كانت ترتسم على شفتيها ابتسامة خفيفة شاردة وهي تقف في شرفة منزلها بالحي القديم ونسمات الليل الخفيفة تداعب شعراتها المنسدلة على جانب خدها الناعم. إحدى كتفي منامتها منسدلة عن كتفها يظهر ذراعها الأبيض وحمالات منامتها الحمراء تظهر منها أضفت عليها وهج وسحر خاص. تتذكر اليومين المنصرمين وكيف انقضوا معه. تنهدت بهيام وهي تسترجع هيئته المنزلية في مناماته الرجولية الفخمة، إنه رائع، رائع ووسيم.
عاملها بمنتهى اللطف، منتهى الرقة، منتهى الجمال. سامحه الله، لقد ذكرها أنها أنثى. أنثى جميلة جداً وهي التي كانت تحاول النسيان. صدرت عنها تنهيدة حارة أخرى. عيناها تفطر قلوب رغماً عنها، فهو جميل والله جميل. والتفتت منتبهة على صوت والدتها التي انضمت لها تضع بجوارها كوب الشاي باللبن. وقفت تقول: "ااااه... الهوى حلو النهاردة والقمر طالع ومافيش دوشة في الشارع زي كل ليلة... شوفي كل دي علامات يابت يا وفاء." سألتها وفاء وهي
مازالت على حالة الهيام: "علامات لإيه؟ "عشان أكلمك في الموضوع اللي عايزة أكلمك فيه." "موضوع إيه؟! أوعي تكون خناقة جديدة." "لا ده عريس... جديد." خرجت من عالمها الوردي وانتبهت قليلاً تسأل: "لمين؟ "ليا... قال يخش دنيا على إيدي!! هيكون لمين يابت ليكي أكيد." "ليا؟ "اه... بس عريس إيه... ما يترفضش...
متعلم ومتنور وعنده محلين إكسسوار موبايلات وبيفتح التالت كمان. وسألت عنه طلع بسم الله ما شاء الله سمعته هو وأبوه وأمه زي الفل وبيقولوا على العيلة دي إن كل عيلتهم بيهنوا نسوانهم... اااه أحمدك يارب... أهي هي دي الجوازة اللي كنت بحلم لك بيها." بهت وجه وفاء تسأل: "يعني أنتي موافقة؟ "اه طبعاً بذمتك ده عريس يترفض؟! ده غير إنه شاب حليوه. عارفة إنك إنفة ومش بيعجبك العجب... بس بردك شوفيه ولو عجبك يبقى على خيرة الله. قولتي إيه؟
"طب... وشغلي؟ "شغل إيه! أنتي أول ما تقفشي مرتب الشهر تخلعي... ولا ده ممكن ذاكرته ترجع وساعتها مش هيحلنا." انحاشت أنفاس وفاء وقد ذكرتها والدتها بالنهاية الطبيعية. سامحها الله، هي من سرحت بتفكيرها وعليها العودة للواقع الآن. نظرت والدتها وقالت: "يابت مالك مبلمة كده؟ ألست أم العريس مستنية الرد... يجوا أخر الأسبوع تشوفوا بعض؟
تنهدت وفاء وقد نبهها عقلها، هذا هو الصحيح، عليها العودة من أحلامها، فهزت رأسها موافقة ليتهلل وجه الأم، بينما شردت وفاء تفكر أن غداً هو آخر لقاء لهما وبعدها ستنتهي قصتها الجميلة ذات الطرف الواحد للأبد. في صباح يوم جديد. وقفت تغلق له أزرار قميصه تخفي ضحكتها على وجهه المتذمر لينظر لها بغيظ مردداً: "بتضحكي على جوزك؟! مش عيب؟ "ماهو جوزي اللي صاحي مبوز زي البيبيهات." "بيبيهات؟! المعلم زيدان بقا بيبيهات؟!!
"طب فك التكشيرة دي بقا... "مش عايز أنزل الشغل، عايز أفضل قاعد جنبك كده زي اللزقة." "وآنا والله بس أبوك قال لازم تنزل تسلم الشغل للناس. الراجل فرحه قرب وانت الشغل من غيرك مابيمشيش." زفر أنفاسه يتذمر ثم قال: "ماشي ماشي... هنزل بسرعة عشان أرجعلك بسرعة." تحرك ليخرج من الغرفة وهي استعدت لتخرج معه حتى باب الشقة، لكن تفاجأت تشهق بصدمة بعدما جذبه لها يضمها بيد واحدة يقبلها بهجوم عنيف ضارٍ ويغلق باب غرفة النوم باليد الأخرى.
جلس يهز قدميه بتوتر لم يفلح في إخفائه تحت أنظار أنجا التي جلست تراقبه بصمت تام. ينظر في ساعته كل دقيقتين تقريباً ومن بعدها يسأل: "لما تأخروا؟ فأجابت بتأني: "لم يتأخروا مولاي، فقط أنت المتعجل." ثم سكتت تراقبه بجانب عينها لثوانٍ ومن بعدها وقفت تقول: "ستأتي والدة السيدة رنا لنتحدث معها كما نصحنا السفير، ولكني أيضاً أنصح مولاي، أيًا كانت نتيجة تلك الجلسة، فعلى جلالتك العودة للمملكة. جلالتك ملك ولست مجرد رجل...
هنالك أمور لا تسير إلا بوجود حضرتكم." مسح على وجهه بيده يحاول أن يأخذ أنفاسه، ربما هدأ ثم قال: "أعلم ولكن... أريدها معي أنجا، أو... على الأقل أن آخذ وعدًا بأنها ستلحق بي. أي شيء ولكن ألا يترك الأمر هكذا." زمت أنجا شفتيها وقد تسرب اليأس داخلها من إفساد تلك الزيجة بسبب تمسك الملك المستميت بها، ولا ينعش ذلك الأمل داخلها سوى الرعب الذي رأته بأعين رنا ورفض والدتها الجديد. لتهز رأسها قائلة: "يبدو أن الملك بات عاشقًا."
سحب نفسًا عميقًا وقد قرر رفع راية الاستسلام: "نعم أنجا... نعم." بنفس تلك اللحظة دق الباب بأدب ودلف رجل يستأذن لدخول السيدة فوقية عليهما، فسمح الملك لها، وعلى غير العادة دلفت فوقية بلا ظلها المعتاد والمتمثل في تلك السيدة صاحبة اللسان السليط والجمل الجامحة التي تصيب الهدف في الصميم. فقد جاءته فوقية وحدها كي تتحدث عن مصير ابنتها دون تدخل أو تأثير من فوزية على مجريات الأمور. وقف لها كل من راموس وأنجا باحترام مرحبين:
"أهلاً سيدة فوقية." "أهلاً بكم." "ممكن أعرف ليه الرفض؟ "يا حلاوة، بقيت تتكلم لبلب زينا اهو، امال كنت جايب لنا مترجم ليه؟ ضحك عليها ثم قال: "عشانكم... أنا بتعلم لهجتكم من كتير عشان رنا وبقيت كويس فيها." هزت رأسها بصمت ليسأل: "إحنا دلوقتي لوحدنا، ممكن تكلميني بوضوح؟ "عايز الحق... أنا مش موافقة ومش هوافق." "بس سبق وكان في قبول من ناحيتك."
"اختي فوزية الله يسامحها كانت مالية راسي بكلامها، بس أنا بعد ما شاورت نفسي وكلمت كذا حد لاقيت إنه لا مستحيل." لتتقدم أنجا وهي حقًا لا تكاد تصدق ما تسمعه فتسأل: "سيدة فوقية، يبدو أنك لم تدركي بعد إن هذا الذي ترفضين زواجه من ابنتك هو ملك عظيم الشأن! تنهدت فوقية وردت:
"اللي واقفة فكراه ميزة هو أساس رفضنا يا حبيبي، واللي يناسبك ما يناسبش غيرك، صوابعك مش زي بعضها. إحنا ناس على باب الله بنقول يا حيط دارينا دارينا يا حيط، وانتوا ناس أنا مش عايزة أتكلم، يعني مثلاً من ضمن أنتي أهو، وليه القدر بينط من عينها، ولا تقربي للعريس ولا من دمه، وواقفة محشورة في النص." بهت وجه أنجا وتراجعت للخلف تسأل: "ماذا؟!!!
"زي ما بقولك كده يا حبيبتي، ماتزعليش مني، أنا مبعرفش أزوق الكلام، أنتي سألتي وأنا جاوبت." ثم عادت توجه حديثها للملك تقول: "أنا عمري ما هيجيلي قلب أجوز بنتي بعيد قوي كده لواحد لا مننا ولا زينا." "يعني هو مش ممكن المصري كان يعذبها معاه؟
"كل شيء وارد، وكل شعب فيه الحلو وفيه الوحش، مش هقولك لأ، لكن أضعف الإيمان إن بنتي هتبقى جاري بالكتير ساعة زمن وأجيبها في بيتي، وبينا وبينه بقا محاكم الأسرة، لكن انت لو زعلتها ولا جيت عليها ولا ظلمتها هعمل إيه وأنا في بلد وهي في بلاد، وبينا وبلاد وبحور... تبقى بنتي في حضني وأروح أدور عليها... لا لا... وبعدين ده انت اسم الله على مقامك ملك، يعني لو قتلتها وتاويتها مش هعرف حتى ولا هيوصلني خبر...
أنا كل ما بفكر في الموضوع مخي يودي ويجيب." "مستحيل أذي رنا، أنا بحبها." "ساعة القدر بيعمي البصر، من كام شهر واحد جارنا صاحبه شككه في مراته ولفقوا لها تهمة وكانت يا حبة عيني لابساها... جاب شوما ونزل عليها ضرب لما كانت هتموت، ويقولك كنت بدافع عن شوفي...
الأكادة بقا إن ماحدش غلطة وكله قال تستاهل، لولا إن ربك اسمه الحق وظهر برأتها من عنده وطلعت اللي ساعدت صاحبه بنت خالتها عشان عينها من عيشتها، والبت يا نظري فضلت في العناية المركزة شهرين، واهو الجدع ده كان بيبوس التراب اللي مراته بتمشي عليه وقاعد جنبها لحد دلوقتي في المستشفى بين الحياة والموت واحتمال يتحبس. ده عشان بس أعرفك إن الحب والعشق ماهواش ضمان." وقفت من مكانها تقول:
"خلاصة القول يابني، إحنا طرقنا مش واحدة، شوف لك واحدة أميرة ولا بنت سفير تكون واخدة على عيشتك وسيب بنتي هنا في حالها تشوف نصيبها." كادت أن تتحرك ليوقفها راموس بلهفة: "الموضوع يخص رنا، هي أكيد ليها رأي تاني." "في الجواز عندنا الصح هو اللي بيمشي ده، في حالة لو كانت البت عايزة، لكن أصلاً أنا بنتي شكلها مش عايزة، ولا انت شفتش هي كانت مرعوبة منكم إزاي المرة اللي فاتت؟
أصلاً شكلكم عملتوا لها حاجة مخليها كده، دي مش رنا بنتي اللي أعرفها... خلاصة القول يابني... ارجع بلدك، طلبك مش عندنا. سلام عليكم." ثم غادرت دون أن تلتفت، ترى أن ما فعلته هو عين الصواب ولابد أن يغلق ذلك الموضوع للأبد. تأخرت اليوم على راحتها بالنهاية، هذا يومها الأخير بالشركة، ستذهب لتلقي الراتب وكان الله بالسر عليم. لتتقابل مع رنا التي خرجت من الصيدلية للتو، فأبشر وجهها يقول: "صباح الخير يا رنا، ازيك؟
"الحمدلله بخير، أنتي عاملة إيه؟ قولتي هتيجي تاني وماجتيش." "أعمل إيه، الشغل اليومين اللي فاتوا كان كابس عليا ومعايا حتة بت ساقعة حاطة نقرها من نقري، مركزة معايا بس خلاص النهاردة آخر يوم، هروح آخد مرتبى ومش رايحة تاني." "هي الشركة دي ماحدش بيعمر فيها ليه؟ حتى حورية شكلها كده مش هتكمل." "تبقى غلطانة بصراحة، لازم ترجع، حد يلاقي شغلاته نضيفة في مكان نضيف ومرتب كويس ويقول لأ... كلميها تاني...
صحيح يا رنا، أنتي من ساعة ما رجعتي من برا مارجعتيش شغلك ليه؟ تاهت رنا في تفكيرها تتذكر ما جرى معها وكيف تحولت لشخصية تهرب من المواجهة، لتنتبه على صوت وفاء: "البت الرحمة اللي مركزة معايا، حورية قالت لي إنك ممكن تجيبي لي قرارها، بس أنا خلاص مابقتش تشغلني، أنا سيباها لها مخضرة، ياكش تولع بيها." "اسمها إيه؟ منه؟ "هي اللهي يجحمها مطرح ماهي قاعدة."
سحبت نفسًا عميقًا وكادت أن تتحدث لوفاء من جديد لولا أن لفت انتباهها خروج رشا من منزلها ومرورها من جوارهم، فنادت: "رشا... رشا." انتبهت لهم رشا مقتربة بتوتر تقول: "رنا... ازيك." "ازيك يا أنتي يا رشا... غريبة يعني مافكرتيش تيجي تسألي عليا؟ جت من وفاء وماجتش منك." "اااه... معلش كنت مشغولة الفترة دي قوي." "لا كان الله في العون.. كنتي رايحة فين كده؟ "أبدًا... رايحة لعمي الورشة أصل مرات عمي عايزاه... سلام أنا بقا."
غادرت سريعًا تحت نظرات رنا الثاقبة ووفاء تنظر لأثرها بحاجب مرفوع، ثم همست: "هي مرات عمها عدمت التليفونات ولا إيه؟ "أنا عارفة!! "البت دي مش سالكة ووراها حاجة مش سالكة زيها... ابقي نبهي حورية." "أنا رايحة لها دلوقتي." فكرت وفاء لثوانٍ بتردد ثم قالت: "هاجي أقعد معاكم شوية، هي كده كده خربانة." ثم تحركت معها لمنزل حورية وهناك انفتح الحديث عن العمل. فقالت وفاء:
"بلاش تسيبي شغلك يا حورية.. خسارة والله دي فرصة أي حد يتمناها." نظرت لها حورية بأعين لامعة تبتسم بمكر ثم قالت: "سيبك انتي... مالك محلوة كده... حب جديد ده ولا إيه." "هاااه... بطلي هزار، حب إيه وبتاع إيه... منين يا حسرة ده أنا من البيت للشغل ومن الشغل للبيت." "ما يمكن حد في الشغل... لا يكون المدير الوسيم." ارتبكت وفاء وهمست بتوتر: "إيه اللي بتقوليه ده."
"أيوه، من ساعة ما تعب وهو كل شوية ينادي لك زي ما تكوني أمه، كل ما تبقي واقفة معايا ولا أجلك ألاقيه باعت لك." أسبلت وفاء عيناها ثم قالت: "بلاش أحلام يا حورية الله يباركلك، إحنا فين والناس دي فين." نظرت حورية ناحية رنا ثم قالت: "الأحلام بقت حاجة عادية جنب اللي بقا بيحصل دلوقتي. دي رنا متقدم لها ملك لأ و إيه هي وخالتي اللي مش موافقين." قفزت وفاء من مطرحها كالضفدع تهبط بجوار رنا تتشبث بها تسأل: "إيه؟!! اللي سمعته ده بجد؟
هزت رنا رأسها بالإيجاب لتسأل وفاء: "وأنتي فعلاً رافضة؟ "اه." "جاك قولوا.. حد يرفض النعمة دي حتى ربنا يحاسبك." "أنتي ما تعرفيش حاجة." "أعرف إيه، مين دي اللي ترفض تبقى ملكة." أغمضت رنا عيناها تتنهد بتعب ثم بدأت تحكي لهم عن مخاوفها ولما رفضت. بينما في السفارة جلس السفير أمام راموس يقول: "لا عليك جلالة الملك، بأذن الله ستحل القصة." "كيف وقد حاولت التحدث مع والدتها لكنها رفضت رفض تام." ضحك السفير بخفة ثم قال: "فتحية رزق."
جهد الملك جبهته مستغرباً يسأل: "ماذا؟!! "قصة جلالتك قد حدثت في الخمسينات... حينما جاء ملك غانا (كوامي نكروما)
لمصر بعدما استقل ببلده وأصبح أول رئيس لها، وقد رأى فتاة مصرية جميلة تعمل في أحد المصارف الحكومية فوقع بغرامها على الفور وتقدم لطلب يدها، لكن قوبل طلبه بالرفض من والدتها لنفس الأسباب تقريبًا، لكن العشق كان قد استفحل بقلب الرئيس نكروما، لذلك جاء لصديقه الزعيم عبد الناصر وطلب منه التدخل بصورة مباشرة مع والدة حبيبته ليتم الأمر، وقد كان فتزوج الرئيس نكروما من حبيبته المصرية فتحية رزق وكانت هي السيدة الأولى لغانا لفترة طويلة."
لمعت عينا راموس وسأل بأمل تجدد بداخله: "هل تقصد... قاطعه السفير مقرًا بحسم: "نعم جلالتك." ابتسم راموس وسحب نفسًا عميقًا وقد تجددت الفرحة بداخله من جديد. جلس بتوتر خلف مكتبه يهز قدميه بإنزعاج. الصداع يسيطر على دماغه بل يزداد وحالته النفسية سيئة جدًا. نظر في ساعه يده الفخمة يطالع الساعة التي تعدت الثانية عشر ظهراً وهي للآن لم تأتي. رفع سماعة هاتفه يطلب البوفيه ليرد أحد العمال فسأل: "وفاء جت؟ "لسه يا فندم."
زفر بغضب وأغلق الهاتف بحده. لما تأخرت، لما تأخرت... آآآه عاليه صدرت عنه والألم يعصف برأسه ويزداد في اللحظة التي فتحت فيها منه الباب بغوغائية وتقدمت تسأل: "إيه الطلب اللي الأتش أر مقدمه ده؟ "أنهي طلب؟ "نقل الزفتة بتاعة البوفيه للحسابات... ده ازاي وبأنهي حق... جرّي إيه يا عاصم شكلك خرفت، مش كفاية البت اللي جبتها شغلتها هنا من غير مؤهلات وهتجيب واحدة بتاعت شاي وقهوة تلعب في الحسابات...
هي كل واحدة هتنام معاها هتجيبها تكافئها بشغلانه هنا ولا إيه؟ أطبق جفنيه بألم شديد وغضب ثم وقف يقول بهدوء مريب: "كل واحدة أنام معاها؟؟؟ نظر لها بصمت ثم قال: "أنتي متحولة للتحقيق." "ههه نعم؟!!! ده ليه إن شاء الله." "تعدي على مديرك والموظفين." كتفت ذراعيها حول صدرها ثم قالت مستهزئة: "بجد والله... بلاش تجيب لنفسك الكلام وخلي كل حاجة متدارية بدل ما التحقيق يتقلب عليك." "امشي اطلعي برا."
كان الألم قد تمكن منه. حولها التحقيق فقط لأنه غير قادر على التحدث معها بندية، فلجأ لإخراسها. وما إن خرجت حتى اتصل مجددًا يسأل عن وفاء، فتكرر الجواب لذا هاتفها لكن كان الهاتف مغلقًا. بمنزل حورية كانت تقف بالمطبخ تعد الغداء تستمع لمخاوف رنا التي ألقتها على مسامعهن ثم سؤال وفاء المستنكر: "ها خلصتي؟ "اه." "هي دي كل مشاكلك... المسافة والنظام هناك؟! أنتي هاطله يابت؟!
"احترمي نفسك وبعدين ما هو الكلام سهل، لو كنتي مكاني كنتي... قاطعتها وفاء تردد بقوة: "كنت مسكت في الفرصة اللي مابتجيش في العمر غير مرة واحدة بأيدي وسناني. يا حبيبتي الجواز ده قسمة ونصيب، واللي قبلينا قالوا إنه زي البطيخة، ممكن تتجوزي واحد في البيت اللي جنبنا بس يمرر عيشتك وكمان يمنعك عن أهلك، ويمكن ساعتها تبقي مخلفة، فماتعرفيش تتطلقي منه. بس ساعتها هتبقي متجوزة واحد عادي مش ملك... يعني هتبقي ملكة، وإنتي بقا وشطارتك."
"شطارتي إيه بس، أنتي ماشوفتيش العقربة اللي اسمها أنجا دي مش بطيقني، وهو ملك وعنده حرملك وجواري وخطط ومؤامرات." "روحي وفتحي عينك. ولازم تتعاملي بالمثل، اللي بيقولك لا تبقى طري تتشكل ولا ناشف تتكسر." "يعني إيه؟ "يعني خليكي لونه، ماتقفيلهاش على الواحدة فتعرف إنك ند ليها، لازم ولابد تكسره عشان هي تستمر، ولا تبقي طوع وسهلة فتتاكلي وتبقي هلهولة ومركونة. لأ...
الست لازم تكون شخصية عشان يبقى لها طعم وعزة، إيش حال بقا لو كانت ملكة! المهم تضربي وتلاقي لحد ما تعملي لنفسك أرضية صلبة تقفي عليها ويبقى ليكي شعبية، ساعتها لا أنجا ولا مليون واحد أو واحدة هيقدروا يقفوا قدامك." سرحت رنا تفكر في حديث وفاء لكن عادت تقول: "بس... لا لا... أنا بخاف... بخاف منهم." زمت وفاء شفتيها تفكر ثوانٍ ثم قالت:
"أنا بيتهيأ لي إنك محتاجة تشوفي حد متخصص تتكلمي معاه يدلك إزاي تحلي نفسيتك دي، بس الموضوع هيطول، فانتي تكسبي وقت، يعني بلغيهم إنك موافقة وكده كده جواز ملك فهياخد وقت وورق وتحضيرات." شردت رنا من جديد تفكر هل هي بالأساس تريده أم لا، بينما هتفت وفاء: "مش هتحكي لنا بقا عرفتيه إزاي وبعدين السفرية بتاعة الشركة إيه حصل فيها؟ هو صحيح الموضوع اتكتم عليه جامد، بس أحيانًا كده كام حد بينكشوا فيه، لكن من ورا منه الكل خايف منها."
"خليهم يفضلوا خايفين عشان تركب وتدلدل وتنزلهم، طول ماهم ساكتين أنا خلاص الشغل في الشركة دي مابقاش لازمني." "اه طبعاً ما اللي على على... قولي بقااا إيه اللي حصل معاكي." صمتت رنا لثوانٍ ثم بدأت تقص على مسامعهما قصتها العجيبة. خرجت من البيت على استعجال متجهة ناحية الورشة، فتنبيه وفاء لها بأن تدير بالها على زوجها بالتأكيد خلفه خطب ما، فوفاء نبيهة وحسيسة حتى لو لم تفصح عن سبب حديثها.
لذا تعجلت في الذهاب وما إن وصلت حتى التقطت سبب كلام وفاء. فقد كانت رشا تقف بجوار زيدان بجانب ماكينة تقطيع الخشب تحدثه وهو منهمك في العمل، يتجنب الرد المستمر عليها بعدما طلب منها للمرة العشرين أن تعود للبيت محاولاً تذكيرها أن هذا المكان لعمل الرجال فقط ولا يصح أن تقف ابنة عمه هكذا أمام العمال، لكنها لم تنصاع لكلامه ووقفت تحاول فتح أي سبيل للحديث معه.
لتدخل حورية وقد علمت أن كل سبل الذوق لن تجدي نفعاً معها، رشا أصبحت كالسيف إن لم تقطعه قطعتك. لن تجلس تشاهدها تتسرب لحياة زوجها وهي تقف تشاهد وتتحسس الكلمات خوفاً على مشاعرها وعلى صداقتهم التي ألقتها رشا تحت قدميها ولم تعتبر. فتعاهدت في خطواتها تتقدم من زوجها ثم تضمه لها قائلة: "مساء الورد يا زيزو... خلصت يا حبيبي." "خلصت اه." نظر لها بتوتر، فصوتها الناعم المتدلل لن يخفي نظرات عيونها القاتلة، ليكمل:
"وكنت طالع دلوقتي." "مانا لقيتك اتأخرت جيت لك يا حبيبي... إيه ده ررششا... ماعلش ماخدتش بالي منك... بتعملي إيه هنا وسط العمال يا حبيبتي؟ نظرت لها رشا بضيق ثم قالت: "جيت أسلم على ابن عمي، إيه في مانع؟ "ليه يا حبيبتي مش كفاكي سلام السلالم اللي بتستنيه عليها في الطالعة والنازلة؟ عيب بنت زيك تيجي تقف في ورشة كده قدام الرجالة." "شوف مين اللي بيتكلم... طب مانتي واقفة اهو." "أنتي هتقارني نفسك بيا؟
شبكت ذراعها في ذراع زيدان بتملك واضح، ثم أضافت متغنجة: "أنا أبقى مرات المعلم يا حبيبتي." ابتسم زيدان باتساع. لأول مرة يحب التملك وأن يتحكم فيه أحدهم. نظرت لهما رشا بغيظ فيما أكملت حورية: "يالا يا حبيبتي روحي وماتعمليش بقا كده تاني عشان عيب، أنتي بنت عايزين نجوزك، وبما إنك بتحبي مرات عمك وعمك قوي كده وبقيتي بتخدميهم برموش عينيهم، فأيه رأيك نجوزك محمود، اه.. إيه رأيك؟ جحزت عينا رشا وهي تراها تلتف محدثة زيدان قائلة:
"دي حتى رشا يا حبيبي كانت دايماً تقول إن محمود ده هايل وعاجبها أكتر حد في ولاد عمها، مش كده يا رشا، فاكرة كلامك على محمود وزيدان... يالا اهو بقا خالي دلوقتي وممكن تتخطبوا وأنتو الاتنين تصلحوا حال بعض." ضحك زيدان ساخرًا وفطن مقاصد حورية التي لم تنطقها. هو لم ينسى أبدًا كم مرة تقدم والديه لخطبة رشا وهي دومًا كانت ترفض، ليعلم أن حديثه صحيح والسر كله في حورية وبغيرة الفتيات منها. ليلف ذراعه حول ظهر حورية ويقول بتملك:
"يالا يا حبيتي عشان عايز أطلع بيتنا أريح شوية." "يالا يا حبيبي." ليغادر كل منهما دون أن يعيرا رشا أي اهتمام، وقد فطنا اللعبة وهي كذلك فطنت كشفهما لها، لذا انسحبت على بيتها تجر أذيال الخيبة والغيظ خلفها. دلفت للشركة بلا مبالاة أو اهتمام للتأخير، هذا آخر يوم لها، ستأخذ الراتب وتطير. ذهبت في طريقها للحسابات تنظر من بعيد على مكتب عاصم لتتنهد بحزن دفين، لكنها قررت المضي قدمًا وإتمام مهمتها، فآنى لها به. لن ينظر لها...
معركتها خاسرة محسومة النتيجة قبل الدخول في حرب حتى، لذا فضلت الخروج بكرامة، يكفيها ما جرى. بينما في مكتب عاصم جلس يهز قدميه ويديه بتوتر ورفع سماعة الهاتف يتواصل مع البوفيه يسأل من جديد: "وفاء لسه ماجتش؟ "جت يا فندم ومشيت." "إزاي ده؟ "ماعرفش، هي جت سلمت علينا وبتقول ده آخر يوم ليها هنا وراحت تستلم مرتبها." آخر يوم!!!!!!
نزلت الكلمة عليه، لجمته فأغلق الهاتف بوجه العامل ووقف عن مكتبه يغادر مسرعًا لعند الحسابات يبحث عنها. كان يسير في طرقات الشركة بسرعة وتجهم، لفت انتباه واستغراب الموظفين وصدموا وهم يرونه يخرج خلف وفاء يناديها: "وفاء... وفاء استني."
لكنها كانت كمن يهرب من قلبه، فتسارعت خطواتها لا ترغب في المواجهة، تخشى على قلبها أن يظهر الإعجاب في عيناها ويقابله هو بالسخرية، هو بالتأكيد قادم خلفها يحاسبها على التأخير وتركها العمل دون إذن منه. ستبلغه في الهاتف ولتفر منه حاليًا. تباً لها، لقد وقعت في الممنوع. كادت أن تقترب من الطريق العام توقف سيارة أجرة لتصدم به قد وصل لعندها بسبب طول ساقيه، فقطع المسافة وجذبها لعنده يهزها بغضب يسأل:
"هو أنا مش بنادي عليكي إيه الطريقة دي ومش بتردي عليا ليه، ويعني إيه هتسيبي الشغل؟!!!! حاولت الهرب من النظر لعيناه وقالت بتوتر: "ماعلش كنت مستعجلة قوي وماكنتش سامعة حضرتك." حاول سحب نفسه ليهدأ ويهدأ من توترها الواضح ثم همس بحنو: "ممكن أفهم مالك وعايزة تسيبي الشغل ليه؟ "مانا مش هفضل طول عمري شغالة في بوفيه، حقي أشتغل بشهادتي أنا، بس اللي كنت مضطرة، لكن الحمدلله الظروف خلصت."
"طبعاً حقك، وأنا عشان كده طلعت أمر إنك تسيبي البوفيه وتتنقلي الحسابات." بللت شفتيها متوترة. حرامُ عليه... لما يحدثها بكل حنو واحتواء يجعلها طامعة فيما لن يحدث أبدًا. لتقول بغصة حكمت قلبها: "مش هينفع أصل أنا خطيبي مش عايزني أشتغل." "نعم!!!!!!!! أنتي اتخطبتي؟؟؟؟ احتدمت عيناه وتحول صوته الحنون لآخر غليظ أربكها، فقالت: "لسه... في عريس كويس متقدم لي." "وأنتي وافقتي؟ "لسه." "لسه؟! والله؟ امال رافض تشتغلي إزاي؟ أنتي بتكذبي؟
دب الرعب في أوصالها، فهي بكل التفاصيل كاذبة. "ايوه بكذب... بكذب في كل حاجة، كل حاجة بعملها كذب، سيبني أمشي مالكش دعوة بيا." كانت تتحدث بهستيرية وجسدها ينتفض، ليخفق قلبه من أجلها ويحاول تهدئتها: "خلاص براحة، اهدي.. تعالي نتكلم." "مش عايزة أتكلم، مالكش دعوة بيا، سيبني في حالي، انت موقفني ليه أصلاً؟ أنا مش شغالة عندك." "اهدي يا وفاء، أنا ماكنش أقصد." "أنا هادية وعايزة أمشي." "استني يا وفاء...
أنتي ليه ماقولتيليش إن متقدم لك عريس؟ "وهقولك ليه؟ "وافقتي عليه؟ "اه... عن إذنك." كادت أن تتحرك ليوقفها: "استني عندك، أنا بكلمك." وقفت تنظر له ليقول: "ماقولتيش ليه إن متقدم لك عريس؟ "هقولك ليه؟ "يعني مش واضح إني مهتم بيكي؟ "!!!!!!!!! كان ردها مذهول متعجب تمامًا، ولم يخطر على بالها سوى ضرب والدتها لرأسه بالفازة الخزفية وسقوطه مدرجًا في الدماء ثم فقدانه الذاكرة بسببهما.
لتفر من أمامه هاربة تستقل أول سيارة أجرة تمر من أمامها، فأسرع هو الآخر خلفها يشغل سيارته ويقودها خلف السيارة التي تقلّها، لا يعلم لما هربت، هل هو خوف أم رفض أم ماذا؟ ظل يسير خلفها يفكر بجنون، ليدق هاتفها باتصال ملح من والدته أعقبه اتصال آخر، فحاوب تعجل: "أيوه يا ماما، في إيه؟ "عاصم... أنا عرفت كل حاجة، منه زميلتك ساعدتني أوصل لكاميرا مخفية، انت خرجت من الشركة مع البنت اللي شغالة في البوفيه...
البنت دي هي اللي عملت فيك كده، هي وأمها." ليتوقف بسيارته بوسط الطريق وقد اكتنفته الصدمة. أنهى اتصاله بالسفير حالاً والذي أخبره أن السيدة فوقية الآن في مقابلة خاصة بقصر الرئاسة. فجلس على أمل أن توافق، ليتبقى أمر حبيبته المرعوبة، يسأل هل سينجح في استمالتها أم لا. وبينما هو كذلك إذ بهاتفه يصدح رنينه معلنًا عن اتصال منها، ليرقص قلبه بفرح وخوف في آن. لكنه قرر الرد يقول: "ألو." فتفاجأ بطلبها تقول: "ممكن أقابلك؟!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!