الفصل 21 | من 30 فصل

رواية فراشة في سك العقرب الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ناهد خالد

المشاهدات
23
كلمة
3,597
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 70%
حجم الخط: 18

بعد أن انتهوا من تناول الإفطار وشرب القهوة، انصرف "معاذ" لمكتبه لمتابعة أعماله بعد أن قضى وقتًا هو الأجمل والأمتع بالنسبة له، فأي شيء برفقتها يكن مميزًا ولا يمكن نسيانه. وبقت "نورهان" جالسة مع أخيها في مكتبه يتناولون أطراف بعض الأحاديث الغير مهمة، حتى تعالى رنين هاتف "شاهين" لينظر لشاشته ويرى رقمًا مميزًا، فانسحب بهدوء من الأجواء وهو يخبرها بأنها مكالمة عمل مهمة.

وحين نأى بنفسه في ركن من أركان المكتب البعيد عن مسامع الجالسة، رد ليستمع لصوت محدثه: –إزيك يا شاهين؟ رد "شاهين" بهدوء: –تمام يا نصر باشا، إزيك إنتَ؟ أجابه المدعو "نصر" وهو يقول: –محتاجك… لازم تيجيلي عشان في حاجة مهمة محتاجين نتكلم فيها تخص الشغل، ما ينفعش في التليفون. سأله وهو يمسد مؤخرة عنقه بكفه: –إنتَ لسه في لندن ولا نزلت مصر؟ –لا نزلت مصر بقالي كذا يوم، هنتظرك بكره الساعة 12:00 بالليل. –تمام.

قالها "شاهين" وأنهى المكالمة ليتجه بعدها لمكتبه وهو يقول محدثًا "نورهان": –عندي اجتماع بعد نص ساعة، هجهز أوراقه وهكون معاكي. قالت مبتسمة: –تمام، وأول ما الميعاد يجي هرجع أنا البيت عشان ما أشغلكش. انشغل لبعض الوقت في ترتيب أوراقه حتى توقف فجأة وهو يقول ناظرًا إليها: –واضح كده إننا هنرجع البيت دلوقتي. سألته مستغربة: –ليه؟ قال وهو يلتقط مفتاح سيارته وسترته متجهًا لها:

–إمبارح كنت براجع الملف في مكتبي في البيت ومشيت النهارده الصبح من غير ما آخده. وقفت وهي تقول مقترحة: –طيب ليه ترجع مخصوص البيت! أنا هروح وأبعتهولك مع حد من هناك. –المشكلة إني حطيته في الخزنة. هزت رأسها متفهمة وهي تقول بمرح: –آه وطبعًا الخزنة دي شيء محظور ممنوع اللمس حتى عليّا. ابتسم ابتسامة صغيرة وهو يقول بعد أن أمال رأسه يمينًا:

–طبعًا، إنتِ عارفاني ما بثقش في حد، وأكيد الخزنة فيها حاجات كتير قوي مهمة، وده مش شك فيكي إنتِ أكيد فاهمة، بس أنا بعتبر الخزنة دي شيء مقدس محدش ينفع يلمسه غيري، يلا خليني أوصلك بالمرة وآخد الملف وأرجع قبل ميعاد الميتنج لأنه مهم جدًا. أومأت موافقة وهي تسير معه في طريقهما للعودة إلى المنزل. وهناك… تحديدًا في فيلا العقرب… كان الشجار ما زال على أشده، الضربات لا تتوقف، ولا الصرخات كذلك.

لم يقدر أيًا من الفتيات على جذب "فيروز" بعيدًا عن "شدوى" التي ما زالت مسطحة أرضًا، وما أنقذها من تحت يدي فيروز هو الطنين الشديد الذي ضرب أذنها من كثرة صراخ الأخيرة المرتفع، لتشعر بصوتها كتيار هواء شديد السخونة يخترق أذنها ثم رأسها فينشب بها ما يشبه الحريق، وهذا ما جعلها تنهض عنها وهي تمسك أذنها بكفها بقوة محاولة إيقاف الصفير المزعج الذي رن بها. ساعدت الفتيات شدوى ونهضت بألم، لتقول "صفاء" رافضة كل ما حدث:

–اعذروني على تدخلي، بس اللي بيحصل ده ما ينفعش يحصل، المشهد اللي حصل دلوقتي ده مش تصرفات هوانم أبدًا. عقبت "شدوى" بألم وغيظ يملأها: –وده إن دل على شيء فيدل على إنها بعيدة خالص عن الهوانم، هانم مين دي بيئة، أنا عارفة شاهين جابها من أنهي داهية! أنزلت "فيروز" كفها من فوق أذنها بعد أن هدأ الصفير لتعقب بغضب:

–هانم غصب عن عينك، ولا إنتِ فاكراه عشان هانم زي ما بتقولي المفروض أسيبك تقلي أدبك عليّا وتغلطي في حقي وفي شرفي وأسكت؟ تدخلت "صفاء" في الموضوع وهي تقول: –اسمحيلي يا فيروز هانم، كان ممكن تردي عليها لكن موضوع الضرب ده ما ينفعش أبدًا… شاهين بيه لو عرف اللي حصل مش هيعدي على خير لا ليكي ولا ليها، هو ما بيحبش التسيب ويحب دايمًا اللي موجود في بيته يحترمه ويحترم وجوده، ما أعتقدش إنك عملتي ده لما مديتي إيدك على شدوى هانم.

رفعت حاجبها باستنكار وهي تعقب باستهزاء: –صدقيني بالله أنا من الأول كنت شاكة فيكي إنك من حلفائها، بس دلوقتي اتأكدت، إنتِ مالك يا ست إنتِ تدخلي ليه أصلاً ما بينا؟ طب هي غلطت فيّا وأنا برد عليها غلطها، إنتِ بقى مالك؟ ظهر الغضب على وجه "صفاء" وهي ترد بهدوء مخالف تمامًا للغضب الذي تمكن منها: –أنا هنا مش مسؤولة الخدم بس، أنا هنا مسؤولة عن كل حاجة بتحصل في البيت في غياب شاهين بيه. اقتربت منها "فيروز" خطوة تدفعها في

كتفها برفق وهي تقول بحدة: –طب ريحي إنتِ بس كده عشان أنا اللي يجيب سرتي بحاجة وحشة أقطع لسانه مش بس أضربه، ولسه حسابي معاها ما خلصش. نظرت لشدوى التي ترتب شعرها بوجع، فـ"فيروز" لم تغفل أن تغلغل أصابعها في شعرها وتجذبه من جذوره بعنف أثناء ضربها لها، نظرت لها متحفزة وهي تقول: –بصي يا شدوى هانم على رأي صفاء، والقت لصفاء نظرة ساخرة ثم أكملت:

–أنا قعادي هنا مش برغبتي، دي برغبة شاهين، والأسباب ما تخصكيش إني أحكيهالك طبعًا، بس هي بعيدة تمامًا عن شغل الرخص اللي إنتِ فكرتي فيه، وبما إن قعدتي هنا ممكن تطول وشكلنا قاعدين في وش بعض حبة حلوين، فإيه رأيك لو نتفق إننا نعتبر نفسنا مش شايفين بعض أصلاً! يعني إنتِ اعتبري نفسك مش شايفاني وأنا هعتبرك هوا، لا تقوليلي صباح الخير ولا أقولك صباح النور، وكل واحد مننا يبقى في حاله، إيه رأيك؟ ظهر الاستهزاء جليًا على وجه "شدوى"

التي قالت رافضة الاقتراح: –كل واحد مننا في حاله! ده بيتي يا ماما لو إنتِ مش واخدة بالك! يعني ما أقدرش أعتبر شخص موجود في بيتي كأنه مش موجود، لأن اللي موجود في بيتي لازم يحترمني ويفهم حدوده كويس قوي مش سايبه هي. زفرت "فيروز" أنفاسها بقوة ثم قالت وهي تهز رأسها بأسف مصطنع: –واضح كده إن إحنا مش هنتفق، بس يعني إنتِ عاجبك إني كل شوية أجيبك من شعرك قدام الناس، أصل أنا فيّا عيب نسيت أقولهولك…

رفعت "شدوى" حاجبها باستهجان في انتظارها للتكملة، لتكمل فيروز بضيق أتقنت تمثيله: –إني دايمًا إيدي سابقة لساني، ما بعرفش أتحكم فيها أعمل إيه طيب! أول ما بزعل والأدرينالين يرتفع عندي تلاقي إيدي راحت ممدودة على اللي قدامي على طول وأطول اللي أطوله بقى. ضربت "شدوى" الأرض بكعب حذائها العالي ليصدح رنينه في الأرجاء وهي تقول بقوة وعنفوان:

–لو كنتي فاكرة إنك تقدري تمدي إيدك عليّا تاني تبقي بتحلمي، إيدك دي لو لمستني تاني أنا هقطعهالك. ابتسمت "فيروز" باستفزاز مرعب وهي تهز رأسها بمرح وتقول: –طب تيجي نجرب؟ وقبل أن تجيب "شدوى" اقتربت "مستكة" من "فيروز" تهمس لها في أذنها: –لمي الدور عشان الموضوع ما يتقلبش عليكِ، إنتِ ما تعرفيش رد فعل شاهين هيبقى إيه لما يرجع، هيبقى شكلك وحش قوي لو حط عليكِ قدامهم، ما تنسيش إنها في الآخر مراته وأم ابنه وصاحبة البيت فعلًا.

اقتنعت "فيروز" بحديث "مستكة" وشعرت بالقلق من رد فعل "شاهين" حين يعلم بكل ما حدث، فهو ورغم أنه أعطاها تصريح غير مباشر من قبل بأنه لن يتدخل في أي شيء يحدث بينها وبين شدوى، لكن كما قالت مستكة هي في الآخر زوجته وأم ابنه، ولن يسمح بإهانتها من أيًا كان، لذا حاولت إنهاء الأمر وهي تقول عمومًا:

–أنا المرادي هسامح على رأي المثل ما يسامح إلا اللي قلبه كبير، وأنا قلبي كبير قوي ودي تاني غلطة بتحصل هعديهالك، فاكرة الغلطة الأولى لما هنتيني في أول مرة شفتك فيها وقلتي إني مش من النوع اللي شاهين بيفضله أو ممكن يختاره، بس خدي بالك فاضلك غلطة لو حصلت بعدها أنا مش مسؤولة عن اللي هيحصل. نظرت لصفاء وهي تقول لها:

–وإنتِ ياللي داخلة توعظي ما بينا وتنصحينا، كل الحوار ده بسببك إنتِ لو كنتِ من الأول عملتِ الفطار زي ما قلتلك ما كانش كل ده حصل، ويا ريت في الآخر بقى تحضريلي الفطار لأحسن أنا بتلكك أمسك في أي حد تاني، زي ما قلتلك إيدي أطول من لساني. قالتها وهي تنسحب من أمامهم، وانسحبت الفتيات لداخل المطبخ بعد أن أشارت لهم "صفاء". كانت تتجه للسلم للصعود لغرفتها لتتوقف فجأة شاهقة حين شعرت بكف يقبض على خصلات شعرها بقوة كادت تقلعها!

بعد أن أنهت "فيروز" حديثها المستفز والمثير لأعصاب "شدوى" التي تقف وبداخلها بركانٌ مشتعلٌ واتجهت للصعود لأعلى، لم تستطع "شدوى" منع نفسها من أخذ حقها وحق إهانتها أمام الجميع، فإن سامحت "فيروز" في حقها كما ادعت فهي لن تسامح أبدًا في إهانتها التي كانت على مرأى ومسمع من كل من في المنزل. وفجأة اندفعت نحو "فيروز" لتقبض على شعرها بقوة وغيظ وأسقطتها أرضًا لتجثو فوقها وهي تبدأ في ضربها كما فعلت الأخرى منذ قليل.

عادت الفتيات و"صفاء" من المطبخ على صوت الشجار مرة أخرى، ولكن صرخت بهم "شدوى" قائلة: –اللي هيقرب مني هيكون أخر يوم له هنا في البيت. بالفعل وقفن جميعًا ينظرن لما يحدث دون محاولة لفض النزاع هذه المرة، ومن بينهن كانت "مستكة" التي كانت تقدم قدمًا وتأخر أخرى، فوجودها في المنزل سيفيد "فيروز" على أي حال وإن اقتربت وحاولت الفصل بينهما وطُردت من العمل حينها لن يصب هذا في مصلحة "فيروز" بل بالعكس سيؤذيها، فوقفت

محلها وهي تقول لنفسها: –معلش بقى يا فيروز تستحملي العلقة أحسن ما تستحملي اللي هيحصل فيكِ من شاهين لو طلعتي من البيت وانقطعتي عن التواصل مع مازن بيه. والغلبة لم تستمر لصالح "شدوى" وقتًا طويلًا وسرعان ما استطاعت "فيروز" أن تسيطر على الوضع لتصبح "شدوى" هي الملامسة للأرض و"فيروز" فوقها وعادت تكيل لها الضربات مرة أخرى، لكن هذه المرة بقوة أكبر، لتهمس بداخلها مستهزئة بشدوى: –فاكرة إنك هتعرفي تغلبي واحدة بنت شارع!

ده أنا الخناقات دي ياما صبحت ومسيت بيها ناس. وبالفعل كانت "فيروز" تعرف كيف تتفادى الضربة وكيف تردها في الوقت نفسه بأخرى أشد. وبالخارج اصطفت سيارة "شاهين" الذي وصل للمنزل ودلف هو و"نورهان" للداخل سريعًا حين استمعا لصوت صراخ عالي وصل لهما من قبل أن يصعدا درجات السلم الخارجي. ركضت إحدى الفتيات تفتح الباب سريعًا حين سمعت صوت اصطفاف سيارة بالخارج، ليدلف للداخل "شاهين" وهو يسير بحركة سريعة وسألها بغضب: –إيه اللي بيحصل جوه؟

لكنها وقبل أن تجيب حتى كان قد دلف للداخل تتبعه "نورهان" بخطوات سريعة أشبه بالركض، وحين اقتربا من السلم الداخلي للفيلا كان المشهد واضحًا تمامًا، ولكن حينها كانت "فيروز" تضع كفها على فم "شدوى" بقوة تمنعها من الصراخ، وكلًا من يرى الوضع ظنوا أنها تحاول خنقها، ولكنها في الحقيقة كانت تكتم صوتها الصارخ الذي يثير إزعاجها ويحدث طنينًا قويًا بأذنيها ورأسها. اقترب "شاهين" وهو يصرخ بالواقفات: –إنتوا واقفين تتفرجوا؟

وفي اللحظة التالية كان يجذب "فيروز" من ذراعها بقوة لتنهض عن "شدوى" التي علىَ صوت صراخها فور رفع كف "فيروز" عن فمها. ركضت "نورهان" لـ"شدوى" تساعدها في الوقوف والتي كانت في حالة مزرية، شعرها مشعث ووجهها بهِ خدوش تركت أثرًا واضحًا وشفتيها تنزف دمًا، ليسأل "شاهين" والغضب مسيطر على ملامح وجهه: –أنا عاوز أفهم حالًا إيه اللي حصل؟ إيه المشهد اللي أنا شفته ده؟ انتوا في بيتي ولا في الشارع!

وهنا انطلقت "شدوى" في بكاء وشكاء لم يتوقف ولم ينقطع وهي تقول ما فعلته فيروز وما لم تفعله، وتضيف نكهات للموضوع بأن "فيروز" لم تحترم المكان الموجودة بهِ ولم تحترم صاحبه، وتداخل معها صوت "نورهان" وهي تحاول أن تهدئ من صراخها بين كل جملة وأخرى وتلقي لومًا على "فيروز" مبررة أنه مهما حدث لا يحق لها أن تستبيح ضرب الأخرى، وتعالى صوت "شاهين" الغاضب وهو ينهر جميع الواقفات لتخاذلهن عن التدخل وفض النِزاع، وفجأة أصبحت الأصوات متداخلة، بكاء شدوى بصوت مزعج… محاولة نورهان أن تهدئها… وصوت صراخ شاهين في الخادمات… ومحاولتهن للتبرير… بين كل هذا على صوت الطنين بأذن فيروز لدرجة شعرت وكأن أحدهم يطرق رأسها بمطرقة، فعلى صوت تنفسها وظلت تحرك رأسها يمينًا ويسارًا كشخص

مجذوب قبل أن تصرخ فجأة: -بــــــس… صوتكم، كفــــــــاية. وبعد كلمتها الأخيرة ورغم أن الجميع صمت ينظر لها بتعجب واستغراب، كانت تسقط فاقدة للوعي بعد أن فشلت في تحمل الألم الذي أصابها، ركض "شاهين" إليها ليلتقطها من بين أيدي "مستكة" والتي كانت الأقرب لها، فأسندها على صدره وهو يحاول إفاقتها ولا يعلم تحديدًا لمَ فقدت وعيها! ولكن كل المحاولات بائت بالفشل، ليحملها على ذراعيهِ ويصعد بها بعد أن أخبرهم أن يطلبوا حضور الطبيب.

********** وبمكتب مازن في قسم الشرطة… جلس مقابلاً لصديقه "أمجد" الذي سأله: –انا نفسي افهم انتَ هتاخد ايه من كل اللي بتعمله ده؟ يعني نهاية الموضوع ده ايه؟ حتى لو البنت دي قدرة تخلي شاهين يعمل كل اللي انتَ بتخطط له ايه اللي هيحصل بعد كده؟ ما كده شاهين هيغير باسورد الخزنة وهيديها الورق اللي هو عاوز يوصله لك مش الورق اللي انتَ عاوزه! هز رأسه مؤكدًا على حديث صديقه وهو يقول:

–عارف عشان كده دلوقتي بحاول اخلي فيروز تقرب من شاهين. نظر له صديقه بعد فهم وهو يسأله بحذر: –يعني ايه تقرب منه؟ قال وهو ينهض ليصبح أمامه مستندًا على المكتب بجانبه: –يعني زي ما انتَ فهمتها. رفع "أمجد" حاجبه غير مقتنعًا بالفكرة وهو يسأله: –اه طيب ولو قربت منه ايه اللي هيحصل؟

–لو قربت منه شاهين هيثق فيها جدًا وخصوصًا انها من أول محطة باعتني له وقالت له انها متفقه معايا وإن كل ده حوار عامله عليه، فأصلاً شاهين دلوقتي بيثق فيها أو بمعنى أصح في خوفها منه بس بنسبة قليلة قوي، انا بقى عاوز النسبة دي تعلى قوي، كل ما تعلى كل ما فيروز تعرف تجيبلي اللي انا عاوزه، وبيني وبينك حوار الخطوبة ده على هوايا ولصالحي، ويا ريت شاهين يكمل فيه. هز "أمجد" رأسه شاعرًا بأنه لم يفهم الأمر كاملاً:

–انا ما بقتش فاهمك! في الأول بعتها عشان تجيب ورق، وبعد شويه عايزها تقرب من شاهين، ويا عالم بعد كده تطلب منها ايه تاني؟ يا ترى هي اصلاً هتستحمل الوضع ده هتفضل مكمله ولا ممكن بقى تبيعك لشاهين بجد؟ هز رأسه بضحكة عالية وهو يقول بثقة غريبة: –مستحيل تعمل كده. رفع "أمجد" حاجبه ساخرًا: –يا سلام ايه الثقة دي؟ ليه يعني مستحيل تعمل كده؟ اقترب منه خطوة وهو يضرب اصبعه في جبهة الآخر:

–عشان يا اذكى اخواتك في سببين يمنعوها، أول حاجه انها فعلاً خايفه مني، وخايفه اني انفذ اللي هددتها بيه قبل كده والبسها قضية لو خلعت وما جابتليش اللي انا عاوزه. –والسبب التاني؟ ابتعد عنه واختفت ابتسامته، أصبحت ملامحه غير مفهومة ابدًا وهو يقول بنبرة غريبة: –عشان حاسسها معجبه بيا، ويمكن اعجابها ده اللي مخليها مصدقاني في كل حاجه بقولها وواثقة فيا. نهض "أمجد" ليقف أمامه يسأله بغضب حقيقي: –هو انتَ كمان بتستغل مشاعرها؟

مش كفاية الفيلم اللي عملته عليها والناس اللي بعتهم يسرقوا الفلوس عشان تكمل لعبتك وتجبرها توافق على اللي انتَ عاوزه! نظر له "مازن" وقد اغضبه حديثه، ليقول نافيًا التهم عن نفسه: –ايه اللي انتَ بتقوله ده! انا ما استغلتش مشاعرها لأن اصلاً ما كنتش قصدي اخليها تعجب بيا ولا نيله، كل الحكاية اني لاحظت انها معجبه بيا، اعمل ايه بقى؟ في ايدي ايه اعمله؟

انا لا قلتلها اعجبي ولا قلتلها ماتعجبيش ولا حتى عمري بينت لها اني معجب بيها ولا انها اصلاً في دماغي، وموضوع الفلوس ده خلصنا منه من زمان، قولتلك اني وقتها عملت كده لأني حستها هتتراجع ومكانش عندي حل تاني اقنعها بيه انها تكون معايا في المهمة بعد ما شوفتها مناسبة جدًا لها. نظر له "أمجد" نظرة مبهمة وهو يسأله سؤال غامض: –وهي فعلاً مش في دماغك؟ طالعه "مازن" لثواني بصمت قبل أن يرد عليهِ مستهزئًا: –وهينفع اصلاً تكون في دماغي؟

انتَ شايف كده؟ هز "أمجد" رأسه بلا معنى وقال: –عمومًا هنشوف. وتركه خارجًا من المكتب ليغرق "مازن" في دوامة من الأفكار التي لا تنتهي. ****** انتهى الطبيب من فحصها ونهض يخرج لشاهين الواقف بالخارج تاركًا "صفاء" معها بالداخل بعد أن أخبرها بأنها ستفيق في اللحظات التالية. اقترب منه "شاهين" حين خرج من الغرفة يسأله باستفسار: –هي ايه اللي حصل لها؟ رفع الطبيب منكبيهِ جاهلًا:

–هو من كشفي ما فيش أي حاجه ممكن تسبب ليها الاغماء، فطالما ما فيش حاجه عضوية، وارد يكون الاغماء ده حصل بسبب ضغط نفسي مثلًا، ولو ماتعرضتش لضغط يبقى تعمل تشيك اب كامل وتحاليل في أي مستشفى عشان تطمنوا اكتر، وعمومًا هي ممكن يكون عندها معلومة لما تفوق، لأن مش كل حاجه احنا بنقدر نعرفها من الكشف، بس كل حاجه تمام وما فيش حاجه مُقلقة حتى مش هكتبلها على أي دوا…

هز "شاهين" رأسه متفهمًا وانسحب الطبيب من أمامه، ليسمع بعدها صوت "شدوى" من خلفه تقول: –يا ترى بقى هتجيبلي حقي منها ولا اللعبة الخايبة اللي عملتها وانها اغمى عليها حننت قلبك ليها؟ التف ينظر لها بنظرة جامدة وقاتمة وقال بنبرة أقلقتها:

–مش شاهين المنشاوي اللي يتلعب عليه لعب خايبة، وما تحسسنيش إنك مظلومة عشان أنا متأكد مليون في المية إن كل اللي حصل ده انتِ السبب فيه، ده انا عشت معاكِ سنين وعارفك كويس، وعارف ازاي تقدري تستفزي الشخص اللي قدامك وتوصليه لمرحله هو عمره ما توقع انه يوصلها وتطلعي أو ما فيه. نظرت له مدهوشة وهي تردد بغضب ووجه تلون بالحمرة القاتمة: –يعني انتَ في الآخر هتقلب الترابيزة عليا؟ رفع كفه ينهي حديثها يهتف بقوة:

–انا مش عاوز اسمع أي كلام دلوقتي في الموضوع ده، لينا كلام تاني بس مش وقته. وانسحب تمامًا من المحيط كي يعود إلى عمله، وعادت هي لغرفتها ورأسها يشتعل لن تهدأ حتى تأخذ حقها من تلك الحقيرة التي تجرأت عليها.

وبالداخل حين استعادة "فيروز" وعيها ورأت "صفاء" في وجهها أمرتها بغضب أن تخرج من الغرفة فورًا، فهي لم تعد تطيق رؤيتها فحين هجمت هي على "شدوى" اقتربت "صفاء" تبعدها بقوة وأخذت بعدها تلقي محاضره في كيفية التعامل بينهما، ولكن حين حدث العكس لم تأخذ أي رد فعل، وهذا ما عزز غضب فيروز منها ومقتها لها، نهضت تجلس على الفراش تأن بتعب وهي تمسك رأسها بين كفيها، هي تعلم جيدًا تلك الحالة التي تنتابها حين تسمع صوتًا عاليًا أو ضجيج

لفترة تزيد عن ثواني معدودة ينتهي الأمر بها مغشيًا عليها من شدة الألم، لكنها قررت في قرارة نفسها أنها لن تسكت وإن حاول "شاهين" أن يُلقي عليها اللوم أو يحملها ذنب وخطأ ما حدث ستعرف حينها كيف تأخذ حقها جيدًا من الجميع، ولن تسمح لأحد أن يحملها خطأ ليس بخطئها فشدوى هي من بدأت وهي لم تكن سوى رد فعل، همست

لنفسها وهي تعود للتسطح: –لا انام شويه مش قادره دماغي هتنفجر عشان اصحى فايقة للغجر اللي في البيت ده. ********* و في مكان بعيد نذهب له لأول مرة… فيلا في منطقة نائية بعيدًا عن التجمعات السكنية، لكنها فيلا فخمة ويرتص أمامها الكثير من الحرس والسيارات التي تدل على ثراء صاحبها. كان قد أغلق الهاتف بعد أن انهى حديثه مع "شاهين" وأخبره بموعد مقابلتهم غدًا، حين دخل عليهِ رجله وذراعه الأيمن "رأفت" والذي قال سائلًا:

–كلمت شاهين بيه؟ ليرفع "نصر" نظره عن الأوراق التي أمامه وهو يجيبه: –ايوه كلمته، وحددت معاه ميعاد بكره الساعه 12:00 بالليل. جلس "رأفت" على الكرسي المقابل للمكتب وهو يهمهم قبل أن يقول: –لسه بردو مش ناوي تقوله انك ابوه!؟ هتفضل مخبي لامتى؟ توقفت يده عن كتابة ما كان يدونه، وتجمدت ملامحه رغم لمعة التأثر بعينيهِ التي رفعها لينظر للجالس أمامه الآن وهو يقول: –مش يمكن مش ناوي اقوله. ظهر الرفض جليًا على وجه الآخر وهو يعقب:

–هتفضل عمرك كله حارم نفسك من ابنك وحارمه منك؟ حاول أن يوهم نفسه قبل أن يوهم الجالس أمامه بأنه بخير والحال هكذا أفضل للجميع فقال: –أنا مش محروم منه، كفاية إني قادر اشوفه واتكلم معاه، اطمن عليه وأأمنه. ابتسم بتهكم وسخرية وهو يقول:

–بس مش قادر تضمه لحضنك.. كام مره بشوف عينك هتطلع عليه واحسك بتتخيل انك جريت عليه وخدته في حضنك، مش قادر تسمع منه كلمة بابا، مش معقول تكون ناوي تموت حارم نفسك وحارمه من احاسيس ومشاعر كتير حلوة ممكن تعشوها. زفر بقوة وهو ينتفض من فوق كرسيه واتجه له يقف أمامه يهتف بحزن وغضب في آن:

–بلاش تزود وجعي، انا مش محتاجك تقولي كل ده عشان اخد بالي، الوجع اللي جوايا بيصرخ فيا كل يوم وكل مره بشوفه فيها، واوقات… اوقات بحس اني هنفجر واقوله واللي يحصل يحصل… بس خايف يكرهني وده اللي بيرجعني، خايف يسألني اسئلة معنديش إجابات لها، أو… أو يلومني وميقتنعش بمبرراتي.. خايف اسمع منه جملة "انتَ فضلت نفسك عليا، وضحيت بيا عشان نفسك".. خايف من حاجات كتير اوي اقوى من رغبتي في اني اخده في حضني.

هز "رأفت" رأسه بحزن وحيرة، هو يفهمه لكن الوضع القائم لا يجب أن يستمر، ينبغي أن ينتهي يومًا ما، أن يكشف الستار عن ما خلفه، والحقائق التي دفنت من سنوات يُعاد النبش بها، فلا حقيقة تبقى مدفونة للأبد… –مفيش سر بيتدارى للأبد ومليون في المية بييجي يوم ويتكشف، ولو اكتشفه من حد غيرك هيبقى موقفك معاه صعب أوي. ضرب الأرض بقدمه عدة مرات بوتيرة ثابتة ورفع رأسه للأعلى يأخذ نفسًا قويًا متمتمًا بعدها بقلة حيلة وعجز: –يا رب...

نهض "رأفت" يقترب من "نصر" وهو يربت على كتفه من الخلف قائلًا بمواساة ونصح: –صدقني يا نصر باشا إن شاهين بيه يعرف إن أبوه عايش حتى لو كان فيها صدمة له، ولو كان هيبقى في خلافات ما بينك وما بينه، وهتتعب شوية لحد ما يسامحك، أحسن مليون مرة من إحساسه باليتم وإن ضهره مكشوف. التفت له يقول:

–أيوه بس ممدوح كان طول الوقت معاه، كنت دايمًا بعرف من مصادري إنه بيتعامل معاه كويس جدًا وفعلًا يعتبره زي ابنه وعمره ما قصر معاه وزي ما أنت شوفت في آخر مرة لما كان شاهين هيتأذى ولحقه ممدوح برجالته. هز "رأفت" رأسه بعدم اقتناع:

–هو أه يمكن يكون بيتعامل معاه كويس وبيحميه، بس أنت قلتها بيعتبره زي ابنه يعني عمره ما يكون ابنه حقيقي، وعلى فكرة أنا متأكد مليون في المية إن كل اللي بيعمله ده ورا مصلحة، ما هو يعني ما تقنعنيش إن في حد هيعمل كل ده حبًا في ابن مراته، خصوصًا بقى إن ممدوح عنده ابن ومخلف يعني حتى مش محروم من خلفة عشان نقول بيعوض حرمانه فيه. هز "نصر" رأسه مؤكدًا على حديثه وهو يقول:

–ممدوح مش بيعمل ده حبًا في شاهين وبس، ممدوح عارف قوة شاهين وعارف إنه طول ما شاهين عايش وموجود ما بينا واسمه موجود في شغلنا فهو حماية له، يعني تقدر تقول ممدوح بيستند على اسم شاهين وعلى قوته في شغل السلاح. هز "رأفت" رأسه بأسف وهو يقول: –مش متوقع رد فعل شاهين بيه لما يعرف إن البيج بوس لشغلنا هنا في مصر يبقى أبوه. ببسمة ساخرة أكمل بنبرة ظهر عليها الجمود الذي يخفي خلفه الألم:

–شغلنا اللي بسببه اتحرم من أبوه العمر كله، واللي بسببه برده أمه ماتت بعد ما ممدوح قتلها لما عرفت إنه شغال في السلاح...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...