"الحقيقة أن الأفعال البسيطة هي ما تُغذي مشاعرنا السيئة التي تتسرب لداخلنا لتحدث الكره والحقد، وتبني ألوفًا من الحواجز.. تقطع علاقات وتفرق أحبة، ومع تكرار المواقف يصبح الصديق عدو، والحبيب غريب مكروه، حتى وإن كانت تلك الأفعال غير مقصودة" والزائر لم يكن سوى والد مازن "ممدوح" الذي سمع صوتهما العالي من الخارج فقرر الدخول لفهم ما يحدث، فاخترقته رصاصة طائشة أسقطته أرضًا..
صراخ وربكة وصدمة وضجيج في الوسط حتى وصل الجميع للمستشفى القريبة لحد ما.. وهناك وقفت "نادية" تصرخ بولاديها من بين بكائها: _أنا عاوزه افهم ايه اللي حصل؟ ايه المسدس ده وازاي الرصاصة جت في ممدوح؟ اعتدل "شاهين" في وقفته بعدما كان مستندًا على الحائط خلفه وقال محاولاً إخفاء الحقيقة: _كان مازن بينضف سلاحه و…
اتسعت عيناها وهي توجه نظرها لمازن الذي ينظر لباب الغرفة التي اختفى فيها والده ونظراته تائهة، يخشى فقده ويخشى أن يكون بتهوره قد تسبب في موته فيحمل ذنبًا سيكويه طوال حياته.. _جبت المسدس ده منين يا مازن؟ وجايبه ليه اصلا بتعمل بيه ايه؟ نظر لها معاتبًا: _معتقدش ده وقته.. احنا حتى لسه مطمناش على بابا.
وبعد انتهاء جملته خرج الطبيب ليندفعوا ناحيته بلهفة قلقة فيخبرهم انه بخير وان الرصاصة ولحسن الحظ كانت بعيدة عن القلب بعدة سنتيمترات، وأنها مسألة وقت وسيتم نقله من غرفة العناية لغرفة عادية بعد التأكد من مؤشراته الحيوية..
وبقى الوضع على أشده بين الجميع، نورهان التي التصقت بشاهين تبكي خشية فقد والدها وهول المنظر الذي رأته ووالدها غارق في دمائه، وشاهين الذي يحتضن شقيقته يدعمها ويهدأ من روعها وفي الوقت ذاته يلقي نظرة على والدته التي اتخذت الصمت والابتعاد عنهم عقابًا على الكارثة التي حدثت.. عقاب مؤقت!
وأما عن الذي أصبح يقف مقابلاً له الآن لم ينفك عن رميه بنظرات اتهامية واضحة أثارت غيظه وأشعلت نيران غضبه ولا يتمنى الآن سوى أن ينفرد بهِ ليفهم معنى نظراته.
وجاء الانفراد بعد ساعات حين خرج ممدوح من غرفة العناية لغرفة أخرى وسُمح لوالدته وشقيقته بالبقاء بجواره، وحينها قرر "مازن" الانسحاب والعودة إلى المنزل ليبدل ثيابه التي تلطخت ببعض الدماء، وكذلك يجلب ثياب نظيفة لوالدته التي لم يختلف حالها عنه، وحينها استغل شاهين الفرصة وهو يبرر خروجه لحسابات المستشفى ليدفعها.. وأمام المستشفى وقبل أن يفتح "مازن" باب سيارته. _استنى يا مازن.
توقف بضجر واضح وهو يلتفت له بنظرة يراها شاهين للمرة الأولى، نظرة لا يكمن فيها سوى الكره والشر، اقترب منه متجاهلاً نظرته وسأله بتحفز: _بتبصلي كده ليه؟ ونظراتك ليا فوق مش عجباني، كأنك بتتهمني بأني السبب في اللي حصل. رفع جانب فمه ساخراً وهو يعقب: _بتهمك! لا طبعا حاشا لله، وانتَ ذنبك ايه يعني في اللي حصل. قطب "شاهين" ما بين حاجبيهِ وهو يقول مؤكداً على حديثه رغم علمه بأنه مجرد سخرية:
_أنا فعلا مليش ذنب في اللي حصل، لا انا اللي جبت المسدس اللي ما اعرفش انتَ جبته منين ولا بيعمل ايه معاك، ولا انا اللي طلعته من جيبي، ولا انا اللي هددت بيه.. ولا حتى انا اللي ضغطت على الزناد، قولي بقى انتَ المسدس ده كان بيعمل معاك ايه؟ انتَ لسه مجرد طالب في الكليه يعني لسه ما استلمتش سلاحك، جبته منين وكان غرضك ايه لما جبته؟ يا ترى كنت ناوي تخلص عليا بيه؟ ولا جايبه مخصوص عشان تهددني وتخليني اعمل اللي في دماغك؟
_ما يخصكش. رددها "مازن" بقسوة ونبرة يسمعها منه "شاهين" لأول مرة، وكأن اليوم هو يوم تعامل شاهين مع نسخه جديدة وغريبة من مازن! تنهد قبل أن يقول متجنبًا الشجار الذي على وشك الحدوث: _عمومًا لما ابوك يفوق هقوله إن الغلط غلطي، وهقوله كمان أن المسدس بتاعي جايبه عشان أؤمن نفسي بيه، هو عارف كويس إن احنا في المجال بتاعنا واقعين مع ناس مش سهلين وهيصدقني ما تقلقش هبعدك انتَ عن الحوار ده.
ضحك "مازن" ضحكة تهكمية ساخرة تخفي خلفها وجعًا مؤلمًا وهو يقول: _هتقوله كده عشان عارف إنك لما تقوله ان الغلط غلطك انتَ الموضوع هيعدي وهيقولك حصل خير حتى لو كان اللي حصل ده كان في موته، لكن لو عرف ان الموضوع أنا طرف فيه هيشيله ليا وهيشوف إني مذنب كنت هموته و مش بعيد يقاطعني فيها.. كالعاده هيقف في صفك حتى لو كنت انتَ غلطان، وحتى لو غلطك كان هيموت بني ادم. _انتَ من امتى بتفكر كده؟ انا مستغرب كلامك! مستغرب طريقتك!
حاسس إني واقف قدام حد ما اعرفوش، من امتى بتفكر إن ابوك بيفضلني عليك ولا بيعديلي انا غلطي وبيقفلك انتَ على الواحدة!؟ ده حتى ابوك انتَ مش ابويا أنا! قالها "شاهين" بدهشة حقيقية وهو يشعر أنه لم يعد يفهم الشخص الواقف امامه…
_في حاجات كتير قوي انتَ مش فاهمها عشان عمرك ما شفتها ولا حسيت بيها، لكن انا بقى فاهمها كويس قوي وملاحظها من زمان بس كنت ساكت عشان كنت شايفك تستحق كل اللي بيتعمل لك، لكن دلوقتي وبعد ما نزلت من نظري انتَ ما تستحقش ربع اللي بيتعمل معاك، ولا تستحق تاخد حق واحد من حقوقي.. ومن النهارده يا شاهين انا مش هسمحلك تيجي على اي حق يخصني.
انهى حديثه وفتح باب سيارته منسحبًا بسرعة من أمامه تحت نظراته المصدومة والمدهوشة من كل ما سمعه منه اليوم… وإفاقة "ممدوح عمران" واسترداده وعيه كانت جحيم سقط فيه "مازن" الذي لم يشفع له اعتراف شاهين بأن المسدس يخصه وانه من ضغط على الزناد دون قصد، ليتفاجئ الاثنان برد ممدوح وهو يقول:
_أنا متأكد إنك بتداري عليه يا شاهين، انتَ عمرك ما تكون بالتهور والطيش ده انك تطلع مسدس في مكتبك اللي في بيتك وتتخانق انتَ واخوك عليه، عمرك ما تعملها أنا متأكد ان المسدس ده يخص مازن وهو اللي خرجه وكنت انتَ بتحاول تاخده منه. وبعد الكثير من القيل والقال، ومحاولة إقناعه بعكس ما توصل له عقله فشلت كل محاولاتهم ليخرج مازن عن طور حكمته وهو يفجر الحقيقة في وجه والده:
_ايوه المسدس بتاعي، وكان معايا بقاله فترة كنت شاريه ومرخصه عشان بحب لما انزل الاجازات اروح اتدرب على الرماية في أماكن بره، والنهارده انا كنت راجع من بره وهو معايا عشان كنت لسه راجع من التدريب، بس يا ترى مش حابب تعرف انا ايه اللي خلاني اطلعه وتحصل الخناقة بيني وبينه عليه؟
من غير ما تتعب نفسك وتسأل عشان انتَ أصلا مش هتهتم تسأل وما هتصدق ترمي اللوم عليا، المشكلة اللي حصلت النهارده كانت عشان اكتشفت ان شاهين بيه اللي كلنا شايفينه ملاك ما بيغلطش، وعاقل وذكي وبيزنس مان قد الدنيا، طلع مش بس بيزنس مان ده رئيس عصابة كمان، الباشا بيتاجر في السلاح ولما واجهته حصلت بين الخناقة اللي انتهت باللي حصلك. والرد كان صادم للجميع حين قال "ممدوح" بعدما تجاوز صدمته:
_شاهين عارف هو بيعمل ايه كويس، وانا واثق فيه وإن عمره ما يعمل حاجه غلط، اكيد المعلومة اللي وصلتلك دي مش صحيحة. هز رأسه مبتسمًا بعدم تصديق وهو يقول: _مش صحيحة! طب ولو قلتلك انه بنفسه اعترف ليا لا وبيبرر كمان عملته هتقول ايه؟ عندك اهو اسأله.. اسأله!
_مش محتاج اسأله وما يهمنيش اعرف الإجابة، هو مش صغير هو عارف هو بيعمل ايه كويس مش محتاج حد ينظر عليه، ويا ريت انتَ اللي تعقل وتتحكم في طيشك شوية، اديك شفت أهو كان هيجيب أجلي النهارده لولا ستر ربنا. وانتهى الأمر… انتهى بخيبة أمل جديدة انضمت لخيبات مازن من أبيه، أبيه الذي لم يقف في صفه ولو مرة واحدة.. والذي لم يقف في وجه شاهين ولو لمرة مماثلة،
أبيه الذي لم يشعر منه ولو لمرة بمشاعر الأبوة أو حتى يلتمس منه موقفًا من مواقف الأب مع ولده، والأمر في مجمله لم ينتهي هنا..
فرد فعل والده أشعلت نيران لم تهدأ في صدر "مازن" والذي وبكل تهور اعترف لوالدته في نفس اليوم بكل شيء عرفه عن شاهين لتنشأ مشاجرة كبيرة بين شاهين ووالدته وعلى أثرها تركت "نادية" المنزل عائدة إلى منزلها القديم والذي يخص أهلها ومعها مازن ونورهان التي ورغم رغبتها في البقاء مع شاهين ووالدها إلا أن نادية لم تقبل أن تتركها هناك ومن هنا كان تفرق العائلة… _أنتَ روحت فين؟
أفاق من ذكرياته التي لم ينتهِ ألمها لهنا.. بل كان كل هذا مجرد بداية لبوابة جحيم محمل بالألم والفراق والغضب! _معاكي. كلمة بسيطة لكنها هزت دواخلها، وكأنه لا يخبرها أنه معها في الحديث بل معها في الحياة! هكذا كان شعورها حين سمعت الكلمة البسيطة التي لا يقصدها من الأساس، وهذا ما جعلها تتساءل هل أصحبت بائسة لهذه الدرجة! نفضت أفكارها الغريبة وهي تقول بتوتر طفيف أثر تفكيرها: _أصل ساكت بقالك مدة فكرتك قفلت.
خرج صوته مخالف تمامًا لما كان عليهِ قبل، خرج جامدًا وهادئًا خاليًا من أي مشاعر التمستها منذ قليل: _أنا فعلا هقفل عشان تلحقي تكلمي والدتك وتقفلي تليفونك ده تماما وتخفيه في أي مكان محدش يعرف يوصله، ولما تحبي تكلميني طلعيه واتصلي بيا بعد ما تتأكدي انك في أمان ومحدش سامعك. _حاضر.
قالتها بإحباط بعدما عاد لسابق عهده، الدقائق التي نسيا فيها من هما وما صلتهما ببعض جعلتها تحلق بعيدًا وهي تشعر أنها شخص مهم لديهِ، يشرح له معناته ويشاركه مشاعره وأحداث حياته، لكنه سريعًا ما سحب البساط من تحت قدميها ليعيدها للواقع… هو الضابط وهي بائعة الفل تجمعهما مهمة فور انقضائها لن يعرفها في طريق وسينسى انه قابلها من الأساس!
أغلقت معه واتصلت على الفور بوالدتها التي أجابتها بلهفة أم قلبها ينكوي بنيران الخوف على ابنتها، وبعد عدة دقائق كانت تنهي معها المكالمة بدموعها التي تساقطت اشتياقًا لها: _ادعيلي يا ماما المهمة دي تخلص على خير وفي أسرع وقت وارجع لحضنك ولبيتنا اللي اكتشفت انه أأمن بكتير من القصر اللي قاعدة فيه دلوقتي. وقالت والدتها من بين بكائها:
_دعيالك يا بنتي، دعيالك والله في كل صلاة وفي كل قعدة ونومة، ربنا ييسرلك طريقك ويسترها معاكي ويبعد عنك ولاد الحرام يا فُلة يا بنت بطني.. بس متغبيش عني وطمنيني من وقت للتاني. _حاضر، هكلمك كل ما ظروفي تسمح.. مع السلامة يا ماما. _مع السلامة يا حبيبتي في رعاية الله.
أغلقت المكالمة وبعدها تأكدت من إغلاق الهاتف تمامًا ونهضت تدور في الغرفة تبحث عن مكان مناسب لإخفائه حتى جاء برأسها أن تخفيه في مكان أكثر حساسية الا وهو الدرج المخصص لملابسها الداخلية، رفعت القطع الداخلية بحرص ودسته تحتهم لتشعر بأن المهمة قد تمت كما يجب، وأغلقت الدرج عائدة للفراش والقت بنفسها فوقه تنظر للسقف بشرود سابحة في أحداث وأفكار كثيرة.. حديث مازن معها، وحديث نورهان مع شاهين، ثم حديث شاهين معها.. وشعورها تجاه مازن الذي يتعمق كل يوم.. وخوفها من شاهين الذي يزداد بمرور الوقت وبقائها هنا… كل هذه أفكار كانت كفيلة أن تغرقها في النهاية في نومٍ عميقٍ…
صباح اليوم التالي… دلفت للشركة التي لم تأتيها منذُ مدة، بل وحُرمت عليها منذُ انفصلت هي ووالدتها ومازن عن شاهين ووالدها.. والدها الذي لطالما وقف في صف "شاهين" حتى بعد تناثر الأقاويل حول متاجرته في السلاح!
وصلت لطابق الإدارة واتجهت فورًا لمكتب "شاهين" لتخبرها السكرتيرة الخاصة بأنه بالداخل ومعه احد أعضاء الإدارة، فدقت فوق الباب ودلفت بعدها بابتسامة واسعة اختفت بالتدريج حين رأت الذي يجلس في مكتب أخيها والذي لم يكن غير "معاذ".. تقدمت منه ووجها قد اشتعلت به حمرة الخجل على الفور وبالأخص حين لم ترى شقيقها في المكان فقد كان معاذ يجلس بمفرده.. _صباح الخير.. منذُ انتبه لفتح الباب والتفت ليرى الزائر وطلت هي بطلتها البهية،
وقد ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة ساحرة ومحبة، لا يصدق أنه يراها الآن فلقد كان يفكر فيها للتو وفي حيلة لرؤيتها بما إنها أصبحت في منزل العقرب، لتتحقق أمنيته دون عناء ويجدها أمامه، بمظهرها المرتب البسيط الذي يتكون من بنطال قماش أبيض، وكنزة خضراء حريرية مع حذاء أخضر ذو كعب عالي وزينتها البسيطة جدًا التي تخطف العين وقلبه!
وكالعادة تترك لشعرها كامل الحرية، وحين سمع صوتها كان أحب لأذنه من تغريد عصافير الصباح لتتسع ابتسامته أكثر وهو ينهض ويمد كفه ليصافحها: _صباح الخير يا نورهان نورتي. وتصافحا الكفان لتسري كهرباء لذيذة تصل فورًا لقلب كليهما، ولكنها سريعًا ما سحبت كفها بارتباك كبير وهي تنظر حولها بتلجلج: _اومال… اومال شاهين فين؟ ابتسم على توترها الواضح الذي يلازمها طول الوقت في وجوده، لكنه يبرر هذا بأنها ليست معتادة على التعامل معه.
_شاهين في أوضة اللبس بيغير هدومه عشان القهوة وقعت عليه من غير ما ياخد باله. نظرت لباب غرفة الملابس الصغيرة المغلق والتي حرص شاهين على وجودها تحسبًا لمواقف كهذه، وقالت بقلق: _هو كويس طيب؟ طمئنها مبتسمًا: _متقلقيش كانت بردت شوية ما أذتوش. تنهدت براحة، ليسألها راغبًا في خلق حديث طويل معها: _بس هو لسه جاي من ساعة ليه مجتيش معاه بدل ما تيجي لوحدك. نظرت له تقول بحلق جاف من كثرة توترها في وجوده:
_أنا روحت شغلي بدري، بس قعدت ساعتين ومشيت لأن هنبدأ في الجرد السنوي النهاردة من بعد العصر لبليل متأخر، فقولت أعدي على شاهين بما إن الشركة هنا في طريقي. عقب بعدم رضا: _نفسي أفهم ازاي عندكوا شركة زي دي وتشتغلي في مكان بره، الأولى يكون مكانك هنا. أجابته برقة: _بس أنا حابة شغل البنوك بلاقي نفسي فيه عن الشركات. وأمام رقتها ابتسم يقول: –أكيد أهم حاجة راحتك. _نورهان!! رددها "شاهين" بتعجب بعد أن خرج من الغرفة ووجدها أمامه،
ابتسمت وهي تقول: _خرجت من شغلي بدري قولت أجي أشرب معاك فنجان قهوة لو فاضي. اقترب منها يبتسم في حنو: _ولو مش فاضي يا حبيبتي أفضالك، كفاية إنك نورتيني. تنحنح "معاذ" في حرج وهو يقول مقررًا الانسحاب: _طيب هسيبكوا على راحتكوا وأروح مكتبي. رفض "شاهين" انسحابه وهو يقول: _لا استنى أصلاً هطلب فطار أعتقد كلنا لسه مفطرناش. _مانتَ عارف أنا زيك مبفطرش غير بعد ما أصحى بكذا ساعة. نظر "شاهين" في ساعته وهو يقول:
_ماهو يدوب كده الساعة داخلة على ١١ اهي.. تعالوا اقعدوا. قالها وهو يتجه للأريكة والكرسيان القابعان في جانب الغرفة، ليجلس هو ونورهان فوق الأريكة ويجاورهما معاذ على أحد الكراسي. نظر لنورهان بعدما طلب الإفطار لهم وهو يقول بحنان: _الشركة نورت.. بقالك سنين مدخلتيهاش. نظرت حولها تستطلع المكان وهي تقول بحنين: _بس متغيرتش كتير، آخر مرة دخلتها كانت مع ماما الله يرحمها لما كانت جايالك عشان تكلم بابا إنه ميدخلش مازن كلية الشرطة.
التمعت عينا "شاهين" بحنين وشوق لوالدته الغائبة عن الدنيا، وانتبه لصوت "معاذ" يسأل باستغراب: _معقول طنط نادية كانت رافضة دخول مازن الشرطة؟ ابتسم "شاهين" بشوق يقول: _رافضة بس! دي جننتنا لحد ما وافقت أو اتقبلت إنه يدخلها، ماما كانت خايفة على مازن أوي ومرعوبة عليه من السلك ده، عارضت كتير واحنا حاولنا نقنعها كتير أوي لحد ما في الآخر رضيت. _ماما كانت بتحبنا كلنا وبتخاف علينا من الهوا، بس شاهين كان له معزة خاصة.
قالتها "نورهان" بدون قصد، لتنقلب ملامح وجه "شاهين" ويظهر عليها الضيق الشديد وهو يقول بنبرة حادة: _مكانش ليا معزة خاصة ولا زفت، أنتوا بس اللي كنتوا شايفين الوضع كده، لكن الحقيقة أمكوا كانت بتعاملني زي ما بتعاملكوا وعمرها ما فرقت بينا. فوجئت "نورهان" من حدة رده وصمتت بوجه مصدوم وحزين من طريقته، فهي لم تقول شيء سيء حتى وإن كانت والدته تفضله بطريقة ما وتحمل له حبًا زائدًا ما المشكلة في هذا!!؟
_اهدي يا شاهين طيب، نورهان مقالتش حاجة غلط يعني! قالها "معاذ" محاولاً تهدئة الوضع، لينهض "شاهين" واقفًا والتف حول الأريكة ليصبح مواجهًا للحائط الزجاجي المطل على الخارج وقال بخنقة: _جزء كبير من مشاكلي مع أخوه كانت بسبب كده، إنه شايفني واخد حب واهتمام أكبر من أمي وأبوه. أغضبها عدم رغبته في ذكر اسمه فقالت بعصبية طفيفة:
_أخويا ده هو نفسه أخوك.. بعدين مازن عمره ما فكر كده ولا شال شيء جواه من الناحية دي، واه يا شاهين ماما كانت بتفضلك عنا وبتحبك أكتر مننا واحنا عمرنا ما زعلنا من كده لأن احنا كمان بنحبك وبنحترمك. التف لها بدهشة كبيرة لم تظهر على ملامحه كالعادة لكنها كانت بداخله، حتى هي!! يشعر إنه يقف أمام مازن، نفس الحديث، ونفس التفكير، هل ستنقلب هي الأخرى عليه يومًا بسبب تفكيرهم العقيم هذا!
_وأنا بقولك مازن شايف اللي بتقوليه ده بالضبط، وده كان سبب كبير أوي في مشاكلنا.. اعترض "معاذ" متدخلاً:
_أسمحلي يا شاهين، مازن فعلا حتى لو شايف ده بس مكانش سبب في مشاكلكوا أبدًا.. لأن كل المشاكل اللي بينك وبين مازن ما ظهرتش غير بعد الحوار اللي وصله عن إنك بتاجر في السلاح والكلام اللي بيقوله ده.. لو المشاكل اللي بينك وبينه بسبب إن والدتك بتحبك أكتر ولا مفضلاك عنه كانت هتكون المشاكل دي بادئه من قبل ما هو يقول إنك بتاجر في السلاح والحوارات دي. ابتسم ساخرًا يقول بألم خفي:
_كلامك ده أنيل.. لأن كلامك معناه إنه طول الوقت كان بيخدعني، كان شايل جواه من التفضيل اللي شايفه من أمه ومن أبوه ليا لكن كان بيتعامل معايا عادي.. كان بيتعامل معايا كويس قوي.. لكن لما حصل موقف خرج كل اللي جواه وقتها أنا اتصدمت فيه، ومش فاهم ازاي كان جواه كل ده وفي نفس الوقت كان بيتعامل معايا بالطريقة اللي كان بيتعامل بيها. اقتربت "نورهان" منه وهي تقول بتوضيح:
_عشان أنا كمان شايفة كده شايفة إن ماما كانت بتحبك أكتر وبتهتم بيك أكتر وبتخاف عليك أكتر.. لكن عمري ما كرهتك وعمري ده ما بنى حاجز جوايا ليك، شاهين أنتَ لو مخلف وعندك ولد وبنت وشايف إن بنتك بتحبك أكتر من ابنك عمرك ما هتكره ابنك أو هتحس بحاجز بينكوا، دي بتكون مجرد ملاحظة إنك عارف من جواك إن بنتك بتحبك أكتر من تصرفاتها من مشاعرها اللي بتظهرها، لكن حبك لابنك هيفضل هو هو وعمره ما هيقل.
أراد الهروب من الحديث في الموضوع، وهروب شاهين لا يعني سوى شيء واحد إنه اقتنع…. أو بدأ يقتنع، فقال بهدوء وهو يتجه لهم: _تشربوا قهوة مع الفطار ولا بعده!؟ نظر "نورهان" و"معاذ" لبعضهما تلقائيًا كأنهما يعلنان انتصارهما في إقناعه وهما خير من يعرفه، ولكن ما لبثت أن أشاحت نورهان ببصرها بعيدًا بارتباك حين وجدت معاذ يبتسم لها. *******
نزلت درجات السلم بسرعة ليقابلها هدوء تام في أجواء الفيلا، زفرت بضيق وهي تنظر للساعة المعلقة لم تلحق موعد الإفطار، دلفت للمطبخ مبتسمة والقت التحية ليرد الجميع عليها، فقالت لصفاء بعتاب مزيف: _كده يا صفاء ما تصحنيش على الفطار. ردت "صفاء" ببرود كاد أن يجلطها: _مش حضرتك من كام يوم لما شدوى هانم اتأخرت على الفطار منعتيني أصحيها وقولتي هي عارفة الميعاد لو عاوزة تنزل كانت نزلت.
ضغطت على أسنانها بغيظ حتى كادت تكسرهم، هي ترد الموقف لها! هل هي من حلفاء تلك الحيزبونة شدوى! _تمام، اعمليلي فطار بقى. قالتها بحدة وغضب وهي تلتفت لتخرج لتتوقف على جملة "صفاء": _بس القواعد هنا في الفيلا إن اللي الفطار بيعديه بيستنى ميعاد الغدا. التفت لها قاطبة ما بين حاجبيها بشدة وهي تخرج عن طور هدوئها: _ليه احنا في مدرسة يا أبلة! _دي القواعد يا هانم ومن أيام الباشا الكبير كمان.
ضربت كف بآخر وهي تتلفت حولها كأنها تريد أن تلتقط شيء وتكسره فوق رأس الوقفة أمامها، لكنها على الأحرى لم تجد! _عدي اليوم واعملي الفطار لأحسن أنا دلوقتي العفاريت كلها بتتنطط في وش أمي. _يا هانم أنا هنا بنفذ القواعد وعلى أي حد… حتى الباشا الصغير تميم بيها، بصحيه في ميعاد عشان يفطر في ميعاده. نظرت لها نظرة حارقة قبل أن تقول بتوعد: _ماشي…. أنا بقى هكسرلك القواعد دي خالص… قال قواعد قال.. اتصليلي بشاهين فورًا.
قالتها بغضب جم بعدما شعرت بالإحراج من وقوف صفاء في وجهها أمام الفتيات العاملات بالمطبخ، ولكن قبل أن تفعل صفاء وتخرج هاتفها سمعت من تقول: _متتصليش بحد.. والقواعد مش هتتغير واللي مش عاجبه يخبط راسه في الحيط. هزت رأسها بعصبية وهي تسمع صوت "شدوى" من خلفها، لتلتفت لها بغضب: _أنتِ بتدخلي ليه أصلاً! محدش طلب رأيك. ضرب الغضب وجه شدوى وهي تقف ندًا لها لتثبت لها من هنا لها الكلمة الأولى والأخيرة:
_أنا هنا صاحبة البيت وكلمتي اللي تمشي وأدخل في أي حاجة تحصل هنا.. أنتِ اللي ضيفة وضيفة بايخة وتقيلة أوي وياريت لو تخلي عندك دم وتخرجي من بيتي لأنك مش مرحب بيكي. واستمعت "فيروز" لتهامس الفتيات في المطبخ حول ما يحدث، فاتقدت نيران غضبها أكثر وأكثر لتصرخ بوجه شدوى: _أنا خطيبة شاهين و…. قاطعتها "شدوى" وهي تسخر منها وتتهمها بمكر خفي: _ومن إمتى والمخطوبة بتروح تسكن في بيت خطيبها؟
إلا بقى لو أنتوا مخطوبين آه بس العلاقة بينكوا في حكم المتجوزين.. وواخدين على قعدتكوا سوا في بيت واحد.
جحظت عينا "فيروز" بصدمة وشعرت بدلو ماء بارد صُب فوقها، وارتفعت الهمسات والشهقات من الواقفات في المكان، التفت لتنظر للفتيات لتجد أعينهن مسلطة عليها وبها اتهامات لا تُقبل، عادت تنظر لـ"شدوى" لتجدها تبتسم بخبث وانتصار، وفي هذه اللحظة الحريق الذي شب بفيروز كان أكبر بكثير من أن تتحكم بهِ أو في رد فعلها، الذي خرج على هيئة صفعة مدوية لطمت بها خد "شدوى"… ولم تعطيها فرصة للرد أو الدفاع بل انقضت عليها تكيل لها الضربات واللكمات وكأنها تخرج بها همومها بأكملها تحت محاولة الجميع في الفصل بينهم وتعالي صرخات شدوى المتألمة…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!