الفصل 10 | من 31 فصل

رواية فراشه في جزيرة الذهب الفصل العاشر 10 - بقلم سوما العربي

المشاهدات
21
كلمة
2,561
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 32%
حجم الخط: 18

حملها بنفسه التي قتلها اللوع حينما تأخر الطبيب. مظهرها وهي شاحبة اللون هامدة بين يديه جمد الدم في وتينه. دلف سريعاً لغرفته الملكية يضعها على الفراش بتعجل. في نفس اللحظة الذي تتبعته فيها هرولت خطوات الطبيب. يردد برهبة: -اتركها مولاي. زجره الملك وردد من بين أنيابه: -أين كنت واللعنة؟ أحرص على أن تبقى بخير هيا. ردد الطبيب برهبة: -ح.. حسناً مولاي.

أبتعد راموس سريعاً كي يعطي الفرصة للطبيب ولا يعطله بأي شيء. راقب الطبيب وهو يفحصها بعناية، يوصل جهاز أكسجين بأنفها ويقوم ببعض الإسعافات السريعة. ظل هكذا لدقائق إلى أن استدار للملك وقال: -حمد لله هي الأن تتنفس سيدي... لقد أسعفناها بالوقت المناسب. أغمض الملك عينيه يكتم شهقته المتلهفة والتي كان ستزيد من فضحه. لكن مازال لوعه مسيطر عليه، لقد كاد أن يفقدها... بلحظة. ابتلع ريقه وردد باهتمام لم يحاول أن يداريه:

-لما لم تستيقظ حتى الآن إذاً؟ -لقد قلت لجلالتك أنها مازالت تتنفس يعني أنها على قيد الحياة، ولكن حالتها ليست بالجيدة إطلاقاً فهي قد تعرضت للشنق قبل قليل وكادت أن تختنق. كان يستمع للطبيب وعيناه تسرح حتى وصلت للجرح الأحمر بعنقها والذي سببه الشنق. لعن بصوت حسي. الأوغاد.. لقد شنقوها دون تغطية رأسها حتى. عاد يغمض عينيه بتوعد وحمد بآن واحد. ثم قال: -أريد فريق طبي خاص لخدمتها. -حسناً مولاي. -أنصرف.

أمتثل الطبيب للأمر وذهب. فيما بقى راموس مع رنا وحدها. أخذ يقترب ببطء منها وتمدد على الفراش بداخلها. لم يدري بروحه إلا وهو يرفعها برفق ويحتضنها. رجفة عظيمة سرت على طول جلده ذبذبته كلياً. تمهيده عالية حارة صدرت عنه. أخيراً هي بأحضانه بعد تمنعها المستميت. ربما هي أشرس أنثى رآها بحياته. لا يعلم لما هو منجذب إليها بتلك الصورة. ظنها رغبة متأججة بسبب رفضها المتواصل له، لكنه حينما كان يراقب الطبيب وهو يسعفها كان كذلك يراقب حالته، فهو يكاد يختنق بينما يراها ممدة وهو على وشك فقدها.

سرحت يداه تتفقدها، وعيناه تنظر لها. أنها بديعة الحسن لها قبول غير عادي وطلة مميزة حتى لو كانت شاحبة هزيلة. اعتصر لحمها بين ذراعيه. مذ رآها وهو يتوق إلى تلك اللحظة وذلك الشعور، أن تصبح بين ذراعيه على فراشه لحم ودم. وقد صدم الآن حينما اكتشف أنه يريد الأكثر، يطمع في الأكثر، يرغب في امتلاكها للأبد. إنه يريدها. وهذا أمر جلل يحدث لأول مرة.

دقات متزنة على الباب جعلته يستدرك حاله ويعي أنه يعصر لحمها الغض بين ذراعيه وصدره. مكتشفاً أنه لا يمكنه طبعها على جسده. على الأقل الآن. وأنها هزيلة متعبه تحتاج للراحة إن كان يريد حياتها. وضعها على فراشه الملكي برفق شديد وهو يسأل بصوت خفيف: -من أين ظهرتي لي؟ ماذا فعلتي بي؟ ماذا.

كان الدق المؤدب قد اختفى لثواني لكنه عاد من جديد. أذن راموس بصوت جمع الكثير من القوة عكس حالته التي هو عليها بسبب خوفه عليها. وما أن أبصر رئيس الديوان أمامه يقف مطأطأ رأسه يغض بصره عن حريم الملك. حتى هب راموس من على الفراش وأسدل الستار ثم تحدث بصوت غاضب: -ما هذا الذي حدث؟ ومن المتسبب فيه؟ -الوزير: أحمم. أسمح لي سيدي. أنا أمرت بالتحقيق فيما حدث لكن على الأرجح لقد فعلت شيئاً ما أفضى بها لهذا العقاب.

-راموس: أريد تفصيل شامل وسريع عن ما حدث. أقسم أنني لن أتوانى في معاقبة الفاعل. والآن اذهب. هيا. خرج الوزير من الغرفة والتف راموس عائداً إليها يغتنم اللحظة. فهي الآن تدفئ فراشه ساكنة. نظر لها متأملاً وقد عادت لشفتيه ابتسامة إعجاب. ومد يده يداعب خصلاتها الشقراء. تنهد بحرارة يسأل من جديد: -لم أنت جميلة هكذا؟ لم أر في جمالك قط يا مهلكتي.

سمح لنفسه أن يقترب منها يستنشق عطرها. سب بين أنفاسه بغضب شديد وهو يستمع لدقات الباب من جديد. ودلف الطبيب ومعه مساعدتان. سحب نفس عميق يصبر نفسه. فسلامتها أهم الآن. وقف بشموخ من بعيد يتابع إجراءات الطبيب وهو مصدوم لا يصدق أنه كاد أن يفقدها. وبغمضة عين يسأل: ماذا لو لم يضطر لتغيير ميعاد عودته بسبب دواعي أمنية مؤكدة حرصاً على سلامة جلالته. ماذا لو تأخر دقيقة مثلاً أو دقيقتين هل كانت ستشنق؟ فلتشنق. وما دخله هو؟

سأل نفسه ماذا لو لم يلحقها. ماذا يريد منها. نظر لها وهي على الفراش موصلة بخراطيم المحاليل والأكسجين. وحاول إيجاد مخرج يغلف به شعوره. وأنها بالتأكيد الرغبة. نعم نعم. هي الرغبة. لأن للحقيقة وبالمنطق هي ليست ككل الجميلات. هي ذات جمال خاص. خاص جداً ويشهد بذلك كل من يراها. خرج من الغرفة وذهب لمكتبه وهو يردد ذلك السبب المغلف بداخله كأنه يحاول إقناع نفسه أولاً.

مرت بأكثر من ساعة ثلاثة وهي لا تزال لم تعد من الخارج. ظل طوال الوقت يفتل الأرض بين الصالة والشرفة ليرى إن كانت قد عادت. ألقى بجسده على الأريكة وحمل هاتفه ليلعن ألف مرة. فقد أدرك مؤخراً أنه لا يملك رقم هاتفها. أين هي ولما تأخرت؟ تباً لها وله ولكل شيء. هو لأول مرة يذق للوع طعماً.

دق جرس الباب فهرول ناحيته سريعاً. ولم يفكر أنها بالفعل تملك مفتاحاً للباب. فلو كانت هي لفتحت. لكن على ما يبدو أن لهفته ألغت تفكيره وهرع ناحية الباب ظناً منه أنها هي. فتح الباب يردد بتهلل: -اتأخرتي ل... أنحشر الحديث على طرف لسانه حينما أدرك هوية الطارق والذي كان والده. وقف ينظر لابنه بانتباه وقد تعجب من تلك اللهفة البينة عليه. فسأل: -هي مين اللي اتأخرت؟ ارتبك زيدان في الرد وقال:

-هاااا. لأ. ده. أحمم. مافيش. إيه يا حاج هتقف تتكلم من على الباب كده. اتفضل ادخل. نظر له شداد بأعين مترقبة خبيثة ثم لملم عباءته ودلف للداخل بشموخ. تقدم نحو الداخل وجلس على أحد الأرائك يقول: -أنا من يوم إلي حصل وأنا مش عارف اتلايم عليك عشان أكلمك في إلي جرى. تنهد زيدان بتعب ثم قال: -إلي حصل ده برجالنا كلنا. بادله شداد نفس التنهيدة ثم قال:

-اسمع مني يا بني الكلمتين دول. أبوك راجل كبير لف في الدنيا وشاف. الكون ده له رب. مافيش حاجة ماشية كده جهجهوني. -زيدان: قصدك إيه يا حاج. تغضنت زوايا فم شداد بابتسامة خفيفة ثم قال متأملاً: -أقصد أن ربك بيسوق الأقدار عشانا. ده أحن على الوالدة من ولدها. -زيدان: يا حاج وضح كلامك بلاش شغل ولاد السوق ده.

رف حاجب شداد والمكر يلتمع في عينيه. يفهم ابنه من نظرة عينه وكل منهم يمكر على الآخر. زيدان يرغب في تصريح واضح وصريح من والده بل ربما يريد منه نصيحة أو ضوء أخضر. فراوغ في الحديث يسأل: -أحمم. ألا هو أنت كنت متلهف كده للي على الباب ليه؟ حانت على زيدان بعض أمارات التوتر وردد: -لأ ولا حاجة. همهم شداد ثم تابع: -وهي فين حورية أمال؟ -أحممم. خرجت. انعقد حاجبا شداد وسأل: -خرجت بعد كام يوم من الفرح وهو ده يصح بردك؟

-كان مشوار ضروري مع خالتها. بنت خالتها غايبة من فترة راحوا الشركة يسألوا عنها. وبعدين فرح إيه بس يا حاج أنت بتتكلم كده زي ما يكون فرح بجد وأحنا اتنين عرسان بحق وحقيقي. -إيه إلي خلاه مش بحق وحقيقي. الله. هو مش كان في فرح ومأذون وإشهار. عجايب والله. رفع زيدان عيناه مندهشاً وقال: -يابا أنت نسيت محمود يابا؟ -محمود اختار نصيبه. شوف أنت نصيبك إلي جالك لحد عندك. -بس ده أخويا وابنك إزاي بتقول كده. هب شداد واقفاً

يلملم عباءته وقال بحزم: -ماهو عشان ابني. الظاهر إني دلعته دلع ماسخ لحد ما بقى بيأذي نفسه ويأذي إلي حواليه. لازم يعرف إن ماحدش بياخد كل حاجة. وقف زيدان هو الآخر ليتكلم لكن أسكته شداد بحسم وقال:

-اسمع يابني. كلمتين أبرك من جرنال. حورية دلوقتي مراتك على سنة الله ورسوله بموافقتها وشهادة الناس. قبلتها مراتك أو لأ أنتو أحرار. الجواز مافيهوش غصبانية. بس عشان يبقى في معلومك سوا قبلتوا بالجوازة أو مكملتوش كده كده محمود مش هيتجوزها. ولو انطبقت السما على الأرض وأنا بنفسي إلي هقف في الموضوع ده. واعي لكلامي؟ تركه وذهب ناحية الباب ثم توقف في منتصف الطرقة يقول: -أنا كده جبت لك نهاية الحوار وأنت عقلك في راسك وفكر.

لم يرد زيدان. فاتجه شداد ناحية الباب يفتحه. وقبلما يخرج قال: -أه نسيت. كنت طالع لك ليه. أمك عزماكم النهاردة على الغدا ماتتأخروش. سلام. خرج شداد في اللحظة التي وضعت فيها حورية قدميها عند الباب لتدخل. نظر لها شداد مبتسماً ثم قال: -حمد لله على السلامة يا مرات ابني.

قال الأخيرة وعيناه على ابنه المعني بالحديث ثم هبط الدرج. واستقبلها زيدان بأعين مشتتة تنظر لها بشاعر وأفكار مضطربة. ولعن بداخله. فرغم كل تشتته وتضارب أفكاره شوفتها تريح نفسه. هو بالفعل الآن يخرج تنهيدة حارة وهو يطالعها بصمت تام. جلس على عرشه يتابع بعض الأوراق في يده. شؤون رعيته أهم من تلك البيضاء المتمردة. -الجميع للخارج.

كان هذا صوت الذي أقسم على مباشرة أمور الرعية وألا يذهب إليها. لم يقدر. وها هو يقف الآن أمام فراشه الخاص الذي تمددت عليه وانصرف الجميع. جلس ينظر لها بصمت غير مفهوم ينتظر استيقاظها. مرت نصف ساعة تقريباً وهو يجلس أمامها مكتفياً بالصمت والتأمل. إلى أن وجدها ترف بأهدابها. فتأهب مترقباً ليرى ردة فعلها وتمردها المتواصل. تنهيدة خائنة صدرت عنه وهو يراها تفتح عينيها الجميلة وتطلع حولها بصمت. يتوقع أن تهب كالنار في وجهه كما

تفعل دوماً. ارتفع حاجبه بدهشة وهو يراها تقلب عينيها في الغرفة بصمت تام. والتفت تنظر له ولم تنطق. ثم حاولت الاعتدال على الفراش. كان رد الفعل منها غير متوقع تماماً. فتاته البيضاء المتمردة الشرسة تكورت على نفسها تبكي كالجنين تحتضن نفسها. لم يقدر على مواجهة انهيارها بشموخه الملكي وهيبته. وهب مقترباً منها يخطفها داخل أحضانه يحاول تهدئتها. وهي مستمرة في البكاء تشهق وتنتفض. أخذ يمرر يديه على طول جزعها وهو

يزيد من ضمها بدفء يردد: -شششش. اهدئي صغيرتي. أنتي الآن معي وبخير. اتسعت عيناه ببهوت واقشعرار وهو يشعر بها تنكمش داخل أحضانه وتكمش ظهر ملابسه بكفيها كأنها تحتمي به. في المساء على سفرة عامرة ترأسها الحاج شداد وزوجته. وضع نصف دجاجه على صحن ممتلئ بالطعام أمام حورية وزيدان وقال: -أنا عايز الأكل ده يتمسح مسح. سامعين. سامعه يا حورية. شغل أكل العصافير ده ما ياكلش معانا.

بهتت ملامح زيدان التي كانت مشرقة منذ قليل على ذكر سيرة العصافير. ونظر ناحية حورية وجدها صامتة بضيق هي الأخرى. لامت فرودوس زوجها بنظرة من عينها. وقد اشحن الجو قليلاً. ولم يغيره سوى صوت جرس الباب. وقفت فرودوس لتفتح لكن سبقتها حورية تقول: -خليكي أنتي عشان رجلك هفتح أنا. -فرودوس: أي والنبي مش قادرة. ذهبت حورية فتحت الباب لتجد رشا أمامها تحمل معها ملاءة سرير نظيفة. تنظر لحورية بنظرة غير راضية ثم قالت مدعية المزاح:

-هو البيت بقا بيتك وبتفتحي يا حور ولا إيه؟ اندهشت حورية من كلماته ولم تعرف ماذا تقصد ولا بماذا تجيب. لكن صدح صوت شداد يقول: -تعالي يا رشا واقفة ليه. -ما حورية هي اللي ما دخلتنيش يا عمو. زوت حورية ما بين حاجبيها تسأل متى منعتها. فيما أكملت رشا: -أنا كنت جاية أجيب لمرات عمي الغسيل إلي وقع في بلكونتنا. عارفه رجلها بتوجعها. -فيكي الخير يا رشا. تعالي يا حبيبتي. تعالي كلي لقمة مع عمك. نظرت رشا لحورية ثم قالت:

-ما تدخلينا يا حور الله. -هو أنا منعتك يا بنتي. ماتدخلي. تقدمت رشا للداخل وسريعاً جلست على الكرسي المجاور لزيدان. اندهشت حورية من فعلتها ولا تعلم هل تتحدث أم لا. وكانت المفاجأة حين تحدث زيدان بصوت مهيب: -ده كرسي حورية يا رشا. نظرت له رشا وكادت أن ترد. لكن قطع كل هذا صوت هاتف حورية الموضوع على سطح الطاولة حيث كانت تجلس من قبل. فكان أمام رشا التي التقطته سريعاً ثم سألت بصوت عالٍ تسأل بنبرة يشوبها المكر والاتهام في آن:

-مين عاصم إلي بيتصل بيكي ده؟ توجهت أنظار الكل باتهام خصوصاً زيدان الذي بدا قد تحول وتحولت عيناه ببوادر غضب غير مسبوق.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...