الفصل 1 | من 30 فصل

رواية فراشة في سك العقرب الفصل الأول 1 - بقلم ناهد خالد

المشاهدات
33
كلمة
4,316
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 3%
حجم الخط: 18

تسمرت في مكانها حين لمحت وقوفه قريبًا منها، وصمتت عن الحديث غير قادرة على التفوه بحرف واحد، ورد الفعل الصحيح تجهله. فماذا ستفعل وأين ستخفي الهاتف وهو يقف مجاورًا لها وعيناه بالتأكيد لا تفارقها. ثوانٍ مرت عليها كالساعات حتى دلفت "نورهان" غرفته فجأة. ليلْتَفِت لها، فتسرع "فيروز" بالتصرف وهي تسقط الهاتف في إناء زرع قريب منها، ووقفت تعدل خصلات شعرها وكأنها لا تنتبه لهم. "إيه يا حبيبتي، محتاجة حاجة؟

نظرت له بتردد واضح جعله يحثها على الحديث، فقالت بحذر: "كنت عاوزة أسألك سؤال، لو هيعصّبك بلاش ترد." ابتسم لها ابتسامة صغيرة وقال مشجعًا: "اسألي." فركت كفيها بقلق بالغ وسألته: "مبتفكرش تحل مشاكلك مع مازن؟ استند على سور الشرفة بإحدى ذراعيه وقال ببسمة ساخرة: "لأ، مبفكرش." قطّبت ما بين حاجبيها بحزن وضيق في آنٍ: "ليه؟ عمر العداوة ما تستمر بين الأخوات يا شاهين."

"بتستمر عادي.. طول ما هما اتفننوا في أذية بعض.. تحبي أعدلك كام مرة مازن أذاني؟ أو محتاجة أعرفك هو أذاني لدرجة إيه؟ أحنت رأسها أرضًا وصمتها كان مفسرًا. فلوى فمه باستهزاء والتف ينظر خارج الشرفة، يتعمق في السماء السوداء الكاحلة والتي بات قلبه يشبهها في عتمتها. زفرة خانقة صدرت منها، وبعدها ربتت على كتفه بمواساة وقالت: "أنا آسفة.. ما كانش قصدي أفكرك." "مبنساش عشان تفكريني."

قالها بنبرة ظهر فيها القسوة والألم، فسحبت كفها وانسحبت هي نفسها بعدما ألقت نظرة على "فيروز" الواقفة بشرفتها تعطيها ظهرها. بعد ثوانٍ من الانغماس في قسوة الماضي وذكرياته الأليمة، نفض رأسه عن كل ما يدور بها. والتف للواقفة على الجهة الأخرى ليجدها تضع كفها على أذنها كما كانت. فتجعدت ملامحه قليلاً محاولاً فهم ما تفعله، ولِمَ تضع كفها هكذا. "فيروز؟

وعنها، فلقد استمرت على نفس الوضع كي لا تثير شكوكه، لأنها تعلم أنه إن نظر لها سيسألها عن وضعها الغريب. وحينها ستخترع له حجة تبدد أي شكوك لديه. نظرت له وكأنها تفاجأت الآن بوجوده. رفرفت بأهدابها قبل أن تجيبه: "نعم! "إنتِ حاطة إيدك على ودنك ليه؟ دلكت أذنها بكفها وجعدت ملامحها في ألم مصطنع قبل أن تقول: "وجعاني بقالها شوية وحساها بتوش." سألها بحيرة: "دي أول مرة ولا ساعات بتتعبك؟ أنزلت كفها وابتسمت بهدوء وهي تجيبه:

"لأ متقلقش، هي ساعات كده بتتعبني. أصل أنا وأنا صغيرة كان عندي مشكلة في طبلة ودني اليمين، حتى تلاقيني مبسمعش بيها كويس."

وقد كانت حقيقة فعلية، فهي لديها مشكلة في أذنها اليمنى أثر حادث تصادم حدث لها حين قررت العمل في بيع الفل لأول مرة. كانت تائهة وتشعر بالتوتر والتخبط في آنٍ، فلم تكن قد اعتادت بعد المرور بين السيارات وإشارات المرور المغلقة والمفتوحة. وكعادة أي فتاة، كانت سرعة السيارات تربكها وتخيفها. وفي أول يوم لها في العمل حين فُتحت إشارة المرور دون انتباه منها وبدأت السيارات تتحرك، أصابها الارتباك وهي ترى السيارات تمر من حولها دون

توقف. وأصوات الزمور القوي عزز ارتباكها، فتحركت بعشوائية جعلت إحدى السيارات تصطدم بها. لم يكن الصدام قويًا، ولم يحدث بها ضررًا واضحًا، لكن بعد عدة أيام عانت من ألم في أذنها التي سقطت عليها على الأرضية الصلبة، لتكتشف أنها قد أصيبت بثقب صغير في طبلة الأذن. يسبب لها ألم من حين لآخر، ومع علو الأصوات تحديدًا يفقدها صوابها، وهذا كان له السبب الأكبر في عدم تحملها لصراخ الرجل الذي كان في القبو.

"مقلقتش." قالها ببرود، فرفعت حاجبيها باستنكار لرده وقالت ساخرةً: "حتى قول إنك قلقت، ولو بالكدب! وأنا اللي كنت بسأل نفسي ليه المسافة دي كلها بينك وبين مراتك.. دلوقتي فهمت." استند على سور شرفته الجانبي ليصبح قبالتها وهو يسألها بتهكم: "إيه بقى اللي فهمتيه يا فيلسوفة؟ ربّعت ذراعيها أمام صدرها وهي تجيبه بتهكم مماثل:

"مش محتاجة فلسفة ولا حاجة.. يعني بصراحة أنا شايفة إنك شخص ملكش تعامل مع البشر، فأكيد مراتك كمان مش عارفة تتعامل معاك وده سبب الخلاف اللي مش فاهماه بينكوا، رغم إنها متتخيرش عنك يعني المفروض تليقوا مع بعض جدًا." ارتفع جانب فمه ساخرًا: "وإنتِ بقى اللي بتعرفي تتعاملي مع البشر، عشان كده مش عارفه تاخدي قرار في حياتك وأي حد يقولك كلمتين تقفي في صفه." قطّبت ما بين حاجبيها غاضبةً بعدما فكّت عقدة ذراعيها وسألته بتحفز:

"يعني إيه؟ اعتدل في وقفته هو الآخر وقال: "يعني أول ما مازن أقنعك إنه هيحل لك مشكلة القضية وهتبقى شقة أمك ملك ليكي، وقفتي في صفه ونفذتي اللي هو عاوزه، وبذكائك عشان تكسبِ قضية كان ممكن تكسبيها بطرق كتير تانية، وقعتي نفسك في مصيبة مش هتعرفي تخلصي منها.. ده طبعًا لو الحكاية حكاية قضية.. وشقة.. ميكونش ماسك عليكي حاجة كده ولا كده." "المصيبة دي اللي هي إنتَ مش كده؟

مسد وجهه بكفه وحرك رأسه يائسًا منها، فلقد تركت كل ما تحدث فيه وعُلّقت على أتفه ما به. "مش بقولك ذكية! اقتربت من السور المشترك بين الشرفتين حتى أصبحت ملاصقة له وبات يفصلها عنه عدة سنتيمترات قليلة. نظرت له بغضب حقيقي وهي ترغب في سبه، لكنها تحكمت في لسانها بالكاد وهي تقول:

"انتَ مش بس مصيبة، ده انتَ مصيبة سودا ووقعت على دماغي.. لو كنت أعرف إني هتقابل مع شخص زيك عمري ما كنت وافقت وتغور الشقة، بس للأسف دلوقتي مازن عنده فعلًا اللي يهددني بيه عشان أكمل." وتركته دالفة لغرفتها وقد أغلقت باب الشرفة بالقفل الإلكتروني.

حسنًا، لقد اعترفت. هناك شيء ما لم تقوله وهو ما يهددها مازن به. إذًا الأمر بات واضحًا، الحقيقة ليس لها أي علاقة بشقة وقضية، الوضع أخطر بكثير. ولكن ما الشيء الذي يضغط به مازن عليها؟ هل الأمر يتعلق بالشرف أم شيء آخر؟

والغريب أنه حين خطر بباله أن الأمر قد يتعلق بعلاقة ما جمعتها بمازن أو بغيره، شعر بنفسه يضيق، وكأن صدره يرفض ما توصل إليه عقله. والاغرب أن هناك صوت في قاع عقله يخبره أنها لا تفعلها، لا تتورط بهذا النوع من المصائب القذرة. وهناك في قمة عقله صوت يخبره ولِمَ لا؟ ألم تفعلها غيرها؟ وغيرها لم يتوقع منها أن تكون على هذا القدر من الحقارة. هل ستثق مرة أخرى؟ ألم تأخذ عهدًا على نفسك ألا تضع رأيًا في أي امرأة أيًا كانت.. مجرد رأي!

وأن تتوقع منهم دائمًا أن يدهشوك بالخيانة والغدر والحقارة التي يتلاعبن بها! زفرة قوية أخرجت الكثير والكثير من خبايا صدره، تبعها بدلوفه لغرفته ليخلد لنوم جديد يهرب فيه من الماضي الأليم والحاضر المؤذي. حين سمعت إغلاق باب شرفته، فتحت بابها برفق وحذر وخرجت تأخذ الهاتف من إناء الزرع ودلفت مسرعة للداخل تتنهد براحة. وما إن فتحت شاشة الهاتف لتطلب رقم والدتها حتى تفاجأت أن مكالمة مازن قيد الاستمرار! "آلو؟ "أمان؟

جلست فوق الفراش وهي تجيبه: "أيوه، تمام. أنا في أوضتي، أنا فكرت الخط فصل." "لأ." كان صوته غريبًا، لم تفهم سبب وجومه وحدته. ولم تدع نفسها حائرة كثيرًا وهي تسأله بتردد: "مال صوتك؟ في حاجة حصلت؟

بالطبع لن يخبرها أنه استمع لحديث "نورهان" و"شاهين" الذي حرك به شيئًا ما يمقتُه، وأثار الضيق في نفسه حتى أنه فكر أن يغلق المكالمة. لكن الفضول دفعه للاستمرار ومعرفة ما سينتهي إليه الأمر. وكالعادة "شاهين" ينال اعتذارًا مُحملاً بالأسف، و"مازن" ينال اتهامًا مُحملاً باللوم. متى سيقف أحدهم في صفه دون أن ينصر "شاهين" عليه؟ متى سيجد من يفهم ألمه هو الآخر ومبرراته كما يفعلون معه؟ "زعلت من كلام شاهين؟

ولا إن نورهان مقلتش في حقك كلامك تدافع عنك؟ تجمّدت ملامحه تفاجئًا بحديثها. هل فهمت ما أزعجه دون أن يبوح؟ "الاتنين." تنهدت قبل أن تقول بنبرة لينة: "أمي دايمًا كانت تقولي مفيش حد بيعترف بغلطه، عشان كده ملكش حق تزعل من كلام شاهين. هو طبيعي مش شايف نفسه غلطان حتى لو هو فعلًا غلطان، ونورهان حتى لو عاوزة تدافع عنك مش هتعمل كده لأنها شافته إزاي مضايق، فهتأجل إنها تقول كلمة تضايقه أكتر حتى لو كانت كلمة الحق."

ولأول مرة يقرر الإفصاح عن بعض ما يعتمر صدره فسألها: "ولو نورهان فعلًا شايفة شاهين مظلوم ومعندهاش كلمة أصلًا تقولها في حقي تدافعي بيها عني؟ "يبقى ده لسببين.. إما شاهين عارف يقنعها كويس بغلبه ومسكنته وإنه مستحيل يأذيك، وده أنا شفته بعيني وشوفت إزاي لف حكاية عني أنا وهو واقنعها بيها.. إما إنتَ فعلًا مش مظلوم بس زي أي إنسان مبيعتřفش بغلطه." "وتتوقعي إنهي الصح فيهم؟ صمتت قليلاً، وأخذت نفسًا تبدد به حيرتها:

"أنا شوفت بعيني إزاي قدر يقنعها بحكاية مزيفة في دقايق.. حكاية لو أنا مش طرف فيها كنت صدقتها وكرهتك.. وفي نفس الوقت قلبي بيقولي إنك مش السبب في الخلاف بينكوا، وبعدين إمتى المجرم بيكون بريء وصادق! لقد أعطته الشعور الذي يفتقده، أن يثق به أحد دون أن يحتاج لكثير من الدلائل والمبررات المقنعة، أن يؤكد أحد على أنه الطرف المظلوم وليس الظالم، الطرف الصادق والبريء.

وبالتأكيد هذا ما جعله يخرج عن صمته ويبوح بالكثير من الأسرار التي لم يتحدث بها مع أحد من قبل: "شاهين كان أخويا الكبير وأبويا وصاحبي، كان مثلي الأعلى وقدوتي، كل حاجة كنت عاوز أكون شبهه فيها، طريقة لبسه وتسريحة شعره، نوع البرفان اللي بيستخدمه، ألوانه المفضلة واللي بيلبسها معظم الوقت، طريقة كلامه ومشيته.. لو قولتك إني كنت مهووس بيه لدرجة إني طول الوقت براقبه عشان أكون نسخة منه هتقولي عني بالِغ، بس دي كانت الحقيقة.."

صوت صمت ساد لثوانٍ جعلها تجلس مستريحة على الفراش وهي تدرك أن المكالمة ستطول. وصوته الشاجن المحمل بلوم وعتاب خفيان ربما يلقيهما على أكتاف شقيقه، وربما يقصد بهما الزمن الذي بدل الأحوال وفرق العزيزين. جعل ملامحها توصف بالحزن دون أن تدرك. وعنه، فقد ترك الهاتف فوق الفراش واسترخى جاعلاً ذراعيه أسفل رأسه وكأنه يتحدث مع نفسه ويرى مشاهد الماضي تتجسد أمامه على سقف الغرفة!

"دايمًا الأخوات بيحبوا يكونوا مختلفين عن بعض، حتى التوأم اللي شبه بعض في الشكل بيكونوا حابين يكونوا مختلفين في الطريقة والكلام ومجال الدراسة والهوايات كنوع من التميز، لكن أنا كنت العكس خالص.. شاهين بيحب اللون البني والأسود يبقى أنا كمان أحبهم، شاهين بيكره الأصفر.. أنا كمان أكرهه، شاهين بيلعب بوكس يبقى أنا كمان ألعب زيه، كل حاجة كنت ماشي وراه فيها، ومكنتش شايف ده عيب على قد ما كان حب مني له. كان بابا دايمًا يقولي انتَ

تابع لشاهين.. انت بتحاول تكون نسخة منه لكن هتكون نسخة ماسخة ومهما حاولت تكون شبهه هتفشل، كان دايما يقولي انتَ ملكش شخصية وبتعمل كل حاجة شاهين بيعملها مبتعملش حاجة من نفسك أبدًا. كل الكلام ده على قد ما كان بيوجعني على قد ما كنت مبهتمش أفهمه أو حتى أفكر فيه، وفضلت ورا شاهين في كل حاجة.."

صمت آخر، وتنهيدة طويلة. "ماما كانت مهتمة بيه أكتر مني ومدياله مكانة وحب أكتر مني بكتير، كنت فاهم إن المكانة دي لأنه الكبير، لكن ليه بتحبه وبتخاف عليه أكتر؟ "مجربتش تسألها؟ انتفض بخفة على صوتها كأنه نسي وجودها، ولكن سريعًا ما استكان وهو يجيب وكأن ذكرياته أبت أن تتركه: "سألتها… مرة، قالتلي عشان شاهين اتيتم بدري وأبوه مات وهو لسه صغير فبحاول أكون له الأب والأم وأعوضه." "واقتنعت بإجابتها؟

ابتسم ساخرًا وهو يجيبها وقد بدأت الدموع توخز مقلتيه دون شعور: "مش بس اقتنعت ده أنا كمان بدأت أمارس دور الأب وأهتم بيه زيها وأخاف عليه أكتر منها. ماما من غير ما تقصد زودت هوسي بوجود شاهين، فبقيت شايف إن أي حاجة في الدنيا تغور بس شاهين ميزعلش، أي حاجة تغور بس شاهين ميتأذيش، وهكذا بقى.." ظهر التأثر واضحًا في صوتها، والحزن زيّن نبرتها وهي تسأله: "وبعدين؟ إيه اللي بعدكوا عن بعض كده؟

"عارفة لما يكون في شخص كل ده بالنسبالك وفجأة ينزل من نظرك؟ إحساسك إيه لو في شيخ معين بتحبيه أوي ووخداه قدوة، وفجأة شوفتيه بيشرب خمرة مثلًا.." "هحس بالقرف ناحيته." قاطعته قبل أن يكمل، ليبتسم برضا وهو يؤكد كلامها:

"بالظبط ده اللي حسيته ناحية شاهين لما اكتشفت متاجرته في السلاح، اتصدمت وحسيت بالقرف ناحيته و ناحية نفسي أنا كمان، خصوصًا إني وقتها كنت في كلية الشرطة فكان إحساسي إن حاميها حراميها.. وعلى فكرة شاهين هو اللي ساعدني أدخل الكلية لما عرف إنها حلمي من سنين بس كنت عاوز أضيعه عشان أكون بيزنس مان زيه." "هو اللي ساعدك! مكانش خايف تكتشف شغله وتنقلب ضده؟ "معرفش، يمكن مكانش متخيل إني اكتشف شغله أصلًا."

"طب ليه محاولتش تتكلم معاه وترجعه عن الطريق ده، أنا حاسة إنه بيحبك بجد واكيد وقتها كان هيسمع منك." جاء صوته مختنقًا: "عشان اللي حصل يوم ما اتواجهنا كان أصعب من إنه يتلم.." وسرح في ذكريات الماضي الأليم يتذكر تلك الليلة التي تحولت لكابوس يطارده في يقظته ومنامه. قبل ثلاث سنوات.. "ووطي صوتك أمك هتسمعنا! نظر له بأعين تتقد غضبًا: "يعني هو ده كل اللي هامك؟ أمك هتسمعنا! رد عليا وجاوبني إنتَ إزاي مشيت في الطريق الو** ده!

توترت نظراته وهو يشيح بها بعيدًا وقال: "أنا معملتش حاجة غلط، أنا كل اللي بعمله إني بدخل السلاح البلد.. يروح فين أو يروح لمين مش شغلي، وبعدين مش كل اللي بيشتروا سلاح بيستخدموه في الأذية، في بلد كتير بياخدوا أسلحة عشان يدافعوا عن أهلهم في المناطق الصعبة اللي عايشين فيها." جذبه من كتفه بقوة ليلتف له ويصبح في مواجهته وصرخ به: "إنتَ بتبرر!! هي البجاحة واصلة معاك للدرجادي؟

أنا تخيلتك هتتكسف مني، هتعترف بغلطك وندمك، لكن إنتَ حتى مش شايف نفسك غلطان! نظر له بقوة يناطحه: "لأ مش غلطان، عارف ليه؟ لأن كل إنسان فينا عنده عقل يفكر بيه عشان كده هو مسؤول عن أفعاله، أنا بدخل السلاح آه، لكن مبقولش لفلان يروح يقتل بيه فلان عشان خناقة تافهة! السلاح زي ما له أضرار له فوائد كتير، ولا إنتوا مبتستخدموش السلاح في شغلكم يا حضرة الضابط المستقبلي عشان تحمي بلدك ونفسك! ارتد "مازن" للخلف مصدومًا من منطقه،

وقال بدهشة تعبر عن صدمته: "مش شغلك! دخول السلاح البلد هو شغلة الحكومة وبس، ثم إنك لم توفر مسدس لشخص ده مش تحريض منك له إنه يخلص بيه كل مشاكله، كام واحد بيشتري سلاح عشان ياخد تاره ولا حتى يقتل حد ويسرقه وغيره وغيره! نظر له "شاهين" هازئًا: "تحريض مني!

ماهو يا حضرة الضابط أنا لو اتخانقت معاك دلوقتي وطلعت في دماغي أقتلك مش لازم يكون معايا مسدس، أنا ممكن بكل سهولة أجري على المطبخ أجيب سكينة أدبها في قلبك، يا ترى بقى هتمنعوا السكاكين من البيوت؟ ماهو تحريض على القتل بقى! صمت ولم يستطع مجابهته في الرد، بالطبع ليس لصواب حديثه، ولكن ربما لتفاجئه بردوده، أو صدمته فيه التي لم تزول بعد.

"من أول ما اكتشفت إنك ماشي في الطريق ده وأنا كنت عارف إنك خلاص روحت بلا رجعة، وإني يوم ما هقف في وشك مش هاخد فيك حق ولا باطل، عشان كده خليت ليلى تبعد عنك.. محبتش أشيل ذنبها هي كمان وتتغش فيك.. عرفتها حقيقتك وهي اختارت تبعد عشان بتفهم." وقد كانت القشة التي قسمت ظهر البعير، هو السبب في بعد حبيبته عنه، هو السبب في اختفائها الغريب والمفاجئ دون أن يستطيع الوصول لأي معلومة عنها وكأنها قصدت هذا. هُزمت ملامحه

وهو ينظر له بعتاب جم:

"ما أنا عرفت، أصلي نسيت أقولك إني وصلت لليلى وحكتلي اللي حصل، وقالتلي إنك بعدتها عني وفرقت بينا رغم إنك أكتر واحد عارف إني مدبوح من الموضوع ده بالذات بعد اللي عملته شدوى، إنتَ أكتر واحد كان شاهد على اللي عشته وقتها وكان عارف إن حبي لليلى كان آخر أمل لقلبي إنه يعيش.. يمكن مكنتش بحب شدوى للدرجة اللي تكسرني فيها، بس هي كسرتني بطريقة تانية.. كسرة رجولتي وحنت راسي قدام الكل، ٣ سنين مكنتش عارف أدخل حد حياتي لحد ما ظهرت ليلى وحبيتها، حسيتها الدوا اللي ربنا بعتهولي عشان يطيب خاطري من كسرة مكانش ليا يد فيها ولا ذنب…"

قاطعه مازن بصياح غاضب: "فوق يا شاهين.. فووووق، إنتَ محبتش شدوى ولا حبيت ليلى.. كل واحدة فيهم كانت محطة في حياتك لكن مش حب.. إنتَ عجبك المحاولات اللي ليلى كانت بتعملها عشان تقرب منك وتكون جنبك، عجبك دورها في إنها تصلح كل اللي اتكسر فيك، ليلى حبتك.. وإنتَ حبيت حبها ليك، لكن محبتهاش.. بطل توهم نفسك بقى، ليلى محدش حبها… غيري." جحظت عينا "شاهين" بصدمة زلزلت كيانه وضربته في الصميم وهو يردد ذاهلاً: "إنتَ بتقول إيه؟ ليلى!

إنتَ كنت بتحبها؟؟؟ إزاي!؟ ابتسامة مريرة زيّنت ثغر "مازن" وهو يقول: "متفاجئ عشان عمري ما بينت، ولا كنت هبين، وكنت هسيبك تتجوزها ومكانتش هتكون في نظري غير مرات أخويا، لكن لما لقيتك بتخدعها وحسيت إنها ممكن في يوم تتكسر بسببك، اخترت لها البعد عن الكل.. عني وعنك.." استند "شاهين" على مكتبه بهم وضعف واضحين، كل ما سمعه الآن كان صدمة مزلزلة له، لم يتوقعها حتى في أسعد أحلامه.

"مش وقت تفكير، اللي حصل حصل، خلينا في دلوقتي.. قولي إنك هتسيب الشغل." نظر له بغضب لون خضرواتيه: "أسيبه! لو كنت عاوزني أسيبه كنت واجهتني قبل ما تعرفها حقيقتي وتبعدها عني.. أسيبه بعد ما نفذت عقابك فيا قبل حتى ما تواجهني!! ده إنتَ حتى ياخي مكنتش هتواجهني لولا إني وصلت لليلى وهي اللي عرفتني.. كنت هتفضل مستغفلني وعمال تضرب فيا من تحت لتحت من غير ما تفكر تواجهني.." "خوفت عليها." ابتسم هازئًا بعدما وجده

يتخطى جزئية عدم مواجهته: "حد قالك إني كنت هعذبها ولا كنت هشغلها معايا! "كنت هتخدعها، وفجأة تكتشف إن جوزها أو خطيبها تاجر سلاح." "كان هيبقى وقتها ليها حرية الاختيار يا تكمل معايا يا تسبني، محدش طلب منك تكون فاعل خير، زي ما محدش طلب منك تكون مُضحي.. إنتَ شوفت إن ليلى فضلت كام شهر تحاول تقرب مني وأنا كنت قافل ورافض أي محاولة منها، ليه ملفتش نظري عشان أنسحب من الصورة؟

أنا وإنتَ قريبين كفاية أوي إنك كنت تصارحني خصوصًا وإنت عارف إنها مكانتش في بالي لسه.. بس إنتَ اخترت تعيش دور الضحية." ضحك بألم واللمعت الدموع في عينيه وهو يقول: "عشان كنت مفضلك عليا، كالعادة… كنت بسبلك فرصة تحبها عشان تنسى وجع شدوى اللي أنا عشته معاك، ضحيت بحبي عشانك زي ما بضحي بكل حاجة عشانك، وإنتَ دلوقتي رافض تضحي بشغلك الشمال عشاني وعشان العيلة كلها." تحرك بعيدًا عنده وهو يقول بصرامة يعرفها:

"متفتحش معايا الموضوع ده تاني.. عشان منخسرش بعض، كفاية الحاجز اللي اتكون بينا بسبب عملتك." وكنوع من أنواع التهديد ليس إلا، كحل أخير.. أخرج "مازن" مسدسه وسدده لرأسه وهو يقول: "يبقى قدامك حل من اتنين.. يا تسيب شغلك و توعدني دلوقتي يا هتخسرني." التف "شاهين" ليرى المنظر الذي قلب الدنيا فوق رأسه، لم يستطع أن يشهق الهواء الذي زفره، أو يرمش بعينه التي جحظت كأنها ستخرج من مكانها، فقط وجد نفسه يردد بلا توقف وهو يمد ذراعه له:

"لأ لأ… بطل جنان، إنتَ بتعمل إيه نزل الزفت ده.. نزله بقولك.." صرخ بالأخيرة لكنه لم يتحرك وهو ينظر له بقوة، ويخبره: "عاوزني أنزله اوعدني إنك تبعد عن الشغل ده." كلاهما يعرف أن وعد "شاهين" لا يُخنث، وعده لا يخلفه أبدًا تحت أي ظرف ومهما كان الوضع، لذا هو واثق أنه إن وعده سيصدق. "بطل جنان! ابتسم وكأنه مجذوب: "طب ده حتى الفرق بينا، إني مجنون و متهور، وإنتَ العاقل الرزين."

مال برأسه بعيدًا وهو يسب "مازن" من بين أسنانه، هو يدرك ما يحاول فعله لكن في نفس الوقت يخشى تهوره وجنانه الذي يعرفه خير المعرفة، يخشى أن يؤذي نفسه. وعلى غرة انقض عليه لتبدأ مناوشة خطيرة بينهما، الأول يريد أن يأخذ السلاح، والثاني يريد أن يظل محتفظًا به حتى يحقق غايته. وبين هذا وذاك… ضغط "مازن" على الزناد دون قصد، في نفس الوقت الذي فُتح فيه باب الغرفة لتخرج رصاصة غادرة في اتجاه الضيف المفاجئ…

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...