كانت السيارة تتهادى على الطريق الوعر، وعقل زهرة لا يزال عالقًا عند الرجل الغامض. شعرت بضغط في صدرها وهي تسترق نظرة عبر النافذة، حيث تلاشت الأشجار التي ابتلعت ظله. ثم دوّى صوت الأعيرة النارية مجددًا. شهقت زهرة، وقبضت على طرف مقعدها، بينما ضغط كريم بحدة على دواسة الوقود. "بيطاردوه! " صرخت، وهي تلتفت للخلف، لكن كريم لم يكن بحاجة إلى تفسير. "هو عارف هو بيعمل إيه." قالها بحدة، وكأن الكلمات كانت موجهة لنفسه أكثر منها لها.
لكن زهرة لم تستطع أن تبعد عقلها عن الرجل الذي تركوه خلفهم، وحده، يواجه رجال العمدة المسلحين. على الجانب الآخر، وسط الأشجار الكثيفة، كان الشاب الملثم يركض. لم يكن يركض بلا هدف. كانت قدماه تعرفان الأرض كما يعرف أحدهم خطوط كفه. انحنى بين الحشائش العالية، تسلل عبر الظلال، كل خطوة محسوبة بدقة. كان يسمع أصوات المطاردين خلفه. خمسة، لا... ستة رجال. رأى انعكاس أضواء المصابيح اليدوية بين الأشجار، ثم صوت أحدهم:
"لازم تخلصوه قبل ما يوصل للجبل! الجبل. ابتسم لنفسه، ابتسامة بالكاد لمعت في الظلام، وهو يواصل الركض. ثم، أتت الرصاصة الأولى. انطلقت من بعيد، وشعر بها تخترق الهواء قرب كتفه. لم يصب، لكنه شعر بالحرارة تمر بجواره. انخفض بسرعة، وركل جذع شجرة يابسة ليسقط خلفها، مستخدمًا إياها كغطاء. أعاد حساباته، كانوا ينتشرون، يحيطون به. رأى ظلًا يقترب من يمينه، فثبت أنفاسه، انتظر للحظة، ثم تحرك بسرعة. طعنة خاطفة.
أطلق الرجل صرخة قصيرة قبل أن ينهار، ورأى الآخرون سقوطه، مما جعلهم يترددون للحظة. لحظة كانت كافية للرجل الغامض كي يتحرك مجددًا. رصاصة أخرى، هذه المرة أقرب. لم يكن أمامه خيار سوى الركض مباشرة نحو المنحدر الصخري الذي قاده نحو الكهوف. لكن أحدهم كان ينتظره هناك. رجل ضخم الجثة، بندقيته مصوبة مباشرة نحوه. "انتهت اللعبة، يا ابن الكلب." قالها وهو يضغط على الزناد. لكن الشاب الملثم لم يتوقف. بل اندفع مباشرة نحوه. بسرعة خاطفة.
طلق ناري انطلق —لكن بعد لحظة، كان الاثنان يتدحرجان على الأرض. القتال كان فوضويًا، سريعًا. قبضات تتطاير، سكين تُغرس في اللحم، رجل يصرخ وهو يسقط على وجهه. عندما نهض الشاب الملثم، كان يلهث، والدماء تقطر من ساعده. لكنه لم يتوقف. نظر نحو الكهوف، حيث كان يعلم أنه لن يتمكنوا من اللحاق به. كانت هذه فرصته الأخيرة.
خلفه، كان الرجال الآخرون يقتربون. سمع أصواتهم الغاضبة، لكن جسده لم يعد يشعر بشيء سوى الرغبة في البقاء على قيد الحياة. خطوة، خطوتان —ثم قفزة عبر الصخور. انزلقت قدمه للحظة، لكنه استعاد توازنه، ودخل في ظلام الكهف. توقف للحظة، يستمع. هدوء. ثم صوت أحد الرجال، غاضبًا، محبطًا: "وصل الكهف، اللعنة! ابتسم الشاب الملثم في الداخل، لم يكن الضوء يصل، لكن هذا لم يكن مهمًا. لقد كان ينتظر تلك الفرصة من سنين طويلة.
سحب رشاش سريع الطلقات وانبطح على الأرض بين صخرتين، أمطر رجال العمدة بالرصاص. لم يسمح لهم بالتراجع، كمن كل رجل في مطرحه يبحثون عن العمدة بعيونهم. طلقة خلف طلقة كان الشاب الملثم يسقطهم واحدًا تلو الآخر بلا رحمة. العمدة الذي كان يقف بعيد صرخ: "يا رجال؟ لكنه لم يتلقى ردًا. "وهم كلهم." همس رجل من خلفه بنبرة مرتعبه. سحب العمدة بندقية: "حط عينك وسط راسك يا كلب منك له." ثم تراجع بروية والرجال يحيطون به.
تجنب الرصاصات البعيدة وهو يتقهقر. "لو أي كلب فيكم وقف ضرب نار هقتله بنفسي." صرخ العمدة وهو يقفز فوق فحيرة وسط الظلام. طلقة بعيدة أسقطت الرجل الذي يقف جوار العمدة. انبطح العمدة على الأرض يده مصوبة تجاه الجبل، "طلقة أخرى، طلقة أخرى." همس في سره. انطلقت طلقة أخرى من ناحية الجبل، أجرى العمدة حساباته. انتظر طلقة أخرى ثم أخذ نفس عميق وأطلق خزنة رصاص. حل صمت للحظة طويلة قبل أن ينهض العمدة. "إلا بيّا." "ناصر!
صرخ واحد من الرجال: "نروح نكمل عليه يا عمدة؟ شكله اتصاب." "لأ،" همس العمدة، "لازم نرجع الدوار، أنا هجهزله حملة كبيرة، ده لو مكنش مات دلوقتي." ثم صرخ في الرجال، "حاوطوا الجبل، مش عايز نملة توصل المغارة، مش عايز أي شخص يقدم له مساعدة، لو كان اتصاب لازم يموت." أوقفت زهرة السيارة بالعافية بعدما سمعت صوت الأعيرة النارية التي كانت تشبه حربًا. نزلت من السيارة، "مش هسمح إن شخص تاني يموت بسببى."
"لازم أساعده." ورغم اعتراضات كريم، إلا أن زهرة تركت السيارة وركضت خلال الطريق عائدة نحو الطريق الذي ركض فيه الشاب الملثم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!