ليلاً... أخيرًا استطاعت أن تنفرد بنفسها بعيد عن ضجيج الجميع. أخرجت الهاتف الصغير بحرص وحذر وطلبت رقم "مازن". ظلت تطلب رقمه لعدة مرات دون رد. فزفرت أنفاسها باختناق وهي تضع الهاتف جوارها بعد أن فعلت وضع الهزاز احتسابًا لرنينه في أي وقت. وشردت بعقلها في أحداث اليوم وما سمعته عن حقيقة شدوى. حدثت نفسها تقول: _هو شاهين ده أهبل ولا إيه؟ إزاي قبل يتجوزها وهي غلطت مع واحد تاني؟ لأ وحملت منه! وليه أفعاله متناقضة كده؟
ده لو شخص وحش ومعندوش رحمة ولا قلب زي ما بيقولوا عليه وزي ما بيظهر ساعات عمره ما كان اتجوزها وكتب الواد على اسمه، أكيد كان قتلها! طب معقول من حبه لها مقدرش يقتلها! بس بردو المفروض واحد بشخصيته ميحبش أصلاً ولا يعرف يحب، ولو حب ميهزوش الحب ده. هو مش زي بتوع العصابات اللي بنسمع عنهم اللي يقتل مراته عشان خانته واللي يقتل حبيبته عشان هربت منه! ولا هو من بره هالله هالله ومن جوه يعلم الله! آآآه...
رددت تأوها الأخير بتعب وهي تضع كفها على رأسها من كثرة التفكير. وفجأة ابتسم ثغرها ابتسامة غير مفهومة وهي تتخيل واقع حديثه معها، وطلبه منها أن تصبح زوجته حقيقيةً. زوجته! كلمة لها وقع غريب على نفسها. تتخيل فقط لو الأمر أصبح حقيقة. ستصبح هي سيدة المنزل الواسع والفخم هذا. ستصبح من سيدات المجتمع الراقي. ستمُتلك الكثير من الثياب الباهظة والمجوهرات والخدم والسيارات. أشياء لم تحلم يومًا أن تمتلكها.
سوف تستطيع أن تملك كل ما تقع عيناها عليه. إن أرادت شيء سيكون لديها فورًا ولن تحسب له ألف مرة كما تفعل الآن. ولكنها مع كونها ستملك كل هذا... ستصبح مملوكة! مملوكة لشخص مخيف، غريب، والخطأ عنده بعُمر. شخص من المفترض أنه رجل خطر والبُعد عنه نجاة. تنهدت بحيرة وهي تتجه بتفكيرها لجانب آخر. شاهين ورغم كل علامات الاستفهام حوله، لكنه بهِ بعض الطباع الحسنة. ويا للعجب أنها تقول هذا!
بصرف النظر عن حديث "نورهان" المسبق عنه، لكنها في كثير من الأحيان تلتمس فيه أمورًا جيدة، وتشعر أنه على عكس الشخصية التي يُظهرها. زفرت بقوة وهي تقول: _إيه الهبل ده! أنا بفكر في إيه؟! انتفضت على اهتزاز الهاتف لتجده "مازن". فتحت المكالمة فورًا تردد بصوت منخفض: _مازن، رنيت عليك كتير مردتش. أتاها صوته الهادئ يقول: _كنت مشغول شوية. شعرت بأن صوته بهِ شيء ما: _أنتَ كويس؟ صوتك مش طبيعي. _لا أنا تمام، قوليلي في حاجة ضرورية؟
ورغم تأكدها بأنه ليس بأحسن أحواله لكنها قالت متغاضية عن ما لا يريد الإفصاح عنه: _في حاجات... شاهين طلق شدوى رسمي. أتاها صوته المصدوم: _بتقولي إيه؟ إزاي؟ والعيلة عرفت؟ _جدك هو اللي أمر بكده، ومحدش قدر يتكلم. وكمان قال إن كتب كتابي أنا وشاهين بكرة. بس شاهين مشكورًا يعني كلمني بعدها قدامه وقالي إني أكيد لازم أعرف بابا الأول ولازم يكون حاضر. فمسكت في الحجة دي وتبت. لكن مش عارفة هعمل إيه وهفضل أماطل لأمتى؟
وأبويا ده هييجي منين!؟ _إيه ده؟ كتب كتاب إيه؟ هم اتجننوا؟ ولا شاهين عاوز يتأكد إنه هيسبقني بخطوة! قطبت بين حاجبيها باستغراب وهي تقول: _هو كل اللي فارق معاك إنه هيسبقك بخطوة؟ بعدين أنا في بالي إنك هتتصرف وتهربني من هنا زي ما قولت قبل ما ياخد الخطوة دي. تردد صوته وظهر بهِ الارتباك وهو يقول: _مش قصدي أكيد... بس أنا لما فكرت في موضوع هروبك ده لقيت إنه صعب شوية. _صعب!
رددتها متفاجئة من حديثه فقد بنت أفكارها على تصرفه هو وتهريبه لها من هنا قبل أن تُكشف أو تقع في المحظور. _هنبقى معملناش حاجة يا فيروز، هيكون خوفك وكل اللي عملتيه الفترة اللي فاتت راح على الأرض. لازم نلاقي دليل على شاهين قبل ما تطلعي من حياته. _ولو لقيته؟ _هيتسجن طبعًا! ابتسمت باستخفاف تقول: _وطبعًا على ما أعرف ألاقي دليل هيكون اتجوزني! سمعت زفرة حارة منه قبل أن يقول:
_ووقتها هتتحرري منه، متقلقيش عمري ما هسيبك تقعي فيه عمرك كله، وعمري ما هسمحله يلمسك. _هيكون جوزي! صرخت بها بنبرة خافتة وقد تجمعت دموعها في عينيها وقالت مكملة بمرار تتذوق طعمه في حلقها: _إزاي مش هتسمحله يلمسني وهو هيكون جوزي! إزاي قولت إنك بتحبني ودلوقتي معندكش مشكلة يتجوزه المهم مصلحتك تمشي وأعرف أجيب لك دليل عليه! أنا تخيلت إني أول ما أحكيلك هتقولي أنا ههربك فورًا من عندك، ردك صدمني ومش قادرة أستوعبه.
_اسمعيني بس، دلوقتي حتى لو كتب كتابه عليكي شاهين مش من النوع الرومانسي ولا انتِ فارقة معاه أصلاً. هو بيعمل كده عشان يعلن انتصاره عليا. وبناء عليه هو عمره ما هيقربلك، هو بس هيتجوزك عشان يثبتلي إنه خدك مني. فبالنسبة إنه يقربلك ده مش هيعمله. ولما نمسك عليه دليل هيتحبس، وقتها تقدري ترفعي عليه قضية خلع، وهتخلصي من الموضوع ده خالص بدون أي خساير.
وحقيقًة لا تعرف الآن لِمَ فعلت هذا لكنها لم تخبره عن رغبة "شاهين" الذي أخبرها بها، وأنه يريد الزواج منها ليكون أسرة وأولاد. صمتت، ولا تعرف سبب الصمت الغريب في موقف كهذا، لكنها شعرت بشيء يطبق في عنقها، ويجثم فوق صدرها، شيء لم تستطع إزاحته أو التخلص منه. فقالت بغصة مختنقة: _أنتَ شايف كده؟ تنهيدة عميقة خرجت منه قبل أن تسمع صوته: _فيروز، أنا قولتلك إني بحبك... ومينفعش تشككي في كلامي أو شعوري.
لأني ببساطة مش مراهق عشان معرفش حقيقة مشاعري ليكي. تهاوت دموعها وهي تشعر بالحزن والكآبة وقالت معاتبة: _غريب حبك ده! رغم إني معرفش الحب ولا عمري عيشته، لكن مش طبيعي تكون بتحبني وموافق راجل تاني يتجوزني حتى لو مش هيقرب مني زي ما بتقول رغم إن ده شيء مش مضمون. هتعمل إيه لو بقى جوزي بجد؟ هيبقى الموضوع عادي زي ما عادي اتجوزه!؟ أتاها صوته الغاضب يقول رافضًا: _لا طبعًا، وانتِ المفروض ماتسمحيش بده! ده لو بتحبيني.
أنا أصلاً مسمعتش ردك على اللي قولتهولك في الحفلة، مشاعرك إيه ناحيتي يا فيروز؟ هو يخنقها الآن، فمشاعرها مضطربة، ومشوشة بعد حديثه الغريب عليها وردود أفعاله الأغرب. اتجهت للنافذة تنظر من خلفها للسماء لتجد نفسها تردد بشرود: _مش عارفة... بس يمكن في مشاعر جوايا ليك.
والحقيقة لو سألها نفس السؤال في أول مكالمته لقالتها صراحًة واعترفت بالحب، ولكنها "فيروز" الفتاة التي تعلمت نصف ما بها من صفات وطباع من الشارع، من قسوته وسوء معظم من قابلتهم بهِ، لذا فعقلها يطغى على مشاعرها في كثير من الأحيان، أو حين يستدعى الأمر. والعقل يقول الآن أن تتماسك وألا تتسرع في الاعتراف بمشاعرها. _رغم إن إجابتك مش مرضية أوي ليا، بس مقدر إنك أكيد في تردد وحيرة وسط اللخبطة اللي بتحصل.
_وليه متأكد إن جوايا مشاعر ليك؟ _تصرفاتك ونظراتك بتفضحك يا فيروز، يمكن مش متأكد إذا كنتي حبتيني ولا لأ، بس متأكد إني مؤثر فيكي. وعلى فكرة... وحشتيني. اضطربت وانتفض قلبها وهي تستمع لكلمته، وعقلها يستنكر كيف اشتاق لها وقد رأته بالأمس في الحفل! إنه يبالغ! أم يريد أن يحسن الوضع بعدما شعر بتوتره؟ لم تعقب على كلمته فقط قالت متخطية الموضوع: _المطلوب مني أعمل إيه؟ وأبويا ده هنتصرف فيه إزاي؟
_بقولك إيه تعرفي مرسي دراع شاهين اليمين؟ صمتت تحاول إدراك هوية من يذكره فقالت: _لأ، ماله ده؟ _ده لازم تعرفيه، هبعتلك صورته. الراجل ده لو شوفتيه عند شاهين في مكتبه حاولي على قد ما تقدري بعد ما يمشي على طول تدخلي المكتب وتدوري فيه. مرسي مبيظهرش غير لما يكون هو وشاهين بيرتبوا لعملية. ولو عرفتي تسمعيهم وتعرفي منهم معلومات، أي معلومة حتى لو صغيرة تعرفهالي. _وهعمل ده إزاي؟
ده في تور واقف على الباب بتاع المكتب مبيخليش حد يقرب منه. _اتصرفي يا فيروز، شوفي شبابيك المكتب ولا أي مكان تقدري تسمعي منه. مرسي ده هو اللي هيوصلنا لحاجة وإلا هنفضل نلف في دايرة مقفولة. _هحاول... قالتها بتنهيدة قوية وهي تشعر أن القادم ليس سهلاً. وسألته: _ولو قالي إنه عاوز يتواصل مع أبويا؟ _قوليله إنك هتتواصلي معاه عن طريق أكونت الفيسبوك لأن طبعًا تليفونك مش معاكي ومتعرفيش غير أكونته.
وأنا هبعتلك في رسالة اسم الأكونت والصورة بتاعته. الراجل ده واحد معرفة موجود في لندن هكلمه أفهمه كل حاجة وأعرفه لما تتواصلي معاه هيقول إيه. _واسم الأكونت ده مش هيكون مختلف عن اسم أبويا؟ _أصلاً هو عامل أكونت باسم وهمي فموضوع الاسم مش مهم. ****** في اليوم التالي... _الزم أدبك يا سيف، شاهين هو كبير العيلة من بعدي ميصحش تتكلم عليه كده. _ومين قرر إنه كبير العيلة يا جدي! العيلة مش محتاجة كبير من بعدك.
_لا محتاجة، محتاجة عشان اللي في دماغك ده مش هيحصل حتى بموتي. بموتي مش هتقسموا الورث ومتعرفوش بعض بعدها. أنا موصي إن مفيش مليم يطلع من الورث، ومفيش حاجة هتتوزع، وملك عيلة المنشاوي هيفضل زي ماهو واللي مش عاجبه يفارق بس من غير ولا مليم. _إيه الجنان ده! أنتَ بتقول إيه؟ ده ورثنا وحقنا ناخده. _متولعش النار يابابا، أنتَ عارف إنهم عمرهم ما حبوا بعض في وجودك. عيلة كلها تعابين، هيحبوا بعض بعد موتك!
والجملة أتت من ولده "مختار" الذي دلف للفيلا للتو. نظر له "المنشاوي" وهو يشير ل"سيف" بينما يقول: _تعالى... تعالى شوف البيه ابنك بيقول إيه. البيه بيعدل عليا أنا وابن عمه، صاحي يقول شكل للبيع، والتعابين اللي تقصدهم يبقوا انت وعيالك. مين في العيلة بيحقد ويغل غيركوا! قال "سيف" بغضب: _عشان مش بعد كل السنين اللي شدوى قضتهم معاه تخرج من حياته فجأة كده وترجع تعيش في المنفى.
هي من حقها تفضل عايشة هنا، ولو مش في البيت خلاص تعيش معايا أنا ومراتي في بيتنا. ضرب "المنشاوي" عصاه بالأرض بحدة: _لأ، مش هيحصل، عشان عارف إن أختك مجنونة وعديمة الكرامة، مش هتسيب شاهين في حاله. وطول ما هي معاه في نفس البلد هترازي فيه هو وخطيبته، وأنا عاوز أقطع جدر الموضوع ده خالص. قال "مختار" بغيظ يكبته: _اسمع يا حاج، شاهين لازم يرد شدوى لعصمته. اللي عملته امبارح أنتَ من غير ما تاخد رأي حد غلط، وغلط كبير.
اقترب "المنشاوي" منه وهو يقول ساخرًا: _وليه عاوزها ترجعله؟ وموافق ترجعله بس يتجوز عليها؟ ولا هتحجر عليه وتحرمه من حقه وتقول مايتجوزش؟ ورده كما توقعه الجد حين قال: _لو عاوز يتجوز يتجوز، المهم ميرميش بنت عمه وابنها عشان واحدة غريبة و... قطع "المنشاوي" حديثه يقول بابتسامة مشمئزة: _مش مصدق إنك بتبيع بنتك وبتمسح بكرامتها الأرض عشان ورث شاهين. توتر وجه "مختار" وهو يقول برفض: _ورث إيه؟ أنا مش محتاج ورثه أنا... _لا محتاج...
ورثه اللي هو ورث أبوه واللي أصريت أكتبه باسمه عشان لما أموت متأكلوش حقه. ورثه اللي حافظ عليه وبقى 3 أضعاف الأصل. لم يستطع "سيف" التحكم في نفسه وهو يقول غاضبًا وحانقًا: _وللآن مش راضي تكتب لأبويا حقه الشرعي في باقي أملاكك، وسايبهم باسمك، عشان لما تموت شاهين يورث تاني! نظر له "المنشاوي" نظرة قاتمة، حادة وقال: _شاهين مش طماع ولا معدوم الضمير زيك، هو عمره ما هياخد جنيه تاني.
لكن أنا مش هكتبلكوا باقي أملاكي عشان أمد إيدي ليكوا أطلب المصروف كل شهر ولا لو وقعت في مشكلة استلف منكوا. وانتَ بالذات يا فاشل لو شميت ريحة الفلوس هتضيعها زي كل حاجة ضيعتها قبل كده. _طبعًا، أنا الفاشل وشاهين بيه هو اللي مفيش منه، طول عمرك شايفه بطل رغم إن كل اللي بيعمله عادي. قالها "سيف" بكره حقيقي، فمن كثرة ما يرى تفضيل الجد ل "شاهين" عليهِ كره "شاهين" والجد نفسه. ليقول الجد:
_اعمل نص اللي بيعمله بعدين ابقى أتكلم، ده انتَ لسه بتاخد مصروفك من أبوك ومعتبره مرتب قال. مرتب إيه وانتَ مبتروحش الشركة مرتين في الأسبوع. _اديني نص اللي ادتهوله وأنا أعمل زي ما عمل. غضب "المنشاوي" وهو يقول: _لا هديك حاجة، ولا تحلم لا انتَ ولا أبوك إني أكتبلكوا أملاكي. لما أموت ابقوا ورثوني، ومتخلونيش أحلف إني أكتب وصية إن بعد موتي أملاكي ماتتقسمش وأخلي كل حاجة تحت تحكم شاهين عشان تفضلوا طول عمركوا تحت إيده.
_بعد الشر عليك يا بابا، بس بقى يا مختار انتَ وسيف عيب كده، حصل إيه لكل ده؟ وانتَ يا سيف اهدى، انتَ من وقت ما صحيت وانتَ بتقول شكل للبيع ونازل شامم نفسك علينا. هدرت بها "سهير" خارجة عن صمتها ليقول "سيف" بنفس غضبه: _عشان امبارح اضطريت أسكت تحت إصرار جدي، لكن أنا مش قابل اللي عمله. هو فكر في شاهين وبس، مفكرش في اختي. نزلت "صفاء" على الدرج تقول بوجه شاحب:
_منشاوي بيه أنا طلعت أبلغ شدوى هانم تجهز الشنط عشان تمشوا، بس ملقتهاش لا هي ولا تيم، وهدومهم مش فوق. صُدم الجميع مما قالته، واتسعت عيني "المنشاوي" بغضب وهو يهدر في "سيف": _اتصل بيها شوفها راحت في أي داهية. ****** اليوم لابد أن يخرج من المستشفى، وللعجب لم يكن يريد الخروج! فقدومها له على مدار اليومين كان يبعث فيهِ راحة غريبة، وكأنه بدأ يفضل المكوث في المستشفى فقط لتأتي وتره! لِمَ أصبح يراها بشكل مختلف؟
أليست هي نفسها "مستكة" الفتاة التي لا يحب الحديث معها ولا نظراتها له، لا يحب سخافتها وهي لا تنفك عن إظهار مشاعرها أمامه، ولكن الصورة الجديدة التي ظهرت بها أحبها، أو على الأقل تقبلها. الفتاة العاقلة التي تعطيه دفعة للحياة والتي يمتلئ حديثها بالحكمة والمواعظ. الفتاة التي جعلته يتقبل وضعه وأشعرته بأنه لم يفقد حياته كما رأى الوضع، بل فقد شيء وعليهِ أن يعوضه بشيء آخر.
نزل من سيارة الأجرة، ليجدها تقف أمام منزلهم تحمل صينية طعام مغطاة بقطعة قماشية كبيرة. اقترب هو ووالده منها ليبدأ "شاكر" في الحديث: _إيه اللي موقفك كده يا مستكة؟ ابتسمت بخجل وهي تنظر لِمَ تحمله: _لما كنت في المستشفى الصبح عرفت إنكم هتخرجوا على ميعاد الغدا. قولت أكيد مش هتلحقوا تيجوا تعملوا أكل وهتكونوا جعانين، فعملت حاجة بسيطة كده. خرج "مجد" عن صمته يقول بحرج مما تفعله معهم: _بس كده كتير...
بعدين معنى كده إنك مشتغلتيش النهاردة كمان! ومعطلة نفسك عشانا. رفعت نظرها تطالعه بابتسامة ولمعة عيناها قد عادت كما كانت دومًا: _مش كتير ولا حاجة، وبعدين... أنا خدت النهاردة إجازة من شغلي، وبيع الفل كده كده بشتغله في أي وقت. اقتربت تعطي الصينية ل"شاكر" وقالت: _حمد الله على السلامة، وإن شاء الله ربنا يتمم شفاه على خير. تناولها منها "شاكر" بحرج وامتنان:
_تعبناكي معانا اليومين اللي فاتوا، بس مش جديدة عليكي يا مستكة طول عمري شايفك بت جدعة وبنت أصول. ابتسمت وهي تختلس النظرات ل "مجد": _الجيران لبعضها يا عم شاكر، والرسول وصى على سابع جار، واحنا ولاد حتة واحدة، ويارب الأكل يعجبكوا. _أكيد. قالها "مجد" فجأة، لينظرا له فحمحم يقول: _كفاية إنك تعبتي نفسك وعملتيه. _السلام عليكم. قالتها وهي تنصرف من أمامهما وقلبها يدق بدقات تشعر بها للمرة الأولى.
فلأول مرة يعاملها "مجد" بهذا اللطف، لأول مرة يتقبلها دون أن ترى منه نظراته الكارهة، دون أن يجرحها بحديثه، كما كان الأمر هكذا في المستشفى لكنها كانت تبرر ربما يقدر ذهابها لرؤيته كمريض فيحاول أن يعاملها بلطف. ولكن ماذا عن الآن؟ وهل هذا أمل تتعلق بهِ أم ستكون أكبر ساذجة إن فعلت! ****** مساء اليوم التالي.... ابتسمت بتوتر وهي تحادث والدها المزعوم عبر هاتفه:
_أنا بس يا بابي كلمتك عشان أقولك إن في حد اتقدم لي وحابب يكلمك عشان يطلبني منك، وكمان يحدد معاك باقي التفاصيل. أتاهما صوت الرجل يقول بضيق أجاد تمثيله: _والكلام ده من امتى؟ بعدين تفاصيل إيه اللي هحددها معاه وأنا معرفوش ولا اعرف عنه حاجة! نظرت ل"شاهين" بتوتر ثم أجابت: _أنا اعرفه كويس يا بابي، وواثقة فيه، هو بس عاوز يعني يحدد معاك ميعاد الخطوبة وكمان عشان تكون موجود.
_لالالا مش هقدر أنزل مصر خالص، مش أقل من كام شهر لأن عندي أشغال كتير هنا مينفعش أسيبها وأنزل. نظرت ل "شاهين" بحيرة مصطنعة ثم سألت الرجل: _يعني ممكن تنزل بعد قد إيه؟ _يعني مش أقل من 6 شهور، بلغيه بكده، وخليه يأجل أي حاجة لحد ما أنزل. _تمام يا بابي، هكلمك تاني. وأغلقت معه الهاتف لتنظر ل"شاهين" الذي يطالعها بصمت. صمت لم يقطعه فقطعته هي تقول بابتسامة متوترة: _ساكت ليه؟ نظر لها بتمعن أقلقها: _وافقتي ليه؟
متوقعتش تدخلي عليا الصبح المكتب تقوليلي أنا موافقة إننا نتجوز بجد! تحكمت في خوفها من أن تخفق في الحديث، واستدعت الثبات وهي تقول: _فكرت بعقلي، على فكرة أنا بعيدة خالص عن الحب والمشاعر والكلام ده. ولما هديت وفكرت لقيت إني طول عمري بدور على الزوج المناسب بشكل عقلاني، وبصراحة... أنتَ فيك كل مواصفاته. بس مع عقبة بسيطة مش عارفة هقدر أتخطاها ولا لأ. _ويا ترى إيه هي العقبة دي؟
_موضوع تجارتك في السلاح، أنا للآن مش عارفة أنتَ فعلاً بتتاجر فيها ولا مازن فاهم غلط! شبك كفيهِ فوق المكتب يقول بهدوء: _بصي، أنا أكتر حاجة بكرهها إن حد يدخل في تفاصيل حياتي، أو يتدخل في حاجات أنا شايف إنه ملوش فيها. رفعت حاجبها الأيسر باستنكار تقول: _يعني إيه! لا ليا فيها طبعًا، التفاصيل دي هتكون حياتي أنا كمان، إزاي أتزوج شخص حواليه شكوك، وشكوك إجرامية كمان! عقب على حديثها بنبرة قوية واثقة:
_بصرف النظر عن أي شيء يخصني أو يخص شغلي، يكفيكي أقولك إنك عمرك ما هتتأذي ولا هتكوني طرف لعداوتي مع حد. أنا عارف كويس أوي أفصل حياتي العملية بكل اللي فيها عن بيتي وحياتي الشخصية. شدوى عاشت معايا 7 سنين ولا مرة مشاكلي في شغالي أو عداوتي مع حد حست بيها، واعتقد ده اللي يهمك. لم تقتنع بحديثه أبدًا وقالت: _أيوه بس لو شغال في السلاح واتقبض عليك ده مش هيأثر عليا وعلى حياتي!
نهض يلف حوله مكتبه حتى أصبح أمامها فاقترب من كرسيها واستند بكفه على المكتب يميل عليها يسألها بأعين ماكرة: _بتلفي وتدوري ومصممة توصلي لإجابة السؤال ده صح؟ رمشت بأهدابها توترًا من اقترابه الخطر، وابتلعت ريقها بصعوبة مع تسارع أنفاسها وقالت بنبرة مرتبكة: _أيوه... مصممة، وبصراحة ده مقابل إني أوافق بشكل كلي... على... على الجواز يعني. ****** جلس أمامها في المقهى الذي اتفق معها على اللقاء فيه، وقال بابتسامة ارتسمت على ثغره:
_هتشربي عصير مانجا كالعادة ولا ناوية تغيري؟ ابتسمت وهي تجيبه: _مانتَ عارف مبشربش غيره. طلب لها مشروبها وطلب له قهوته الخاصة وبعدها نظر لها يقول: _امبارح جالك تليفون ومشيتي وملحقناش نتكلم، نزلتي مصر ليه وامتى؟ وكلمتيني ليه؟ ضحكت ضحكة صغيرة تقول: _كل دي أسئلة؟ عمومًا هجاوبك. نزلت مصر من أسبوعين، وليه... عشان للأسف حياتي بره انتهت، وكلمتك ليه... فكلمتك عشان لما نزلت مصر معرفتش ألاقي أي حد من صحابي، ولقيت نفسي لوحدي.
افتكرتك.. وقولت أنتَ الوحيد اللي هعرف أوصلك لأن الأكونت بتاعك كان لسه عندي، قولت أكلمك ونرجع صداقتنا ويبقالي حد هنا على الأقل أسند عليه وقت ما يحصلي مشكلة أو أحتاج صاحب. نظر لها بتمعن يسألها: _معقول! شايفه إننا ينفع نرجع صحاب؟ حتى بعد اللي حصل يا ليلى؟ تنهدت وهي تقول بينما تنظر بعيدًا: _اللي حصل بيني وبين أخوك زمان أنا عمري ما دخلتك طرف فيه، بالعكس طول الوقت حافظة جميلك إنك نبهتني وخوفت عليا اتخدع فيه، وعمومًا....
أنا نسيت شاهين من زمان يا مازن. _متأكده؟ سألها بشك واضح، لتبتسم في خفوت وقالت: _لو ماكنتش نسيته مكانتش اتجوزت. _اتجوزتي؟؟؟ رددها بصدمة وفاه فاغر وقد شعر بحجر ثقيل سقط فوق قلبه فجأة. يتبع......
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!