الفصل 2 | من 30 فصل

رواية فراشة في سك العقرب الفصل الثاني 2 - بقلم ناهد خالد

المشاهدات
28
كلمة
2,857
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 7%
حجم الخط: 18

"الفرصة تأتي مرة واحدة، فما عليك سوى أن تغتنمها، وما لم تعطيهِ لكَ الحياة طوعًا خذه بالقوة، فالحياة التي لم تبتسم لك منذ البداية لن تفعل في منتصف الطريق أو آخرة، فهكذا هي الحياة إما أن تعطي دومًا إما أن تحرم دومًا" هقول اللي عندي، قبلتِ الفلوس هتكون معاكي وانتِ ماشية، رفضتِ يبقى... ولصدمته حقًا، وبحركة غير متوقعة، وجدها تجذب الأموال ناحيتها وترفع عيناها له تسأله بجدية تحت اتساع حدقتيهِ بذهول: –معاك كيس أسود؟

ولا هاخدهم في إيدي؟ رفع حاجبه بإعجاب وهو يقول: –واضح إنك مبتضيعيش الفرصة. ابتسمت متهكمة وهي تقلب الأموال بين يديها: –وهي الفرصة بتيجي كام مرة للي زينا عشان يبقى في مجال نضيعها؟ هز رأسه بإعجاب بمنطقها الذي سيخدمه بالطبع وغمغم: –حلو، عمومًا الشاطر هو اللي ميسبش فرصة تعدي من تحت إيده، قوليلي بقى اسمك وسنك وحياتك ماشية إزاي؟ رفعت نظرها عن الأموال تطالعه بتساؤل: –وده هيفيد في الموضوع؟ أومأ بثبات:

–أيوه طبعًا، أومال هنشتغل مع بعض إزاي؟ مش لازم أعرف كل حاجة عنك، أو على الأقل الحاجات المهمة والباقي هعرفه بمعرفتي، ولا أنتِ فاكرة إن أي واحدة هجيبها وأتفق معها وأدخلها شغلي؟ أنا لسه هعمل عنك تحريات. عادت تنظر للأموال بحسرة، هل هذا يعني إنها لن تأخذها معها الآن؟ حولت بصرها له ليقرأ مخاوفها فقال مبتسمًا باتساع:

–متقلقيش الفلوس هتاخديها معاكي، عمومًا التحريات هتخلص في ظرف ساعة أو ساعتين، وأنا واثق إنك مش هتكوني لحقتي تصرفي الفلوس لو الاتفاق فشل واكتشفت حاجة في التحريات، فعادي خديها أنا هعرف أرجعها إزاي لو مطلعتيش مؤهلة للدور اللي عاوزك له. حاولت الفهم أكثر فقالت: –طيب بص يا باشا، أنا الحمد لله لا عليا قضية ولا عمري دخلت قسم قبل النهاردة، إيه بقى اللي ممكن يخليني مش مؤهلة غير كده؟ شبك كفيهِ فوق المكتب ومال بجسده قليلاً

يحدثها: –بصي يا فُلة، أنا لازم الأول قبل ما أقرر إنك الشخص المناسب أتحرى عن شوية حاجات تخصك، مش بس القضايا، ما ياما ناس عملت بلاوي موصلتش للأقسام، فمتشغليش بالك بشغلنا، وعرفيني عن نفسك. تنهدت حائرة وهي لا تفهم معنى حديثه، وقالت معرفة عن ذاتها: –فُلة ده اسمي الحركي يعني، المعروفة بيه بين الناس، عشان ببيع فُل وكده، وأنا اللي طلعته على نفسي عشان مش كل من هب ودب يعرف اسمي الحقيقي. –وإيه هو اسمك الحقيقي؟

–اسمي "فيروز يسري"، أصل أمي كانت تحب فيروز المغنية أوي كانت دايما تسمعها في الراديو، عندي 24 سنة، معايا دبلوم تجارة... لم يخفِ دهشته وهو يسألها مقاطعًا: –أنتِ متعلمة؟ قطبت ما بين حاجبيها بضيق تجيبه بفخر: –أومال فكرتني جاهلة؟

لا أنا معايا دبلوم.. أبويا الله يرحمه كان حريص إنه يعلمني، ولمَّا مات أمي صممت إني أكمل تعليمي، الله يرحمه مات وأنا في تانية إعدادي، له معاش أصله كان شغال تمرجي كده في مستشفى حكومي، بس المعاش مكانش كبير، ومكانش بيكفي أكل وشرب وأدوية ولا دكاترة لو حد فينا تعب، غير الكهربا والماية ومدرستي والكتب، فأمي اشتغلت يعني تطبخ كده للناس اللي عندهم مناسبة ولا حاجة، أصلها شاطرة أوي في الطبخ، والدنيا مشيت لحد ما خلصت تالتة إعدادي،

ووقتها قولت لازم أشتغل، الظروف كانت صعبة أوي، فاضطرت أمي توافقني، قعدت كام شهر الطش، أشتغل في محل ويطلع صاحبه راجل مش تمام فأمشي، ولا أقف أبيع حاجة على ناصية فالبضاعة متتباعش كلها وأخسر، وكده، لحد ما وقع في طريقي حوار الفُل ده فجأة، ومن وقتها بقالي 9 سنين ملقتش شغلانة تانية غيره تنفعني.

هز رأسه متفهمًا ثم قال: –ماشي يا فيروز، عاوزك بقى تنسي اسم فُلة ده خالص، دربي نفسك على كده، عشان هتعيشي باسم وشخصية أنا اللي هخلقهالك، ولازم تتأقلمي معاها. سألته ببوادر فهم لِمَ يريده منها: –يعني أنا هروح للراجل ده باسم غير اسمي؟ أومأ برأسه مؤكدًا وهو ينهض من فوق كرسيه ويطوف حول المكتب حتى أصبح أمامها: –وشخصية غير شخصيتك، يعني أول حاجة هنعملها إننا هنغير استايل لبسك ده.

أنهى جملته مشيرًا لثيابها، نظرت لنفسها لتذم شفتيها برفض لِمَ ترتديه، فهي نفسها لا ترضى بهِ ليرضى هو، ولكن ما باليد حيلة فهذا هو ما تمتلكه، فقد كانت ثيابها عبارة عن بنطالون واسع من الجينز الأزرق الذي شحب لونه حتى قارب على الثلجي، وكنزة تصل لبعض أردافها من الوردي الباهت بأزرار من الأمام لبعد صدرها، ووشاح رأس صغير تلم بهِ خصلاتها للخلف كسيدات التسعينات، وحذاء مهترئ قديم، ابتلعت ريقها بحرج ورفعت نظرها له تقول:

–هو فعلاً اللبس مش قد كده، أصله قديم، عندي من زمان. نفى برأسه موضحًا: –مش فكرة قديم ولا جديد، الاستايل نفسه مينفعش، لما هتشوفي الاستايل الجديد هتفهمي قصدي. فركت كفيها بتوتر والتزمت الصمت، لتسمعه يقول وهو يمد كفه لها بهاتفه بعدما عاد يحتل مقعده: –شوفي الصورة دي كده. التقطت الهاتف تنظر بهِ، لتتسع عيناها رويدًا وهي تسأله: –مين ده؟ –ده الراجل اللي بحكيلك عنه، شاهين المنشاوي.

اهتزت حدقتيها، وتذبذبت نظراتها وهي تطالع الصورة أمامها، صورة تصرخ بجاذبية من بها، وهالته الجميلة التي تحيط بهِ، ملامحه كنجم سينمائي لامع، بعدستيهِ التي تحمل مزيجًا بين اللونين الأزرق والأخضر، وذقن وشارب وشعر يلمعون باللون البني المناسب تمامًا لبياض بشرته، وأنفه المستقيم كخط هندسي، تمتمت بذهول ومازالت تنظر للصورة: –ده ولا نجوم السيما!

تحمحم "مازن" ليلفت انتباهها ويشتتها عن الصورة، فنظرت له باضطراب وهي تدرك للتو ما تفوهت به، ليقول لها بتحذير: –بصي، أهم بقى من إنك متكشفيش نفسك والهري ده، إنك متتفتنيش بأي شيء هتشوفيه، يعني هتشوفي فيلل وعربيات ومطاعم وأماكن عمرك ما اتخيلتيهم حتى، هتشوفي برضو شاهين ورجالته، مينفعش تسيبي نفسك للاندهاش يبان عليكي ولا تسيبي إعجابك بحاجة يبان عليكي زي ما حصل دلوقتي. قال جملته الأخيرة بحنق واضح، لتبتلع ريقها مبتسمة ببلاهة،

فزفر أنفاسه يكمل: –حطي في راسك دايما إن شاهين مجرم، مجرم مهمتك تجيبيلي منه اللي هطلبه منك، مجرم آخره السجن، يعني لا يفتنك شكله ولا غناه ولا الهيلمان اللي هو فيه ولا قوته وذكائه اللي هتشوفيهم، فهمتي؟ أومأت برأسها بقوة: –فهمت يا باشا، إن شاء الله مش هخيب ظن سعادتك وهنفذ بالحرف. التوى جانب ثغره بابتسامة صغيرة هازئة قبل أن يقول: –معندكيش مجال تخيبي ظني… تخييبي ظني هيكون بموتك.

تجمدت ملامحها، واهتزت جفونها بقلق وخوف طبيعي، قبل أن تبتلع ريقها بصعوبة وهي تشعر بخطورة القادم. ******* رفعت رأسها لأعلى بنزق، وزفرت أنفاسها باختناق من تكرار والدتها لنفس الحديث دون توقف، وكأنها تقوله لأول مرة، أصدرت صوتًا معترضًا من حنجرتها قبل أن تقول: –يووه، خلاص بقى يا ماما، أنتِ قولتي الكلام ده ألف مرة، وهقولك نفس الجواب، مجد لأ.. أنا وهو مننفعش لبعض. تشدقت والدتها بغضب: –مجد لأ ليه يا اختي؟

أنتِ يا بت كان حد عبرك غيره! قاعدة مستنية مين يا خايبة؟ حركت ذراعيها بعصبية من حديث والدتها: –مش مستنية حد، بس مش معنى كده أوافق على مجد وأنا مبشفوش ينفع جوزي. وضعت والدتها ذراعها في خصرها باعتراض وتهكم واضحين: –وده ليه بقى؟ مش مناسب للعزب والإطيان اللي عند أبوكي؟ ضغطت على أسنانها بغيظ من تهكم والدتها، ونظرت لها تجيبها من بين أسنانها:

–مش مناسب ليا، من وأنا لسه في ابتدائي كنت بشوفه واقف مع أبوه في الورشة، وطول الوقت قدامي، عمري ما حسيت ناحيته بحاجة، وأنا بقى متجوزش حد مبحبوش، على الأقل أكون معجبة بيه، عشان أحبه بعد الجواز، لكن مجد أنا لا معجبة بيه ولا حبيته، هم مش بيقولوا الجواز قبول! –يا بت بطلي خيابة! حب إيه ونيلة إيه؟ المهم إنه هيعرف يعيشك ويصرف عليكي، والواد حلو وغلبان وميتعايبش! رفعت حاجبها الأيسر ساخرة وهي تقول: –أنتِ عوزاني أكون زيك؟

أتجوز واحد وأعيش معاه سنين عمري وأنا مبحبوش، أعيش معاه عشان بس عيالي وعشان هو كويس ومش مقصر، لكن الحب عمره ما يزورني، أنا مش أقل من أي بنت، عاوزة أحب وأتحب، ومش ناوية أعيش اللي عشتيه ياما. اقتربت منها "مديحة" تضرب بكفها على كتف الأخرى عدة ضربات متتالية وهي تقول: –خليكي، خليكي يا عين أمك لحد ما تعنسي وأنتِ مستنية اللي تحبيه ويحبك.

وانسحب من أمامها دالفة للغرفة الأخرى تاركة "صفاء" في شرودها، وتأرجحها ما بين تفكير والدتها وتفكيرها، وأيهما أصوب؟ ********** رفع السيجارة الفخمة بنية اللون عن فمه، ليخرج بعدها دخان كثيف يزفره هو بمهل وتأني، غير عابئًا بالجالس على الطرف الآخر للمكتب، يتابع تحركاته عن كثب، يبتلع ريقه بصوت مسموع وهو يخشى ما طلبه فيه، يتصبب عرقًا في الخفاء كلما اصطدمت أعينهما، حتى رحمه "شاهين" أخيرًا وهو يسأله بهدوء تام:

–أنتَ مش عارف يا سمير إن المنطقة دي بتاعتي؟ وممنوع حد يوزع فيها حتة سلاح واحدة من غير ما يرجعلي؟ والآن فهم "سمير" ما جاء من أجله، وسر الطلب العاجل له، لقد اكتشف "شاهين" فعلته، ولن يمررها بخير، زاغت نظراته بين "شاهين" و"مرسي" رجله المخلص الواقف بمنتصف الغرفة، ابتلع ريقه الجاف وهو يرى نظرة "مرسي" العابثة والمستمتعة كأنه يشاهد كيف يرقص الأسد على أنغام الموسيقى بالسيرك! –أيوه يا باشا، عارف.

ذم "شاهين" شفتيهِ باستغراب وهمي، وأخذ نفس آخر من لفافة التبغ خاصته وهو يقول مع زفر الدخان من فمه: –ولما أنتَ عارف، السلاح اللي خرج من عندك ده خرج من غير إذني ليه؟ حاول النجاة بالكذب، فاصطنع الثبات ورسم الصدمة الكاذبة على ملامحه: –من عندي أنا؟ أقسملك يا باشا إني معرفش، ولو فعلاً خرج من عندي يبقى... قاطعه "شاهين" وهو يهز له رأسه بالنفي ويرفع سبابة كفه الذي يحمل اللفافة مشيرًا له بالتحذير:

–تؤ تؤ، لو بتفكر تنكر وتلبسها لرجالتك وإنه حصل من ورا ضهرك، تبقى غبي، عشان وقتها هقولك اللي رجالته تلعب من ورا ضهره يبقى خروف، والخروف عندنا نهايته الذبح، أصلنا مبنشغلش معانا خرفان.

و"الذبح" معناه الإقصاء تمامًا عن عملهم، وتجريده من المال والسلطة، فيخرج خاسرًا بكل المقاييس، شحب وجه "سمير" وهو يدرك إنه كاد ينهي على نفسه بنفسه، وما ظنه مخرجًا كان هلاكًا محتمًا، توتر، ومسد مؤخرة رأسه وشعره الأبيض بارتباك، وأخيرًا قرر الاعتراف لينجو بأقل الخسائر وقال: –باشا والله العظيم... قاطعه للمرة الثانية وهو يطفأ سيجارته بالمطفأة: –متحلفش عشان حلفانك ملوش لازمة، مش هو اللي هيخلني أصدقك. وعقب "مرسي" خارجًا

عن صمته بسخرية: –مظبوط يا باشا، وعلى رأي المثل قالوا للحرامي احلف.. قال جالك الفرج. نظر له "سمير" بغيظ خفي، قبل أن يعود بنظره لـ"شاهين" وهو يقول: –يا باشا أنا بس كانت الدنيا واقفة معايا بقالي شهرين مبعتش حتة سلاح واحدة، وفي ناس قصدوني أبيعلهم 15 حتة، فقولت يعني… انتفض جسده حين ضرب "شاهين" بكفه على المكتب بقوة هزته، ونظر له بملامحه التي بدت خطرة رغم وسامتها، وجهر قائلاً بقوة:

–مش أنتَ اللي تقول يا روح أمك، حد قصدك زي ما بتقول ترجع لكبير المنطقة اللي أنا معينه هناك، وهو هيرجعلي واقوله السلاح يطلع من عند مين من التجار، مش تقرر بكيفك، غلط ولا مغلطش يا سمير؟ أحنَى رأسه وهو يقول بطواعية كارهة: –غلط يا باشا، واللي تأمر بيه أنفذه. أراح "شاهين" ظهره على كرسيه وابتسم ببرود، بينما يوجه حديثه لـ"مرسي": –تاخد منه تمن الحتت اللي باعها، وتديهم لسيد قوله ده تعويض من سمير عن إنه خد دورك. رفع "سمير"

رأسه يسأله: –وأنا هاخد الحتت من عنده؟ نظر له "شاهين" بجانب عينيه، تحت ابتسامة "مرسي" الساخرة، وقال: –الحتت ما أنتَ بعتها، ولا هنروح نجيبهالك من اللي اشتروها؟ وضح قصده: –لا يا باشا، أنا قصدي مادام سيد هياخد الفلوس يبقى أخد أنا الحتت اللي بعتها من عنده. وبملامح جامدة ونبرة قاطعة كان يقول: –وقتك خلص يا سمير. فغر فاه "سمير" بصدمة وهو ينقل بصره بين "شاهين" و"مرسي" تباعًا كالمجذوب، حتى قال "مرسي": –يلا يا سمير.

فنهض مضطرًا وسار معه، حتى خرجوا من المكتب، فخرج سؤاله المصدوم: –يعني إيه؟ هرجع الفلوس والسلاح مش هيرجعلي؟ بس أنا كده هخسر. صدر صوت هازئ من حنجرة "مرسي" وهو يقول: –لسه مفهمتش عقابك يا سمير! أحمد ربنا بدل ما الباشا كان يعاقبك بجد، ده العقاب ده لعب عيال عشان بس دي أول مرة تعملها. سار تائهًا وهو يردد بحسرة: –لعب عيال! ده أنا كده هخسر 180 ألف جنيه وأنا بقالي شهرين ما اشتغلتش! ابتسم "مرسي" بهدوء وهو يصر على حديثه:

–أحمد ربنا إنها جت في خسارة فلوس، وصدقني كده الباشا رحيم بيك، بعدين ما نتَ قبل الشهرين دول الباشا باعتلك صفقة عملت منها 700 ألف، لحقت تصرفهم! متبقاش طماع يا سمير عشان متخسرش حياتك. *********** استيقظت على صوت هاتفها الصغير من النوع "نوكيا" ذو الأزرار، فتحت عينيها بضجر لتنظر لساعة الحائط من ضوء المصباح الصغير المضيء، لتجدها الحادية عشر ليلاً، فتحت الخط بعدما اعتدلت: –الو مين؟ أتاها صوت رجولي ميزته يقول:

–حد يرد على التليفون بالطريقة دي! أنتِ داخلة خناقة؟ تحمحمت وزفرت نفسها بتوتر قبل أن تقول: –معلش يا باشا أصل الوقت اتأخر، ومش متعودة حد يكلمني في وقت زي ده إلا لو كان بيغلس يعني. –عمومًا أنا بكلمك عشان أقولك إني خلصت التحريات بتاعتي، وطلعتي تمام، ينفع تقومي بالمهمة اللي طالبها منك، قوليلي بقى عندك مانع تبدأي من بكره؟ صدمها سرعة الأمر، فسألته بدهشة: –أروحله بكره؟

ضحكة صغيرة صدرت عنه تسللت لها عبر الهاتف، لتبتسم تلقائيًا على أثرها ويتبعها يقول: –تروحي لمين لا طبعًا، لسه بدري على ما تروحيله، بس هنبدأ الأول في كام نقطة عشان أهيئك للمهمة. صمتت لثواني تفكر ثم قالت: –بس بكره صعب، أرتب بس دنيتي هنا، هو حضرتك يعني هتحتاجني كام ساعة في اليوم؟ –مش كام ساعة، أنا هحتاجك على طول، لما تجيلي مش هينفع خالص ترجعي عندكوا تاني غير لما المهمة تنتهي، اعتبري نفسك مسافرة بره مصر.

شردت بتفكيرها في تأزم الأمر وقالت معبرة عما تفكر به: –كده هوقف شغلي، ولازم أعرف أمي إني هبعد فترة، ولازم أظبط الدنيا هنا قبل ما أجي لسعادتك، محتاجة وقت، أديني يومين حتى. جاءها صوته يقول: –معاكي بكره، معتقدش هتحتاجي أكتر من كده، بعد بكره الساعة 10 الصبح هتلاقيني عند الإشارة بعربيتي. وانتهت المكالمة، لتتسطح كما كانت ونظرها شارد في سقف الغرفة تفكر في حديثه، وفيما هي مقبلة عليه، لتسمع صوت والدتها النائمة بجوارها يسألها:

–مين ده يا بت؟ ومحتاجك في إيه؟ اعتدلت جالسة تسألها: –أنتِ صاحية ياما؟ اعتدلت "مديحة" هي الأخرى مجيبة: –صاحية من أول ما رن، إيه الحكاية؟ ولأنها اعتادت ألا تخفي عنها شيئًا فسردت لها كل شيء بصراحة تامة، لتفاجئها حين صرخت بها بعدما انتهت: –بكره ترجعيله كل فلوسه، وتقوليله يشوف حد غيرك للي عاوز يعمله ده، احنا مش ناقصين مصايب، كفاية اللي احنا فيه، احنا لا قد الحكومة ولا قد المجرمين. حاولت إقناعها فقالت:

–إيوه ياما بس دول 100 ألف جنيه. أصرت على رفضها تقول: –يكش يكونوا مليون، احنا ماشيين جنب الحيط يا بنتي خلي ربنا يسترها علينا، اسمعي اللي بقولك عليه ربنا يرضى عنك. وقضت ليلتها تفكر محاولة الوصول للقرار الأنسب، حتى اجتمع رأيها برأي والدتها وقررت تجنب المخاطر ورفض المهمة كي تسلم أي أذى قد يلحق بها. ********* اليوم التالي مساءً…

طلبت رقمه بتوتر لا تعرف ماذا سيكون رد فعله حين تخبره أنها لن تكمل وتنسحب من الاتفاق الذي تم بينهما، أتاها صوته لتقول على الفور: –الو، إيوه يا باشا، أنا كنت بس عاوزة أبلغ سعادتك بحاجة مهمة. –قولي، بس مش هنأجل الميعاد أتمنى تكوني خلصتي أمورك النهاردة. نظرت لوالدتها التي حثتها بعينيها على التكملة، فقالت متنهدة:

–لا سعادتك أنا مش بكلمك عشان نأجل، أنا بكلمك عشان أقولك إني مش هقدر أعمل اللي طلبته مني، يعني الموضوع خطر، أنا بصراحة بعد ما فكرت لاقيت إني خيبة وهتكشف بسهولة وهبوظ الدنيا، وفلوسك هرجعهالك بكره مش ناقصين مليم. والصمت ساد لبعض الوقت تحت توترها، وأخيرًا أتاها صوته الهادئ بغرابة يسألها: –ده أخر كلام عندك؟ –إيوه يا باشا، أنا آسفة بس مش هقدر. –مفيش مشكلة، تعالي بكره مكتبي ومعاكي الفلوس ونخلص الموضوع. ابتسمت براحة حين

سمعت تقبله للأمر وقالت: –الله يباركلك يا باشا يا رب، عنيا، بكره من النجمة هكون عند سعادتك، سلام عليكم. وأغلقت المكالمة، لتقول والدتها: –الحمد لله كده ارتحنا. أومأت برأسها وقد شعرت بحمل قد أزاح عن كتافها: –الحمد لله. ********* أغلق معها المكالمة ليظل ينظر للهاتف قليلاً بصمت، قبل أن يفتر ثغره عن ابتسامة واسعة وهو يهمس لذاته بحيرة:

–يا ترى خافت من صورته وحست إنها قدام شخص خطير، ولا لقت نفسها مش هتعرف تقاوم وسامته وخافت تتفتن بيه زي ما حذرتها؟ لم يستطع أن يصل لإجابة واضحة، نهض من فوق فراشه متجهًا للشرفة وفتحها واقفًا بها يستقبل نسمات الهواء الباردة، وهز رأسه بابتسامة ساخرة هذه المرة بينما يردد: –عمرك ما كنت عدو سهل يا شاهين، دايمًا تبوظلي كل حاجة برتبها حتى من غير ما تتدخل.. احتدت نظراته وغامت عيناه بسحاب الكره:

–بس ورحمة أمي لييجي يوم وأنتصر عليك وبعدها مش هيقوملك قومة يا بن المنشاوي. ******** الخامسة صباحًا… بالكاد انكشحت الغيوم وتفتح النهار من ظلمة الليل.. والشمس لم تعلن عن نفسها بعد.. انتهت من ارتداء ثيابها، والتي كانت جيبة بنية منقوشة بالورود، وكنزة بيضاء تصل لأول الجيبة، ولم تنسَ أبدًا وشاح رأسها البني والذي ربطته للخلف، خرجت والدتها من المرحاض لتسألها: –خلصتِ؟ هتنزلي دلوقتي؟ أومأت تقول:

–هروح أفطر الأول، وأطلع على الشغل الحق ساعتين الصبحية دول، أنتِ عارفة إني هاجي على الساعة 10 كده عشان أخد الفلوس وأروح أرجعها للضابط، ودي فيها عطلة ساعة ولا أكتر فخليني أعوضها. اقتربت "مديحة" تربط على ظهرها وهي تحمل عقد الفلوس: –ربنا يرزقك يا بنتي ويقويكي. استقامت واقفة وقبل أن تنطق سمعت دقة بسيطة فوق باب الغرفة، نظرا لبعضهما باستغراب وقلق، فمن سيأتي في هذه الساعة الباكرة جدًا؟

وبالأخير تحركت "مديحة" وتبعتها هي حتى فتحت الأولى الباب ليصدمهما رجلان غريبان يرتديان أقنعة وجه يقفان أمامهما، وقبل أن تسرع "مديحة" بغلق الباب كان يضرب ليفتح على مصراعيه وقبل أن تحاول "فيروز" الصراخ أو القيام بأي رد فعل كانا يقتحمان المكان أحدهما ضرب "مديحة" على رأسها لتفقد الوعي فورًا، والآخر كمّم "فيروز" بقماشة بيضاء بها مخدر لتخفت مقاومتها وتخر ساقطة أرضًا بجوار والدتها… وبعد ساعات لا تحسب..

استيقظت "فيروز" أولاً لتتأوه بوجع، وما إن انتبهت لِما حولها حتى نهضت لتفيق والدتها، التي استجابت لها بعد ثواني، فسألتها بلهفة: –أنتي كويسة يا ماما؟ أومأت بوجع بسيط وقالت: –كويسة، إيه اللي حصل؟ ارتعش جسدها وهي تتذكر ما مرت به، لتقول بجهل: –مش عارفة، هو خدرني ووقعت جنبك على طول. نظرت لها "مديحة" تسألها بخوف: –مين دول؟ وكانوا عاوزين منا إيه؟ طافت بنظرها في المكان لتجده كما هو، فقالت بحيرة: –معرفش، حتى مسرقوش حاجة.

وصمتت لثواني حين أتى بعقلها الأموال، فانتفضت كالملسوعة تبحث عن ظرف المال الذي من المفترض أن تعيده اليوم للضابط، حتى وقفت بمنتصف الغرفة تضرب وجنتيها بكفيها مرددة بصرخة حية: –يا لهوي سرقوا الفلوس…

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...