الفصل 25 | من 30 فصل

رواية فراشة في سك العقرب الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ناهد خالد

المشاهدات
25
كلمة
3,507
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 83%
حجم الخط: 18

"حين تذق حلاوة التجربة الأولى تكن كل حواسك متحفزة وليس فقط لسانك عضو التذوق! جميعها منتظرة حلاوة المذاق والشعور بعدها، جميعها تتلهف لتجربة شيء ظننت أنه قد فاتك من كثرة ما تأخر، ظننت أنه لن يمر بك رغم مروره بالكثير قبلك وكأنه جاء عند عنوانك وفقد الذاكرة! أو وكأنك مهمش في هامش صفحة بيضاء في كتاب مليء بالكلمات من سيلتفت لك ويترك البقية! وحين يتوقف عندك أحدهم ستكن هذه أسعد لحظاتك على الإطلاق."

وهذه كانت أسعد لحظات "فيروز" على الإطلاق، أن يعترف لها شاب بحبه، هي من ظنت أن الحب لم يكتب أبدًا لأمثالها، والحب المقصود هنا هو الحب الحقيقي المتبادل بين الطرفين وليس من طرف واحد، هي التي لم تجرب يومًا شعور الفتاة حين يعترف لها الشاب بحبه، حمرة الخجل، التوتر، التلعثم والسعادة، لمعة العينين، والفم المبتسم بحياء وفرحة، كل هذا لم تجربه، والآن تفعل، ومع من؟

مع الذي تمنت لو ينظر لها نظرة تشعرها أنه يراها، وضعت كفها فوق قلبها الذي ينبض بقوة ألمتها، ونظرت له مبتسمة بأعين دامعة ولامعة في آن، ولم تنطق، فقط تنظر له. شعر بها وأدرك أن اعترافه أسعدها وأخجلها معًا، فابتسم لها وهو يقول: -مش مستنيكي تردي، أنا بس كان لازم اعترفلك باللي جوايا. خرجت من خضم أفكارها وهي تقول بلهفة: -يعني أنت هتهربني من عنده! وفور انتهاء جملتها لمحت "شاهين" يأتي من خلفه لتقول فورًا: -شاهين جاي.

اختفت ابتسامته وجمدت ملامحه ولكنه لم يتحرك من مكانه، بل ظل كما هو حتى وصل إليهما "شاهين" والذي قال بنبرة حادة واضحة: -أتمنى ما أكونش قطعت عليكم قعدتكم الحلوة دي. نظر له "مازن" من فوق كتفه ثم نهض يقف أمامه مباشرة وهو يقول: -ما شفتش في بجاحتك! يعني خاطف الست اللي بحبها واللي كنت هخطبها ووقفت في المؤتمر قدام الناس كلها وقلت إنها خطيبتك، ودلوقتي جاي محموق أوي إنها قاعدة معايا!

أنا لو عاوز أخدها حالًا وأمشي أنت مش هتقدر توقفني. -أنا خاطفها! الله يسامحك. قالها "شاهين" بنبرة مستكينة ظهر فيها براءته المصطنعة وأكمل وكأنه لم يخطفها حقًا! وينظر لها نظرة عملت معناها: -طب ردي عليه أنت يا فيروز، أنا خطفتك؟ نهضت "فيروز" من كرسيها واقفة أمامهما بضجر من كل ما يحدث وقالت كي تنهي النقاش: -لا مش خاطفني خالص. تجاوز "شاهين" نبرتها الساخرة وهو ينظر "لمازن" ويقول مكملًا تلك المسرحية الدرامية

السخيفة بين الجميع: -على فكره أنا عرفت فيروز بعد معرفتك بيها بفترة بسيطة ولما أنت أخذتها لنورهان وعرفتها عليها إنها خطيبتك من قبل ما تقولها إنك ناوي تخطبها، وقتها كانت حاسة بحب ناحيتي عشان كده كلمتني، وقالت لي اللي أنت عملته فقلت لها إننا أكيد مش هنستنى لحد ما حضرتك تخطبها رسمي ولا حتى تدخل عليها بالمأذون، فخيرتها ما بيني وما بينك... وكالعادة يا مازن اختارتني أنا.

وكلمة "كالعادة" التي ذكرها كانت تعود للماضي، كأنه يذكره بأن نفس القصة تعاد مرة أخرى وهو المنتصر فيها كما حدث في قصة "ليلى"، ورغم أن "مازن" يعرف بأن "شاهين" يقول حديث ليس له أي واقع من الصحة، و"شاهين" يعرف أن "مازن" يدرك جيدًا كذب حديثه، لكن هذا لم يمنع أن يثور غضب "مازن" بداخله وغضبه الذي ظهر على ملامحه الآن ونبرته كان حقيقيًا، ليس من طبيعة الموقف الذي يحدث حاليًا، ولكن من آثار الماضي، حين اقترب منه وهو يقول:

-عشان كل مرة بتلعبها بذكاء، وأنا للأسف ولا مرة عرفت أكون زيك، بس ما تقلقش بتعلم وقريب أوي هردلك كل ده. ابتسم "شاهين" ابتسامة ساخرة رغم تألمه من الجملة التي قالها: -تعرف لو شغلت نفسك بأي حاجة في حياتك أكتر مني كان زمانك أنجح حد فينا، يعني على الأقل كان زمانك متجوز ومخلف، بدل ما أنت كل شوية عمال تحب واحدة وتطير منك. ابتسم "مازن" ابتسامة قاسية وهو يقول بتوعد حقيقي:

-لا ما تقلقش المرة دي مش هتطير مني، أنا اتعلمت كويس أوي من اللي فات. هز "شاهين" رأسه في حركة رتيبة بلا اهتمام قائلًا: -تمام وأنا مستني أشوف، على فكره يهمني جدًا إنك تتعلم من أخطائك مش أنا زمان كنت دايما بأقولك إن الوقعة ما تكسركش بالعكس لازم تعلمك! هفرح أوي لو لقيتك أخذت بكلامي. رفع "مازن" جانب فمه لأعلى وهو يقول بسخرية مريرة:

-لا ما تقلقش أنا كل اللي اتعلمته منك رميته في أعمق بحر قابلني، ومش فاكر منه أي حاجة، واللي بأعمل بيه دلوقتي هو اللي الأيام علمته لي. تجاوز "شاهين" حديثه وهو يربط على كتف الآخر بقوة مقصودة وقال مستفزًا إياه: -أكيد مش هأنسى أعزمك على فرحي، وأكيد لازم تيجي. دفع "مازن" كفه بقوة وهو يقول من بين أسنانه: -يا عالم مين هيعزم مين الأول على فرحه. ونظر لـ "فيروز" نظرة أخيرة معناها واضح!

قبل أن ينسحب من بينهم، كاد "شاهين" أن يلتفت لـ "فيروز" بالغضب الذي يكمن فيه الآن، ولكنه توقف حين أبصر عمه "مختار" يدلف للمكان، فقال لها دون أن يلتفت: -تعالي أعرفك بعمي. وذهب لتذهب خلفه وهي تزفر بضيق وقد ضاق ذرعها من هذا الحفل بأكمله. احتضنه "مختار" يربط على ظهره بقوة وهو يقول: -مش عيب عليك نتقابل في حفلة! يعني ما كانتش المناسبة تجمعنا ما تقولش أروح أشوف عمي أقعد معاه شوية، ولا ما وحشتكش قعدتي. ابتعد عنه مبتسمًا

بهدوء وهو يجيبه: -أنت عارف يا عمي إني ما بأشبعش من قعدتك، بس حقيقي الفترة اللي فاتت كنت مشغول أوي. وبعد عدة سلامات وترحيب من "مختار" بأفراد العائلة لنزولهم القاهرة لحضور الحفل السنوي للشركة، فعائلة المنشاوي أصلها يعود إلى البحيرة وما زال الجد والعمة يمكثون هناك، أما "سيف وزوجته" فبالطبع يتواجدان في فيلا "مختار المنشاوي" بالقاهرة. وبعد أن انتهى "مختار" من الترحيب بادر "شاهين" قائلًا وهو يشير لـ "فيروز":

-بما أن حضرتك جيت متأخر فأنت ما حضرتش وأنا بأعلن عن الخبر الجديد. نظر له باستفسار يسأله: -خبر إيه؟ وبكل هدوء كان يعرفها له: -فيروز خطيبتي. ونظرة "مختار" الآن تعبر عن مدى صدمته بالخبر، ولم تكن نظرته فحسب بل خرج من صمته الذي دام لثواني وهو يقول بحدة وغضب: -يعني إيه خطيبتك؟ طب ومراتك! اللي هي بنتي واللي هي برضه بنت عمك إيه وضعها؟! وقبل أن ينطق "شاهين" كان يقول الجد موجهًا حديثه لمختار: -مختار، مش وقته الكلام ده.

نظر له "مختار" مستنكرًا: -مش وقته طبعًا... ما كانش وقته برضه إنه يعلن عن خطوبته في حفلة كبيرة زي دي فيها صحافة وفيها مصورين قبل حتى ما ياخد رأينا، أو يعرفنا بالخبر ده. ثم نظر لشاهين وهو يقول معاتبًا بغضبه الذي ما زال مسيطرًا عليه: -ولا أنا بتكلم غلط؟ مش من الأصول يا ابن أخويا ياللي جدك مربيك على الأصول، إنك كنت تعرفنا وتاخد رأينا قبل ما تطلع تعلن ده قدام الكل ونتفاجئ زينا زي الغرب؟!

-في الحقيقة يا عمي إن الخبر مش مضطر أشاركه مع حد قبل ما أقوله، ولا مضطر إني آخد رأي حد فيه، وفعلًا جدي رباني على الأصول وعشان تربيته دي فأنا قبل ما أعلن خطوبتي ومن كام يوم، قلت لبنتك إنها لو عاوزة تطلق أنا ما عنديش أي مشكلة، وبنتك عارفة خطوبتي من فيروز بقالها كذا يوم، يمكن 10 أيام أو أكتر، يعني أنا صاحب الشأن معرف اللي يخصها الموضوع اللي هي مراتي، وخيرتها إني ما أحطهاش في موقف زي ده وننفصل بهدوء، ورفضت يبقى أنا ما عنديش أي غلط.

نظر له "مختار" بعتاب واضح ورفض لما يفعله وهو يقول: -يا خسارة، معزتك عندي كانت غالية أوي يا شاهين، بس باللي أنت عملته النهاردة فأنت هديت حاجة ما بينا، وعملت حاجز عمره ما هيتهد. نظر له "شاهين" مضيقًا ما بين الحاجبين باستغراب وتحفز للإجابة سؤاله: -ويا ترى إيه الحاجز ده؟ هي جريمة إني أخطب؟ أجابه "مختار" في حدة وغضب:

-لا مش جريمة بس أنت عشان تخطب كسرت بنت عمك، وقليت بيها قدام الناس، خليت شكل بنتي قدام كل الناس الموجودة في الحفلة دي زي الزفت، والكل دلوقتي أكيد بيتكلم عليها إنه إزاي جوزها يعلن خطوبته من واحدة تانية وهو لسه متجوزها! رفع "شاهين" سبابته وهو يشير له قائلًا بابتسامة بسيطة:

-بالضبط، هي دي النقطة إنهم هيقولوا إزاي جوزها يخطب واحدة تانية وهي لسه على ذمته، بس دي بقى أنا ماليش ذنب فيها، لأني قلتلها نطلق وكان وقتها لما أعلن خطوبتي دلوقتي ما حدش يجيب سيرتها ما خلاص بقت طليقتي، لكن هي اللي رفضت، يبقى أنا ذنبي إيه؟ ولا أنا كنت المفروض سواء موافقة ولا مش موافقة أطلقها وأبعتهالك على بيتك عشان أعرف أعلن خطوبتي! كنت وقتها مش هبقى ندل وكسرتها! صمت لبرهة من الوقت ثم قال بمغزى أدركه "مختار" جيدًا:

-عمي أنت أكتر واحد عارف إن عشان غلاوتك عندي أنا عملت إيه، وأكتر واحد عارف أنا ضحيت بإيه، وإزاي عشانك وعشان العيلة دي، فما لكش حق دلوقتي تيجي تلومني لما أحب ألتفت لنفسي شوية، أعيش لنفسي بعيد عن المسؤوليات والتضحيات والعيلة.. ثم نظر لجميع الجالسين حول الطاولة وهو يقول: -وأعتقد كلكم كنتم شاهدين على ده، فيا ريت اللي عنده اعتراض على خطوبتي يخلي اعتراضه لنفسه، عن إذنكم.

قال جملته الأخيرة وهو يلتقط كف "فيروز" ويسير بها بعيدًا عن الجمع لمنطقة هادئة يستطيع فيها أن يتحدث معها ويضع النقاط فوق الحروف. وبعد أن ذهب نظر لهم "مختار" من بين غضبه وهو يسألهم: -هي شدوى راحت فين؟ أجابه "سيف": -بعد ما البيه قال مفاجئته قالت إنها هتروح الحمام، من وقتها مارجعتش. عقب الجد المنشاوي في هدوء تام: -سيبوها، محتاجة تكون لوحدها شوية يمكن تفوق وتراجع نفسها. نظر له "مختار" غاضبًا يسأله باستنكار:

-هي برضه اللي تفوق؟! أصر الجد على حديثه وهو ينظر له بقوة: -آه يا مختار هي اللي تفوق وتعرف إن الدنيا ما بتقفش على حد ومش هتقف على شاهين، على فكرة هي كلمتني لما شاهين بلغها بخطوبته وأنا نصحتها تبعد باحترام وفي هدوء بس ما سمعتش كلامي، بنتك محتاجة تعرف يعني إيه كرامة وتتمسك بيها. وصمت الجميع بعد حديث الجد... البعض مقتنع، والبعض الآخر غير مقتنع تمامًا ولكنه ليس به طاقة لنقاش عقيم لن يجدي بأي نتيجة. **********

"نفقد أشياء ونودع أشخاص، تفوتنا فرص ويكسرنا فراق، تهدم أحلامًا وتتبخر أماني، نخذل ونطعن، وكل هذا لحكمة لا يعلمها الشخص في وقتها وربما يدركها لاحقًا وربما تظل مجهولة لباقي العمر، وهل في يدك أن تغير القدر؟ هل بيدك أن تتمسك بشيء كتب عليك فقده؟! القدر... النصيب.. الحكمة، بينهم ارتباط وثيق تمقته حين يكن الاجتماع على شيء عزيز عليك، ولكن كل ما تستطيع فعله هو الصراخ والبكاء والتحسر والانفجار بالشكل الذي تراه..... ثم ....

اهدأ، فكر، وأخلق حكمة حتى وإن كانت الحقيقية مجهولة، ثم اندفع بها وبقوة لسير خطوات ثابتة لا يهزها ما أصبح ماضي" وفي إحدى مستشفيات القاهرة..

منذ الأمس وهي تجلس على نفس الوضع، على إحدى المقاعد الموجودة أمام غرفة ما في إحدى طرقات المستشفى، بعدما هاتفت والدها بالأمس واستأذنت منه أن تظل مع والد مجد لأن وضعه غير مستقر تمامًا، وبحكم الجيرة والعلاقة الطيبة بين والدها والرجل لم يعترض، بل أراد أن يحضر للمستشفى لكنها رفضت خوفًا عليه، فصحته لا تحتمل جلسة المستشفيات. تنهدت وقالت وهي تنظر لوالده الذي يسند رأسه على الحائط خلفه، وبدا على وجهه الحزن والهم:

-لا إله إلا الله يا رب ارحمنا برحمتك. ثم اقتربت منه تقول: -وحد الله يا عم شاكر إن شاء الله ربنا مش هيصيبك فيه. نظر لها بأعين ممتلئة بالدموع: -مش عارف حاله هيبقى إيه لما يصحى، مش عارف لما يفوق ويلاقي نفسه كده هيعمل إيه؟ وأنا ههون عليه إزاي وأنا عاوز اللي يهون عليا. تساقطت دموعها وهي تستمع لحديثه ثم قالت بمواساة:

-نحمد ربنا إنه نجاه منها، دي كانت حادثة كبيرة مش هينة، وزي ما أنت سمعت الدكتور، كويس إنها جت على قد كده ولسه حسه في الدنيا. هز رأسه مقتنعًا بحديثها ولكنه ما لبث أن قال بمرارة: -بس أنت ما تعرفيش يا بنتي واحد طول عمره شغال بدراعه واقف على رجله لما الدنيا تيجي عليه وتهده وتاخد منه حاجة عزيزة عليه بيحس بإيه، وأنا عارف ابني لما يفوق هيحس بإيه. -مهما كان اللي هيحس بيه أنت موجود جنبه، هتقويه وتسانده.

-هقويه وأسانده آه، لكن مش هعرف أشيل عنه، مش هعرف أخفف حمله. خرج الطبيب من غرفته وهو يخبرهم: -المريض بدأ يفوق وأنا برجح تكونوا موجودين جنبه في وقت زي ده، لأنه مش هيستوعب اللي حصل بسهولة، وأنا معاكم عشان لو احتجنا نديله حقنة مهدئة. نهض "شاكر" و"مستكة" ودلفا للغرفة، بقلوب واجفة، وأعين دامعة، وأنفس داعية الله بأن يمر الأمر على خير أو على الأقل بأقل الخسائر.

وهذه أول مرة يسمح لهما برؤيته، فلقد منعهم الطبيب من رؤيته منذ أمس ورؤية وضعه الآن بعثت فيهم غصة لا تذهب، وقبضة قلب موحشة ورجفة جسد متألمة على وضعه، فما تراه العين غير ما تسمعه الأذن ويدركه العقل. وحين استفاق "مجد" لم يكن يشعر بما حدث له، فقط ابتسم حين رأى والده وهو يسأله بصوت متعب: -إيه اللي حصلي؟ اقترب "شاكر" من فراشه وقال بدموع واضحة: -أنت بخير وزي الفل، ربك نجاك وكتبلك عمر جديد. ابتسم "مجد" ابتسامة صغيرة وهو يقول:

-بتعيط يا أبا؟ لا ما تعيطش أنا مش متعود عليك أشوفك كده، وبعدين أنا كويس أهو. ربط "شاكر" على صدره قائلًا: -ألف حمد وشكر لله إنه نجاك، ده أنا ما أعرفش أعيش من غيرك يا مجد، أتبهدل وأتشرد وأبوك كبر ومش حمل مرمطة. -بعد الشر عليك من المرمطة يا حاج، طول ما أنا عايش هعززك وأكرمك زي ما كبرتني وعلمتني. ثم نظر لمستكة يقول مستغربًا: -أنتِ هنا بتعملي إيه؟ أجابه شاكر قبلها:

-دي معايا من إمبارح من وقت الحادثة ومسابتنيش لحظة، كتر خيرها بنت أصول. تنحنحت بحرج وهي تقول: -أنا معملتش غير الواجب، بحكم الجيرة وبحكم عشرتك مع أبويا يا عم شاكر. رفع مجد رأسه عن الوسادة وحاول النهوض وجاء يستند بذراعيه ليدعم جسده، لكنه شعر بشيء غريب، شيء ناقص! وكانت الكارثة حين نظر لذراعه الأيسر الذي لم يشعر به ليجد مكانه فارغًا! فقط بروز صغير في الكتف... نظر فورًا لوالده ليجده يبكي في صمت وهو ينظر له، فابتسم

بصدمة وعدم تصديق يسأله: -إيه ده؟ فين دراعي! رد شاكر من بين بكائه: -حالته كانت وحشة لإن العربية لما وقعت عليك هو أكتر حاجة اضررت، وأنتَ في العمليات الدكتور طلع وقالي إنه حاول كتير يفادي دراعك لكن لازمله... لازمله بتر. أكملت مستكة الحديث بدموعها ونبرتها المختنقة: -الدراع كان متهشم وكان مسبب نزيف مبيقفش، لو كانوا أصروا على وجوده كان ممكن يجرالك حاجة، ربنا خد منك حاجة مقابل حياتك أكيد مش هتكون أغلى من حياتك.

صرخ بهما بغضب وكسرة: -بتقولوا إيه؟ إزاي توافقوا؟ إزاي تقبلوا إنه يبتر، محدش منكوا فكر فيا، محدش فكر في اللي بتعملوه فيا. ووالده لم يكن قادرًا على الرد من انهياره وبكائه الذي لا يتوقف، فأخذت مستكة مكانه وهي تقول: -لو كنا رفضنا كنت... -موت! يا ريت... يا ريت كنت موت. قالها بصراخ وانفعال مخيف والفراش الصغير يرتج من أسفله من عنف حركته فوقه، اقترب منه والده سريعًا يقول بخوف:

-اهدأ، اهدأ يا حبيبي ما تعملش في نفسك كده، كنت عاوز تموت وتسيبني يا مجد؟ أردف بالأخيرة معاتبًا، ليضحك مجد بألم: -وأنا عيشتي دلوقتي إيه! مش موت! هفيدك بإيه... بقيت عاجز وعاوز اللي يعولنا إحنا الاتنين... بقيت عاجز يابا، بقيت عااااااجز... صرخ بالأخيرة صرخة جهورية رجت قلوب الواقفين ليقترب الطبيب ويفرغ حقنة في المحلول الوريدي والتي فور أن تسربت إليه من بين ثورانه حتى ارتخى ورويدًا ذهب في نوم عميق. ******** عودة للحفل....

-قولتلك ما تقربيش من مازن تقومي تسيبيه يقعد معاكِ؟ أنتِ بتفهمي ولا ما بتفهميش؟ نفضت ذراعه الذي يمسكه بقوة وهي تقول صارخة به: -أنا اللي ما بفهمش! وأنتَ واللي بتعمله إيه! نيوتن! أنتَ إزاي تسمح لنفسك تعلن خطوبتنا... أنتَ بتعمل إيه يا جدع أنتَ؟ عاوز توصل لفين؟ وساحبني وراك زي التور! أنا من اللحظة دي مش هعمل حاجة غير لما أفهم. رد ببرود أغاظها: -مش شغلك تفهمي أنا عارف أنا بعمل إيه. رفعت حاجبها له بتوعد وقالت: -كده؟

حلو قوي، هرجع للحفلة وأقولهم إن كل اللي قولته كلام فارغ وإني مش خطيبتك وشوشرة بشوشرة بقى! على الأقل دلوقتي أكيد بيقولوا عليا خطافة رجالة وواحدة شمال ظبط معاك عشان أملاكك وخدتك من ابنك ومراتك، لكن لما يعرفوا هيقولوا إنك اتجننت، هيقولوا شاهين بيه المنشاوي مبقاش عارف بيقول إيه. أمسك ذراعها الذي تشيح به بقوة لاويًا إياه خلف ظهرها مقتربًا بوجهه منها وهو يقول بغضب مخيف: -جن أما يلغبطك، مين ده يا بت اللي اتجنن!

اتعدلي يا فيروز عشان ما تندميش على اليوم اللي شوفتيني فيه. ضربت صدره بذراعها الحر الآخر وهي تهتف بعنفوان وعصبية: -هو أنا لسه هندم؟ لسه هندم! أنا كرهت اليوم اللي قبلت بخطة مازن فيه، أنتَ مش طبيعي وبتعمل تصرفات مش طبيعية، يا مجنون.. جحظت عيناه على لفظها الأخير وإشارتها على رأسها بعلامة الجنون، ليمسك فكها بقوة كادت تكسره وهو يهدر بها: -طب جنان بجنان، كتب كتابنا آخر الأسبوع الجاي، والفرح بعد شهر..

هدأت لثوانٍ جاحظة الأعين تحت نظرته الشامتة بحالها، وشحوب وجهها وصدمتها بما قاله، لكن سرعان ما نفضت صدمتها وهي تقاومه لتحرر ذراعها منه وتقول: -لما تشوف حلمة ودنك... ده أنا أموت نفسي قبل ما تعملها، يا مجنون يا ابن المجانين.. صرخت حين هبط بكفه على فمها يصفعه بقوة غاشمة شعرت أن أسنانها قد وقعت من قوة الضربة، وقال بنبرة أثارت بها الرعب: -ورحمة أمي يا بنت الـ*** لو ما لميتي لسانك لأقطعهولك، اخرسي.. صرخ بها حين أوشكت على

الاعتراض والصراخ به وأكمل: -أوعي تفكري إني ما أقدرش أعمل معاكِ حاجة وأربيكِ، أنا شاهين قادر أخليكِ تكرهي حياتك، قادر أوصلك للانتحار من غير ما أتدخل، فعقلي وارسي كده عشان ما تأذيش نفسك بنفسك، أنا مش من النوع اللي يقولك لو مش ست كنت عملت.... أنا بعمل سواء ست أو راجل، لأنها ما دام ست عاوزة تتربى وتتعلم الأدب يبقى أربيها. نجح في إثارة خوفها، وقلقت أن يفعل لها شيئًا لن تتحمله، فقررت اتباع أسلوب مختلف

فقالت بنبرة حزن وهدوء: -هو حضرتك يعني يرضيك اللي بتعمله معايا ده؟ -آه يرضيني. شعرت بأن ذراعها بالتأكيد قد كُسر فرفعت عيناها الدامعة بوجع له وهي ترجوه: -طب أرجوك سيب دراعي حساه اتكسر والله. نظر لها لثانية واحدة قبل أن يدفعها بحدة بسيطة ووضع كفه في جيب بنطاله يراقبها في صمت وهي تمسك ذراعها تتفحصه بوجه متألم، فنفذ صبره يقول: -هبقى أجيبلك مرهم كدمات. رفعت رأسها له بغضب وغيظ كظمته متذكرة تهديده لها، أخذت نفسًا عميقًا

وقالت: -أنا محتاجة أفهم ليه بتعمل كل ده؟ هتستفاد إيه؟ كمان... كمان حرام عليك مراتك والله، أنا لو منها كنت موت بقهرتي وجوزي بيعلن خطوبته وأنا لسه على ذمته، يعني لو في مشاكل بينكوا حلوها معاها بشكل ودي، ولو مش عشانكوا عشان السكر ابنكوا يستاهل تحاولوا عشانه. -ما لكيش دعوة، اللي بيني وبين عيلتي ما لكيش دخل فيه، ما حدش عينك مصلحة اجتماعية.

صدمها رده ووقاحته، فضغطت على أسنانها بقوة وهي تتحكم في غضبها لأقصى حد أمام هذا المستفز، زفرت نفسًا طويلًا ثم ابتسمت ابتسامة بسيطة تقول بهدوء: -طيب، خليني في نفسي إحنا بينا اتفاق إنك هتستخدمني ضد مازن عشان تقلب لعبته عليه، ما أفهمش أنا بقى إيه علاقة الخطوبة وكل الحوارات اللي عملتها بعد كده باتفاقنا، أنتَ باللي أعلنته النهارده ورطتني معاك وعقدت الحكاية... وأكيد يعني حوار كتب الكتاب والفرح ده كنت بتضايقني... صح؟

تساءلت بخوف واضح جعله يبتسم في خبث وهو يرى رعبها وانتظارها الإجابة، تلاعب بها وهو يقول: -طول ما أنتِ مؤدبة أظن هنتفق. مررت لسانها بداخل فمها في حركة إجرامية وشعور بداخلها يصرخ بها "اقتليه ولا حرج عليكِ"! وفجأة استمعا لصوت شدوى تقول بنبرة مخيفة: -أوه، جوز الكناريا هنا! إيه مش قادرين تبعدوا عن بعض مسافة الحفلة! ثم نظرت لفيروز بابتسامة غريبة وهي تقول لها:

-يا ترى جبتيه في مكان بعيد وهادي عشان تعرضي عليه خدماتك وتسحريه أكتر! رغم إن ما فيكيش شيء يسحر، بس يا ترى بقى ساحراه بإيه! أو بيعجبه إيه فيكِ. تصنعت التفكير لبرهة ثم قالت بابتسامة خبيثة: -يمكن بتعجبيه وأنتِ في سريره! -شدوى! صرخ بها شاهين بقوة جعلت ابتسامتها تختفي وهي ترى ملامحه تتحول للقتامة، الغضب ينفر من عروقه، ونظراته مميتة. -دي تاني مرة تغلطي وتعيدي أخطائك...

لتاني مرة بتذكري إني مش حلوة وما أعجبوش، وبتذكري إن في علاقة غير شرعية بينا... المرة اللي فاتت جبتك من شعرك ومسحت بيكِ بلاط الفيلا، تحبي تجربي بلاط الفندق! -وأنا المرة دي مش همنعها. قالها "شاهين" لتنظر له "فيروز" بدهشة من موقفه، لكنها سرعان ما تحولت لابتسامة خفيفة وتحفز لتجربة الأمر مرة أخرى. ولكن لم تعطِ لها "شدوى" فرصة حين انتفضت صارخة كالمجنونة تمامًا، وهي تضرب فخذها تارة بكفها، والأرض بقدمها مرة أخرى،

وقالت بدموع وحسرة: -ليييييه! بتعمل فيا كده لييييه! كل ده عشان غلطة! غلطة واحدة مش قادر تغفرها لي يا شاهين، حبك ليا ميغفرش غلطتي، تكسرني كده! تفضل دي عليا! أشارت لفيروز باحتقار وأكملت بكلمات جارحة: -السودا، اللي ما فيهاش ميزة واحدة، لا جمال ولا نسب ولا تشبه للهوانم في شيء، حتة جربوعة واطية جبتها من داهية وبتفضلها عليا! يا ترى طلبت منك تطلقني ولا لسه؟ -اخرسي يا شدوى.

قالها "شاهين" محذرًا من التمادي أكثر، وربما عدم اتخاذه لرد فعل الآن هو حالتها الغريبة والمقلقة فغالبًا هي على شفا الانهيار، صمتت لثانية لتجذب خصلات شعرها بقوة وهي تتابع بأعين شاخصة: -اوعى... اوعى تكون طلبت منك تطعن في نسب تيم! اوعى يا شاهين تتخلى عني وعن ابني بسببها! -اخرسي بقولك...

قاطعها بعنف وهو يتجه لها يمسك ذراعها يحاول التحرك بها تحت رفضها، ولكن "فيروز" شعرت أن الفرصة قد أتت لها على طبق من ذهب لتعرف حقيقة أمرهم، فركضت له تجذبها منه بقلق مصطنع: -حاسب يا شاهين دي باين حالتها صعبة. دفعتها "شدوى" بغضب ونظرت لها مكملة: -عايزة ولادك منه يكونوا الورثة الحقيقيين له صح؟ -اسكتي.. زجرها "شاهين" وهو يجذبها من ذراعها بقوة لتلتفت له، ولكن وقفت "فيروز" حائل وهي تدفع ذراعه بجسدها وتفصل بجسدها

بينهما قائلة بلطف زائف: -يا شاهين براحة هي شكلها أعصابها تعبانة... على فكرة أنا ما فكرتش كده.. قاطعتها "شدوى" التي أصبحت في جهة مقابلة وقالت صائحة في وجهها: -ما تعمليش فيها بريئة! أنا لو مكانك كنت هقول كده، كنت هطلب منه ينفي نسب تيم له عشان ما يشاركش ولادي في الميراث وهو مش ابنه، عشان ما تكونيش قدام الناس أم ابنه وهو أصلاً ما لمسكيش.. عشان... قاطعتها "فيروز" مرددة بوجه مصدوم وأعين جاحظة وفاه فاغر: -تيم مش ابنه!؟

هدأت ثورة "شدوى" فجأة وقد شعرت بشيء ما مريب، نظرت لـ "شاهين" تسأله بتوتر: -هي... هي ما تعرفش! -غبية. الكلمة الوحيدة التي رددها "شاهين" بكره بعدما فضحت كل شيء أمام "فيروز" التي تشعر بدوامة تلف بها الآن....

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...