرد لعبة اعتادها. "الكلاب بنسمع نباحها من مكان بعيد جدًا." أشار لها بالبقاء منخفضة، ثم تحرك بسرعة. لم تكن متأكدة مما فعله، لكنها سمعت صوت ارتطام شيء ما، ثم صوت محرك سيارة يُشغل بعيدًا عنهم.

"دلوقتي." قالها بإيجاز، ثم أمسك يدها مرة أخرى وسحبها بين الحقول التي تكفلت بخفائهم، بينما اختفى كريم الشاب الآخر ولم تره في الجوار. ورغم العتمة إلا أن الأقدام التي تتبعهم لم تكن بعيدة. واصل السير حتى ظهرت سيارة قديمة متوقفة على الطريق، الباب كان مفتوحًا، وكريم يجلس خلف المقود، يراقب الطريق بعينين مذعورتين. قبل أن يصلوا السيارة أمطرهم الرصاص، أعيرة نارية انطلقت من كل حدب وصوب. سحب الشاب

زهرة بيد مرتعشة ثم همس: "انحني على الأرض." "مترفعيش وشك خالص يا دكتورة." رفع وجهه لحظة وكان يغمغم: "خمسة، ستة، سبعة." قبل أن ينحني مرة أخرى. وضع وجه زهرة المرتعبة بين يديه ولم ترَ سوى لمعة عينيه وهمس: "أنا عايزك تثقي فيه، ممكن؟ ترددت زهرة، كيف تثق بإنسان لا تعرفه؟ لكن صوت الرصاص لم يمنحها فرصة للتردد. "حاضر." "أريدك أن تصرخي بصوت مسموع، ممكن؟ "أتمي العدد لعشرة واصرخي."

اختفى الشاب الآن. عدت زهرة واحد، اثنان، حتى وصلت عشرة، ثم أطلقت صرخة ووقفت في مكانها. "هناك يا رجالة." سمعت زهرة صوت أحد رجال العمده على النزاوى، الذي كان يركض نحوها. وصل الرجل زهرة وأطلق ابتسامة: "بتصرخي يا قوطة؟ "خايفة من الضلم... " لم يتم كلمته، انغرست سكينة في عنقه وسقط أرضًا. سحب الشاب بندقية الحارس وانبطح على الأرض. "دكتورة، ضعي يديك فوق أذنك."

كان الرجل يركضون نحو مصدر الصوت عندما انطلقت رصاصات الشاب التي أسقطتهم واحدًا تلو الآخر. "يلا بينا." سحب الشاب زهرة من يدها خلفه. همست زهرة: "انت إزاي ماشي كده ومش خايف منهم؟ "لأنهم ماتوا." أجاب الشاب باقتضاب. "متأكد إزاي؟ استدار الشاب نحو زهرة: "لأني عارف عددهم يا دكتورة." "الكلب الكبير دايمًا بيخلي مجموعة من الرجال يحوطوه." "مش بيغامر ويبعت الرجال كلهم." "لازم تخرجي من هنا دلوقتي." "طب إنت؟ هيعملوا فيك إيه لو لقوك؟

ابتسم بسخرية، تلك الابتسامة التي لم ترها لكنها شعرت بها في نبرته. "أنا ميت من زمان يا دكتورة." شعرت برغبة غريبة في قول شيء ما، أي شيء يبقيه معها للحظة أطول. لكنه لم يمنحها الفرصة. أدار وجهه أخيرًا نحوها، ونظر إليها مباشرة. كانت تلك النظرة... غريبة. ليست نظرة امتنان لإنقاذه لها، ولا نظرة شخص يعرفها جيدًا، ولا حتى نظرة وداع تقليدية. بل نظرة اثنين التقيا صدفة، رغم أنه لم يكن من المفترض أن يلتقيا أبدًا.

نظرة تحمل شيئًا من التقدير، وشيئًا من الوداع المسبق، كأن كل شيء انتهى قبل أن يبدأ. كانت نظرة طويلة، أثقل من الكلمات التي لم تُقل. عندما وصلا السيارة، دون أي تعليق، استدار الشاب وسار مبتعدًا. "زهرة، اركبي! " صاح كريم، يضرب المقود بيده، عيناه تراقبان الطريق بتوتر. لكن زهرة بقيت متسمرة للحظات، تراقب الرجل الذي أنقذها وهو يختفي بين الأشجار. أرادت أن تسأله عن اسمه، أن تعرف أكثر، لكنه اختار الرحيل.

وبدون كلمة أخرى، صعدت زهرة السيارة، وأغلقت الباب خلفها. تحركت السيارة ببطء، تاركة خلفها القرية التي لم تكن تعرف إن كانت ستعود إليها مرة أخرى.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...